تجاوز إلى المحتوى

تفسير سورة النساء - ١٢

درس صوتي · ٩٠:٣٩

جارٍ تجهيز الصوت

انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها

إعدادات

اختصارات لوحة المفاتيح

Space أو K تشغيل وإيقاف ←→ خمس ثوانٍ JL خمس عشرة ثانية HomeEnd بداية ونهاية الدرس

محتوى الدرس

لأسباب؛ إما قلة العلم، وإما قصور الفهم، وإما التقصير في الطلب، وإما سوء القصد؛ أربعة أسباب لخفاء الحكم الشرعي على الإنسان له أربعة أسباب: الأول: قلة العلم؛ مثل أن يكون الإنسان لم يراجع ولم يطالع، ولم يستوعب كتب العلماء، هذا تخفى عليه الأحكام الشرعية لقلة علمه. أو: قصور فهمه؛ يكون عنده علم واسع، لكنه حجر لا يفهم، هذا أيضًا يفوته شيء كثير من الأحكام الشرعية. أو: لتقصيره في الطلب، إنسان مقصّر عنده علم، عنده فهم، لكن ما يحرص على أن يحقق المسائل وينقّحها ويحرّرها، فيفوته شيء كثير. الرابع: سوء القصد، بحيث لا يريد إلا نصر رأيه فقط، فهذا -والعياذ بالله- يُحرم الخير ويحرم الصواب. ما دواء هذه العلل والآفات؟ الأول: قلة العلم، دواؤه كثرة العلم، أن يراجع الإنسان ويطالع كتب العلماء، كتب الحديث، كتب التفسير، يراجع، قصور الفهم؟ طلبة: (...). الشيخ: هذا مشكل؛ لأنه غريزة، لكن ثقوا بأنه بالتمرّن يحصل على قوة الفهم، بالتمرن يحصل على قوة الفهم، وأضرب لكم مثلًا: لو أن الإنسان راجع كتب شيخ الإسلام ابن تيمية أول ما يراجعها لقال: هذه فيها ردم يأجوج ومأجوج، ما يمكن نفهمها، لكن مع التمرّن عليها يفهمها، وتكون عنده كالفاتحة، إذن الفهم يحتاج إلى تمرين، ومن تمارين الفهم المناقشة مع الناس، يناقش؛ لأنه كثيرًا ما يغيب عنك شيء من العلم، وبالمناقشة يتبين لك شيء كثير؛ فهم. الثالث: التقصير في الطلب، دواؤه الجد والاجتهاد، اجتهد لا تتوانَ، ثم التقصير في الطلب ليس معناه قلة الطلب؛ حتى عدم الترتيب في الطلب، هذا أيضًا يضر بالإنسان ينقّص العلم، بعض الناس مثلًا إذا أراد أن يراجع مسألة في الكتب الكبيرة صار يستعرض الفهرس يجد بحثًا، ثم يروح يبحث فيه، وينسى الأول، الحاجة الأولى ينساها، وهذا خطأ، هذا هو اللي يقطع الأوقات عليك تقطيعًا، ما دمت تريد تحقيق مسألة فأغمض عينيك عما سواها وإلا ستكون كالذي يلقّط الجراد من أرض جرداء ما تحصّل شيئًا، افرض أنت تريد أن تطالع مسألة في الطهارة، أنت تراجع الفهرس مرّ عليك مسألة غير التي تريد اكتب: أراجع هذه، وهذا مبحث طيب، أبغي أشوف ويش يقول المؤلف، يضيع عليك الوقت، هذا من التقصير في الطلب، ما هو تقصير كمي، ولكنه تقصير كيفي. الرابع: سوء القصد، هذا بعد علة، سوء القصد يحتاج إلى إخلاص ونصح لله عز وجل، فإذا قصد الإنسان حفظ الشريعة ونفع الخلق، وأن يرث الأنبياء سهل عليه حسن القصد؛ لأنه إذا علم أن الإنسان إذا طلب العلم لغير الله فإنه يحرم الخير وعليه الوعيد، وأن الله ينزع بركة العلم منه حرص على أن يكون قصده حسنًا، فهذه الأمور الأربعة هي التي يُحرم الإنسان إياها في عدم تبيُّن الأحكام الشرعية وإلا فالله عز وجل تكفل يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ [النساء: ٢٦]. من فوائد هذه الآية الكريمة: كمال هذه الأمة وشريعتها؛ لقوله: وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [النساء: ٢٦] فما من خير كان عليه الأمم إلا ولهذه الأمة منه نصيب. وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْوقد مثَّل النبي عليه الصلاة والسلام نفسَه مع الأنبياء قبله بقصر مشيد يُعجب الناظرين إلا أنهم إذا طافوا به قالوا: هذا القصر كامل إلا موضع هذه اللبنة؛ لأنها عيب. قال: «فَأَنَا اللَّبِنَةُ» تمم الله به مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، فكمل القصر به عليه الصلاة والسلام، ويدل لذلك أيضًا قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [البقرة: ١٨٣] لماذا قال: كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ؟ إشادة بهذه الأمة، وأنها كمّلت لها الفضائل التي لغيرها وتسلية لها أيضًا؛ يعني لا تظنوا أن تكليفنا إياكم بالصيام خاص بكم، بل لكم ولغيركم.

من فوائد هذه الآية: أن الله عز وجل يحب التوابين، من أين نأخذها؟ طالب: لأن الله سبحانه بيّن بأنه يريد أن يتوب على الناس، وما أراده الله عز وجل لا شك في أنه مطلوب منا. الشيخ: إي، هذه إرادة المحبة، إذن فالله تعالى يحب منا أن نتوب، قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ [البقرة: ٢٢٢]. ويتفرع على هذا: غاية الكرم في الله عز وجل؛ وجهه: أن التوبة له ولَّا لنا؟ طلبة: لنا. الشيخ: من الذي يعود عليه نفعها؟ نحن، وهو يحبها لمصلحتنا، وقد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام: «أَنَّ اللَّهَ يَفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ كَمَا يَفْرَحُ الرَّجُلُ الَّذِي أَضَلَّ نَاقَتَهُ فِي أَرْضِ فَلَاةٍ فَطَلَبَهَا فَلَمْ يَجِدْهَا فَاضْطَجَعَ تَحْتَ شَجَرَةٍ يَنْتَظِرُ الْمَوْتَ قَدْ أَيِسَ مِنَ الْحَيَاةِ، فَإِذَا بِخِطَامِ نَاقَتِهِ فَأَخَذَ بِهِ وَقَالَ: اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ. أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ» . لا بد يكونوا مستعدين له؛ يعني كأنهم مستعدون لإنذار الله إياهم، مستعدون للإنذار، ما أرى هذا، والحمد لله اللي قائم يصلي، والذي نائم معذور، وهي فرض كفاية ما هي فرض عين على.. طالب: شيخ، إذا أخبرني ثقة متيقن يا شيخ.. الشيخ: إنه؟ الطالب: إنه انخسف القمر، وانكسفت الشمس تلزمني الصلاة يا شيخ؟ الشيخ: بعدما انتهى وقته؟ الطالب: لا، الآن هو انخسف القمر فجأة، يعني ما هو بأذان، فهل يلزمني؟ الشيخ: بس ما شفته أنت؟ الطالب: ما شفته. الشيخ: لكن ثقة هذا اللي قال لك؟ الطالب: ومتيقن. الشيخ: إي، ما يخالف، معناه أنه يصلي مثل ما لو أخبرك بدخول الوقت. طالب: هل نصلي في البيت يا شيخ، يصح؟ الشيخ: يصح لعموم قوله: «فَصَلُّوا» لكن السنة الاجتماع. طالب: في ورق عندك يا شيخ (...). الشيخ: يجب، والعقيقة لا تجب لأن المطالب بها الأب، تغيير الاسم إذا كان الاسم هذا من أسماء غير المسلمين يغيره إلى اسم إنسان مسلم، إلى اسم مسلم. طالب: مباشرة؟ الشيخ: مباشرة. نعم، أيش؟ الطالب: الختان؟ الشيخ: الختان مباشرة. الطالب: يخاف يا شيخ؟ الشيخ: من اللي يخاف؟ الطالب: هذا الذي أسلم حديثًا. الشيخ: المسلم عن رغبة ما هو بخايف؛ لأن العملية الآن سهلة ولله الحمد، نعم، إذا شفنا إن إسلامه هش نصبر شوية، من عليه الدور؟ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ [النساء: ٢٧] قال الله تعالى: وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ. طالب: شرح الفوائد، الفوائد. الشيخ: ما كملت؟ طالب: أخذنا خمس فوائد. الشيخ: ما هي؟ طالب: أولًا: إثبات الإرادة لله. ثانيًا: سعة رحمة الله عز وجل بعباده. ثالثًا: أنه ليس في الشرع شيء مجهول لكل أحد.

رابعًا: كمال هذه الأمة وشريعتها. الخامسة: أن الله عز وجل يحب التوابين.

الشيخ: تمام، زين. من فوائد هذه الآية: إثبات اسمين من أسماء الله وهما: العليم والحكيم، وما تضمناه من وصف، فالعليم تضمن العلم، والحكيم تضمن الحكم والحكمة؛ لأنه مشتق من الحكم والحكمة.

ومن فوائد الآية الكريمة: اقتناع الإنسان بما يُجري الله عز وجل من حكم شرعي وحكم كوني، وجه ذلك: أن ما يجريه الله عز وجل من الأحكام مقرون بأيه؟ طلبة: بالحكمة. الشيخ: وإذا علمت ذلك اقتنعت سواء كان هذا في الأحكام الكونية أو في الأحكام الشرعية حتى المصائب التي تنال العباد لا شك أن لها حكمة يقتنع الإنسان بوجودها ولا يعترض، لا يعترض على الله تعالى به. ومن فوائد هذه الآية الكريمة المسلكية: مراقبة الله عز وجل، مراقبة الله في السر والعلانية، من أين تؤخذ؟ من ثبوت صفة العلم؛ لأنك متى علمت أن الله عالم بك فإن ذلك يوجب لك مراقبة الله سبحانه وتعالى؛ ألا يفقدك حيث أمرك ولا يجدك حيث نهاك.

ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى التوبة، وقد مر علينا ذلك قريبًا، وبينّا أن شروط التوبة كم؟ طلبة: خمسة. الشيخ: خمسة.

تفسير الآيتين (٢٧-٢٨)

٠٠:١٢:٥٥

ثم قال: وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِقد يقول قائل: هذا مع ما قبله تكرار؛ لأنه قال: يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْوَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ، فكيف قال: وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ؟ نقول: الفائدة من ذلك شيئان: الشيء الأول: التوكيد، وإذا أكد الله عز وجل أنه يريد التوبة علينا فإن ذلك مما يسرنا ويزيدنا نشاطًا في التعرض لتوبة الله عز وجل. الفائدة الثانية: التوطئة؛ لقوله: وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِيعني تمهيد وتوطئة لما ذكر بعده؛ وهو أن الله له هذه الإرادة وللذين يتبعون الشهوات هذه الإرادة ولهذا كررها. وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًايُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِمن هم؟ يشمل الكافر والفاسق؛ لأن الكافر يريد الشهوات بل يتبع الشهوات والفاسق كذلك، قال الله تعالى: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩) إِلَّا مَنْ تَابَ [مريم: ٥٩، ٦٠] فالذين يتبعون الشهوات هم الكفار والفسّاق يريدون أن تميلوا ميلًا عظيمًا أَنْ تَمِيلُواأي: تنحرفوا عما يريد الله سبحانه تعالى بكم من أسباب التوبة؛ وهي فعل الأوامر وترك النواهي، فهم يريدون شيئًا والله يريد شيئًا بخلافه. ثم قال: يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا [النساء: ٢٨] يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْالتخفيف ضد التثقيل، وتخفيفه سبحانه وتعالى تخفيف في الأوامر، وتخفيف في النواهي، أما التخفيف في الأوامر فإن الله سبحانه وتعالى لما ذكر ما يجب علينا من الطهارة: الوضوء، والغسل، والتيمم قال: مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ [المائدة: ٦]، وكذلك في النواهي، خفّف عنا فقال: وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ [الأنعام: ١١٩] فليس بحرام، وهذا تخفيف -ولله الحمد- على العباد. وقوله: يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْالإرادة هنا شرعية وليست كونية، لماذا؟ لأن الله يُقدّر على العبد أشياء تثقل عليه، تثقل عليه العبادات بها؛ أي: بسببها، لكن شرعًا لا يريد منا أن نشق على أنفسنا، بل إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما قال عبد الله بن عمرو بن العاص: لَأصومن الدهر ما بقيت، ولأقومنّ الليل ما عشت. نهاه الرسول عليه الصلاة والسلام وقال: «إِنَّ لِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَلِزَوْرِكَ -يَعْنِي ضَيْفَكَ- عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ» . وقال عليه الصلاة والسلام فيما صح عنه أيضًا: أنه سبحانه وتعالى لا يكلّفنا من العمل إلا ما نُطيق . فالإرادة إذن إرادة شرعية. قال: وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًاالواو هنا يحتمل أن تكون استئنافية لبيان حال الإنسان الموجبة للتخفيف، ويحتمل أن تكون الواو للحال، والجملة على تقدير (قد) أي أيش؟ وقد خلق الإنسان ضعيفًا، وعلى الاحتمالين فالجملة فيها نوع تعليل لقوله: يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْكأن قائلًا يقول: لماذا قال؟ لأن الإنسان خُلق ضعيفًا؛ أي: خلقه الله عز وجل ضعيفًا، ضعيفًا في كل أموره؛ ضعيفًا في جسمه، ضعيفًا في إرادته، ضعيفًا في علمه، ضعيف في كل شيء، والدليل على ذلك أنه لا يتحمل، لا يتحمل البرودة في الشتاء، ولا الحر في الصيف، ولا الأتعاب، فهو ضعيف، فكانت الشرائع مناسبة لحاله، وتأمل الفرق بين قوله هنا: َخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًاوبين قوله: فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا [النساء: ٧٦]. الشيطان بكيده العظيم ضعيف، فإذا كان كيد الشيطان ضعيفًا، فإن هذا يقتضي منا أن نكون أقوياء وإن كنا ضعفاء، أن نكون أقوياء على الشيطان؛ لأن الشيطان كيده ضعيف، ونحن وإن كنا ضعفاء، لكن يجب أن نكون أقوى منه، وأن نثق بقول الله تعالى: إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا وَأَكِيدُ كَيْدًا [الطارق: ١٥، ١٦]. وقوله: َخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًاكلمة ضَعِيفًامنصوبة لمناسبة الآيات ولَّا لمحلها من الإعراب؟ طلبة: لمحلها من الإعراب. الشيخ: ما محلها من الإعراب؟ طلبة: حال. الشيخ: حال؛ لأنها وصف بعد معرفة، والوصف بعد المعرفة حال، والوصف بعد النكرة؟ طالب: صفة. الشيخ: صفة يعني نعتًا.

في هاتين الآيتين فوائد؛ أولًا: تأكيد فضل الله عز وجل على عباده حيث كرر قوله: وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْلأن التوكيد تزداد به الطمأنينة، ويزداد به معرفة قدْر فضل الله عز وجل. ومن فوائد الآية الكريمة: علم الله سبحانه وتعالى بما في القلوب؛ من قوله: وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَلأن الإرادة محلها القلب، ومع ذلك أخبرنا الله تعالى عنها، فهو عالم بما في القلوب؛ قلوب أهل الخير وأهل الشر وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ [ق: ١٦].

ومن فوائد الآية الكريمة: الحذر من الذين يتبعون الشهوات، لماذا؟ لأنهم يريدون منا أن نميل ميلًا عظيمًا، والشهوات قد تكون شهوة بطن وفرج، وقد تكون شهوة فِكر وقلب، وكلا الأمرين مراد هنا. وفيها أيضًا من فوائد الآية الكريمة: الحذر من أهل البدع؛ لأن أهل البدع ينقسمون إلى قسمين: قسم عندهم شبهات، وقسم عندهم شهوات، فالجاهل منهم عندهم شبهات يلتبس عليه الحق بالباطل، والعالم منهم عنده شهوات يريد ما لا يريد الله ورسوله، ففي الآية الحذر أو التحذير من هؤلاء وهؤلاء. ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى انحطاط مرتبة الذين يتبعون الشهوات، حيث جعلهم أيش؟ أتباعًا يتبعون الشهوات تقودهم الشهوات، وهذا ذل أن يكون الإنسان تابعًا للشهوات؛ لأن العزة أن يكون الإنسان متبوعًا، فإذا كان تابعًا فمعناه أن شهواته ملكته حتى صار تابعًا وكأنه يُجبر على ذلك. ومن فوائد الآية الكريمة: أن إرادة المتبعين للشهوات بنا لا تقتصر على أدنى ميل، من أين تؤخذ؟ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًافإذا كان كذلك، فإننا إذا ملنا قليلًا تابعوا حتى نميل ميلًا عظيمًا، نسأل الله السلامة. طالب: ما تستمر بأي شيء؟ الشيخ: أبدًا. الطالب: لماذا؟ الشيخ: مستحيل (...) سبب الكسوف، هو حيلولة الأرض بين الشمس والقمر. الطلبة: الصوت يا شيخ. الشيخ: نعم؟ أقول: سأل الأخ السلامة؛ يقول: فيه ناس صلوا البارحة صلاة الكسوف، وأقول: يمكن يتوقّع الليل يصلون أيضًا؛ لأن الليل سيكون أكثر ثلمة، ولكني أقول: مستحيل أن يقع كسوف في غير ليالي الإبدار.

طالب: ليالي إيه؟ الشيخ: الإبدار. الطالب: ما ليالي الإبدار؟ الشيخ: ليالي الإبدار؛ يعني ليلة ثلاث عشرة، أربع عشرة، خمس عشرة، هذا مستحيل؛ لأن سبب كسوف القمر أن تحول الأرض بين الشمس والقمر، وهذا لا يمكن إلا إذا كان على نهاية المقابلة بين الشمس والقمر، هكذا مثل هذه الأرض تقع هكذا، أما إذا قرب وارتفعت، إذا قرب القمر من الشمس فهو مستحيل تكسف، وين ترجع الأرض؟! ما يمكن، لكن إذا صار هذا في الأفق الشرقي وهذا في الأفق الغربي حينئذٍ تكون الأرض.. فيه احتمال أن تكون بينهما، لكن في غير هذا لا يمكن، وكذلك أيضًا لا يمكن أن يقع كسوف مرتين في الشهر، مستحيل؛ لأن الكسوف قلنا: إنه ليالي الإبدار، بعد ليالي الإبدار سوف يكون القمر قريبًا من الشمس، إذا كان قريبًا من الشمس فمعناه ما يمكن الكسوف؛ الشيء الثاني: علامة الكسوف ما يكون الثلم إلا مما يلي الشمس، اللي البارحة الثلم من فوق؛ لأن العادة أن الذي يلي الشمس من القمر هو الذي يكون فيه النور، ولهذا في أول الشهر تجد القمر مقوّسًا ظهره إلى الشمس، وفي آخره مقوسًا ظهره إلى الشمس أيضًا؛ لأنه الذي يكون منه نور، هو الذي يلي الشمس، فإذا كان كذلك فإذا رأيت الثلمة في الجانب الآخر المقابل لما يلي الشمس، فهذه ليست بكسوف يقينًا، لكن إخواننا أمس رأوه حوالي الثلث رايح منه، ويمكن إن هذا ما حط باله له من ليلة ست عشرة، وتصور أن ليلة ست عشرة مملوء بالنور، وشافه منثلم قال: افزعوا إلى الصلاة. طالب: أبصر في الليل (...). الشيخ: حتى إني يعني أنا لما جئت من الجامعة وقالوا لي أهل البيت: إن الناس يعني كثروا (...) واللي جالي البيت، وقلت للناس: ينتظرون بالمسجد، تعجبت وقلت: ما.. وبعدين قعدت شوي انتظرت شوي ولما أذن واحد (الصلاة جامعة) ثلاث مرات أو أربع مرات. طالب: القمر والشمس شيخ، هل تخسف مرتين في السنة؟ الشيخ: لا، ما هو في السنة، في الشهر. الطالب: كيف الشهر؟ الشيخ: أقول: ما يمكن تكسف لا الشمس ولا القمر في الشهر مرتين. الطالب: أقصد الشمس في آخر الشهر، هل تخسف مرتين في السنة؟ الشيخ: يمكن إي، ممكن. طالب: يا شيخ، يقولون على (...): الصلاة جامعة. الشيخ: البارح؟ الطالب: لا لا، (...). الشيخ: ما فيه بأس، والله أنا تعجبت، من أعجب ما جرى هذا! طالب: شيخ، ويش تكون صلاتها؟ الشيخ: الصلاة (...) بعض إخواننا لما يجي يروح على المساجد، قل له: شو بيصلي؟ قل له: لا يكمل صلاة الكسوف، يكملون صلاة النافلة ويسلّمون ويمشون. طالب: شيخ، إذا ركع في الركعة الأولى ركوعين، وفي الركعة الثانية، هل يركع ركوعًا واحدًا؟ الشيخ: ركوع واحد. الطالب: بس؟ الشيخ: إي نعم.


طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩) وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (٣٠) إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا [النساء: ٢٩ - ٣١].

الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا. من فوائد هذه الآية: أن الله سبحانه وتعالى يريد التخفيف على العباد بالإرادة الشرعية. ومن فوائدها: أن اليسر إلى الله أحب إليه من العسر؛ لقوله تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة: ١٨٥]. ومن فوائدها: الحثّ على اتباع رخص الله؛ لأن الرخص من التيسير، وقد أيد ذلك ما جاء في الحديث: «أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ كَمَا يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى عَزَائِمُهُ أَوْ: كَمَا يَكْرَهُ أَنْ تُؤْتَى عَزَائِمُهُ» .

ومن فوائدها: أنه إذا تعارضت الأدلة عند المستدلّ بين التيسير والتعسير فالأولى أن يأخذ بالتيسير؛ لأن هذا هو مراد الله عز وجل.

ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى العلة لإرادة التخفيف على العباد وهي قوله: وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا. ومن فوائدها: أن الإنسان ينبغي له إذا شمخت به نفسه، وعلى أنفه أن يذكر حقيقة نفسه، وهي الضعف حتى لا يطغى أو يزيد؛ لقوله: وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا.

ومن فوائد الآية الكريمة: حذف الفاعل إذا عُلم؛ لقوله: وَخُلِقَ الْإِنْسَانُفإن الخالق هو الله عز وجل معلوم بالضرورة. وقد يكون من فوائد الآية: أن ما كان مكروهًا للعبد فإن الله يعبر عنه بالبناء للمفعول، خُلِقَ الْإِنْسَانُولم يقل: وخلق الله مع أن ذكر الله وارد في الجملة التي قبلها، ويؤيد هذا قول الجن: وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا [الجن: ١٠]، ويؤيدها أيضًا ما في سورة الفاتحة: صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ [الفاتحة: ٧] فأضاف النعمة إلى الله، وقال في الغضب: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ، ولم يقل: الذي غضبت عليهم مع أن المغضوب أول من غضب عليهم هو الله عز وجل.

تفسير الآيتين (٢٩-٣٠)

٠٠:٣٢:٥٥

ثم قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِالنداء -كما سبق- يدل على العناية بما جاء في الخطاب، ووجه ذلك أن النداء تنبيه للمنادى فإنه يفرّق بين أن يأتي الخطاب مرسلًا وبين أن يأتي مصدّرًا بالنداء، وتوجيه النداء إلى المؤمنين يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوايفيد الإغراء بالتزام هذا الخطاب أو بالتزام مدلول هذا الخطاب، ووجه ذلك أن وصف الإنسان بالإيمان يحمله على الامتثال، ويفيد أيضًا أن امتثال هذا الشيء من مقتضيات الإيمان، ويفيد أيضًا أن مخالفة ذلك نقص في الإيمان. يقول عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواوهذا النداء يجب علينا أن نعتني به، وأن ننتظر ماذا يوجّهنا الله إليه كما جاء عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: إذا قال الله: يا أيها الذين آمنوا فأرْعها سمعك؛ فإما خير تُؤمر به، وإما شر تنهى عنه . ثم قال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْجاء النهي: لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِفإن (لا) هنا ناهية؛ ولذلك جزم الفعل بعدها بحذف النون. لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْأي: ما تتمولونه من قليل أو كثير، من عروض أو نقود، من ديون أو أعيان، عامة كل الأموال. وقوله: بَيْنَكُمْأي: في التعامل؛ لأن أكل المال لا بد أن يكون بين اثنين فصاعدًا، أما إذا كان من واحد لواحد، فهذا قد أكل ماله. بَيْنَكُمْأي: في حال تعاملكم. وقوله: بِالْبَاطِلِالباطل في اللغة: الضائع سدى، الهالك اللي ما فيه خير، والمراد بالباطل هنا ما خالف الشرع؛ لأن الشرع حق وما خالفه باطل، والمعنى على هذا: لا تأكلوا أموالكم بينكم على وجه يخالف الشرع، مثل: الربا، والغش، والكذب، والتدليس، وما أشبه ذلك. إِلَّا أَنْ تَكُونَإِلَّاأداة استثناء، لكن المراد بها الاستدراك؛ يعني لكن إن كانت تجارةٌ أو تجارةً بينكم عن تراضٍ منكم فهذا لا بأس به، وإنما قلنا: إن الاستثناء منقطع؛ لأن قوله: إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْليس من جنس الأكل بالباطل، بل هو أكل بأيش؟ بحق، والاستثناء المنقطع هو أن يكون المستثنى أيش؟ من غير جنس المستثنى منه، وهنا لا بد أن يكون منقطعًا؛ لأن التجارة عن تراضٍ منا ليست أكلًا بالباطل، بل هي أكل بحق، ولهذا نقول: الاستثناء في هذه الآية منقطع إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةٌفيها قراءتان سبعيتان: تِجَارَةٌبالرفع، و{تِجَارَةً} بالنصب، أما على قراءة الرفع فلا إشكال فيه؛ يعني إلا أن تحدث تجارةٌ بينكم، وهنا تكون (كان) تامة لا ناقصة، وأما على قراءة النصب فإن (كان) ناقصة، تكون ناقصة، وتِجَارَةًخبرها، واسمها مستتر، وحينئذٍ يشكل أن يكون الاسم مستترًا وتقديره (هي) مع أن الأكل لَا تَأْكُلُوامذكّر، فهل يصح أن نقول: إلا أن تكون الأكل تجارة؟ لا يصح، ولكن هاهنا فائدة وهو: إذا توسط الضمير أو الإشارة بين شيئين الثاني مذكر والأول مؤنث أو بالعكس فإنه يجوز مراعاة الأول أو الثاني. أعرفتم؟ إذا توسط الضمير أو اسم الإشارة بين شيئين الأول مذكر والثاني مؤنث أو بالعكس جاز أن يذكّر أو يؤنث، أن يذكر باعتبار مرجعه السابق، وأن يؤنث باعتبار مرجعه اللاحق، فهنا أُنّث باعتبار مرجعه الثاني اللاحق؛ يعني إلا أن تكون التجارة التي تأكلون بها الأموال تجارة عن تراضٍ منكم، والتجارة: هي تبادل أو التبادل بين الناس من أجل الربح، هذه التجارة، ومنه قول الفقهاء: عروض التجارة، أما ما يُهدى أو يرهن أو يُعار فهذا ليس بتجارة، وكذلك ما اشتُري لدفع الحاجة كشراء الخبز للأكل فهذا ليس بتجارة؛ لأن الإنسان لا يقصد به الربح، وحينئذٍ يبقى في مدلول الآية إشكال: إذا كانت المعاملات أكثر من التجارة، فلماذا لم يذكرها؟ فقيل: إنها لم تُذكر؛ يعني التعامل بغير قصد التجارة؛ لأن الغالب في تعامل الناس هو التجارة، وهي التي يقع فيها المشاحنة، وأما غيرها فالإهداء تصدر عن طيب نفس من المهدِي، وكذلك العارية، وكذلك الرهن، وما اشتري للحاجة فالغالب أنه لا يحصل فيه تشاحن؛ لأن الإنسان يقصد به دفع الحاجة لا حصول الربح، فلهذا ذُكرت التجارة، وإلا فمن المعلوم أن العقود التي تقع عن تراضٍ أكثر من عقود التجارة. عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْعَنْ تَرَاضٍالجار والمجرور متعلق بمحذوف تقديره: صادرة عن تراضٍ منكم، أو حاصلة. عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْوتَرَاضٍهنا صيغة تفاعل، يتبين بها أن المراد التراضي من الطرفين الآخذ والمعطي. وقوله: عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْيعني صادر منكم أنتم أيها المتعاملون لا من غيركم، فلو رضي الأب ببيع ابنه والابن لم يرضَ والملك للابن فلا عبرة برضا الأب، ثم قال. طالب: (...). الشيخ: إي نعم، نعم، لو رضي الأب ببيع مال ابنه دون الابن فإنه لا عبرة برضاه. قال: وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًالَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْالقتل معروف إزهاق النفس، ولكن أَنْفُسَكُمْهل المراد بذلك نفس القاتل، ويكون هذا بمعنى الانتحار، أو المراد بأنفسكم أي إخوانكم كما في قوله تعالى: وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ [الحجرات: ١١] فإن الإنسان لا يلمز نفسه إنما يلمز غيره، أيهما المراد؟ نقول: هو شامل، فلا يُقصر على من يقتل نفسه، ولا على من يقتل غيره بل يقال: الآية شاملة لهذا وهذا، فإن كان المراد: لا تقتلوا أنفسكم أنتم، فلا إشكال في الآية، وإن كان المراد: لا تقتلوا غيركم، فلماذا عبّر عن الغير بالنفس؟ نقول: عبّر عن الغير بالنفس؛ لأن المؤمن مع أخيه كالجسد الواحد كما ضرب ذلك النبي صلى الله عليه وآله وسلم مثلًا: «إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالْحُمَّى وَالسَّهَرِ» وأيضًا فالتعبير عن الأخ بالنفس فيه إغراء وحثّ يعني كأنه هو نفسك، ففيه إغراء للإنسان عن تجنب قتل الغير، وتحنن للإنسان أو حمل الإنسان على التحنن على أخيه. وقوله: إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًاالجملة تعليل لما قبلها، تعليل للحكمين: أكل الأموال، وقتل النفوس؛ فالله سبحانه وتعالى بنا رحيم، ومن رحمته تحريم أكل الأموال بيننا بالباطل، أو النهي عن أكل الأموال بيننا بالباطل. والثاني: النهي عن قتل أنفسنا؛ فإن هذا من رحمة الله بنا، وجهه في الأول: أن أكل الأموال بالباطل يؤدي إلى التشاحن والنزاع، وربما يؤدي إلى الصدام المسلّح، وقتل الناس واضح. وقوله: إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًابِكُمْالخطاب يعود إلى من؟ إلى المؤمنين؛ لأنه يخاطب المؤمنين يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواويؤيد هذا قوله تعالى: وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا [الأحزاب: ٤٣] ولم يرد في القرآن إضافة الرحمة إلى الله تعالى منسوبة إلى الكافرين؛ يعني بالمعنى العام، فالرحمة التي اتصف الله بها ذكرت في القرآن إما على سبيل العموم أو على سبيل الخصوص بمن؟ بالمؤمنين، أما على سبيل الخصوص بالكافرين فلم ترد. طالب: أحسن الله إليك، ورد في موضع آخر يا شيخ، قوله: وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [البقرة: ١٩٥]، شيخ، هل نقول من هذا الباب (...) البعض منكم؟ الشيخ: أيش؟ الطالب: (...) البعض منكم. الشيخ: أيهم؟ قوله: بِأَيْدِيكُمْإي نعم، على أن الآية في قوله: وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِقيل: المراد بها: لا تتركوا الإنفاق في سبيل الله فتهلكوا، وليس المراد الإلقاء بالنفس إلى ما يهلكها كالقتل والتعرض له، لكن الصحيح أن الآية عامة: لَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِفي هذا وهذا. طالب: يصلح هذا اللفظ يا شيخ على ظاهره وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْعلى ظاهرها. الشيخ: وهي؟ الطالب: النفس يعني الاتفاق؛ كما قلنا: يقتل الغير دون قرينة يعني (...) فذهبنا الأصل، لا إلى معنى (...) دون قرينة؟ الشيخ: لا، فيه بارك الله فيك، القرينة أن الاعتداء على الغير كالاعتداء على النفس؛ لأن الرسول جعل عقوبة المعتدي على نفسه كعقوبة المعتدي على الغير أنه مخلّد في نار جهنم، ويعذب فيها، عرفت؟ طالب: أليس إذا قتل نفسًا يُقتل؟ الشيخ: عرفت؟ طالب: يا شيخ، أين القرينة؟ الشيخ: القرينة أن الله يعبّر عن المؤمنين بعضهم البعض بالنفس، هذه القرينة، وكون اللفظ يحتمل المعنيين نحمله عليهما أولى من كونه يُحمل على واحد، أما لو قلنا: المراد بالأنفس هنا الغير دون نفس الإنسان: هذا خطأ، يقول: ليش تحمله على هذا دون هذا بلا قرينة؟ أما إذا قلنا: إنه عام فلا إشكال.

طالب: يستفاد من قوله تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ.. خلق النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عائشة: أنه ما خُيِّر بين أمرين إلا اختار أيْسَرَهُما ؟ الشيخ: نعم، نعم، يستفاد منها أن الرسول يعني يحب ما يحبه الله، لكنه ليس في الآية حتى نذكره من فوائدها. طالب: أحسن الله إليك، هل نحمل الآية: وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْقد يكون بأكلكم الأموال (...) صحيح ولَّا لا؟ الشيخ: ما هو بصحيح؛ لأن هذه الواو حرف عطف، والعطف يقتضي المغايرة، يقول: لا تقتلوا أنفسكم بأكل الأموال، بل يقال: إن الله عز وجل ذكر النهي عن الأموال وعن الأنفس. الطالب: (...) الأموال؟ الشيخ: (...) الأموال ترك الإنفاق في سبيل الله، ما هو بأكل مال الغير. طالب: وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْأليس الإنسان إذا قتل نفسًا يقتل بها؟ الشيخ: لا، يقتل إذا تمت الشروط فيكون سببًا. (...) يسأل عن المنهج السلفي؛ المنهج السلفي في أي شيء؟ كان حريصًا على العلم، منهج أهل السنة في أيش؟ اقرأ شرح الطحاوية، ولّا شرح العقيدة الواسطية. طالب: في الدعوة. الشيخ: في الدعوة إلى الله؟ يدعون إلى الله تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن، ويجادلون أهل الكتاب بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم، ولا ينكرون على أحد اجتهاده إذا لم يخالف إجماع السلف أو النص القرآني أو النبوي.


طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (٣٠) إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١) وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٣٢) وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (٣٣)} [النساء: ٣٠ - ٣٣].

الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِسبق الكلام على أول هذه الآية وأظن ليس فيه شيء يحتاج إلى مناقشة. ففي هذه الآية من الفوائد: العناية بحفظ الأموال وعدم العدوان؛ لقوله: لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ. وفيه: تحريم أخذ مال الإنسان بغير رضى منه؛ لقوله: إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ. وفيه أيضًا: تحريم التعامل المحرم، ولو كان برضا من الطرفين؛ لأن التعامل المحرم أكل للمال بالباطل، وعلى هذا فلو تراضى الطرفان على تعامل ربوي فإن ذلك محرم.

ومن فوائدها: أن من مقتضى الإيمان تجنّب أكل المال بالباطل؛ لأنه وجّه الخطاب إلى من؟ إلى المؤمنين. ومن فوائد الآية الكريمة: اشتراط الرضا في عقود المعاملات؛ لقوله: إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْوالرضا إذا كان سابقًا عن العقد لا إشكال في جواز العقد وصحته، ولكن إذا كان لاحقًا، فهل ينفذ العقد أم لا؟ وذلك فيما يسمى عند أهل العلم بالتصرّف الفضولي؛ يعني: لو أنني بعت مال شخص بدون إذنه ورضاه ولكن أذن فيما بعد ورضي، فهل يقع العقد السابق صحيحًا أو باطلًا؟ إذا نظرنا إلى عموم قوله: إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْقلنا: إنه يكون صحيحًا؛ لأن هذه التجارة صار مآلها إلى التراضي، وهذا القول هو الراجح أن تصرف الفضولي أو التصرف الفضولي -عَبِّر بهذا أو بهذا- إذا أذن فيه صاحبه فإنه جائز نافذ؛ وذلك لأن عموم قوله: إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْيدخل فيه هذه الصورة، ولكن بعض أهل العلم قال: لا يصح مطلقًا سواء أذن أو لم يأذن، وسواء تصرف في ذمته أو في عين المال، وسواء كان في الشراء أو في البيع، وبعض العلماء فصّل وفرّق بين الشراء وبين البيع، فقال: إذا اشترى له في ذمته ولم يسمّه في العقد ورضي فلا بأس وإلا فلا، ولكن القول الراجح أنه متى رضي ولو بعد العقد فإنه يقع العقد صحيحًا. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تحريم القتل؛ قتل الإنسان نفسه؛ لقوله: وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ. وعلى التفسير الثاني من فوائدها: أن المؤمنين كنفس واحدة وأن قتل الإنسان غيره كأنما قتل نفسه.

ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله عز وجل أرحم بالإنسان من نفسه؛ لأنه نهاه أن يقتل نفسه فصار أرحم به من نفسه. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات صفة الرحمة لله؛ لقوله: إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا، والرحمة عند السلف صفة حقيقية ثابتة لله عز وجل، وأنكرها المعطّلة، أنكروها إنكار تأويل لا إنكار تكذيب؛ يعني لم يقولوا: إن الله ليس له رحمة، بل قالوا: إن المراد برحمته كذا وكذا متعلّلين بأن الرحمة فيها شيء من الرقة واللين، والله عز وجل لا يوصف بهذا، فنقول لهم: بماذا تفسرون الرحمة؟ قالوا: نفسّرها بإرادة الإنعام والإحسان أو نفسرها بالإحسان، أما أن نقول: هناك رحمة بها يريد الإحسان فيُحسن، فهذا لا يجوز، ولا شك أنهم بذلك التفسير خالفوا ظاهر القرآن، وخالفوا إجماع السلف، وإجماع السلف قد يقول قائل: أين إجماع السلف؟ فنقول: إن القرآن نزل باللغة العربية وفهموه على مقتضى اللغة العربية، فإذا أثبت الله لنفسه الرحمة أثبتوا له الرحمة؛ لأن هذا هو الأصل، ونقول لمن قال: إنه لا إجماع: ائت بحرف واحد عن السلف يفسرون الرحمة بغير ظاهر القرآن، وهذه فائدة مهمة يندفع بها من شبّه ولبّس، وقال: أين إجماع السلف؟ نقول: القرآن بين أيديهم ولم يفسروه بخلاف ظاهره، والأصل أنهم فهموه على أيش؟ على ظاهره بمقتضى اللسان العربي. ثم نقول لهم: أنتم تفسرونه بالإرادة فرارًا من مشابهة المخلوق بزعمكم، والمخلوق له إرادة مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ [آل عمران: ١٥٢]، تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ [الأنفال: ٦٧]، «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» ولا أحد يشك في أن المخلوق له إرادة، فإذا قالوا: إرادة المخلوق تليق به وإرادة الخالق تليق به، قلنا لهم: ورحمة الخالق تليق به ورحمة المخلوق تليق به، وكذلك إذا فسرتم الرحمة بالإنعام الذي هو مخلوق أو بالنعمة التي هي مخلوقة، قلنا: النعمة لا تكون إلا بإرادة، والإرادة لا تكون إلا برحمة، من لم يرحم لم يُرد النعمة ولم ينعم، وبهذا تبين بطلان تحريفهم، ونسميه تحريفًا لا تأويلًا على كل تقدير، ولو سألناكم الآن: أيما أعظم أن يُحرّف القرآن والسنة فيما يتعلق بصفات الله أو فيما يتعلق بالأحكام التكليفية المتعلقة بأفعال العبيد؟ طلبة: الأول. الشيخ: الأول أشد؛ لأن الأول لا مجال للعقل فيه، فالواجب إجراؤه على ظاهره، أما الثاني فهي أحكام تكليفية للعقل فيها مجال بالقياس مثلًا، فيكون التحريف فيها أهون، وتجد هؤلاء المعطّلة ينكرون أشد الإنكار على من حرّف النصوص فيما يتعلق بفعل المكلَّف، ولا ينكرون على أنفسهم تحريف النصوص فيما يتعلق بصفات الرب عز وجل. ومن فوائد الآية الكريمة: جواز التجارة والاتجار؛ لأن الله أقرّ ذلك بقوله: إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً. وظاهر الآية العموم أن الاتجار جائز لذوي الجاه والشرف وللسوقة من الناس ولمن دونهم، فلا عيب على الإنسان أن يتجر ويطلب الرزق، ولهذا وجّه الله الأمر للمؤمنين بالسعي إلى الجمعة عند ندائها، وقال: فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا [الجمعة: ١٠] لما أمرنا بطلب الرزق بعد الانصراف من الجمعة ذكّرنا أن لا ننسى ذكر الله قال: ابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَحتى لا تنسى وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. على كل حال التجارة جائزة، ولا عيب على الإنسان فيها، ويذكر في التاريخ أن أبا بكر رضي الله عنه لما وُلّي على المسلمين خليفة نزل إلى السوق يبيع ويشتري، فقالوا له: كيف تبيع وتشتري أنت خليفة مسؤول؟! قال: لا بد من ذلك، فضربوا له نصيبًا معينًا من بيت المال بقدر كفايته رضي الله عنه. ما هي التجارة المذمومة؟ التجارة المذمومة ما صدّت عن ذكر الله، ولهذا امتدح الله الرجال الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، قال بعض أهل العلم: والتجارة التي يُقصد بها المكاثرة في الدنيا هي أيضًا مذمومة؛ لأن الغالب أن من كانت هذه نيته أن تصدّه التجارة عن ذكر الله، فإذا رأيت من نفسك جشعًا وطمعًا وشُحًّا في التجارة فأمسك، أمسك لأن ذلك يُخشى أن يكون على حساب الدين. ثم قال الله تعالى: وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا. قوله: ذَلِكَالمشار إليه ما ذكر في الآية السابقة فقط خلافًا لبعض العلماء الذين قالوا: مَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَأي: كل ما نهي عنه من أول السورة، فإن هذا لا وجه له، بل نقول: مَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَالإشارة تعود إلى أقرب مذكور؛ أي: من يأكل الأموال بالباطل إلا ما استُثني، ومن يقتل النفس عدوانًا وظلمًا. عُدْوَانًاأي: اعتداء بأن يفعله عن قصد. وَظُلْمًاقيل: إنها من باب عطف المرادف على مرادفه؛ لأن الظلم عدوان، والعدوان ظلم. وقيل: بل بينهما فرق، فالعدوان ما فُعل عن قصد، والظلم يعود إلى نفس الفاعل؛ فهو إذا خالف ما ذكر، أو فعل ما ذُكر من المناهي فقد اعتدى على غيره فأكل ماله، واعتدى على غيره فقتله وظلَم نفسه، فيكون عدوانًا باعتبار الغير وظلمًا باعتبار أيش؟ النفس، وأيهما أصح؟ طالب: الثاني. الشيخ: الثاني أصح لا شك؛ لأن حمل الكلام على التأسيس أولى من حمله على الترادف؛ لأنك إذا جعلتهما مترادفتين صار ذلك تكرارًا، لكن إذا قلت: هذه لها معنى، وهذه لها معنى، فهذا هو الأصل، وعليه فنقول: عُدْوَانًاأي: عن عمد وقصد، وهو عدوان على الغير. ظُلْمًاأي: للنفس؛ لأن جميع المعاصي ظلم للنفس. قال: فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًاأي: ندخله نارًا تحرقه، وهذه نُصْلِيهِ نَارًانصبت مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر، فتكون من باب؟ طلبة: (كسا وأعطى). الشيخ: (كسا وأعطى) نعم. فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًاأي: ندخله نارًا يصلاها فتحرقه. وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًاكَانَ ذَلِكَالمشار إليه إدخاله النار التي يصلاها كان على الله يسيرًا أي: سهلا؛ لأنه لا يمانعه أحد في ملكه، التعذيب بالنار قد يصعب على بعض ملوك الدنيا مثلًا، لكنه على الله يسير سهل، إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس: ٨٢]. الإعراب في هذه الآية: (من) ما هي؟ شرطية، وفعل الشرط؟ يَفْعَلْ، وجوابه: فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا، وارتبطت الجملة -جملة جواب- الفاء لوجود ما يقتضي ذلك وهو سوف، والجواب الذي يحتاج إلى ربط بالفاء مجموع في قول الشاعر:

اسْمِيَّــــــــــــــــةٌ طَلَبِيَّــــــــــــــــةٌ وَبِجَامِــــــــــــــدٍ

وَبِمَا وَقَدْ وَبِلَنْ وَبِالتَّنْفِيسِ

أين سوف؟ طلبة: بالتنفيس. الشيخ: التنفيس إي نعم، تدخل في قوله: وبالتنفيس. من فوائد الآية الكريمة: التحذير من فعل هذه المنهيات، وذلك بالوعيد عليها في النار. ومن فوائدها: أن فعل هذه المنهيات من كبائر الذنوب؛ لأنه توعد عليه بالنار، وكل ذنب توعد عليه بالنار فهو من كبائر الذنوب.

ومن فوائدها: بيان عظمة الله وتمام سلطانه وقدرته؛ لقوله: وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا.

ومن فوائد الآية: تعظيم الله نفسه؛ لقوله: نُصْلِيهِ نَارًا؛ لأن الضمير هنا تقديره: (نحن)، وهو ضمير العظمة، وليس من المتشابه إلا على من طمس الله قلبه كالنصراني الذي يقول: إن ضمير الجمع يدل على التعدّد، وينسى الآيات المحكمات الدالة على أن الله إله واحد؛ لأن الله تعالى طمس على قلبه، فمن طمس الله على قلبه فإنه لا يتبين له الحق.

تفسير الآية (٣١)

٠١:١٠:٠٢

ثم قال تعالى: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا، إِنْ تَجْتَنِبُواهنا عدول عن الغَيبة إلى الخطاب، أين الغيبة؟ ومن يفعل ذلك نصليه، وأما إِنْ تَجْتَنِبُوافهذا للخطاب؛ يخاطب الله سبحانه وتعالى العباد بقوله: إِنْ تَجْتَنِبُواأي: تبتعدوا عن كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ. كَبَائِرَجمع (كبيرة). ومَا تُنْهَوْنَ عَنْهُالنهي: هو طلب الكف على وجه الاستعلاء. أي: ما ينهاكم الله عنه نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْأي: صغائر ذنوبكم. نُكَفِّرْمأخوذ من (الكَفْر) وهو الستر، فالتكفير إذن معناه ستر السيئات، وذلك بالعفو عنها.

وقوله عز وجل: سَيِّئَاتِكُمْجمع (سيئة)، والمراد بها هنا الصغيرة، والدليل على أن المراد بها الصغيرة أنها جاءت في مقابلة الكبائر: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ، وإلا فالأصل أن السيئة عامة للكبيرة وللصغيرة، وهذه من بلاغة القرآن أن يُعرف معنى الكلمة بذكر ما يقابلها، ومن ذلك قوله تعالى: فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا [النساء: ٧١]. لو قيل: ما معنى ثبات؟ طالب: فرادى. الشيخ: فرادى؟ ما دليلك؟ الطالب: جَمِيعًا. الشيخ: أنه قُوبل بقوله: أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًامع أنك لو ذهبت تراجعها في القاموس أو غيره من كتب اللغة لأخذت وقتًا، لكن إذا عرفت أن الله عز وجل يذكر الشيء وما يقابله كما في هذه الآية عرفت أن المراد بالثُّبات أي: الفرادى.

وقوله: نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًاالْمُدخل الكريم هو الجنة؛ لأنها دار الكرام، دار الفضل، دار الإحسان، دار السلام، وهنا قال: مُدْخَلًاولم يقل: مَدْخلًا؛ لأنه من الرباعي، واسم المكان أو الزمان والمصدر الميمي إذا كان من الرباعي فهو على وزن (مُفْعَل) لا على وزن (مَفْعَل)، ولهذا تقول: أقام الرجل عندنا مُقامًا، أو مَقامًا؟ طلبة: مُقامًا. الشيخ: مُقامًا، وتقول: قام الرجل فينا مَقامًا؛ لأنه من الثلاثي، على هذا نُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًاصارت بضم الميم؛ لأنها من الرباعي من (أَدْخَل يُدْخِل) وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًاأي: ندخلكم في مكان دخول كريم بناءً على أن مُدْخَل هنا اسم مكان، ويجوز أن تكون مصدرًا ميميًّا أي: ندخلكم إدخالًا كريمًا، ويجوز أن يراد بها هذا وهذا؛ أي: أن الكرم وصف للإدخال ولمكان الدخول. فإذا قال قائل: ما هي الكبائر؟ قلنا: الكبائر جمع (كبيرة)، وقد جاءت الأحاديث بِعدّها بثلاث، وأربع، وسبع، وتسع، وتفاوتت الأحاديث في هذا، ومن ثم اختلف العلماء، فقيل: إن الكبائر ما نُص على أنه من الكبائر، وما سوى ذلك فهو من الصغائر، ففي حديث أبي بكرة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟» قلنا: بلى يا رسول الله. قال: «الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ». وكان مُتكئًا فجلس وقال: «أَلَا وَشَهَادَةُ الزُّورِ وَقَوْلُ الزُّورِ» . وورد عنه أيضًا: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ» وعدّها، وسئل عن الكبائر فقال: «تِسْع» ، وعدّها؛ ومن ثم اختلف العلماء، فمنهم من قال: ما ورد أنه من الكبائر فهو كبيرة وما لا فهو صغيرة، وقد سئل ابن عباس رضي الله عنهما عن الكبائر هل هي سبع؟ فقال: هِيَ إِلَى السَّبْعِينَ أَقْرَبُ مِنْهَا إِلَى السَّبْعِ . وفي رواية أخرى قال: هِيَ إِلَى السَّبْعِ مئة أقربُ منها إلى السّبْعِ، ولكن لا كبيرةَ مع الاستغفارِ ولا صغيرةَ مع الإصرارِ .

وقال الإمام أحمد: الكبيرة محدودة لا معدودة، وهي ما فيه حد في الدنيا أو وعيد في الآخرة، ما فيه حد في الدنيا أو وعيد في الآخرة فهو كبيرة وما لا فلا؛ فالزنا مثلًا كبيرة، السرقة كبيرة، القذف كبيرة، من جرّ ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه؛ كبيرة، فما فيه حد في الدنيا أو وعيد في الآخرة فإنه من كبائر الذنوب. قال ابن عبد القوي في منظومته الدالية التي تقع في نحو أربعة عشر ألف بيت في الفقه قال:

فَمَا فِيهِ حَدٌّ فِي الدُّنَا.............

..............................

يعني في الدنيا.

..................... أَوْ تَوَعُّـــــــــــــــدٌ

بِأُخْرَى فَسِمْ كُبْرَى عَلَى نَصِّ أَحْمَدِ

سِمْ يعني سَمِّه أو أعلمه؛ لأنه يجوز أن تكون من السمة أو العلامة، فسم كبرى، يعني صفه بأنه من كبائر الذنوب، على نص أحمد.

وَزَادَ حَفِيـــــــــــــــدُ الْمَجْــــــــــــــــــدِ أَوْ جَــــــــــــــــا

وَعِيدُهُ بِنَفْيٍ لِإيمَانٍ وَلَعْنٍ مُؤَبَّــــــــــــــــــــــدِ

من هو حفيد المجد؟ طلبة: شيخ الإسلام ابن تيمية. الشيخ: شيخ الإسلام ابن تيمية، وزاد حفيد المجد أو جا وعيده بنفي لإيمان مثل: لا يؤمن من فعل كذا وكذا، ليس منا من فعل كذا وكذا، ولعن مؤبد؛ يعني ما ذُكر فيه اللعن مثل: «لَعَنَ اللَّهُ مَنْ لَعَنَ وَالِدَيْهِ» وأشبه ذلك، فزاد كم؟ طلبة: أربع يا شيخ. الشيخ: زاد، كم زاد؟ طلبة: اثنين.

الشيخ: زاد ثنتين مع الثنتين الأوليين تكون أربعة، ولشيخ الإسلام -رحمه الله- كلام آخر قال فيه: ما رُتّب عليه عقوبة خاصة دينية أو دنيوية فهو من كبائر الذنوب، وما كان فيه مجرد التحريم أو مجرد النهي فهو من الصغائر، ووجه ذلك: أن تخصيص الذنب بالعقوبة يدل على عظمه، وإلا لاكتُفي بالعقوبات العامة على الذنوب لكونه ينصّ على عقوبة خاصة فيه يدل على عظمه، وهذا الضابط الذي ذكره شيخ الإسلام ضابط لا بأس به، لكنه سوف يدخل فيه ذنوب كثيرة، ولكننا لم نجد فارقًا يفرق بين الكبائر والصغائر إلا بمثل ذلك، فإذا رُتّبت عقوبة خاصة دنيوية أو دينية أو أخروية فهو كبيرة؛ دينية مثل أن يقال: «وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ مَنْ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ» هذه دينية؛ نفي إيمان، دنيوية كالحد، أُخروية كالوعيد: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ» وهذا تعريف للكبيرة بالعدّ أو بالحد؟ طلبة: بالحد. الشيخ: بالحد، نعم. طالب: شيخ، عفا الله عنك يا شيخ، الله سبحانه وتعالى يقول: وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًاربما يعود هذا على قتل النفس وأكل التجارة بالباطل؟ الشيخ: نعم، أكل المال بالباطل. الطالب: أكل المال بالباطل، طيب يا شيخ لو يعني إنسان قتل له شخص مثلًا وعرف القاتل، ثم ذهب يقتل هذا القاتل، هذا ما يدخل في العدوان والظلم خصوصًا إذا كان ولي الأمر لا يقيم الحدود، كيف (...)؟ الشيخ: يعنى معناه أن من له حق القتل اقتص بنفسه؟ الطالب: إي نعم، لكن هذا من العدوان والظلم؟ الشيخ: طيب نسأل هل هذا عدوان وظلم؟ طالب: لا لا لا، حقه. الشيخ: حق له، حق له لكنه في القتل قال العلماء: لا يستوفى إلا بحضرة السلطان أو نائبه لئلا تحمل المقتص الغيرة على أن يمثّل بالقاتل أو ما أشبه ذلك. طالب: شيخ، ما رأيك في قول بعضهم يا شيخ بأن الكبائر ما كانت فيها المظالم بينك وبين العباد، والصغائر ما كانت فيها المظالم بينك وبين الله، وقال: إن كل الكبائر اللي وردت غالبها في المظالم اللي بيني وبينك.. قطيعة الرحم؟ الشيخ: ما هو بصحيح، أقول: هذا غير صحيح، يقول: إذا كانت المظالم بينك وبين العباد فهي من الكبائر وما كان بينك وبين الله فمن الصغائر. طالب: الإسبال يا شيخ.. الإسبال يدخل في الحكم؟ الشيخ: أقول: هذا غير صحيح هذا؛ لأن «مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ لَمْ يَنْظُرِ اللَّهُ إِلَيْهِ» ما ظلمت أحدًا. طالب: شيخ، سيئات الصغائر في مقابل ذُكرت في مقابلة الكبائر إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْوجه المقابلة؟ الشيخ: كيف ما (...)؟ الطالب: يعني التكفير للسيئات مطلقًا. الشيخ: إي، لكن كبائر وسيئات ذكرت ما قال: نكفر عنكم كبائرها أو نكفّرها عنكم، قال: إن تجتنبوا نكفّر السيئات؛ يعني نكفّر الصغائر. طالب: (...) يشمل الأمرين الكبائر والصغائر؟ الشيخ: لا لا، طيب كيف نقول: مجتنب الكبائر وهو فعلها؟! واضح؟ طالب: يا شيخ، السطر الثالث من أسفل من فوائد قوله تعالى مكتوب: وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا. الشيخ: من فوائد قوله تعالى: وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا.


طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١) وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٣٢) وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (٣٣)} [النساء: ٣١ - ٣٣].

الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًاهل العدوان هو الظلم أو غيره؟

طالب: قيل: إنهما مترادفان. الشيخ: قيل: إنهما مترادفان، وقيل؟ طالب: أن العدوان يكون عن عمد وقصد ومتعدي لغيره، أما الظلم فللنفس مثل المعاصي. الشيخ: يعني قيل: متباينان؛ العدوان باعتبار التعدّي على الغير عن قصد، وعمد، والظلم ظلم النفس، أيهما أصح؟ طالب: شو السؤال يا شيخ؟ الشيخ: متباينان أم مترادفان؟ الطالب: لا (...) يا شيخ. الشيخ: أيهما أصح؟ طالب: متباينان. الشيخ: متباينان بناءً على إيه؟ الطالب: بمعنى هذا؟ الشيخ: بمعنى بناءً على أي شيء صحّحت أنهما متباينان؟ طالب: أن الأصل في الكلام التأسيس والمغايرة. الشيخ: نعم، بناءً على أن الأصل في الكلام التأسيس والمغايرة؛ يعني دون التوكيد والمرادفة. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا. من فوائد هذه الآية الكريمة: أن ما نهي عنه ينقسم إلى كبائر وصغائر؛ لقوله: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ. ومن فوائدها: تفاضل الناس في الإيمان، وجهه: أن الإيمان يزداد بزيادة العمل كمية أو كيفية أو نوعًا؛ هنا قسم الله المعاصي إلى قسمين، وكلما كان الإنسان في معصية أشد كان إيمانه أنقص وأقل، فيؤخذ منه أن الإيمان يزيد وينقص، وهذا هو الذي عليه جمهور أهل السنة؛ أن الإيمان يزيد وينقص، بدليل الكتاب والسنة والواقع، عرفتم؟ الكتاب قال الله تبارك وتعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا [التوبة: ١٢٤]، وقال تعالى: لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا [المدثر: ٣١] وهل في الآيتين دليل على النقص؟ نعم، لأنه لا تتصور الزيادة إلا بما نقص عنها، لا بد من نقص، وفي السنة قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ _يعني النساء_ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الْحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ» . وأما الواقع فظاهر؛ الأعمال عند أهل السنة من الإيمان، والأعمال تتفاضل بالزيادة، أليس كذلك؟ المصلي عشر ركعات لا يساويه من صلى ست ركعات، وهذا ظاهر محسوس، كذلك أيضًا في القلب، الإيمان يزيد وينقص في القلب، دليل ذلك أن إبراهيم قال: رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي [البقرة: ٢٦٠] ليزيد ثباتًا وإيمانًا، وأنت بنفسك تحس أن إيمانك بالشيء يزداد في القلب، فإذا جاءك مخبر بخبر وهو عندك ثقة آمنت بخبره، فإذا جاء آخر مثله وأخبرك بنفس الخبر ازداد إيمانك لا شك، ولو أخبرك بعكسه ضعف إيمانك الأول الذي أخبرك به الثقة، أليس كذلك؟ هذا شيء مشاهَد، كذلك أيضًا بالنسبة لمراقبة الله عز وجل، مراقبة الله، يجد الإنسان من نفسه أحيانًا أن قلبه حاضر بين يدي ربه، وأنه في أحلى ما يكون وألذ ما يكون، وأنه قد ذاق طعم الإيمان حتى يتمنى أنه لا يكون إلا في هذا السرور، ولا يريد لا دنيا ولا آخرة، ما يرى أحسن ولا أطيب من الساعة التي هو فيها سواء كان في صلاة أو في قراءة قرآن أو في تدبّر سيرة النبي عليه الصلاة والسلام..