تفسير سورة النساء - ١٦
درس صوتي · ٩٠:٠٣
جارٍ تجهيز الصوت
انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها
إعدادات
اختصارات لوحة المفاتيح
محتوى الدرس
أي: مجتازين مارين، وكيف يتفق هذا مع الصلاة؟ نقول: إن الله لم يقل: لا تصلوا، قال: لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ. وأماكن الصلاة ما هي؟ المساجد، وعلى هذا يكون المعنى: لَا تَقْرَبُواأماكن الصلاة وأنتم جنبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍأي: مارين بها مرورًا، والعبور بمعنى التجاوز، والسبيل بمعنى الطريق يعني إلا أن تكونوا متجاوزين طريقًا. حَتَّى تَغْتَسِلُوا(حتى) للغاية أو للتعليل؟ الطلبة: للغاية. الشيخ: للغاية، وهو غاية لقوله: وَلَا جُنُبًا، أما سُكَارَىفغايتها حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ. وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُواهذا كالاستثناء من قوله: حَتَّى تَغْتَسِلُواففي هذه الأحوال لا يجب الغسل ويغني عنه التيمم. وفي قوله: أَوْ جَاءَ أَحَدٌقراءتان؛ الأولى: بتحقيق الهمزتين أَوْ جَاءَ أَحَدٌ، والثانية: بحذف إحداهما أي {أَوْ جَا أَحَدٌ}. وفي قوله: لَامَسْتُمُقراءتان أيضًا؛ الأولى: بالمد لَامَسْتُمُ، والثانية: بحذف المد أي: {لَمَسْتُمُ}، ونتكلم عليه إن شاء الله. قال: وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍوأطلق الله المرض، لم يقل: وأعجزكم الاغتسال. لكن يؤخذ من آيات أخرى أن المراد بالمرض المرض الذي يؤثر عليه استعمال الماء. وقوله: أَوْ عَلَى سَفَرٍأطلق أيضًا ولم يقيد، لكن نقول: إن قوله: فَلَمْ تَجِدُوا مَاءًقيد هذا الإطلاق، يعني: على سفر، ولم تجدوا ماء. أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ(أو) هذه أشكلت على أهل العلم؛ لأن ظاهرها التنويع مع قوله: إِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ، والتنويع مشكل؛ لأنها ليست قسيمًا لما سبق ولا نوعًا مما سبق. والجواب عن هذا الإشكال أن نقول: إن (أو) بمعنى (الواو) و (أو) تأتي بمعنى (الواو) في اللغة العربية، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ» فقوله: «سَمَّيْتَ بِهِ نَفَسْكَ أَوْ أَنْزَلْتَهُ» الإنزال ليس قسيمًا للتسمية ولا نوعًا من التسمية، لكن معنى الحديث: سميت به نفسك وأنزلته في كتابك أو علمته أحدًا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك، فالآية معناها -والله أعلم-: أو على سفر وجاء أحد منكم من الغائط، أو لامستم النساء. وقوله: جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِالغائط المكان المطمئن من الأرض المنخفض وعبر به عن الخارج المستقذر وهو البول والغائط، لماذا؟ لأنهم كانوا فيما سبق ليس عندهم كنف ولا حمامات، وإنما يخرج الإنسان إلى البر فيختار مكانًا مطمئنًا من أجل أن يقضي حاجته، فتأملوا يا إخوان حال الناس في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، البيوت ما فيها بيوت الخلاء ولا مراحيض إلا فيما بعد، كان الناس ينتابون المكان المنخفض لقضاء الحاجة والمكان المنخفض يسمى أيش؟ غائطًا أي: نازلًا، وفي لغة عامية يقولون: ماء غويط، ويش معناه؟ يعني نازل، منقعر. هنا يقول: {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَمَسْتُمُ النِّسَاءَ} وفي قراءةٍ: لَامَسْتُمُوهل القراءتان في معنى واحد؟ قيل: إن معناهما واحد. وقيل: لَامَسْتُمُللجماع، و{لَمَسْتُمُ} لمجرد اللمس. ولكن الصحيح أن معناهما واحد ولكن الفرق بينهما: أن اللمس من جانب واحد والملامسة من جانبين، كالقتل من جانب واحد والمقاتلة من الجانبين، والمراد باللمس الجماع وإنما اخترنا ذلك؛ لأنه لو كان المراد به اللمس باليد لكان في الآية تكرار وإهمال، كيف تكرار وإهمال؟ تكرار لحدث أصغر؛ لأن المجيء من الغائط هو الحدث الأصغر ولمس النساء باليد حدث أصغر وفيه إهمال للحدث الأكبر، فإذا قلنا: الملامسة الجماع صار في الآية ذكر الحدثين جميعًا: الأصغر، والأكبر.
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا} [النساء: ٤٣].
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى في آخر آيةِ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَىقال: أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَوفيها قراءتان: لَامَسْتُمُو{لَمَسْتُمُ} وقد اختلف المفسرون في معناها على قولين، القول الأول: أن المراد بها الجماع، والقول الثاني: أن المراد بها اللمس باليد. والصواب أن المراد بها الجماع من أجل أن تكون في مقابل قوله: أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ؛ لأن في قوله: أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِإشارة إلى سبب الوضوء، أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَإشارة إلى سبب الغسل فيكون في هذا ذكر الحدثين جميعًا. أما لو قلنا: {لَمَسْتُمُ} بمعنى اللمس باليد، وأن اللمس باليد ناقض الوضوء لم يكن في الآية إلا ذكر سبب واحد لحدث واحد وهو الحدث الأصغر، يكون في الآية سببان لحدث واحد وهو الأصغر وهذا نوع من التكرار. أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَو(النساء) اسم جنس يشمل الأحرار والعبيد، ويشمل الجميلة وغير الجميلة، ويشمل الصغيرة وغير الصغيرة أو لا؟ لا يشمل الصغيرة التي لا يوطأ مثلها لا يشملها، وسيأتي إن شاء الله ذكر ذلك في الفوائد. وقوله تعالى: فَلَمْ تَجِدُوا مَاءًالفاء هذه حرف عطف على قوله: وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍفَلَمْ تَجِدُوا مَاءً. ونفي الوجدان يدل على الطلب؛ لأنه لا يقال: (لم يجد) إلا لمن طلب، تقول: طلبت فلم أجد، وأما من لم يطلب فلا يصح أن يقال: إنه لم يجد. فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًاتَيَمَّمُواأي: اقصدوا؛ لأن التيمم في اللغة: بمعنى القصد، كما قال تعالى: وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ [البقرة: ٢٦٧] يعني: لا تقصدوا الخبيث تنفقون منه ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه، وقال الشاعر:
تَيَمَّمْتُهَا مِنْ أَذْرِعَاتٍ وَأَهْلُهَا
بِيَثْرِبَ أَدْنَى دَارِهَا نَظَرٌ عَــــــــالِ
قال: تيممتها أي قصدتها، وأما الصعيد فهو وجه الأرض، الصعيد وجه الأرض؛ لأنه صاعد ظاهر بين. وأما قوله: طَيِّبًافالطيب ضد الخبيث، وإذا كان المقصود من هذا التيمم التطهر صار الطيب هو الطهور، وإن شئت فقل: الطاهر وهو كذلك، فالطيب هنا هو الطاهر. و(الصعيد) قلنا: كل ما على وجه الأرض أو هو وجه الأرض سواء كان أحجارًا أو رمالًا أو ترابًا أو غير ذلك. فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْمعطوفة على تَيَمَّمُوا. فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا(الوجه): نقول في حده ما قلناه في الوضوء؛ يعني حد الوجه من الأذن إلى الأذن عرضًا ومن منحنى الجبهة إلى أسفل اللحية طولًا، هذا هو الوجه. وأما قوله: أَيْدِيكُمْفهنا أطلق الله اليد، وإذا أُطْلِقَت اليد، فالمراد بها الكف فقط ولا يراد بها ما زاد على ذلك. وقوله: إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًاالجملة هذه تعليل لما سبق من الأحكام؛ أي: لعفوه ومغفرته شرع لكم التيمم عند عدم وجود الماء أو عند المرض. و(العفوُّ): هو المتجاوز عن عباده في ترك الواجب وفعل المحرم، وعفو الله عز وجل عفوٌ كامل مقرون بالقدرة؛ لقوله تعالى: فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا [النساء: ١٤٩] بخلاف عفو غيره فقد يكون للعجز أي: العجز عن الأخذ بالثأر. وقوله: غَفُورًاالغفور هو الساتر للذنوب المتجاوز عنها، فإذا أضيف العفو إلى المغفرة حصل الكمال وهو أن العفو لترك الواجب والمغفرة لفعل المحرم. في هذه الآية الكريمة فوائد كثيرة؛ منها: أهمية الصلاة والعناية بها، وجه ذلك أن الله تعالى صدر الحكم المتعلق بالصلاة بالنداء لاسترعاء الانتباه، ومنها -أي مما يدل على العناية بها- أن الله صدر الخطاب بذلك بوصف الإيمان يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوافدل هذا على أهمية الصلاة وعلى العناية بها. ومن فوائد الآية الكريمة: حل الخمر؛ لقوله: لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَىفإن هذا رخصة للناس أن يشربوا الخمر في غير أوقات الصلاة، وهذه إحدى المراحل التي كانت في الخمر؛ لأن الخمر له أربع مراحل: الإباحة، والتعريض بتركه، والنهي عن شربه قرب وقت الصلاة، والنهي عن شربه مطلقًا. وقد أجمع المسلمون على تحريم الخمر وصار تحريمه من الأمور الظاهرة المجمع عليها حتى قال العلماء: إن من أنكر تحريمه فإنه كافر إلا أن يكون ناشئًا في بلد بعيد عن بلاد المسلمين فإنه يعرف ثم بعد ذلك يبين له. ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا حكم لقول السكران؛ لقوله: حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَفإنه يدل على أن السكران لا يعلم ما يقول، وإذا كان لا يعلم ما يقول صار قوله لغوًا لا عبرة به، وهو كذلك، وهذا هو القول الراجح أن قول السكران لا عبرة به حتى لو طلق فإنه لا يقع طلاقه، ولو أعتق فإنه لا ينفذ عتقه، ولو وقف لا ينفذ إيقافه، أَيُّ قول يقوله فإنه لا عبرة به لأنه لا يعلم ما يقول. ويتفرع على هذه الفائدة: أن الإنسان إذا غضب غضبًا شديدًا حتى صار لا يعلم ما يقول، فإنه لا عبرة بقوله حتى لو كان كفرًا وحمله على ذلك شدة الغضب فإنه لا عبرة بقوله؛ لقوله: حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَفدل ذلك على أن جهل الإنسان بما يقول له أثر في تغيير الحكم، وكذلك لو طلق في شدة الغضب وهو لا يعلم ما يقول، بل لو أنه طلق وهو يعلم ما يقول لكن صار كالمكره من شدة الغضب؛ فإنه لا حكم؛ لقوله ولا تطلق المرأة بذلك. ومن فوائد الآية الكريمة: الحث على حضور القلب في الصلاة؛ لقوله: حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَوالقلب إذا غاب فإن الإنسان لا يعلم ما يقول، وإنما يقول على سبيل العادة فقط، وإلا لو أنه رجع إلى نفسه لتبين له أنه لا يدري ما يقول؛ أي: لا يدري معنى ما يقول وإن كان قد يدري أنه لفظ. ومن فوائد الآية الكريمة: أن فيها شاهدًا لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في حضرة الطعام أو وهو يدافعه الأخبثان، ووجه ذلك أن الصلاة في هذه الحال ينقصها العلم بما يقول المصلي. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: ما ذهب إليه بعض العلماء من أن الوسواس إذا غلب على أكثر الصلاة فإنها لا تصح، يعني: لو غلب الوسواس الهواجيس في الصلاة عليها أو على أغلبها فإنها لا تصح؛ لقوله تعالى: حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ، ولكن هذه المسألة الصحيح فيها أن الصلاة تصح لكنه لا ينال الثواب الكامل، ودليل ذلك ما أخبر به النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أن «الشَّيْطَانَ إِذَا سَمِعَ النِّدَاءَ أَدْبَرَ وَلَهُ ضُرَاطٌ» ، من شدة ما سمع ووقعه على قلبه فإذا أقيمت الصلاة حضر وصار يقول للإنسان: «اذْكُرْ كَذَا، اذْكُرْ كَذَا، اذْكُرْ كَذَا، حَتَّى لَا يَدْرِي أَحَدُكُمْ مَا قَدْ صَلَّى» ، وهذا يدل على أن الوساوس في الصلاة لا تبطلها، لكن لا شك أنها تنقصها؛ لقوله: «لَيْسَ لَكَ مِنْ صَلَاتِكَ إِلَّا مَا عَقَلْتَ مِنْهَا» . ومن فوائد الآية الكريمة: تحريم مكث الجنب في المسجد؛ لقوله: وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍوهذا هو أصح الأقوال في هذه الآية أن المراد بذلك النهي عن قربان الجنب للمساجد إلا عابري سبيل، ولكن يستثنى من ذلك ما إذا توضأ الجنب فإنه إذا توضأ يجوز له المكث في المسجد؛ لأن هذا وردت فيه آثار عن الصحابة رضي الله عنهم أنهم كانوا يفعلون هذا في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن العبور ليس كالمكث، وعليه؛ يعني يترتب على هذه الفائدة: أن الإنسان لو مر عابرًا بالمسجد فإننا لا نلزمه أن يصلي تحية المسجد؛ لأنه عابر بخلاف ما إذا مكث وجلس فإننا نقول له: لا تجلس حتى تصلي ركعتين. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن المنع يزول -أعني منع الجنب من دخول المسجد يزول- إذا اغتسل؛ لقوله تعالى: حَتَّى تَغْتَسِلُوا، وقد علمتم آنفا أنه يزول أيضًا بأيش؟ الطلبة: بالوضوء. الشيخ: بالوضوء للآثار الواردة عن الصحابة. ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى القاعدة المعروفة المتفق عليها؛ وهي: أن المشقة تجلب التيسير، ووجهه أن الله تعالى أجاز للمريض أن يتيمم، ولكن هل يتيمم لكل مرض أو يتيمم إذا كان استعمال الماء يؤدي إلى الموت؟
الطلبة: (...). الشيخ: نعم، لا هذا ولا هذا، من العلماء من يقول: لا يتيمم إلا إذا كان يخاف الموت أما إذا كان يخاف المرض أو طول المرض أو تشويه الجسم فإنه لا يتيمم. ومنهم من قال: يتيمم لكل مرض. والصواب أنه لا هذا ولا هذا فيتمم لكل مرض يخشى استعمال الماء فيه أن يطول مرضه أو يزيد مرضه أو يسري الجرح حتى يؤثر في البدن أو ما أشبه ذلك، المهم متى حصل شيء يضره فإنه يتيمم ولا بأس. ومن فوائد الآية الكريمة: أن المسافر إذا لم يجد الماء فإنه يتيمم ولا ينتظر حتى يجد الماء في البلد؛ لقوله: أَوْ عَلَى سَفَرٍفَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا. ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا يجوز التيمم في الحضر عند عدم الماء؛ لأن الله تعالى شرط التيمم عند عدم الماء؛ شرط شرطين، الأول: عدم الماء، والثاني: السفر، والصحيح أنه جائز؛ لأنه ثبت أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم تيمم في الحضر في قصة الرجل الذي جاء وسلم على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلم يرد عليه حتى تيمم على الجدار وقال: «إِنِّي أَحْبَبْتُ أَنْ لَا أَذْكُرَ اللَّهَ إِلَّا عَلَى طُهْرٍ» وهذا نص في النزاع، ولأن العلة واحدة وهي عدم أيش؟ طالب: الماء. الشيخ: عدم الماء، فلو فرض أن الماء انقطع عن البلد ولم يجد الإنسان ماء يتطهر به فإنه يتيمم؛ لأن العلة واحدة، لكن ذَكَر السفر؛ لأنه مظنة العدم، وكما مر علينا أن القيد إذا كان أغلبيًّا فإنه لا مفهوم له.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن السفر ليس له حد معين، وجهه الإطلاق أَوْ عَلَى سَفَرٍ، ولم يقل: مسافة كذا أو مسافة كذا، وهذا القول هو الراجح من أقوال أهل العلم: أن السفر لا حد له لا بثمانين كيلو ولا مئة كيلو ولا أربعين كيلو. حَدُّه أن يقع عليه اسم السفر؛ فإذا وقع عليه اسم السفر ثبتت له أحكام السفر ولم يحدد الله ولا رسوله السفر بمسافة معينة. ومن فوائد الآية الكريمة: أن البول والغائط ناقضان للوضوء؛ لقوله: أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ. وهل هناك نواقض أخرى سوى ذلك؟ فيه نواقض؛ منها: النوم إذا كان عميقًا بحيث لو أحدث الإنسان لم يحس بنفسه، وأما النوم اليسير الذي يحس الإنسان بنفسه لو أحدث فإنه لا ينقض الوضوء. ومنها: أكل لحم الإبل فإنه ناقض للوضوء، ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فيه حديثان صحيحان: حديث البراء ، وحديث جابر بن سمرة كم هذه؟ البول، والغائط، والنوم وأكل لحم الإبل، بقيت علينا أشياء التي فيها خلاف مع أن النوم نفسه فيه خلاف لكن الصحيح أنه ينقض الوضوء إذا كان عميقًا. الخارج من غير السبيلين إذا كان نجسًا كالدم، وفيه خلاف بين العلماء، والصحيح أنه لا ينقض الوضوء فإن الصحابة رضي الله عنهم كانوا تصيبهم الجراحة في سبيل الله وتصيبهم الجراحة أيضًا في غير القتال ولم يرد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه أمرهم بالوضوء من ذلك، ومثل هذا تتوافر الدواعي على نقله، ولأن نقول: الوضوء ثبت بمقتضى الدليل الشرعي فلا يمكن أن ترتفع هذه الطهارة التي حصلت بالوضوء إلا بدليل شرعي وليس هناك دليل يدل على أن خروج الدم من البدن أو غيره من النجاسات من غير السبيلين ناقض الوضوء، وعلى هذا فالرعاف ولو كثر والجرح ولو كثر نزيف الدم منه لا يكون ناقضًا للوضوء. مس الذكر، وإن شئت قل: مس الفرج هل هو ناقض الوضوء؟ فيه للعلماء أقوال: أنه ناقض مطلقًا، وأنه غير ناقض مطلقًا، والتفصيل، والأظهر التفصيل وهذا هو مقتضى التعليل الذي علل به النبي صلى الله عليه وسلم عدم النقض فإنه قال: لما سئل عن الرجل يَمَسُّ ذكره في الصلاة، أعليه الوضوء؟ قال: «لَا، إِنَّمَا هُوَ بَضْعَةٌ مِنْكَ» أي: جزء منك وقطعة منك، فإذا مسه الإنسان بغير شهوة فهو كما لو مس بقية أعضائه ليس عليه وضوء ولا إشكال في هذا. لكن إذا مسه لشهوة، فهل الوضوء واجب أو الوضوء مستحب؟ فيه قولان للعلماء، منهم من قال: إنه مستحب. لأن الشهوة تثير البدن، ومنهم من قال: إنه واجب. والأحسن بل والأحوط أن يتوضأ. منها أيضًا؛ مما اختلف فيه العلماء: تغسيل الميت، مس المرأة، والصحيح في هذا أنه لا ينقض، وعلى هذا فالنواقض التي نرى أنها ناقضة والتي دلت عليها النصوص عندنا هي: البول، والغائط، والنوم العميق، وأكل لحم الإبل، ومس الذكر لشهوة على سبيل الاحتياط. طالب: خروج الريح يا شيخ؟ الشيخ: الريح خارجة من السبيلين، نعم؛ ولهذا لو قلنا: الخارج من السبيلين وعممنا لكان أولى. طالب: القيء؟ الشيخ: القيء لا ينقض الوضوء. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن مجامعة النساء حدث؛ لقوله: أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ.
ولكن هل هو حدث أصغر أو أكبر؟ نقول: هو حدث أكبر كما دلت على ذلك آية المائدة، وعلى هذا فيجب على الإنسان إذا جامع المرأة أن يغتسل سواء أنزل أم لم ينزل، وكان في أول الإسلام أن الرجل إذا جامع ولم ينزل فإنه يغسل ذكره وما أصاب المرأة منه ولا يجب عليه الغسل ثم بعد هذا نسخ فصار الاغتسال واجبًا من الجماع وإن لم يحصل إنزال، أما إذا حصل إنزال من جماع أو غير جماع فإن الغسل واجب؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ» . ومن فوائد الآية الكريمة: أنه يشترط لجواز التيمم عدم الماء، أو التضرر باستعماله؛ عدم الماء مأخوذ من قوله: فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً، والتضرر باستعماله من قوله: وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى، وعلى هذا لا يمكن أن يكون تيمم إلا إذا تعذر استعمال الماء لعدم أو لضرر باستعماله. ومن فوائد الآية الكريمة: جواز التيمم على وجه الأرض كله من رمل أو حصى أو تراب أو سبخة أو جص أو غير ذلك، كل ما على الأرض فيتمم به؛ لقوله تعالى: فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًاولم يقيِّد، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ وَضُوءُ الْمُسْلِمِ ، وَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ» الصعيد الطيب. واختلف العلماء فيما إذا كان من غير جنس الأرض: كالشجر هل يجوز التيمم به أو لا؟ فمنهم من أجاز التيمم به، ومنهم من قال: لا يجوز إلا إذا كان متصلًا بالأرض، فأما الغصن المنكسر المرمي في الأرض فإنه لا يتيمم به، وهذا هو الأقرب، وعلى هذا فلو تيمم الإنسان بجزع شجرة متصل بالأرض فلا بأس، ولكن لا شك أن تيممه على نفس الأرض أولى وأحوط وأبعد عن الخلاف. واختلف العلماء رحمهم الله هل يشترط أن يكون له غبار أو لا؟ فقال بعض العلماء: لا بد أن يكون له غبار؛ لقوله تعالى في آية المائدة: فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ [المائدة: ٦] و(مِن) للتبعيض، وهذا يقتضي أن يكون هناك غبار يمسح به. ومنهم من قال: لا يشترط أن يكون له غبار واستدلوا بالآية هذه بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ [النساء: ٤٣] ولم يقل: منه، واستدلوا بأنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما أرى عمار بن ياسر كيف يتيمم ضرب بيديه الأرض ونفخ فيهما ، ولو كان الغبار شرطًا لم ينفخ؛ لأن النفخ يلزم منه أن يطير الغبار، والصواب أنه لا يشترط الغبار وأن الإنسان إذا تيمم على الأرض صح تيممه سواء كان فيها غبار أم لم يكن. ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا بد من المسح، المسح مع القصد؛ لقوله: فَتَيَمَّمُوا، فَامْسَحُوا، وعلى هذا فلو هبت الريح وحملت ترابًا ووقف الإنسان أمام الريح صمد لها حتى مُلِئَت وجهه من الغبار ومسح وجهه فهل يجزئ ذلك أو لا؟ قال بعض أهل العلم: إنه يجزئ، والأحوط أن لا يجزئ؛ وذلك لأن الله أمر بأن نقصد وجه الأرض ونمسح منه. ومن فوائد الآية الكريمة: الحكمة في التشريع، وجه ذلك: أن الله فرَّق بين طهارة الماء وطهارة التيمم؛ طهارة الماء من الجنابة لا بد أن تعم أيش؟ جميع البدن، ومن الحدث الأصغر لا بد أن تعم الأعضاء الأربعة: الوجه، واليدان، والرأس، والرجلان. أما طهارة التيمم فإنها لا تكون إلا في عضوين فقط وهما: الوجه، واليدان، ولا فرق فيها بين الطهارتين: الكبرى، والصغرى، والحكمة من ذلك هو أن الطهارة بالماء فيها تطهير، تطهير حسي واضح، وطهارة التيمم فيها تطهير معنوي وهو كمال التعبد والتذلل لله عز وجل بحيث إن الإنسان يمسح بالتراب وجهه وكفيه، وهذا دليل على كمال التعبد. ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب الترتيب بين مسح الوجه في التيمم ومسح اليدين، أيهما يقدم؟ الوجه؛ والدليل على هذا قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم حين أقبل على الصفا: «إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ» وفي لفظ للنسائي: «ابْدَؤُوا بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ» وإذا كان الله بدأ هنا بالوجوه فإننا نبدأ بها وهذه المسألة اختلف فيها العلماء، منهم من قال: يشترط الترتيب في التيمم مطلقًا سواء تيمم عن حدث أصغر أم عن حدث أكبر. ومنهم من قال: لا يشترط الترتيب مطلقًا سواء تيمم عن حدث أصغر أو عن حدث أكبر. ومنهم من قال: إن كان عن حدث أصغر وجب الترتيب، وإن كان عن حدث أكبر لم يجب؛ قالوا: لأنه إن كان عن حدث أصغر كان بدلًا عن طهارة يجب فيها الترتيب والبدل له حكم المبدل، وإن كان عن غسل فالغسل لا يشترط فيه الترتيب فيكون بدله لا يشترط فيه الترتيب وهو التيمم. والأحوط؟ الأحوط أن يرتب فيبدأ بالوجه ثم باليدين. ومن فوائد هذه الآية: أنه لا يجب في التيمم مسح الذراع؛ لقوله: بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْوأطلق، واليد عند الإطلاق هي الكف؛ ودليل ذلك قوله تعالى: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا [المائدة: ٣٨] وقد أجمع العلماء على أن السارق لا تقطع يده إلا من مفصل الكف ولا تقطع من المرفق، وهنا أطلق الله تعالى اليد كما أطلقها في القطع بالسرقة، وإذا أطلقت فالمراد الكف. فإن قال قائل: أفلا يجب المسح إلى المرفق قياسًا على الوضوء؟ نقول: القياس لا بد فيه من مساواة الفرع بالأصل، وهنا لا يمكن تساوى الفرع والأصل للتباين العظيم بين طهارة التيمم وطهارة الماء؛ فكما ترون أن طهارة التيمم أخف بكثير من طهارة الماء لا يجب إلا أن يطهر كم؟ عضوين فقط، والطهارة متساوية في الحدث الأصغر والأكبر، والطهارة أيضًا ليس فيها مضمضة ولا استنشاق ولا إيصال التراب إلى ما تحت الشعور ولو كانت خفيفة، والفرق بين طهارة الماء والتيمم كبير جدًّا، وإذا كان كذلك فإنه لا يصح القياس. ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات هذين الاسمين لله عز وجل: العفو، والغفور، إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا. ومن فوائدها: إثبات ما دل عليه هذان الاسمان من الصفة وهي: العفو والمغفرة. فإن قال قائل: إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًاهل هذا الوصف كان لله ثم زال؟ فالجواب: لا. كلمة (كان) فعل ماض؟! نقول: لأنها في هذا السياق وشبهه قد سلبت عنها الدلالة على الزمن، وكان المراد بها تحقيق الاتصاف بما دلت عليه، وهذا في القرآن كثير بالنسبة لأسماء الله وصفاته. طالب: شيخ -أحسن الله إليك- بعض الناس يستدل بقول الله تبارك وتعالى: وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ [المائدة: ٦] الآية أن المضمضة والاستنشاق ليسا بواجبان؟ الشيخ: وجه الدلالة؟ الطالب: قالوا: لأن الذين يقولون بأن المضمضة والاستنشاق واجبة بالوضوء، يقولون: أن الأنف والفم من الوجه، فهل الله سبحانه وتعالى أو ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أمر الذين تيمموا بالمضمضة والاستنشاق أن يتيمموا بالتراب؟ الشيخ: أسمعتم ما قال؟ يقول: بعض العلماء أو بعض الناس استدل بهذه الآية على أن المضمضة والاستنشاق ليسا بواجبان. فنقول: نعم نحن نوافقهم على أن المضمضة والاستنشاق في التيمم ليسا بواجبان وكيف يستنشق التراب أو كيف يتمضمض به؟ أما الوضوء فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يواظب على المضمضة والاستنشاق ولم يرد عنه حديث لا صحيح ولا ضعيف بأنه تركه، بل قال للقيط بن صبرة: «بَالِغْ بِالْاسْتِنْشَاقِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ صِائِمًا» وقال: «إِذَا تَوَضَّأْتَ فَمَضْمِضْ» وقال: «إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ عَلَى أَنْفِهِ مَاءً ثُمَّ لْيَسْتَنْثِرْ» . أوامر، ثم نقول أيضًا: طهارة التيمم فيها نقص أعظم؛ أيضًا الرِّجل ما تغسل في طهارة التيمم، هل يقولون: إن الرجل ليس واجبًا غسلها؟ طالب: لا يقولون، في سورة النساء .. الشيخ: أيش؟ الطالب: إن حكمه، دليله دليل.. الشيخ: أيش؟ الطالب: هم يقولون: (...). الشيخ: نعم. الطالب: سنة (...). الشيخ: نعم. الطالب: الذين يقولون بأن المضمضة والاستنشاق واجبة أن الوجه يدخل فيه الأنف والفم. الشيخ: صحيح. الطالب: الله عز وجل ذكر هنا أطلق في آية التيمم. الشيخ: لكن هل يمكن أن الإنسان يستنشق التراب أو يتمضمض بالتراب؟ أنا عندي إن صح هذا القول عن أحد من أهل العلم، ففي عقله خبل، هذا إن صح. طالب: مؤذن أصبح جنبًا هل حكمه في وقت الآذان يعتبر منهي عنه؟ الشيخ: هل أيش؟ الطالب: مؤذن في المسجد حب يغتسل ويرجع هل يعد هذا (...) المنهي عنه؟ الشيخ: لا، نقول: اغتسل ثم أذن وإن لم تفعل فتوضأ ثم أذن.
(...) الشيخ: لأيش؟ طالب: عندي أسئلة يا شيخ، بعضهم يقول: (...)، والمعروف أن الجدار في السابق، طين لكن هل ينطبق على البوية الأن؟ الشيخ: لا، البوية ما ينطبق عليها إلا على القول الثاني اللي يقولون: كل ما على وجه الأرض فهو صعيد. الطالب: وما هو الصيحيح يا شيخ؟ الشيخ: هذا هو الصحيح. طالب: طبعًا، ذكرتم إنه لا يشترط في التيمم أن يكون هناك غبار، وذكرتم الأدلة بأن الرسول صلى الله عليه وسلم نفخ في يده، فما الرد على من قال: إنه يجب أن يكون غبار واستدل بالآية التي في المائدة: مِنْهُقوله تعالى: فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ [المائدة: ٦] وأن (منه) للتبعيض، فما وجه ردنا عليه؟ الشيخ: الرد عليه أن يقال: (من) هنا تصلح للتبعيض، وتصلح لابتداء الغاية، وإذا احتمل بطل، إذا وجد الاحتمال بطل الاستدلال، من يعين لنا أن (من) للتبعيض إذا قال: امسحوا بوجوهكم منه؟ الطالب: الأصل يا شيخ. الشيخ: الأصل أيش؟ نعم؟ الطالب: الأصل في مِنْهُللتبعيض. الشيخ: لا، لها معان متعددة ويعين أحد المعاني السياق. طالب: شيخ -أحسن الله إليك- هل يمكن أن نستفيد من دخول الصحابة وهم جنب إلى المسجد بعدم وجوب تحية المسجد؟ الشيخ: إي نعم. الطالب: هل لي أن أقول: هل نستفيد بعدم وجوب تحية المسجد؟ الشيخ: لا، ما نستفيد؛ لأن تحية المسجد إنما تجب على من دخل المسجد وهو أهل للصلاة، أما إذا دخل وهو غير متوضئ فإننا لا نقول: صَلِّ. الطالب: أسقطوا واجبًا (...). الشيخ: لا لا، أصلًا ما هي بواجب لذاتها، واجب على من دخل على وضوء ألا يجلس حتى يصلي ركعتين، هذا يعني القائلين بالوجوب، مع أن الذي يظهر لنا أنها ليست بواجبة. الطالب: اليد إذا أطلقت يراد بها الكتف تقيد من (...). الشيخ: يعني: على رأي هؤلاء؛ إذا سرق السارق قطع يده من الكتف. طالب: وتبينها السنة.
الشيخ: لا، الآية مطلقة، ومَنِ الذي قال لهم: إن اليد إذا أطلقت، إلى الكتف؟ طالب: شيخ، الدم الخارج من السبيلين لا ينقض الوضوء؟ الشيخ: ينقض الوضوء، كل خارج من السبيلين فإنه ينقض الوضوء. الطالب: وإذا خرج من غير السبيلين؟ الشيخ: من غير السبيلين لا ينقض الوضوء. طالب: أحسن الله إليكم، على قول الذي رجحتموه وهو أن الغبار لا يشترط في التيمم، أقول: ما يضطرد هذا مع القول بالتيمم على الجدران المصحوبة بالبوية؟ الشيخ: البوية يقولون: إنه ليست من أصل الأرض، البوية -المعروف أنها- من البترول فهي تشبه الثياب التي تكسى بها الجدران، لكن من قال: إن كل متصل بالأرض فهو من الأرض، وهو مذهب مالك فإنه يصح التيمم عليه. الطالب: أما قاعدتكم فهي: أنه لا بد أن يكون من الأرض حتى يجز التيمم عليه. الشيخ: إي نعم. طالب: أحسن الله إليك، يا شيخ، ثبت عن ابن عمر أنه ضرب للتيمم ضربتين، ومسح بها الوجه ويديه إلى المرفقين ، فهل يؤخذ منها جواز التيمم ضربتين، وكذلك المسح..؟ الشيخ: هذا اجتهاد منه، رضي الله عنه، لكن اجتهاد في مقابلة النص؛ لأنه ثبت في حديث عمران بن حصين أن الرسول إنما مسح الكفين فقط. الطالب: أقول: فعل الصحابة ما يكون له حجة؟ الشيخ: حجة في مقابل السنة؟! الطالب: (...). الشيخ: إي نعم، يقال: هذا من اجتهاداته مثل ما كان -رضي الله عنه- يغسل داخل عينيه في الوضوء حتى عمي. طالب: هل الغلبة على العقل من إغماء أو سكر، هل هو ناقض للوضوء؟ الشيخ: إي نعم، مثل النوم العميق. طالب: الوقوف هل هو من المكث أم من العبور (...)؟ الشيخ: ويش تقولون في هذا؟ هل الوقوف في المسجد مثل العبور أو مثل القعود؟ الطلبة: القعود. الشيخ: قعود، هذا قعود، والدليل على هذا أن الرسول منع الحائض من الطواف بالبيت مع أنها تدور. طالب: في الحديث لا يجوز حتى تصلى ركعتين، ثم (...) يجوز. الشيخ: نحن نقول مثل هذا: لا، صلِّ ركعتين، نقول: هذا مثل القعود. طالب: شيخ، إذا كان في أحد الأعضاء جرح يعني ما يستطيع استعمال الماء وباقي الأعضاء سليمة، هل يتيمم ويعدل عن الوضوء ولا..؟ الشيخ: يعني يضره الغسل والمسح؟ الطالب: لا، بس يضره أنه.. الشيخ: الغسل والمسح ولا الغسل فقط؟ الطالب: نعم، الغسل والمسح. الشيخ: هذا يتيمم عنه، إلا إذا كان عليه جبيرة لفافة فإنه يسمح اللفافة. الطالب: ويغسل باقي الأعضاء؟ الشيخ: ويغسل باقي الأعضاء حتى باقي العضو نفسه. الطالب: فيه دليل يا شيخ؟ الشيخ: اتَّقُوا اللَّهَ. الطالب: مَا اسْتَطَعْتُمْ. الشيخ: وهل استطاع أن يغسل باقي العضو ولَّا لا؟ الطالب: بالنسبة لباقي الأعضاء يستطيع. الشيخ: إذن يجب عليه. طالب: شخص مجروح ولا يستطيع غسله ولا مسحه، ولكنه يستطيع أن يلف عليه لفافة ويمسح اللفافة، هل نقول: يتيمم أو يجب عليه (...)؟ الشيخ: لا، يتيمم إلا إذا كان من مصلحة الجرح، إذا كان من مصلحة الجرح اللفافة، يلف عليه. الطالب: يجب؟ الشيخ: إذا كان لمصلحته، معلوم لأنه: لَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [البقرة: ١٩٥]. الطالب: والتيمم قبل أو بعد؟ الشيخ: الصحيح، أما المذهب فالتيمم في محل غسل، إذا كان باليد فإذا غسل اليد السليمة تيمم ثم مسح رأسه، والصحيح أنه يجوز أن يكون بعد انتهاء الوضوء وأنه لا يشترط الترتيب في هذا. طالب: (...). الشيخ: ما فيه شيء.
تفسير الآيتين (٤٤-٤٥)
٠٠:٥٤:٠٠
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ (٤٤) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا} [النساء: ٤٤- ٤٥].
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِالاستفهام هنا للتقرير؛ يعني: يقرر الله سبحانه وتعالى ذلك على وجه مشاهد مرئي يراه الرائي. والخطاب في قوله: أَلَمْ تَرَيحتمل أن يكون للرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ويحتمل أن يكون لكل من يتوجه الخطاب إليه؛ أي: ألم تر أيها المخاطب إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا؟ أي: أعطوا نصيبًا، فـ أُوتُواهنا تنصب مفعولين: المفعول الأول في هذا السياق هو الواو الذي هو نائب الفاعل، والمفعول الثاني هو قوله: نَصِيبًاوالذي آتاهم نصيبًا من الكتاب هو الله عز وجل، وهذا النصيب من الكتاب هو التوراة والإنجيل، وعلى هذا فيشمل اليهود والنصارى لكن في اليهود أعظم؛ لأنهم هم الذين كانوا في المدينة في عهد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم. أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَيَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَأي: يطلبونها شراءً، ومن المعلوم أن المشتري طالب للسلعة جاد في طلبها حتى حصلها بالشراء، وهذا أبلغ مما لو قال: يسلكون الضلالة؛ لأن الشراء يُنْبِئ عن رغبة وطلب حتى يصل الإنسان إلى ما أراد، يشترون الضلالة بماذا؟ بالهدى كما قال الله تعالى في آية أخرى: أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى [البقرة: ١٦]. وهل هذا الشراء شراء رابح؟ لا، هذا الشراء أخسر أنواع الشراء؛ ولهذا قال تعالى في سورة البقرة: فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ [البقرة: ١٦]. يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَهذا باعتبار ما يختارونه لأنفسهم، وهل شرهم قاصر؟ استمع وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَمع شرائهم للضلالة واختيارهم إياها وحرصهم عليها، يريدون أن ينقلوها أيضًا إلى غيرهم يُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَأي: الطريق إلى الله عز وجل وهو دين الإسلام، وإذا كانت هذه إرادتَهم فسوف يسعون إلى حصول مرادهم بكل وسيلة؛ ولهذا نجد أن الكفار أعداء المسلمين يسعون إلى إضلال المسلمين بكل وسيلة، تارة بالانحلال الخلقي، وتارة بالدمار العسكري، وتارة بالأفكار السيئة الرديئة، هم يَرَوْنَ السلاح الذي هو أنكى فيستعملونه، ولا يبالون؛ يعني: لو أن الأمر أفضى إلى العدوان المسلح لفعلوا؛ لأنهم يريدون أن نضل السبيل. فإن قال قائل: لماذا يريدون أن نضل السبيل؟ نقول: لأنهم ضلال، وكل إنسان يريد أن يكون الناس على شاكلته، هذا من وجه، من وجه آخر أنهم أولياء للشيطان، والشيطان قال لله عز وجل يخاطب الله: قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ [الأعراف: ١٦، ١٧] وتأمل قوله: لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَولم يقل: على صراطك، ولا في صراطك، حذف حرف الجر؛ ليشمل قعوده على الصراط حتى لا ندخل، وقعوده في الصراط حتى لا نتم السير، وهو كذلك هو يقعد لنا الصراط على الصراط خارجه حتى لا ندخل وفي الصراط داخله حتى لا نتم المسير، وهؤلاء هم أولياء الشيطان كما قال تعالى: فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ [النساء: ٧٦]، وإذا كانوا أوليائه فسوف يناصرونه على ما يريد من إضلال عباد الله. وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْالله أعلم بأعدائكم منكم؛ لأننا نحن قد يخفى علينا العدو، وقد تخفى علينا تخطيطاته التي يريد بها أن يضلنا، ولكن الله تعالى له بالمرصاد. ففي قوله: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْتسلية لنا وتهديد لأعدائنا؛ لأنه إذا كان أعلم بأعدائنا فسوف يقينا شرهم إذا تولينا الله، وإن ولينا عن الله سلط علينا هؤلاء الأعداء. وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّاأي متولِّيًا للأمور، وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًاأي: مدافعًا وناصرًا. في هاتين الآيتين فوائد؛ أولًا: أن من الناس من يؤتى الكتاب ويرزق العلم، ولكنه لا ينتفع به؛ مثل هؤلاء أوتوا نصيبًا من الكتاب ومع ذلك لم ينتفعوا به؛ اشتروا الضلالة بالهدى. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من لم ينتفع بعلمه فهو شبيه بهؤلاء، من آتاه الله علمًا فلم ينتفع به فهو شبيه بهؤلاء؛ ولهذا قال سفيان بن عيينة رحمه الله: من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود، ومن فسد من عبادنا ففيه شبه من النصارى. وهذا صحيح. ومن فوائد الآية الكريمة: أنها شاهدة لقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «الْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ» فكُتُبُ الله التي يَحْمِلُها الناس إما لهم وإما عليهم. ومن فوائد الآية الكريمة: حب هؤلاء للضلالة والشر؛ لقوله: يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ. ومن فوائدها: الحذر من هؤلاء، وأنهم مهما عملوا معنا فإنهم لا يريدون لنا الخير إطلاقا؛ لقوله: وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَفهم قد يغدقون علينا من الأموال، ومن المصانع، ومن كل شيء، لكنهم ماذا يريدون أيش؟ يريدون إضلالنا، يريدون أن نضل السبيل، والغزو بالدنيا غزو بسلاح فَتَّاك؛ يعني: إغداق الدنيا على الإنسان ورفاهية الإنسان غزو بسلاح فتاك؛ لأن الإنسان كما قال الله تعالى عنه: وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا [الفجر: ٢٠] فإذا أُغْدِقَ عليه المال الذي هو يحبه؛ فإن طبيعة الحال البشرية تقتضي أن يلين مع هذا الذي وفر عليه المال وأغدقه عليه. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الثناء على المسلمين بكونهم على السبيل؛ لأن قوله: أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَلولا أنهم على السبيل ما حاولوا أن يضلوهم؛ لأن الضال ضال فأي شيء يحاول أن يفعل. ومن فوائد الآية الكريمة: التحذير من هؤلاء اليهود أو النصارى أو غيرهم؛ لأنه إذا حذرنا الله ممن أوتوا نصيبًا من الكتاب فتحذيرنا ممن هم عُمْيٌ صُمٌّ بُكْمٌ من باب أولى. ومن فوائد الآية الثانية: إثبات علم الله؛ لقوله تعالى: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ.
ومن فوائدها: كمال علم الله.. طالب: حيث جاء بها على صيغة التفضيل. الشيخ: نعم، حيث جيء بها على صيغة التفضيل أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تسلية المؤمنين وتقوية عزائمهم؛ لكونه أعلم بأعدائنا وأنه ناصر لنا وولي لنا. ومن فوائدها: تهديد المشركين وتحذيرهم؛ لقوله: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْلأننا لو فرضنا -ولله المثل الأعلى- أن أباك قال لعدوك: أنا أعلم بك وبعداوتك. فسوف يخاف ويحذر. ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا بد للمسلمين من عدو، بل من أيش؟ أعداء، وكما أسلفنا تعليقًا على الكلمة: كل من كان غير مسلم على أي ملة كان فإنه عدو للمسلمين. ومن فوائد الآية الكريمة: الثناء على الله سبحانه وتعالى بالكفاية التامة في الولاية ويش بعد؟ والنصرة؛ لقوله تعالى: وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًاوَلِيًّامنصوبة على أنها تمييز، محول عن الفاعل؛ لأن الكافي هو ولاية الله ونصرته، فهي تمييز محول عن الفاعل، والباء في قوله: بِاللَّهِقالوا: إنها زائدة، وأن الأصل: وكفى الله وليًّا، وكفى الله نصيرًا. (...). طالب: بارك الله فيك، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْأَعْلَمُجاءت في عرض صفة تفضيل، والمعروف في اللغة أن التفضيل لا يكون إلا بين اثنين فيكف تخرَّج، وقد سبق -يا شيخ- أن بعض الناس يقول: إن (أعلم) بمعنى عالم؟ الشيخ: بينا بطلان هذا، وقلنا: إن (أعلم) أبلغ من (عالم)؛ لأن (عالم) لا يمنع المشاركة أن يكون الله عالم، وفلان عالم، وفلان عالم. الطالب: ما فائدة هذا التأويل، لماذا صاروا إليه (...)؟ الشيخ: ظنًّا منهم أنه إذا اشترك الخالق والمخلوق في العلم كان هذا دالًّا على المشابهة أو أنه على حد قول الشاعر:
أَلَمْ تَــــــــرَ أَنَّ السَّيْـــــــــفَ يَنْقُـــــــــصُ قَــــــــدْرُهُ
إِذَا قِيلَ إِنَّ السَّيْفَ أَمْضَى مِنَ الْعَصَا
ولكن هذا غلط، نقول: حتى حياة الله عز وجل وعلمه وسمعه وبصره بينها وبين ما للمخلوق من ذلك اشتراك في الأصل، اشتراك في الأصل، لكن الخالق أكمل من المخلوق في هذا. طالب: يجوز نفاضل يعني؟ الشيخ: يجوز، بل إن الله قال: آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ [النمل: ٥٩].
تفسير الآية (٤٦)
٠١:٠٨:٠٦
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (٤٦) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا} [النساء: ٤٦، ٤٧]. الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، سبق لنا الكلام على قول الله تبارك تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِإلى آخره. مَن المراد بهؤلاء (الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب)؟ طالب: اليهود والنصارى. الشيخ: اليهود والنصارى. طيب. لماذا عبر بقوله: يَشْتَرُونَعن قوله: يضلون؟ طالب: للدلالة على رغبتهم في الضلالة. الشيخ: للدلالة على رغبتهم في الضلالة، وكأنها سلعة يطلبونها ويحرصون عليها. طيب. هل ذكر الله لهذه الآية نظيرًا مما سبق؟ طالب: (...). الشيخ: كيف؟ طالب: الآية التي بعدها. الشيخ: لا، رِئَاءَ النَّاسِأناس اشتروا الضلالة بالهدى؟
طالب: لكن (...). الشيخ: ذكر الله ذلك في صفات المنافقين، وعلى هذا فالكفار والمنافقون كل منهم سواء. هل للآية شاهد في أنهم يحبون أن نضل؟ هنا يقول: يُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَفهل لهذه الآية نظير؟ طالب: نعم وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ [البقرة: ١٢٠]، ومنه قوله تعالى: وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ [النساء: ٨٩]. الشيخ: ومنه قوله تعالى: وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا، هل وافقوا الشيطان في هذه الإرادة؟ طالب: نعم، وافقوا الشيطان، والدليل قوله تعالى: وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا [النساء: ٦٠]. الشيخ: فهم يريدون إضلال الخلق، والشيطان أيضًا يريد إضلال الخلق. ما الفائدة من قوله: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ؟ طالب: قد كان (...) علم الله (...). الشيخ: وغيره، ويش الفائدة؟ ليش قال: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ؟ طالب: فيها ترغيب وترهيب. الشيخ: صحيح، كيف ذلك؟ طالب: أما الترغيب، فلأنه أعلم من المؤمنين بأعدائهم فهم (...) وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا [النساء: ٦]، أما الترهيب فهو أعلم بحال الكفار فهو يكيد لهم كيدًا أعظم من كيدهم. الشيخ: سمعتم ما قال؟ يقول: فيها تهديد وتأييد، تأييد للمؤمنين بأن الله أعلم بأعدائهم وسيكفيهم إياهم كما قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا [الحج: ٣٨]، وتهديد للكفار بأنه سوف يرد كيدهم في نحورهم وينصر أولياءه عليهم، ولهذا قال: وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرً. طيب. هل من أسماء الله (الولي) و(النصير)؟ طالب: (الولي) من أسماء الله. الشيخ: ما الدليل؟ الطالب: قول الله سبحانه وتعالى: هُوَ الْوَلِيُّفي سورة الشورى. الشيخ: إي نعم الطالب: أخر الآية هُوَ الْوَلِيُّ(...). طالب آخر: أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ [الشورى: ٩]. الشيخ: أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ، وكذلك أيضا: وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ [الشورى: ٢٨]. هل من أسماء الله (النصير)؟ طالب: إن الله ينصر الذين آمنوا. الشيخ: أقول هل من أسماء الله (النصير)؟ الطالب: نعم. الشيخ: ما الدليل؟
طالب: قوله تعالى: نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ [الأنفال: ٤٠]. الشيخ: نعم، نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُأحسنت.
الشيخ: ثم قال الله تبارك وتعالى، قال الله تعالى: مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ(من) هذه للتبعيض. والَّذِينَ هَادُواأي: رجعوا، وهم اليهود رجعوا عن عبادة العجل فسُمُّوا الَّذِينَ هَادُوا؛ لقوله تعالى: إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ [الأعراف: ١٥٦] أي: رجعنا إليك. وقوله: يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَالجملة هذه لا يصح أن تكون مبتدأ؛ لأن الفعل لا يبتدأ به، وإذا لم يصح أن تكون مبتدأ فكيف نعربها؟ نقول: إنها صفة لموصوف محذوف هو المبتدأ، والتقدير: من الذين هادوا قوم يحرفون الكلم عن مواضعه. وقال بعض النحويين: إن (من) التبعيضية اسم فتعرب على أنها مبتدأ؛ لأن تقدير (من) التبعيضية: بعض الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه، وعلى هذا فيكون (من) بصورة الحرف ولكنها اسم وتكون هي المبتدأ وجملة يُحَرِّفُونَهي الخبر ولا حاجة إلى التقدير. ولها نظائر في القرآن مثل قوله تعالى: وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ [التوبة: ١٠١] التقدير: ومن أهل المدينة قوم مردوا على النفاق. كل من القولين له وجه، أما الذين قالوا: إن (من) التبعيضية اسم. فيرجح قولهم أننا لا نحتاج إلى تقديرٍ في الآية، وإذا دار الكلام بين التقدير وعدمه فعدم التقدير أولى؛ لأن الأصل عدم الحذف، وأما الثاني: فيقويه أن (من) التبعيضية حرف، واستعمالها اسمًا إخراجٌ لها من موضوعها الأصلي فنكون ارتكبنا مجازًا بتقديرنا إياها اسمًا، ويكون التقدير -تقدير الاسم- أرجح ويسمى هذا إيجازًا بالحذف؛ لأن الإيجاز إيجاز بالحذف وإيجاز بالقصر؛ يعني: جملة قليلة لكن تحتمل معنى كثيرًا هذا إيجاز بالقصر، جملة فيها أشياء محذوفة هذا إيجاز بالحذف. قوله: يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِأي: يصرفونه، والتحريف التصريف، ومنه حَرَف الدابة عن جهة سيرها أي: صرفها. والْكَلِمَاسم، جمع واحده كلمة، قال ابن مالك في الألفية:
...............................
وَاسْـــــــــــــمٌ وَفِعْــــــــــلُ ثُمَّ حَــــــــــــــرْفٌ الْكَلِــــــــــــــمْ
وَاحِدُهُ كَلِمَةٌ ....................
..................................
والمراد بالكلم هنا: ما أنزله الله تعالى على رسله من الوحي. وقوله: عَنْ مَوَاضِعِهِأي: يصرفونه عن ما أراد الله عز وجل به؛ لأن ما أراده الله بكلامه فهو موضعه. قال العلماء: والتحريف نوعان: تحريف لفظي، وتحريف معنوي، قد ينفردان أي: ينفرد أحدهما على الآخر وقد يجتمعان، ثم التحريف اللفظي قد يتغير به المعنى، وقد لا يتغير به المعنى. ولنضرب لكل واحد مثالًا: التحريف اللفظي المعنوي: كتحريف بعضهم قوله تعالى: وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا [النساء: ١٦٤] إلى: وكلم اللَّهَ موسى تكليمًا، فهذا تحريف لفظي معنوي؛ لفظي لأنه جعل لفظ الجلالة منصوبًا بعد أن كان مرفوعًا، معنويٌّ؛ لأنه تغير به المعنى حيث كان دالًّا على أن المكلِّم هو موسى. ومثال التحريف اللفظي: الذي لا يتغير به المعنى أن يقول القارئ: الحمد لله ربَّ العالمين، فهنا التحريف لفظي؛ لأنه كان يجب أن يقول: رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة: ٢] لكن هذا التحريف لا يتغير به المعنى. ومثال التحريف المعنوي مع إبقاء اللفظ على حاله: تحريف أهل التعطيل قول الله تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه: ٥] استولى، فهم لم يغيروا اللفظ، اللفظ قد أبقاه على ما هو عليه، لكن قالوا: المراد بالاستواء الاستيلاء، وهذا تحريف معنوي. ثم إن هذا التحريف المعنوي سماه متبعوه تأويلًا، وقالوا: التأويل صرف الكلام عن ظاهره إلى المعنى المخالف للظاهر لدليل، فسمَّوا هذا التحريف تأويلًا، ولكنا نقول: هذه التسمية تمويه على السامع؛ لأن التأويل أن يُصْرَف الكلام عن ظاهره لدليل صحيح، وأما الدليل الذي استدلوا به فهو دليل وَهْمِيٌّ وليس له أصل من الصحة، وعليه فنقول: إذا أول الإنسان الكلم عن ظاهره إلى معنى يخالف الظاهر فإن كان هناك دليل من كتاب أو سنة فإنه مقبول، وإن لم يكن له دليل فإنه غير مقبول. فإذا قال قائل: إن المراد بقوله تعالى: فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ [النحل: ٩٨] إذا أردت أن تقرأ القرآن، قلنا: هذا غير مقبول حتى تأتي لنا بدليل، قال: نعم، عندي دليل وهو أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يتعوذ عند إرادة القراءة لا عند إنهاء القراءة، فنقول: هذا مقبول وعلى العين والرأس، الدليل؟ فعل الرسول عليه الصلاة والسلام. وإذا قال قائل: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىأي استولى، قلنا: هذا صرف للكلام عن ظاهره وهو غير مقبول؛ لأنه لا دليل عليه، فصار التأويل الذي هو صرف اللفظ عن ظاهره إن دل عليه دليل فهو مقبول ونسميه تفسيرًا، وإن لم يدل عليه دليل فهو مرفوض ونسميه تحريفًا. هؤلاء الذين هادوا أو بعض هؤلاء الذين هادوا حرفوا الكلم عن مواضعه لا بالنسبة لعيسى ولا بالنسبة لمحمد عليه الصلاة والسلام. أما عيسى فادعوا عليه ما برَّأَه الله منه أنه ولد بغي وأنه لا يصح أن يكون رسولًا؛ لأن الرسل طاهرون مطهرون وهذا ولد بَغِيٍّ فليس برسول، وقتلوه حكمًا لا حقيقة، كيف حكمًا؟ لأنهم قالوا: إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِفأقروا على أنفسهم بقتله فيكون لهم حكم الذين قتلوه، أما حقيقة فقد قال الله تعالى وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ [النساء: ١٥٧]. وحرفوا الكلم بالنسبة لمحمد صلى الله عليه وسلم وقالوا: ليس هذا الرسول المنتظر. وكانوا قبل أن يبعث يستفتحون على الذين كفروا؛ يقولون: سيبعث نبي ونتبعه ونغلبكم، لكن لَمَّا بعث من بني إسماعيل وكانت بنو إسماعيل بني عمهم حسدوهم؛ لأنهم يعرفون صفته في التوراة والإنجيل ويعرفون أنه أفضل نبي، وكانوا يظنون أن سيكون من بني إسرائيل على غير أصل؛ لأنهم لو رجعوا للأصل لوجدوا أن التوراة والإنجيل صرحت بأنه يبعث من أم القرى، ويقول المؤرخون: إن تَجَمُّعَ اليهود في المدينة إِبَّان بعثة الرسول عليه الصلاة والسلام كان بناء على أنهم يعلمون أن مُهاجَرَه هي المدينة فقالوا: نستقبله ونؤمن به. فاليهود حرفوا الكلم عن مواضعه بالنسبة لرسالة عيسى وبالنسبة لرسالة محمد صلى الله عليه وآله وسلم. وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَاصراحة -والعياذ بالله- وهذا غاية ما يكون من المحاده لله عز وجل ورسله أن يقول البشر: سمعنا وعصينا، والعصيان: مخالفة الأمر أي: الخروج عن الطاعة؛ إن كان أمرًا فبتركه، وإن كان نهيًا فبارتكابه، هذه المعصية. وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍيقولون للرسول صلى الله عليه وسلم: اسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍيعني: اسمع، أصمك الله حتى لا تسمع، هذا معنى غَيْرَ مُسْمَعٍيعني: اسمع قولنا حال كونك غير مسمع، ومن الذي لا يسمع؟ الأصم، فهم يقولون: اسمع غير مسمع. أي: يدعون عليه بالصمم فهم يسخرون به؛ لأنهم إذا كانوا يدعون عليه بالصمم فكيف يقولون: اسمع؟ وقيل: المعنى اسمع غير مسمع ما تكرهه، لكن هذا بعيد عن سياق الآية، وبعيد عن حال اليهود، ويحتمل أن يكون المعنى: اسمع غير مسمع ما يسرك؛ يعني: سنقول لك ما يسوؤك، كما قالوا: سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا، ولكن هذا يحتاج إلى دليل؛ وذلك لأنه يحتاج إلى تقدير أي: غير مسمع ما أيش؟ غير مسمع ما تكره، هذا في الأول، الثاني يكون غير مسمع ما يسرك، نقول: هذا يحتاج إلى دليل لأن فيه حذفًا، والمعنى الأول يكفي في خزيهم -والعياذ بالله- أن يقولوا للرسول: اسمع لا أسمعك الله. وَرَاعِنَاالذي ترد على سمعه هذه الكلمة يقول: إنها فعل أمر متصل به ضمير المفعول وفاعله مستتر وجوبًا تقديره: أنت، أي راعنا أنت نحن، من أي شيء؟ من الرعاية أو من المراعاة، وكلاهما معنى حسن، لكن هم لا يريدون لا الرعاية ولا المراعاة، يريدون الرُّعُونَة وهي الجبن والخور وما أشبه ذلك، وهي كلمة عند اليهود في اللغة العبرية بهذا المعنى، فيقولون: راعنا؛ أي أصابك الله بالرعونة، ولهذا نهى الله المؤمنين أن يقولوا هذه الكلمة؛ لأن اليهود يقولونها يريدون بها سوءًا فقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوابدلها انْظُرْنَا. وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِيعني يقولون: هذا الكلام ليًّا بألسنتهم؛ حيث يظهرون معنى صحيحًا مقبولًا، وهم لا يريدون المعنى الصحيح، فغير مسمع يحتمل غير مسمع ما يسوؤك كما سبق، ورَاعِنَايحتمل من المراعاة أو من الرعاية، وهم يريدون عكس ذلك، يريدون الدعاء عليه ألا يسمع، ويريدون الدعاء عليه بالرعونة، وهذا لَيٌّ باللسان ولَّا لا؟ لَيٌّ باللسان، معنى الليَّ باللسان أن يريد باللفظ خلاف معناه الظاهر منه؛ لأنه لوى، تكلم لكن لوى هذا اللفظ إلى معنى آخر غير الذي يفهم من اللفظ، ولهذا قال: لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ. لَيًّاأصلها لويًا، لكن اجتمعت الواو والياء في كلمة واحدة وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء على القاعدة التصريفية، طيب أما كون هذا ليًّا بألسنتهم فظاهر، لكن قال: وَطَعْنًا فِي الدِّينِطعنًا في الدين؟ كيف كان طعنًا في الدين؟ نقول: نعم واضح. سَمِعْنَا وَعَصَيْنَالماذا عصوا؟ لأنهم لم يرتضوا هذا الدين، وعدم ارتضاء الدين مستلزم للطعن في الدين أي: مستلزم عيب الدين.