تفسير سورة النجم
جارٍ تجهيز الصوت
انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها
إعدادات
اختصارات لوحة المفاتيح
محتوى الدرس
تفسير الآيتين (١-٢)
٠٠:٠٠:٠٤
يقول الله تبارك وتعالى، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم: وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى [النجم: ١، ٢]، النجم: اسم جنس يُراد به جميع النجوم، وقوله: إِذَا هَوَىله معنيان؛ المعنى الأول: إذا غاب، والمعنى الثاني: إِذَا هَوَىأي: إذا سقط منه شهاب على الشياطين التي تسترق السمع مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىهذا جواب القسم وَالنجم إِذَا هَوَىالمقسم به، جواب القسم يعني: المقسم عليه: مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى، مَا ضَلَّأي: ما جهل، وَمَا غَوَىأي: ما عاند؛ لأن مخالفة الحق إما أن تكون عن جهل، وإما أن تكون عن غي، قال الله تعالى: لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ [البقرة: ٢٥٦] فإذا انتفى عن النبي صلى الله عليه وسلم الجهل، وانتفى عنه الغي تبين أن منهجه صلى الله عليه وسلم علم ورشد، علم: ضد الجهل اللي هو الضلال: مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ، ورشد: ضد الغي: قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ. إذن النبي عليه الصلاة والسلام كلامه حق، وشريعته حق؛ لأنها عن علم ورشد، وقوله: مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْيخاطب قريشًا، جاء بهذا الوصف إشارة إلى أنهم يعرفونه، يعرفون نسبه، يعرفون صدقه، يعرفون أمانته، ليس شخصًا غريبًا عنهم حتى يقولوا: لا نؤمن به؛ لأننا لا نعرفه، بل هو صاحبهم الذي نشأ فيهم، هذه واحدة. ثانيًا: أنه إذا كان صاحبهم فإن مقتضى الصحبة أن يصدقوه وينصروه، لا أن يكونوا أعداءً له، ففي قوله: صَاحِبُكُمْ-إذن- فائدتان: الفائدة الأولى: أنه صاحبهم الذي يعرفونه، ليس مجهولًا بينهم، وليس غريبًا عليهم، فكيف بالأمس يصفونه بالأمين والآن يصفونه بالكاذب الخائن؟! الفائدة الثانية: أنه مقتضى الصحبة أن يصدقوه وأن ينصروه، لا أن يكونوا ضده؛ يعني: هو لم يقل: ما ضل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما ضل محمد، مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْفالفائدة من هذا هو ما ذكرنا لكم: أن مقتضى الصحبة أن يكونوا عارفين به، ومقتضى الصحبة أن يكونوا مناصرين له.
تفسير الآية (٣)
٠٠:٠٢:٣٨
{وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى} [النجم: ٣] أي: ما يتكلم بشيء صادر عن الهوى بأي حال من الأحوال، فما حكم بشيء من أجل الهوى، ولكنه ينطق بما أُوحي إليه من القرآن، وما أُوحي إليه من السنة، وما اجتهد به صلى الله عليه وعلى آله وسلم اجتهادًا يريد به المصلحة، فنطقه عليه الصلاة والسلام ثلاثة أقسام: الأول: أن ينطق بالقرآن. الثاني: أن ينطق بالسنة الموحاة إليه، التي أقرها الله تعالى على لسانه. الثالث: أن ينطق باجتهاد لا يريد به إلا المصلحة. نحن ننطق عما نريد به المصلحة، وننطق عن الهوى، هل كل إنسان منا سالم من الهوى؟ لا، يميل مع صاحبه، يميل مع قريبه، يميل مع الغني، يميل مع الفقير، لكن النبي صلى الله عليه وسلم لا يمكن أن يتكلم عن هوى. وإذا كان لا يمكن أن ينطق عن الهوى صار لا ينطق إلا بحق؛ إن كان من القرآن فالقرآن، أو من السنة الموحاة فمن السنة، أو من السنة الاجتهادية فهو على كل حال مأجور.
تفسير الآيات (٤-٦)
٠٠:٠٣:٥٨
ثم قال: إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [النجم: ٤] يعني: ما القرآن الكريم إلا وحي يوحى، أي وحي من الله عز وجل، مَن الواسطة بين الله وبين الرسول؟ عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى [النجم: ٥] يعني: عَلَّم النبي صلى الله عليه وسلم هذا الوحي شَدِيدُ الْقُوَىأي: ذو القوة الشديدة، وهو جبريل عليه السلام، كما قال تعالى: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ [التكوير: ١٩، ٢٠] فجبريل عليه السلام قوي شديد أمين كريم، لا يمكن أبدًا أن يفرط بهذا الوحي الذي نقله إلى محمدٍ صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما قال تعالى: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ [الشعراء: ١٩٣، ١٩٤]. عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى، شَدِيدُ الْقُوَىمعناه: ذو القوى الشديدة، فهو من إضافة الصفة إلى موصوفها. شَدِيدُ الْقُوَى (٥) ذُو مِرَّةٍ [النجم: ٥، ٦]، شَدِيدُ الْقُوَىيعني: أنه قوي، والمرة: الهيئة الحسنة، فهو ذو قوة وذو جمالٍ وحسن. وقد رآه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على صورته التي خلق عليها له ستمائة جناح قد سد الأفق، فهو الذي نزل بهذا القرآن، حتى ألقاه على رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قال تعالى: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ [الشعراء: ١٩٣، ١٩٥]. وقوله: فَاسْتَوَى [الفتح: ٢٩] أي: فعلًا، أو فكمل؛ لأن الاستواء في اللغة العربية تارة يذكر مطلقًا دون أن يقيد فيكون معناه: الكمال، ومنه قوله تعالى: وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا [القصص: ١٤] أي: كمل. وتارة يقيد بـ(على) فيكون معناه: العلو، كما في قوله تعالى: وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (١٢) لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ [الزخرف: ١٢، ١٣]، فقال: لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ، وقال: إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِأي: علوتم عليه. ومنه قوله تعالى فيما وصف به نفسه: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه: ٥] أي: علا عليه عز وجل، العلو خاص بالعرش، وهذا غير العلو المطلق على جميع المخلوقات. وتارة يتعدى بـ(إلى) يُقال: استوى إلى كذا، فيُفسر بأنه القصد والانتهاء، ومنه قوله تعالى: ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ [فصلت: ١١]. وتارة يُقيد بالواو فيكون معناه: التساوي، مثل قولهم: استوى الماء والخشبة؛ أي: ساواها، فقوله هنا: فاستوى يحتمل أن المعنى: استوى: علا؛ لأن جبريل ينزل من السماء فيلقي الوحي على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ثم يصعد إلى السماء، ويحتمل أن معناه: كمل ويكون كامل القوة، كامل الهيئة، كاملًا من كل وجه مما يليق بالمخلوقات.
تفسير الآية (٧)
٠٠:٠٧:٢٧
{وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى} [النجم: ٧] أي: جبريل عليه الصلاة والسلام بِالْأُفُقِ الْأَعْلَىأي: الأرفع؛ وهو أفق السماء.
تفسير الآيتين (٨-٩)
٠٠:٠٧:٣٨
{ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى} [النجم: ٨] دَنَامن النبي صلى الله عليه وسلم، فَتَدَلَّىأي: قرب من فوق، فكان أي: جبريل من النبي صلى الله عليه وسلم قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى [النجم: ٩]، وهذا مثل يُضرب للقرب، قَابَ قَوْسَيْنِيعني: قريبًا جدًّا بل أدنى، فقوله: أَوْ أَدْنَىبمعنى: بل، أي: بل هو أدنى من ذلك.
تفسير الآية (١٠)
٠٠:٠٨:٠٨
{فَأَوْحَى} [النجم: ١٠] أي: جبريل إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى [النجم: ١٠] أي: إلى عبد الله، فالضمير في أوحى يعود على جبريل، والضمير في عبده يعود إلى الله عز وجل؛ أي: أوحى جبريل إلى عبد الله مَا أَوْحَى، ولم يبين ما أوحى به تعظيمًا له؛ لأن الإبهام يأتي مرادًا به التفخيم والتعظيم، ومنه قوله تعالى: فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ [طه: ٧٨] أي: غشيهم شيءٌ عظيم. هنا فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَىأي: من الشيء العظيم، ولا كلام أعظم من القرآن الكريم؛ لأنه كلام الله عز وجل.
تفسير الآية (١١)
٠٠:٠٨:٥٣
ثم قال تعالى: مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى [النجم: ١١]، في قصة المعراج. واعلم -أيها الأخ المسلم- أن للنبي صلى الله عليه وسلم إسراءً ومعراجًا، فالإسراء ذكره الله في سورة الإسراء، والمعراج ذكره الله في سورة النجم، وكلاهما في ليلة واحدة قبل الهجرة بنحو ثلاث سنين أو سنة ونصف -اختلف المؤرخون في هذا- ثم إن الإسراء والمعراج كان ببدن النبي صلى الله عليه وسلم وروحه، وليس بروحه فقط. وأما قوله تعالى: وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ [الإسراء: ٦٠] فالمراد بها رؤية العين، لا رؤية المنام. يقول الله تعالى في سياق الآيات في المعراج: مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى [النجم: ١١] الْفُؤَادُالقلب، والمعنى: أن ما رآه النبي صلى الله عليه وسلم بعينه، فإنه رآه بقلبه وتيقنه وعلمه، وذلك أن العين قد ترى شيئًا فيكذبها القلب، وقد يرى القلب شيئًا فتكذبه العين، فمثلًا: الإنسان قد يرى شبحًا بعينه فيظنه فلان ابن فلان، ولكن القلب يأبى هذا؛ لأنه يعلم أن فلان ابن فلان لم يكن في هذا المكان، فهنا العين رأت والقلب كذَّب، أو بالعكس قد يتخيل الإنسان الشيء في قلبه، ولكن العين تكذبه. أما ما رآه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ليلة المعراج فإنه رآه حقًّا ببصره وبصيرته، ولهذا قال: مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى [النجم: ١١]، بل تطابق القلب مع رؤية العين، فلم يكن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كاذبًا فيما رآه من الآيات العظيمة في تلك الليلة، بل هو صادق، ولكن تعلمون أن المشركين كذبوه، وقالوا: كيف يمكن أن يصل إلى بيت المقدس ويعرج إلى السماء في ليلة واحدة؟!
تفسير الآية (١٢)
٠٠:١١:٠٤
ولهذا قال: أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى [النجم: ١٢]، والاستفهام هنا للإنكار والتعجب، ومعنى تمارونه؛ أي: تجادلونه بقصد الغلبة، ولهذا عداها بـ(على) دون (في)؛ يعني: لم يقل: أفتمارونه فيما يرى، بل قال: عَلَى مَا يَرَىإشارة إلى أن الفعل ضمن معنى المغالبة؛ يعني: أفتجادلونه تريدون أن تغلبوه عَلَى مَا يَرَىأي: على شيءٍ رآه، ولكنه عبر عن الماضي بالمضارع، إشارة إلى استحضار هذا الشيء، وأنه عليه الصلاة والسلام حين أخبر به كأنما يراه الآن؛ لأن الإنسان إذا حدَّث عن ماضٍ فربما يقول قائل: لعله نسي فأخطأ، لكن إذا عبر بالمضارع صار كأنه يتحدث عن شيءٍ هو يشاهده. أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَىالمعنى على ما يرى الآن ولّا على ما رأى من قبل، ولكن عَبَّر عما رأى من قبل بالمضارع؟ الثاني: وانتبهوا لهذه النكتة العظيمة، وأعني بالنكتة يعني: الحكمة البالغة؛ حيث تكون تعبيرات القرآن الكريم إذا عبر بخلاف ما يتوقع فلا بد أن يكون هناك حكمة تظهر للمتأمل.
تفسير الآية (١٣)
٠٠:١٢:٢٧
{وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى} [النجم: ١٣] (رآه) الفاعل: محمد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والمفعول به: جبريل، أي: رأى محمدٌ جبريل، نَزْلَةً أُخْرَىأي: مرة أخرى حين نزل، فما هي المرة الأولى؟ المرة الأولى رأى الرسول عليه الصلاة والسلام جبريل وهو في غار حراء، رآه على خلقته التي كان عليها، أتدرون كيف رآه؟ رآه وله ستمائة جناح قد سد الأفق، وهذا يدل على عظمته، كل الأفق اللي حول الرسول عليه الصلاة والسلام في حراء انسد من أجنحة هذا الملك الكريم، ولهذا وصفه الله بأنه ذو قوة، ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ [التكوير: ٢٠] وبأنه ذو مرة؛ أي: هيئة حسنة كما سبق في هذه السورة، فرآه مرة في الأرض ومرة في أفق السماء. في الأرض في أي مكان؟ وهو في غار حراء، أما في السماء ففوق السماء، فتارة رآه من تحت السماء من فوق الأرض، وتارة من فوق السماء، ولهذا قال: وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىنزلة؛ أي: مرة أخرى.
تفسير الآية (١٤)
٠٠:١٣:٥٣
{عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى} [النجم: ١٤] رآه عند السدرة؛ والسدرة معروفة في الأرض شجرة السدر، لكن السدرة التي في السماء السابعة ليست كصفة السدرة التي في الدنيا، نبقها كقلال هجر، وأوراقها كآذان الفيلة، فهي شجرة عظيمة، وسُمِّيت سدرة المنتهى؛ لأنه ينتهي إليها كل صاعدٍ من الأرض، وينتهي إليها كل نازلٍ من عند الله عز وجل، فهي منتهى من الطرفين؛ الطرف الأول: ما يصعد من الأرض إلى السماء ينتهي عند هذه السدرة، وما ينزل من الرب عز وجل ينتهي بهذه السدرة، وما يصعد من الأرض ينتهي إليها أيضًا فهي منتهى من الطرفين.
تفسير الآية (١٥)
٠٠:١٤:٤٣
{عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى} [النجم: ١٥] إذن: الجنة فوق السماء السابعة؛ لأن إذا كانت السدرة فوق السماء السابعة وكانت الجنة عندها ماذا يكون؟ يلزم أن تكون الجنة فوق السماء السابعة وهو كذلك، وأعلاها وأوسطها الفردوس -جعلنا الله وإياكم من أهلها- التي فوقها عرش الرحمن جل وعلا، ولهذا قال تعالى: كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ [المطففين: ١٨] وعليين مبالغة في العلو؛ يعني: في أعلى شيء، المهم أن الله يقول: عِنْدَهَاأي: عند هذه السدرة جَنَّةُ الْمَأْوَى [النجم: ١٥] المأوى يعني: المصير، ومأوى مَن؟ مأوى من جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح، هي مأواهم يأوون إليها ويخلدون فيها، وأما النار فهي مثوى الكافرين، والعياذ بالله. وفي هذا دليل واضح على أن غاية الخلائق -الجن والإنس- إما إلى الجنة وإما إلى النار، ولا ثالث لهما، فالجن والإنس؛ إما في النار وإما في الجنة، قال السفاريني رحمه الله في عقيدته:
وَكُلُّ إِنْسَانٍ وَكُلُّ جِنَّةٍ
فِي دَار نَارٍ أَوْ نَعِيمِ جَنَّةٍ
ما فيه دار غير هذه، القبور مثوى ومأوى؟ لا، ما هي مثوى ولا للموتى أيضًا؛ لأن القبور ممر ومعبر إذ أن وراء القبور بعث. ويذكر أن بعض أعراب البادية سمع قارئًا يقرأ قول الله تعالى: أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ [التكاثر: ١، ٢] فقال الأعرابي بفطرته وعربيته: والله ما الزائر بمقيم، وإن وراء ذلك شيئًا. ويش معنى: الزائر ليس بمقيم؟ الزائر يزور ويمشي، أيضًا القبور يمكث الناس فيها ما شاء الله أن يمكثوا ثم يخرجوا منها، قال الله تعالى: وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [المؤمنون: ١٠٠] فالناس لا بد أن يبعثوا. والعبارة التي نسمعها أو نقرؤها أحيانًا: أن الرجل حملوه إلى مثواه الأخير -يعني: إلى المقبرة- عبارة غير صحيحة، ليش؟ لأن القبور ليست المثوى الأخير، ولو كان قائلها يعتقد معناها لكان لازم ذلك أن ينكر البعث.
تفسير الآية (١٦)
٠٠:١٧:٣٠
{إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى} [النجم: ١٦] السدرة ما هي؟ أي سدرة هي؟ سدرة المنتهى؛ لأنه قال في الأول: وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى [النجم: ١٣، ١٤] ثم قال: إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ [النجم: ١٦] و (أل) في مثل هذه العبارة تسمى عند النحويين أل للعهد الذكري، كقوله تعالى: كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ [المزمل: ١٥، ١٦]. إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ [النجم: ١٦] يعني: سدرة المنتهى، مَا يَغْشَى [النجم: ١٦] أبهم الله ذلك للتفخيم والتعظيم؛ يعني: غشيها شيءٌ عظيم، قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: إنه غشيها من الحسن والبهاء ما لا يستطيع أحدٌ أن يصفه سبحان الله العظيم إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَىنظير ذلك في الإبهام للتعظيم قول الله تبارك وتعالى: فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ [طه: ٧٨] أي: غطاهم من ماء البحر ما غطاهم، وهو شيء عظيم، هذا أيضًا: إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَىأي: غشيها شيء عظيم بأمر الله عز وجل، بلحظة كن فيكون.
تفسير الآية (١٧)
٠٠:١٨:٤٧
{مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى} [النجم: ١٧] البصر بَصَرُ مَنْ؟! بصر النبي صلى الله عليه وسلم، وَمَا طَغَىيقول العلماء: زاغ؛ أي: انحرف يمينًا وشمالًا، طغى: أي: تجاوز أمامه؛ يعني: الرسول عليه الصلاة والسلام كان على كمال الأدب في هذا المقام العظيم، لم يلتفت يمينًا وشمالًا ولم يتقدم بصره أكثر مما أذن له فيه، وهذا من كمال أدبه عليه الصلاة والسلام، جرت العادة أن الإنسان إذا دخل منزلًا غريبًا تجده ينظر يمينًا وشمالًا، ويش هذا المنزل؟! خصوصًا إذا تغير تغيرًا عظيمًا في هذه اللحظة لا بد أن ينظر ما الذي حدث، لكن لكمال أدب النبي صلى الله عليه وسلم ورباطة جأشه صلوات الله وسلامه عليه وتحمله ما لا يتحمله بشر سواه صار في هذا الأدب العظيم. مَا زَاغَ الْبَصَرُبصر من؟ الرسول صلى الله عليه وسلم؛ أي: ما انحرف يمينًا ولا شمالًا ما التفت يمينًا ولا شمالًا، وَمَا طَغَىما تجاوز أمامه، بل كان على غاية من كمال الأدب عليه الصلاة والسلام، ولهذا قال الله عنه: وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم: ٤].
تفسير الآية (١٨)
٠٠:٢٠:٠٨
ثم قال عز وجل: لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى [النجم: ١٨] رأى من؟ الرسول صلى الله عليه وسلم، لَقَدْ رَأَىوأنت -أخي المسلم القارئ للقرآن- يمر بك مثل هذا التعبير دائمًا، لَقَدْ رَأَى، لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ [البلد: ٤]، وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ [المؤمنون: ١٢] إلى آخره، كثير من الأمثلة، هذه الجملة يقول العلماء: إنها مؤكدة بأنواع ثلاثة من المؤكدات: الأول: قسم مقدر، والثاني: اللام، والثالث: قد؛ لأن معنى (ولقد) معناه: والله لقد، فتكون جملة مؤكدة بأيش بالقسم، واللام، وقد، والقسم مقدر لكن دل عليه السياق. ورَأَىيعني: النبي صلى الله عليه وسلم، مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى [النجم: ١٨] الآية: هي العلامة المخصصة لمدلولها التي لا يشركه فيها أحد، وإلا لم تكن علامة؛ يعني لم تكن آية، فالآية لا بد أن تكون خاصة بمدلولها، فليس كل علامة آية، بل هي التي تختص بمدلولها. هذا الذي رآه النبي عليه الصلاة والسلام من آيات الله كبير عظيم، وقوله: الْكُبْرَىقيل: إنها مفعول ثان لـ(رأى) لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِالآية الْكُبْرَى [النجم: ١٨]. وقيل: إن الكبرى صفة لآيات، والمعنى: أنه رأى من آيات الله الكبيرة، والثاني أصح وأقرب؛ يعني: أنه رأى من الآيات الكبرى ما رأى، وليس ما رآه أكبر شيء، بل قد يكون هناك شيء أكبر ما نعلمه. والحاصل: أن الرسول رأى في هذا المعراج من آيات الله الكبيرة ما لم يكن يره من قبل، وما لا يستطيع الصبر عليه أحدٌ من البشر، نحن لو رأينا سرادقًا عظيمًا لملك من الملوك لانبهرنا وتعجبنا وجعلنا نلتفت يمينًا وشمالًا، لكن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يتغير عقله ولا اتزانه، بل كان على أكمل ما يكون من الاتزان، وإلا فقد أُسري به من المسجد الحرام؛ من الحجر عند الكعبة -والحجر من الكعبة- أسري به من ذلك المكان إلى بيت المقدس مسيرة شهر أو شهرين؟ شهرين، في لحظة؛ لأنه ركب على البراق، والبراق دابة عظيمة قوية سريعة خطوته مد بصره، وسريع جدًّا، وصل إلى هناك وصلى بالأنبياء، ثم عرج به إلى السماء؛ والسماء ويش بُعدها عن الأرض؟ بعيدة جدًّا، ثم من سماءٍ إلى سماء، وهو تتلقاه الملائكة، تسأله، تقول لجبريل: من معك؟ يقول: محمد، هل أُرسل إليه؟ يقول: نعم، ثم يسلم على بعض من في السماوات من الأنبياء، ثم تُفرض عليه الصلاة، ويتردد بين الله وموسى، كل هذا وهو ثابت الجأش عليه الصلاة والسلام، وهذا شيء حقيقي هو بنفسه عليه الصلاة والسلام صعد، ولهذا لما جاء وحدث الناس من الغد أنكرته قريش؛ لأنها تُنكر ما لا يمكن في عقلها، وإنكار ما لا يمكن في العقل ليس خاصًّا بكفار قريش حتى في من ينتسب لهذه الأمة أنكروا من صفات الله ما لا تدركه عقولهم، أليس كذلك؟ فيه أناس ينتسبون للأمة الإسلامية وهم من أهلها أنكروا شيئًا من صفات الله أثبته الله لنفسه؛ لأنه على زعمهم لا يمكن في العقل. قريش أنكرت هذا المعراج، أرأيتم لو كان منامًا هل تنكره قريش؟ ما تنكره؛ لأن المنامات يكون فيها مثل هذا، لكنه أمر حسي حقيقي، أُسري بالرسول عليه الصلاة والسلام بجسده وعُرج به في ليلة واحدة، وحصلت كل ها الأمور اللي حصلت ثم عاد إلى الأرض، وصلى الفجر في مكة عليه الصلاة والسلام. لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَىوفي هذا إشارة إلى أن آيات الله عز وجل منها الكبير ومنها ما دون ذلك، ما نقول: ومنها الصغير؛ لأن الكبرى اسم تفضيل، وغلط من قال من المفسرين المتأخرين: إن الكبرى اسم فاعل، بل هي اسم تفضيل؛ لأن آيات الله عز وجل إما كبيرة، وإما كُبرى عُظْمى، فالمعراج الذي حصل لا شك أنه من الآيات الكبرى العظيمة.
تفسير الآيتين (١٩-٢٠)
٠٠:٢٥:٠٥
لَمَّا بَيَّن الله سبحانه وتعالى ما رآه النبي صلى الله عليه وسلم من آيات ربه العظيمة في الآفاق قال: أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّىوهذا الاستفهام للتحقير والانحطاط؛ أي: انحطاط رتبة هذه الأصنام التي ذكرها الله عز وجل يعني: أخبروني بعد أن سمعتم من آيات الله الكبرى ما سمعتم أخبروني عن شأن هذه الأصنام ما قيمتها، ما مرتبتها، ما عزتها؟ أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى [النجم: ١٩، ٢٠] ثلاثة أصنامٍ مشهورة عند العرب يعبدونها من دون الله، يخضعون لها كما يخضعون لله، ويتقربون إليها كما يتقربون لله عز وجل، ومع ذلك هم يعتقدون أنها لن تنفعهم عند الشدة، إذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين، وعلموا أنه لا ينجيهم من هذه الشدة إلا رب العالمين، لكن الشيطان سَوَّلَ لهم وأملى لهم في عبادة هذه الأصنام التي يدعون أنها تقربهم من الله تعالى، كما قال الله عنهم: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر: ٣] ولكنها في الحقيقة لا تقربهم إلى الله بل تبعدهم منه. أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ [النجم: ١٩، ٢٠] الثالثة بالنسبة للثنتين قبلها، الْأُخْرَىيعني: المتأخرة، وكأنها -والله أعلم- دون اللات والعزى في المرتبة عند العرب.
تفسير الآيتين (٢١-٢٢)
٠٠:٢٦:٤٥
ثم قال تعالى مُنكِرًا على هؤلاء المشركين: أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى [النجم: ٢١] يعني: أتجعلون لكم الذكور ولله الإناث؟! وذلك في قولهم: إن الملائكة بنات الله، وهم لم يشهدوا خلق الملائكة ولم يطلعوا على ذلك، كما قال الله تعالى: وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ [الزخرف: ١٩] والجواب؟ لا، لم يشهدوا خلقهم، لكن مع ذلك ستكتب هذه الشهادة عليهم سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلونَ [الزخرف: ١٩] نسأل الله العافية. هم إذا بُشِّر أحدهم بالأنثى ماذا يصنع؟ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨) يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ [النحل: ٥٨، ٥٩] ومع ذلك يجعلون لرب العالمين الذي خلق الذكر والأنثى يجعلون له البنات ويجعلون لأنفسهم البنين، هل هذه القسمة قسمة عدل أو قسمة جور؟ اسمع الجواب: تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى [النجم: ٢٢] يعني: تلك القسمة، وهي أن يجعلوا لله البنات ولهم البنين قِسْمَةٌ ضِيزَىأي: جائرة مائلة عن الحق؛ لأننا لو قلنا بأنه جائز أن يكون لله ولد، لكان الأولى أن يكون له البنون؛ لأن البنين أعلى من البنات بلا شك، وهو سبحانه وتعالى أعلى من المخلوقين، فيجب أن يكون الأعلى للأعلى والأدنى للأدنى، هذه القسمة العادلة. ثم هناك قسمة أخرى دونها في العدل، لكن فيها عدل: أن يجعلوا لله البنات ولهم بنات، ولله بنين ولهم بنين، لكن ما فعلوا هذا، جعلوا الأدنى للخالق والأعلى لهم، ولهذا قال عز وجل: تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى [النجم: ٢٢].
تفسير الآية (٢٣)
٠٠:٢٨:٤٢
ثم أعاد الله عز وجل إلى بيان حقيقة هذه الأصنام المعبودة، فقال: إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا [النجم: ٢٣]، (إِنْ) هنا نافية بمعنى: ما، وهذا ضابط ينتفع به طالب العلم: أنه إذا أتت إلا مثبتة بعد (إِنْ) فـ(إِنْ) هنا تكون نافية، مثل: إن هذا إلا بشر، إن هذا إلا مجتهد، وما أشبه ذلك. فإن هنا نافية، بمعنى: ما هي إلا أسماء سميتموها؛ يعني: ما هذه الأصنام إلا مجرد أسماء لا حقيقة لها، أسماء سموها إلهًا، سموها معبودًا، ولكنه لا حقيقة لذلك، ما هي إلا مجرد أسماء، وهل الاسم يدل على مسماه؟ لا، لو أنك سميت الحديد خشبًا ما صار خشبًا، ولو سميت الخشب حديدًا ما صار حديدًا، ولو سميت البغل حمارًا لم يكن حمارًا، وهكذا، هذه الأصنام يسمونها آلهة هل تكون إلهًا؟ لا. مجرد اسم، والاسم بلا مُسمى لا فائدة منه، ولهذا قال: إِنْ هِيَأي: ما هذه الأصنام والمسميات إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ، أَنْتُمْالمخاطبون الذين أدركوا البعثة، وَآبَاؤُكُمْيعني: الأجداد السابقين، مجرد اسم مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ، مَانافية يعني: أن الله عز وجل لم ينزل بها دليلًا، وسُمِّي الدليل سلطانًا؛ لأن صاحب الدليل معه سلطة يعلو بها على خصمه، ومن ليس له دليل ليس له سلطان، فالسلطان يأتي دائمًا بمعنى الحجة؛ أي: الدليل؛ لأن من معه الدليل ذو سلطة على خصمه. مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ [النجم: ٢٣] ماذا تقولون في إِنْ؟ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّنافية بمعنى: ما بناء على الضابط اللي ذكرته لكم، أنه إذا جاءت (إلا) مثبتة بعد (إن) فـ(إن) تكون نافية، إِنْ يَتَّبِعُونَأي: هؤلاء وآباؤهم إِلَّا الظَّنَّأي: الوهم الذي لا حقيقة له؛ لأنهم يقولون: هذه آلهة، على أي شيء اعتمدوا؟ على الوهم، فالظن هنا بمعنى الوهم؛ يعني: ما يتبع هؤلاء لقولهم: إنها آلهة إلَّا الظن؛ أي: الوهم، الخيال الذي لا حقيقة له، إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُيعني: وما تميل إليه نفوسهم من الباطل. ثم قال عز وجل: وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى [النجم: ٢٣] الجملة هنا مؤكدة بثلاثة مؤكدات: القسم المحذوف، واللام، و(قد)، والتعبير على هذا الوجه كثيرٌ في القرآن الكريم، وهو تأكيدٌ بثلاثة مؤكداتٍ، كما قلت لكم: القسم، واللام، و(قد)، القسم تقديره: والله لقد جاءهم من ربهم الهدى، واللام موجودة، و(قد) موجودة، فيؤكد الله عز وجل هنا أنه قد جاءهم من ربهم الهدى، وفي قوله: وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُلم يقل: من الله إشارة إلى أنه لا يجوز تلقي الشريعة إلا من عند الله؛ لأن الله سبحانه وتعالى هو الرب، والرب هو الخالق المالك المدبر. الْهُدَىفاعل جاء، والمراد به العلم المقابل بقوله: إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّهم يتبعون الظن والعلم جاء من عند الله وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَىأي: العلم على لسان رسله عليهم الصلاة والسلام الذين خُتموا بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
تفسير الآيتين (٢٤-٢٥)
٠٠:٣٣:٠٧
{أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى} [النجم: ٢٤]، أَمْهنا منقطعة؛ لأنها تأتي منقطعة وتأتي متصلة، إذا كان هناك مقابل فهي متصلة، وإذا لم يكن مقابل فهي منقطعة، فإذا قلت: أعندك زيدٌ أم عمرو، فهي متصلة، وإذا قلت في مثل هذه الآية: أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّىفهي بمعنى: بل وهمزة الاستفهام؛ يعني: بل أللإنسان ما تمنى؟ والاستفهام هنا للإنكار والنفي؛ أي: ليس للإنسان ما تمنى، كم يتمنى الإنسان من شيء ولكن لا يحصل؛ لأن هناك مدبرًا، وهو الله عز وجل، فليس للإنسان ما تمنى، إشارة إلى أي شيء إشارة إلى رد صنيع هؤلاء المشركين الذي يعبدون الأصنام، يقولون: إنها تقربهم إلى الله، فهل لهم ذلك؟ الجواب: ليس لهم ذلك، ما تقربهم، أيضًا رد لقولهم: إن لله البنات ولهم البنين، هل لهم ذلك؟ لا، هم وإن تمنوا هذا وصار في مخيلتهم، فإنه لا يحصل ذلك؛ لأن لله الآخرة والأولى، ولهذا قال: فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى [النجم: ٢٥]، وليس للإنسان ما تمنى، كثيرًا ما يتمنى الآن في الحياة اليومية، كثيرًا ما يتمنى الإنسان شيئًا ولكن لا يحصل، كثيرًا ما يتمنى الشيء ويسعى في أسبابه ولكن لا يحصل؛ لأن الأمر بيد الله جل وعلا، ولهذا قال: فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَىوبدأ بالآخرة؛ لأن ملك الله عز وجل في الآخرة يظهر أكثر مما في الدنيا، الدنيا فيها ملوك فيها رؤساء فيها زعماء يراهم العامة أن لهم تدبيرًا، لكن في الآخرة لا يوجد هذا، يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ [غافر: ١٦] هكذا قال الله عز وجل.
تفسير الآية (٢٦)
٠٠:٣٥:١٧
{وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى} [النجم: ٢٦] كَمْتكثيرية؛ لأنها تأتي تكثيرية؛ يعني: كثيرًا ما، وتأتي استفهامية، فإذا قلت لك: كم مالك؟ استفهامية، وفي قوله تعالى: وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً [الأنبياء: ١١] تكثيرية، هنا وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِيعني: كثيرٌ من الملائكة فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ، وهنا يقول: كَمْ مِنْ مَلَكٍوما أكرم الملائكة كما قال الله تعالى: بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ [الأنبياء: ٢٦]. فِي السَّمَاوَاتِلا في الأرض، والسماوات أعلى من الأرض، إذا كان هؤلاء الملائكة الكرام الذين مقرهم السماوات -إلا من أذن له أن ينزل إلى الأرض- إذا كان شفاعتهم لا تنفع، فهل يمكن أن تنفع شفاعة اللات والعزى ومناة؟ الجواب: لا؛ يعني: كأن الله يقول لهؤلاء: ما أصنامكم هذه التي تستشفعون بها إلى الله، كَمْ مِنْ مَلَكٍوهو أشرف من هذه الأصنام فِي السَّمَاوَاتِوهي أشرف من الأرض لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًالو شفعوا ما تغني إلا بشرطين: إلا أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُمن الملائكة أن يشفع فيشفع، وَيَرْضَىأي: يرضى عن المشفوع له، وكذلك عن الشافع؛ لأنه لا يمكن أن يأذن للشافع إلا بعد أن يرضى عنه، ولا بد أن يرضى عن المشفوع له، وإلا فلا تنفع الشفاعة كما قال عز وجل: وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى [الأنبياء: ٢٨]، فأصنامكم هذه لن تنفعكم، ولن يقبل الله شفاعتها، فشروط الشفاعة الآن ثلاثة: الأول: رضا الله عن الشافع بأن يكون أهلًا للشفاعة لكونه من المقربين إلى الله عز وجل. والثاني: أن يرضى عن المشفوع له؛ بأن يكون أهلًا لأن يشفع له، أما الكافر فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ [المدثر: ٤٨]. الثالث: الإذن؛ لقوله تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [البقرة: ٢٥٥]. فلا بد من شروط ثلاثة: رضا الله عن الشافع، وعن المشفوع له، وإذنه في الشفاعة. وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَىوهذا فيه تيئيس هؤلاء المشركين من شفاعة آلهتهم لهم.
تفسير الآية (٢٧)
٠٠:٣٨:٠٤
ثم قال الله عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى [النجم: ٢٧]، أكد الله هذا الخبر بقوله: إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَأكده بمؤكدين وهما: إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَىإن واللام. ومعنى: لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِلا يصدقون بها ولا بما فيها من الثواب والعقاب؛ إذ إن الإيمان بالآخرة لا بد أن يكون إيمانًا بأن هذا اليوم سيكون، وإيمانًا بكل ما ثبت من حصوله فيه ووقوعه فيه، إما في القرآن وإما في السنة، حتى إن شيخ الإسلام رحمه الله قال: إن مما يدخل في الإيمان بالله واليوم الآخر الإيمان بما يكون بعد الموت من فتنة القبر، وعذاب القبر، ونعيم القبر. وصدق رحمه الله؛ لأن الإنسان إذا مات قامت قيامته، انتهى من الدنيا، كأن لم يكن، فكما أنه أتى على الإنسان حينٌ من الدهر لم يكن شيئًا مذكورًا، فسيأتي عليه حينٌ من الدهر لم يكن إلا خبرًا من الأخبار، كما قال الشاعر الحكيم في الدنيا:
بَيْنَا يُرَى الْإِنْسَانُ فِيهَا مُخْبِرًا
حَتَّى يُرَى خَبَرًا مِنَ الْأَخْبَارِ
أنت الآن تخبر تقول: حصل كذا وحصل كذا، وقال فلان: كذا، في يومٍ من الأيام سوف يُخبر عنك: قال فلان كذا، وأنت رميم. إذن الإيمان بالآخرة يتضمن الإيمان بوقوع اليوم الآخر، وأنه لا بد كائن. ثانيًا: الإيمان بما سيكون في هذا اليوم من أهوال، حساب، موازين، صراط، جنة، نار، لا بد من هذا. كذلك يدخل في الإيمان باليوم الآخر الإيمان بما يكون في القبر من فتنة القبر، وهي -أعني فتنة القبر- سؤال الملكين الميت عن ثلاثة أشياء: من ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟ إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِهل أحد من الناس لا يؤمن بالآخرة؟ نعم كثير من الناس، أكثر الناس لا يؤمنون بالآخرة، حتى أن الله سبحانه وتعالى قال في الإنسان: أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧) وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًايعجزنا فيه وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيم [يس: ٧٨] ما أحسن قوله: وَنَسِيَ خَلْقَهُقبل أن يقول مقالة هذا الإنسان؛ يعني هذا الإنسان قال: مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌوَنَسِيَ خَلْقَهُ، ما هو خلقه؟ أنه لم يكن شيئًا، خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ [الطارق: ٦] فصار عظامًا وعصبًا ولحمًا، وصار إنسانًا ينطق ويخاصم: قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ [يس: ٧٨، ٧٩] وذكر الأدلة على إمكان ذلك. المهم أن من الناس من ينكر اليوم الآخر، يقول: ما فيه بعث. وهذا من سفه في عقله، وضلالة في دينه، وإلا فهل من الحكمة أن تخلق هذه الخليقة، وتبتلى بالأمر والنهي، ويحصل الجهاد وقتال الأعداء، واستحلال دمائهم وأموالهم ونسائهم، ثم تكون النتيجة لا شيء، هذا لا يمكن، تأباه الحكمة أشد الإباء، إذن الذين لا يؤمنون بالآخرة سفهاء عقولًا، ضلالٌ دينًا. لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى [النجم: ٢٧] يعني: يجعلون الملائكة إناثًا كالمشركين، قالوا: الملائكة بنات الله، فسموا الملائكة بتسمية الأنثى وهي البنت؛ لأنهم لا يؤمنون بالآخرة، لو آمنوا بالعقاب ما قالوا هذا، لكنهم لا يؤمنون فيقولون ما يريدون.
تفسير الآية (٢٨)
٠٠:٤٢:٠٦
قال الله تعالى: وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ [النجم: ٢٨] نفى أن يكون لهم بذلك علم؛ لأن هذا هو الواقع، هل شهدوا خلق الملائكة؟ لا، ولهذا قال الله في آية أخرى: وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ [الزخرف: ١٩]، والجواب: لا، لكن: سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلونَ [الزخرف: ١٩] حين لا يجدون جوابًا، هؤلاء الذين قالوا: الملائكة بنات الله، يقول عز وجل: مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ [النجم: ٢٨]، وعِلْمٍهنا مجرورة بحرف الجر، وحرف الجر هنا عند المعربين مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ [النجم: ٢٨] حرف جرٍ زائد، الفائدة منها توكيد النفي، ولهذا نعطيكم قاعدة مفيدة: جميع الحروف الزائدة يقصد بها التوكيد هي من أدوات التوكيد كل الحروف الزائدة سواء الباء أو اللام أو غيرها فإنها تفيد التوكيد، مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ [النجم: ٢٨] يعني: لا قليل ولا كثير؛ لأنهم لم يشهدوا خلقهم. إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ(إن) هنا بمعنى ما، والضابط أنه إذا جاءت (إلا) بعد (إن) فهي بمعنى (ما)، إن هذا إلا بشر؛ أي: ما هذا إلا بشر إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ [يوسف: ٣١] أي: ما هذا إلا ملك كريم، إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا [إبراهيم: ١٠] أي: ما أنتم إلا بشرٌ مثلنا، إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ [الجاثية: ٢٤] أي: ما هم إلا يظنون، والأمثلة على هذا كثيرة. إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّيعني: ما يتبعون إلا الظن، والمراد بالظن هنا الوهم الكاذب، وليس المراد بالظن هنا الراجح من أحد الاحتمالين. وانتبه لهذه النقطة: أن الظن يأتي بمعنى التهمة، ويأتي بمعنى رجحان الشيء، ويأتي بمعنى اليقين، كم هذا يا أخ؟ ثلاثة. بمعنى التهمة الثاني رجحان الشيء الثالث اليقين. قال الله تعالى: الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ [البقرة: ٤٦] المراد اليقين، ما يكفي الظن في اليوم الآخر، لا بد يتيقن، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَابَ» ، والتحري هنا يعني: الظن الغالب، وهنا إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ [الجاثية: ٢٤] ظن الاتهام؛ يعني: يظنون ظنًّا هو وَهْمٌ ليس له أصل. بعض العلماء أخذ من هذه الآية: أنه لا يجوز العمل بالظن في المسائل الفقهية وغيرها، وهذا خطأ؛ لأن كثيرًا من المسائل الفقهية ظنية؛ إما لخفاء الدليل، أو خفاء الدلالة، ليس كل مسألة في الفقه يقول بها الإنسان على سبيل اليقين أبدًا، بل بعضها يقين وبعضها ظن، والظن إذا تعذر اليقين مما أحله الله. والحمد لله، من نعمة الله أنه إذا تعذر اليقين رجعنا إلى غلبة الظن، فليس كل ظنٍ منكرًا، لكن الظن الذي ليس له أصل يُبنى عليه هذا هو المنكر، هؤلاء الذين سموا الملائكة تسمية الأنثى هل لهم بذلك علم؟ أبدًا، ظن مبني على وهم، وربما يكون مبنيًّا على هوى؛ يعني: أنه لم يطرأ ببالهم أنهم إناث، لكن تبعوا آباءهم. وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا، وَإِنَّ الظَّنَّأيُّ ظنٍ هذا؟ المبني على الوهم لا على القرائن، لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًاأي: لا يفيد شيئًا من الحق؛ لأنه وهم باطل، والوهم الباطل لا يمكن أن يفيد.
تفسير الآية (٢٩)
٠٠:٤٥:٥٤
ثم قال عز وجل: فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا [النجم: ٢٩] أعرض الخطاب للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أو المراد به كل من يصح أن يوجَّه إليه الخطاب، فعلى الأول يكون المعنى: أعرض يا محمد، وعلى الثاني: أعرض أيها الإنسان المؤمن. عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَايعني: أعرض عنه لا تتبعه، ولا يهمنك أمره، وليس المعنى: أعرض عنه لا تنصحه، لا، التذكير واجب، قال الله تعالى: وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ [الذاريات: ٥٥] يعني ذكر كل أحد، فمن الناس من ينتفع ومنهم من لا ينتفع، والذي ينتفع هو المؤمن، فعلى هذا نقول: معنى أعرض أعني: لا تبالِ به، ولا يهمنك أمره، ولا تستحسر من أجل توليه، بل ادع إلى سبيل الله عز وجل أيًّا كان، لكن من أعرض وتولى لا يهمك أمره. أَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَاوهو القرآن، ويحتمل أن يكون الذكر بمعنى التذكير، أي: عن تذكيرنا، وكلا المعنيين متلازمان صحيحان، فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَاعن القرآن، كما قال تعالى: وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ [الزخرف: ٤٤] وقال تعالى: إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ [يس: ٦٩] أو أن المعنى: عَنْ ذِكْرِنَاأي: عن تذكيرنا، بالمواعظ التي ينزلها الله عز وجل. وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَااللهم أعذنا من فتنة الدنيا؛ يعني: لا يريد الآخرة ولا يهتم بها، همه الدنيا، ويش المركوب، ويش الملبوس، ويش المسكون، ويش المنكوح، اتبعوا ما أُترفوا فيه وكانوا مجرمين، ما يهتم بالآخرة، أهم شيء عنده هي الدنيا، أما ذكر الله القرآن أو تذكير الله فإنه متولٍ عنه -والعياذ بالله- نسأل الله السلامة والعافية. أَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَاولكن شوف الْحَيَاةَ الدُّنْيَاوصفها بالدنيا من الدنو، وهو القرب؛ وذلك لانحطاط مرتبتها، ولسبقها على الآخرة؛ لأن الدار الدنيا هي أول دار ينزلها الإنسان، وهي سابقة في الزمن على الآخرة، فهي دنيا -يعني: قريبة- هي أيضًا دنيا من حيث المرتبة ليست بشيء بالنسبة للآخرة، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام فيما صح عنه: «لَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» ، اللهم اجعل لنا موضعًا فيها، خير من الدنيا وما فيها، ما هي خير من الدنيا اللي أنت فيها فقط، من الدنيا منذ خلقها الله إلى أن تفنى، موضع السوط الذي يكون بقدر المتر في الجنة خيرٌ من الدنيا وما فيها، إذن هي دنيا. ولهذا إذا مات الإنسان وهو مؤمن -جعلنا الله وإياكم منهم- ثم حُمل من بيته الذي يسكنه ويأوي إليه، وفيه أهله وماله وحشمه، إذا خرج تقول روحه: قَدِّموني قَدِّموني، لماذا؟ لأن ما ستذهب إليه خيرٌ مما تخرج منه، قال الله تعالى: بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى [الأعلى: ١٦، ١٧] الآخرة خير وأبقى، لكن لمن؟ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى [النساء: ٧٧] لكنها شرٌ لمن لم يتق. يذكر أن ابن حجر العسقلاني -رحمه الله- وكان رئيس القضاة في مصر، مر يومًا من الأيام في موكبه على العربة تجره البغال وحوله الجنود، برجلٍ يهودي زيات -يبيع الزيت- قد تدنست ثيابه بالزيت، وشقي في طلب المعيشة، فأوقف الموكب -الذي أوقفه اليهودي- وقال لابن حجر: إن نبيكم يزعم «أَنَّ الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وَجَنَّةُ الْكَافِرِ» ، فكيف يتفق هذا الحديث مع الواقع؟! أنت الآن مؤمن وهو يهودي، وأيهما أشقى؟ في هذه المسألة اليهودي أشقى، فكيف يتفق مع الواقع؟! فقال: نعم، ما أنا فيه الآن بالنسبة للآخرة سجن؛ لأن الآخرة خير لمن اتقى، وما أنت فيه بالنسبة للآخرة جنة؛ لأن الآخرة مالك فيها إلا النار وبئس القرار، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله، شوف كيف فتح الله عليه، حيث ظهر صدق كلام الرسول عليه الصلاة والسلام بكل سهولة. المهم أن الآخرة خيرٌ من الدنيا وما فيها، ولهذا ذم الله هذا الذي أعرض عن ذكر الله، ولم يرد إلا الحياة الدنيا، ولنسأل: هل من أراد الحياة الدنيا تحصل له؟ لا، ما تحصل له، قال الله تعالى: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ [الإسراء: ١٨]، ما هو ما يشاء، هو مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (١٨) وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا [الإسراء: ١٨، ١٩]، وقال تعالى: مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ [الشورى: ٢٠] لأنه يعطى الدنيا والآخرة وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَابعضها ما هو كلها وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ [الشورى: ٢٠].
تفسير الآية (٣٠)
٠٠:٥١:٥٨
{ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ} [النجم: ٣٠] أي ذَلِكَوالمشار إليه؛ كونهم متولين مُعرضين لا يريدون إلا الحياة الدنيا؛ يعني: ذلك منتهى بلوغ علمهم؛ لأن علمهم قاصر، لا ينظرون إلى المستقبل ولا يصدقون بخبر، فتجد أكبر همهم أن يصلحوا حالهم في الدنيا، معرضين عن حالهم في الآخرة، ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ [النجم: ٣٠] وفي الدعاء المأثور: «اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا، وَلَا مَبْلَغَ عِلْمِنَا» . ثم قال عز وجل: إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى [النجم: ٣٠] هو أعلم عز وجل بمن ضل عن سبيله فعلًا ومن سيضل؛ لأنه عالمٌ بما كان وما يكون، فقوله: بِمَنْ ضَلَّلا تعني أنه لا يعلم إلا من حصل منه الضلال بالفعل، بل هو يعلم من حصل منه الضلال بالفعل ومن سيحصل منه؛ لأن الله سبحانه وتعالى موصوفٌ بالعلم التام في الحاضر والمستقبل والماضي، وقوله: وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى [النجم: ٣٠] ضد الضلال، فالناس بين فئتين: إما مهتدٍ، وإما ضال، وإنما بيَّن الله سبحانه وتعالى أنه أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَىلفائدتين: الفائدة الأولى: أن نعلم أن ما وقع من الضلال والهداية فهو صادرٌ عن علم الله وبإرادته؛ إذ لا يمكن أن يوجد في خلقه خلاف معلومه، لو قدر أن يوجد في خلقه خلاف معلومه لكان الله جاهلًا، وحاشاه من ذلك. الفائدة الثانية: التحذير من الضلال والترغيب في الاهتداء، ما دام الإنسان يعلم أن أي عملٍ صدر منه فعلمه عند الله فإنه سوف يخشى أن يعصي الله، وسوف يرضى أن يرضي الله عز وجل، فإذن الفائدة أمران: الأولى: ترغيب في الهداية أو في الاهتداء والترهيب من الضلال؛ يعني: كأنه يقول: إن ضللت فالله عالمٌ بك، وإن اهتديت فالله عالمٌ بك، فيجزي الذين أساءوا بما عملوا، ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى، إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى [النجم: ٣٠] .
تفسير الآية (٣١)
٠٠:٥٤:٢٨
ثم قال الله تبارك وتعالى: وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ [النجم: ٣١] يقول علماء البلاغة: إنه إذا تقدم شيء حقُّه التأخير فهو دليلٌ على الحصر والتخصيص، فلننظر في هذه الآية هل فيها تأخير وتقديم؟ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ، (لِلَّهِ) هذه خبر مقدم، ومَا فِي السَّمَاوَاتِمبتدأ مؤخر. إذن قَدَّم فيها ما حقه التأخير وهو الخبر؛ لأن حق الخبر أن يكون متأخرًا عن المبتدأ، تقول: الرجل قائمٌ، ولا تقل: قائمٌ الرجل، فالأصل أن المبتدأ على اسمه يكون هو الأول والخبر هو الثاني، لكن أحيانًا يقدم الخبر لفائدة، فهنا الفائدة: وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِالفائدة الحصر يا إخوان، الحصر يعني: لله لا لغيره، مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِولا أحد يملك ما في السماوات وما في الأرض إلا الله تبارك وتعالى، نحن نملك ما نملك من أموالنا لكن هل ملكنا عام؟ ليس عامًّا، حقيبتي ليست حقيبة لك، وحقيبتك ليست حقيبةً لي، فأملاكنا ليست عامة، ثم هل نحن نملك التصرف بما هو ملكنا كما نشاء؟ لا، تصرفنا محدود حسب الشريعة، ولهذا لو تراضى اثنان في بيع الربا قلنا: إنكما لا تملكان ذلك، لو أراد الإنسان أن يحرق ماله، قلنا: هذا ممنوع. إذن ملك غير الله قاصر، غير شامل، وملك غير الله قاصر حتى بالتصرف، الواحد منا لا يملك أن يتصرف في ماله كما يشاء؛ لأن تصرفنا في المال محدود حسب ما جاءت به الشريعة. إذن الملك التام الواسع الشامل لمن؟ لله عز وجل، ولهذا قال: لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [الشورى: ٤٩] فهو مالكٌ لذواتهما، مالكٌ لما فيهما أيضًا، وكم من ملك في السماوات؟ كم من مخلوقٍ في الأرض؟ كله ملكٌ لله عز وجل يتصرف فيه كما يشاء، حسب ما تقتضيه حكمته، وإيماننا بهذا يا إخواننا إيماننا بأن لله ملك السماوات والأرض يفيد أيضًا فائدتين عظيمتين: الفائدة الأولى: الرضا بقضاء الله، وأن الله عز وجل لو قضى عليك مرضًا لا تعترض، لو قضى عليك فقرًا لا تعترض؛ لماذا؟ لأنك ملكه يتصرف فيك كما يشاء، فهو كما يتصرف في السحاب يمطر أو لا يمطر، يمضي أو لا يمضي، ويتصرف في الشمس والقمر، ويتصرف في المخلوقات، يتصرف فيك أيضًا كما يشاء، إن شاء أعطاك صحة وإن شاء سلبها، إن شاء أعطاك عقلًا وإن شاء سلبك، إن شاء أعطاك مالًا وإن شاء سلبك، أنت ملكه، فإذا آمنت بهذا رضيت بقضائه. كذلك أيضًا الفائدة الثانية: الرضا بشرعه، وقبول شرعه والقيام به؛ لأنك ملكه، قال لك: افعل افعل، قال: لا تفعل لا تفعل، أرأيت لو كان لك ملك عبد رقيق فأمرته ولكنه لم يفعل، هل تعتقد أن سيادتك تامة عليه؟ لا، أو نهيته ففعل فالسيادة ناقصة. إذن أنت إذا عصيت ربك إما بفعل محرم وإما بترك واجب؛ فإنك خرجت عن مقتضى العبودية التامة؛ لأن مقتضى العبودية التامة أن تخضع لشرعه كما أنك خاضعٌ كرهًا أو طائعًا لقضائه وقدره، ليس معنى قوله تعالى: لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [الشورى: ٤٩] أن يخبرنا أنه مالك فقط، لكن لأجل أن نعتقد مقتضى هذا الملك، وما هو مقتضاه؟ الرضا بقضائه والرضا بشرعه، هذا حقيقة الملك. وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى [النجم: ٣١]، شوف جاء بكلمة اللام لِيَجْزِيَيعني كأن قائلًا يقول: وإذا تبين أن الملك لله عز وجل فما النتيجة؟ النتيجة أن الناس بين محسن وبين مسيء، كما قال عز وجل: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ [التغابن: ٢]، إذا كانوا بين محسن ومسيء فما جزاء كل واحد؟ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا [النجم: ٣١] الَّذِينَ أَسَاءُواوهم الذين خالفوا المأمور أو ارتكبوا المحذور، هذا الضابط، الذين أساؤوا، هؤلاء أساؤوا ليجزيهم بما عملوا السيئة بسيئة لا تزيد، أو يعفو عز وجل لمن يستحق العفو، وهو كل من مات على غير الشرك مستحق للعفو، إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء: ٤٨] المهم أنه لا يمكن أن يزيد سيئة لم يعملها الإنسان، ولهذا قال: لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا [النجم: ٣١] بدون زيادة، وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى [النجم: ٣١] ولم يقل: بما عملوا؛ لأن فضل الله أوسع من أعمالنا، وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى [النجم: ٣١] أنت إذا فعلت حسنة فكم تكون عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعافٍ كثيرة. انظر الآن، نضرب مثلًا قريبًا صلاة الظهر باقي عليها ثلثين ساعة مثلًا عندما تتوضأ وتسبغ الوضوء ثم تخرج إلى الصلاة لا يخرجك من بيتك إلا الصلاة فما الثمرات التي تحصل عليها؟ كل خطوة تخطوها يرفع الله لك بها درجة ويحط عنك بها خطيئة، كم خطواتك؟ لا يحصيها إلا الله عز وجل، مع أن المقصود شيء واحد وهو الصلاة، لكن سعيك إلى الصلاة فيه أجر، ما دمت خرجت من بيتك لا يخرجك إلا الصلاة وتأهبت في بيتك، أسبغت الوضوء في بيتك، فأنت لا تخطو خطوة إلا رفع الله لك بها درجة وحط عنك بها خطيئة، أحص خطواتك لا يحصيها إلا الله. ثم إذا وصلت المسجد وصليت ما شاء الله، ثم انتظرت الصلاة، ولو تأخر مجيء الإمام وصلاة الجماعة يُكتب لك أجر المصلي «لَا يَزَالُ فِي صَلَاةٍ مَا انْتَظَرَ الصَّلَاةَ» أليس هذا أحسن من أعمالنا؟ بلى، ولهذا قال: وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى [النجم: ٣١] أي: بما هو أحسن وأكثر من عملهم، وهذا يدلك على سعة فضل الله عز وجل وإحسانه وكمال عدله، فالمسيئون يجازيهم بالعدل أو يعفو، والمحسنون يجازيهم بالفضل.
تفسير الآية (٣٢)
٠١:٠١:٢٤
ثم ذكر شيئًا من أوصافهم، فقال: الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْأِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ [النجم: ٣٢] الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَأي: يبتعدون عنها، وسُمِّي الابتعاد اجتنابًا؛ لأن الإنسان يقع في جانب، والذي أُبعد عنه يقع في جانبٍ آخر، فيبعدون ولا يتصلون بكبائر الإثم والفواحش إِلَّا اللَّمَمَ، كَبَائِرَ الْأِثْمِهي الكبيرة؛ كبائر جمع كبيرة، والكبيرة بعض العلماء عدها، وبعض العلماء حَدَّها، والصواب الحد، أي: أنها محدودة وليست معدودة، والذين ذكروها عدًّا الظاهر -والله أعلم- أنهم أرادوا المثال، فمثلًا: إذا قال إنسان هي: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، هذه سبع، إذا قال إنسان: هذه الكبائر، ليس معنى قوله أنها محصورة في هذا، إذ من الممكن أن يحمل كلامه على أن ذلك على سبيل التمثيل فقط. أما الذين حدوها- يعني: جعلوا لها ضابطًا؛ يعني ما عَدّوا واحد اثنان ثلاثة أربعة، لا، ضابط- قالوا في ضابطها: كل ذنبٍ رتَّب الله عليه لعنة، أو غضبًا، أو سخطًا، أو تبرؤًا منه، أو ما أشبه ذلك فهو كبيرة، ورأيت لبعضهم -ومنهم شيخ الإسلام رحمه الله- أنه قال: كل ذنبٍ جُعلت له عقوبة خاصة إما في الدنيا أو في الآخرة فهو كبيرة، على هذا الزنا فيه عقوبة وهي الجلد أو الرجم، السرقة كبيرة، قطع الطريق كبيرة، عقوق الوالدين كبيرة، وهلم جرًّا، كلما رأيت شيئًا من الذنوب جعل الشارع له عقوبة خاصة فهو كبيرة. أما الذنب الذي نُهِي عنه فقط فهو صغيرة، كنظر الرجل للمرأة الأجنبية لشهوة هذا ليس كبيرة، هو صغيرة من الصغائر، لكن إن أصر الإنسان عليه وصار هذا ديدنه صار كبيرة بالإصرار لا بالفعل، مكالمة المرأة على وجه التلذذ حرام وليس بكبيرة، ولكن إذا أصر الإنسان عليه وصار ليس له هم إلا أن يشغل الهاتف على هؤلاء النساء ويتحدث إليهن صار كبيرة، فالإصرار على الصغيرة يجعلها كبيرة من حيث الإصرار؛ لأن إصراره على الصغيرة يدل على تهاونه بالله عز وجل، وأنه غير مبال بما حرم الله. إذن كبائر الإثم: كل ذنبٍ رتب الشارع عليه عقوبة خاصة إما في الدنيا وإما في الآخرة، وأما ما حرمه وسكت ولم يذكر له عقوبة خاصة بل دخل في العموم فهذا من الصغائر، ولكن الصغائر إذا أصر عليها صارت كبيرة من حيث الإصرار. وقوله: وَالْفَوَاحِشَهذه كبائر الكبائر؛ لأن الكبائر منها ما هو فاحش يُستفحش ويُستعظم ويُستقبح بشدة، ومنها ما هو دون ذلك، فمثلًا: الزنا فاحشة وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً [الإسراء: ٣٢] اللواط فاحشة أعظم من الزنا؛ لأن الله قال في الزنا: وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً [الإسراء: ٣٢]، وقال في اللواط لوط لقومه: أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ [الأعراف: ٨٠] فأتى بـ(أل) الدالة على القبح، وأنها جامعة لكل أنواع الفواحش. نكاح المحارم فاحشة، قال الله تعالى: وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا [النساء: ٢٢] فهو أشد من الزنا؛ يعني: لو زنا الإنسان بامرأة أجنبية منه، وبأم زوجته مثلًا، صار الثاني أعظم وأشد وأشنع، ولهذا كان القول الراجح من أقوال العلماء: أن من زنا بامرأة من محارمه وإن لم يكن محصنًا فإنه يُرجم؛ يعني: الزنا بذوات المحارم ما فيه جلد ما فيه إلا الرجم؛ لأن الله فرق بين الزنا وبين نكاح ذوات المحارم، نكاح ذوات المحارم وصفه بوصفين: إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا [النساء: ٢٢] والزنا وصفه بواحد وهو: إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً [الإسراء: ٣٢]. وجاءت السنة بالتفريق بينهما -أي: بين من زنا بامرأة من محارمه أو بامرأة أجنبية- فجعلت حد الأول القتل بكل حال وإن لم يتزوج، وإن لم يكن ثيِّبًا؛ لأن هذا أعظم -والعياذ بالله- إنسان بيزني بأمه ولّا أخته ولّا أم زوجته ولّا بنت زوجته التي دخل بها، فاحشة عظيمة. إذن يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْأِثْمِ وَالْفَوَاحِشَقلنا: الفواحش كبائر الكبائر، أعظم. هل نأخذ من هذه الآية أن الكبائر تختلف والفواحش تختلف؟ نعم، نأخذ من الآية أنها تختلف؛ لأن (كبائر) وصف كلما كان أعظم صار أشد كبيرة، والفواحش كذلك، ولهذا الآن أنتم سمعتم وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا [النساء: ٢٢]. وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً [الإسراء: ٣٢] أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ [الأعراف: ٨٠] فرق الله مع أنها كلها فواحش لكن بعضها أعظم من بعض. إِلَّا اللَّمَمَ [النجم: ٣٢]، قوله: إِلَّا اللَّمَمَقيل: إنه استثناء متصل، وقيل: إنه استثناء منقطع؛ لأن اللمم الشيء القليل، هذا القليل، فهل المعنى: إلا الشيء القليل من الكبائر، أي: أنهم يأتون الشيء القليل من الكبائر، أو المعنى إِلَّا اللَّمَمَ: إلا الصغائر من الذنوب؟ إن قلنا بالأول فالاستثناء متصل، وإن قلنا بالثاني فالاستثناء منقطع، وتكون إِلَّابمعنى: لكن، والمعنى الثاني أقرب من حيث التقسيم؛ لأن الله ذكر الكبائر والفواحش والصغائر، وعلى هذا فيكون معنى: إِلَّا اللَّمَمَيعني: إلا أن هؤلاء الذين أحسنوا يأتون الصغائر، والصغائر -والحمد لله- مكفرة بالحسنات، قال الله تعالى: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ [النساء: ٣١] وأخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن: «الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ مُكَفِّرَاتٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتُنِبَتِ الْكَبَائِرُ» ، وقال عليه الصلاة والسلام: «الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا» ، وعلى هذا فيكون المعنى: أن الصغائر تقع مكفرة إما باجتناب الكبائر، أو باجتناب الكبائر مضمومًا إليها فعل هذه الحسنات العظيمة؛ الصلوات الخمس، الجمعة إلى الجمعة، رمضان إلى رمضان. والخلاصة: الصغائر تقع مغفورًا للإنسان منها إذا اجتُنِب الكبائر، وإذا أحسن في الصلوات الخمس والجمعة ورمضان. إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ [النجم: ٣٢] في هذه الجملة إشارة إلى قوله: إِلَّا اللَّمَمَيعني: أن اللمم يقع في سعة مغفرة الله عز وجل فيغفره الله عز وجل، والمغفرة: هي ستر الذنب مع التجاوز عنه، إن الله يستر عليك الذنب ويتجاوز، ولا يكفي ستر الذنب، لا بد من تجاوز، والدليل على هذا أمران: لغوي، وسمعي؛ أما اللغوي: فلأن المغفرة مشتقة من المغفر؛ المغفر: هو ما يوضع على الرأس عند القتال، ويُسمى خوذة، ويُسمى بيضة، يوضع على الرأس على أساس يتقي السهام، هذا الذي يوضع على الرأس جمع بين أمرين: الوقاية والستر، فإذن المغفرة لا بد من ستر ووقاية. أما السمعي: فهو قوله تبارك وتعالى إذا خلا بعبده المؤمن يوم القيامة وقرره بذنوبه وأقر، قال: «قَدْ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ» فدل هذا على أن الوقاية من الذنوب وعدم المؤاخذة من المغفرة. إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ [النجم: ٣٢]، وتقدم قوله: إِلَّا اللَّمَمَأن لها معنين إلا اللمم: يعني الصغائر، هذه واحد. والثاني: القليل من الكبائر والفواحش، إِلَّا اللَّمَمَيعني: إلا القليل، ذكرنا بناء على اختلاف القولين الاختلاف في إِلَّاهل هي متصلة أو منقطعة؟ إِلَّا اللَّمَمَمتى تكون منقطعة؟ إذا فسرنا اللَّمَمَبالصغائر صارت منقطعة، والمنقطعة علامتها أن ما بعدها ليس من جنس ما قبلها، علامة (إلا) المنقطعة أن ما بعدها ليس من جنس ما قبلها، فمثلًا: كَبَائِرَ الْأِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ [النجم: ٣٢] إذا قلنا: اللمم الصغائر، فهل الصغائر من الكبائر والفواحش؟ لا، إذا قلنا: المراد باللمم القليل من الكبائر والفواحش صارت (إلا) متصلة؛ لأن اللمم القليل مما سبق، فهو من جنسه، إذن الاستثناء عندنا يكون منقطعًا ويكون متصلًا، فما هو المتصل؟ إذا كان المستثنى من جنس المستثنى منه فهو متصل، وإذا كان من غير جنسه فهو منقطع، وإليك ما مثل به النحويون يقولون: إذا قلت: جاء القوم إلا أميرهم، الاستثناء؟ طالب: متصل. الشيخ: لماذا؟ لأن الأمير من الجنس، منهم. وقالوا: إذا قلت: جاء القوم إلا حمارًا، فالاستثناء منقطع؛ لأن الحمار ليس من جنس القوم. ثم قال عز وجل: إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ [النجم: ٣٢]، إشارة إلى أنها الصغائر، وقد ثبت في القرآن الكريم أن الصغائر تُغفر باجتناب الكبائر، فقال جل وعلا: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا [النساء: ٣١] ، ولهذا قال: إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ. أما إذا قلنا: اللمم: القليل من الفواحش والكبائر، فيكون قوله: إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِإشارة إلى أن الكبائر إذا تاب الإنسان منها غفر الله له، وكأنها لم تكن، وإن لم يتب منها فهو تحت المشيئة، إن شاء الله غفر له، وإن شاء عاقبه بما تستحق هذه الكبيرة. فيه قومٌ من هذه الأمة يقولون: إن الكبيرة لا تُغفر، مَن هم؟ الخوارج والمعتزلة، شوف الخوارج والمعتزلة يقولون: الإنسان إذا زنى خلاص من أهل النار وهو كافر، إذا سرق كذلك، إذا شرب الخمر كذلك، لكن قولهم باطل، والصواب: أن فاعل الكبيرة داخل تحت قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء: ٤٨]. لو قال قائل: أنت إذا قلت هذا، فتحت الباب على مصراعيه لفعل الكبائر؛ لأن أي إنسان يفعل كبيرة يقول: أنا يمكن يغفر الله لي، وهذا فعلًا يحتج به العوام، يقول: إذا كان الله يقول: وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُأي: ما دون الشرك لمن يشاء، إذن سيفعل الكبائر ويقول: يغفر الله لي، هذه حُجة، كيف تجيبه؟ نجيبه بأن الله قال: يَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَما قال: لكل أحد، قال: لِمَنْ يَشَاءُ، فهل أنت تتيقن الآن أنك ممن شاء الله أن يغفر له؟ أحدٌ يتيقن هذا؟ لا أحد يتيقن. إذن: لا حُجَّة فيها لأهل المعاصي. ثم إن قوله تعالى: لِمَنْ يَشَاءُنعلم أن الله حكيم، لا يشاء أن يغفر للمذنب غير الشرك إلا إذا اقتضت الحكمة ذلك، ومن منا يستطيع أن يقول: إن حكمة الله تقتضي أن يغفر لي؟! لا أحد يقول هذا، بل لو قال هذا لقلنا: إن قولك هذا من أسباب المؤاخذة والمعاقبة؛ لأنك تأليت على الله. ثم قال عز وجل: هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ [النجم: ٣٢] أعلم بنا من ذلك الوقت الطويل البعيد، إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِبماذا؟ بخلق أبينا آدم؛ لأن آدم خُلق من التراب، ثم صار طينًا ثم صار صلصالًا، ثم خلقه الله بيده جسمًا ونفخ فيه الروح فصار آدميًّا إنسانًا، هذا إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِأول النشء. إذن نحن من الأرض، سبحان الله نحن من الأرض؟! نعم، نحن من الأرض، مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى [طه: ٥٥] الإخراج الذي ليس بعده وفاة، يوم القيامة. إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِولذلك الآن بنو آدم كالأرض تمامًا، فيهم الحزن الصلب الشديد، وفيهم السهل، وفيهم ما بين ذلك، وفيهم الأبيض، فيهم الأحمر، فيهم الأسود؛ لأن الأراضي تختلف هكذا، وقد ذُكر أن الله لما أراد أن يخلق آدم أخذ من كل الأرض؛ سهلها وحزنها، أسودها وأبيضها، وكلها. وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ [النجم: ٣٢]، وهذه النشأة الثانية أَجِنَّةٌ: جمع جنين وهو الحمل، وسُمِّي الحمل جنينًا؛ لأنه مستتر وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌيعني: مستترين في بطون أمهاتكم، من وإلى؟ من حين أن كان الإنسان نطفة، ومن النطفة يُخلق، وهذا معنى قوله: ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ [المؤمنون: ١٣] فمن حين ما يكون نطفة يكون جنينًا، ثم يتطور كم طورًا؟ أربعة. أولًا: نطفة، ثم علقة، ثم مضغة مُخلَّقة وغير مُخلقة، ثم أنشأناه خلقًا آخر، الطور الأخير الذي فيه تحل الروح. إذن هو عالمٌ بنا حين النشأة الأولى وحين النشأة الثانية في بطون أمهاتنا. فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ [النجم: ٣٢] لا تزكوها، وتقول: عملت كذا وكذا، صليت زكيت صمت جاهدت حججت لا تقل هكذا، تدل بعملك على ربك، هذا لا يجوز، فإن قال قائل: أليس الله يقول: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا [الشمس: ٩]؟ فالجواب: بلى، لكن معنى: مَنْ زَكَّاهَاأي: من عمل عملًا تزكو به نفسه، وليس المعنى: مَنْ زَكَّاهَامن أثنى عليها ومدحها بأنها عملت وعملت، بل المراد عمل عملًا تزكو به نفسه، فلا معارضة بين الآيتين، ولهذا نقول: من زكى نفسه بذكر ما عمل من الصالحات فإنه لم يزكِ نفسه حقيقة، من زكى نفسه فإنه لم يزكِ نفسه، فرق بينهما، التزكية التي يُحمد عليها الإنسان: أن يعمل الإنسان عملًا صالحًا تزكو به نفسه. والتزكية التي يُذم عليها: أن يدل بعمله على ربه ويمدحه، وكأنه يمُنُّ على الله، يقول: صليت، تصدقت، صمت، حججت، جاهدت، بَرَرْت والدي، وما أشبه ذلك، هذه لا يجوز للإنسان أن يزكي نفسه، ويقول: أنا من أنا. وفي هذا رد على أولئك الصوفية الذين يدعون أنهم أئمة، ويزكون أنفسهم، ويقول: وصلنا إلى حدٍ لا تلزمنا الطاعات؛ لأن فيه الآن ناس يقول: إنه وصل إلى عالم الملكوت ولا عليه صلاة، ولا عليه صدقة، ولا عليه صيام، ولا يحرم عليه شيء، هؤلاء منسلخون من الدين انسلاخًا تامًا، لذلك نقول: هؤلاء الذين يزكون أنفسهم هم أبعد الناس عن الزكاة؛ لأنهم أعجبوا بأعمالهم وأدلوا بها على الله عز وجل، وجعلوا لأنفسهم منصبًا لم يجعله الله تعالى لهم. فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى [النجم: ٣٢] كأنه يقول: لماذا تزكون أنفسكم؟ أتريدون أن تعلموا الله بما أنتم عليه؟ الجواب: لا، ولهذا قال: هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَىيعني: إن كنت متقيًا لله فالله أعلم بك، ما حاجة أن تقول لله: إني فعلت وفعلت. في هذا إشارة إلى أن النطق بالنية عند فعل العبادة قد يدخل فيه نوع من التزكية؛ يعني: إذا أردت تتوضأ هل تقول: اللهم إني نويت أن أتوضأ؟ لا، هل تقولها سرًّا؟ لا، بعض العلماء يقول: قلها سرًّا بينك وبين نفسك، وعللوا هذا، قالوا: من أجل أن يطابق اللسان القلب، القلب نوى لكن قل باللسان: اللهم إني نويت أن أتوضأ، نويت أصلي أيضًا، تريد تصلي قل: اللهم إني نويت أن أصلي، متى؟ الظهر ولّا العصر؟ بَيِّن، الظهر، وهل تحتاج إلى عدد الركعات ولّا ما تحتاج؟ لا تحتاج إلى عدد، ما دام عينت يكفي، بعض العلماء يقول هكذا يا إخوان، علماء أجلاء من الفقهاء. التعليل ليش النطق باللسان؟ لتطابق القول القلبي واللساني، فيُقال: هذا غلط، هذا قياسٌ في مقابلة النص، هل الرسول عليه الصلاة والسلام شرع لأمته أن ينطقوا بالنية؟ أبدًا، لا في حديث لا صحيح ولا ضعيف؛ أن الإنسان إذا أراد العمل نطق النية، أبدًا ما يوجد. ومن الطُرَف الطريفة: أن رجلًا في المسجد الحرام عاميًّا سمع شخصًا يريد أن يصلي، فقال بعد أن أقيمت الصلاة: اللهم إني نويت أن أصلي الظهر أربع ركعات في المسجد الحرام، لما أراد يكبر قال له: باقي عليك، قال: ويش الباقي؟ قال: باقي التاريخ، قل: في اليوم الفلاني، أنت الآن ذكرت المكان وذكرت العمل باقي التاريخ، قل: في اليوم الفلاني من الشهر الفلاني من السنة الفلانية. طالب: مأمومًا؟ الشيخ: ما أدري عاد مأموم ولا غير مأموم، المهم أنه قال له الكلام هذا، فانتبه الرجل، وقال له: يا أخي، أنت تُعلم ربك بنيتك، الله أعلم بنيتك: يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ [غافر: ١٩] ما حاجة. عند الصيام مثلًا: إذا تسحر الإنسان وأراد أن يصوم يقول: اللهم إني نويت الصيام إلى الليل؟ لا يقول هذا، كان ونحن صغار يلقنوننا هذا، يقول: إذا تسحرت قل: اللهم إني نويت الصيام إلى الليل، ونقوله؛ لأننا ما ندري، لكن في الواقع أن هذا من البدع. بقي أن يُقال في الحج هل تقول: اللهم إني نويت العمرة، أو نويت الحج، أو نويت القران، أو التمتع؟ لا، ما تقوله، حتى في الحج عندما تغتسل وتلبس الإحرام لا تقل: اللهم إني نويت العمرة أو نويت الحج، تكفي التلبية؛ لأنك سوف تقول: لبيك عمرة إن كنت في عمرة، أو لبيك حجًّا إن كنت في حج، أو لبيك عمرة وحجًّا إن كنت قارنًا، فلا حاجة، فكل العبادات لا يُنطق فيها بالنية، ولهذا قال عز وجل: هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى [النجم: ٣٢].
تفسير الآيات (٣٣-٣٥)
٠١:٢٣:١٦
ثم قال تعالى: أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى (٣٣) وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى (٣٤) أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَىإلى آخره [النجم: ٣٣، ٣٥]، أَفَرَأَيْتَيعني: أخبرني، كلما جاءت أرأيت في القرآن فهي بمعنى أخبرني، أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّىأخبرني عنه تَوَلَّىيعني عن طاعة الله عن الإيمان بالله ورسوله عن إقامة شعائر الإسلام، وَأَعْطَى قَلِيلًاأي: أعطى قليلًا من المال وَأَكْدَىأي: منع؛ يعني أنه هو ليس مطيعًا لله، وليس نافعًا لعباد الله، فهو متولٍّ عن طاعة الله وهو مانع فضل الله عز وجل، فلذلك يسأل الله عز وجل يقول: أخبرني عن هذا، وهذا الاستخبار ليس لعدم علمه جل وعلا، ولكن لشحذ النفوس والهمم إلى الاستماع لما يلقى فيقول: أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى (٣٣) وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى (٣٤) أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَىوالجواب: لا، ليس عنده علم الغيب، وهو يدعى أنه بتوليه وإعطائه القليل سلم ونجا، ولكنه لم يسلم ولم ينجُ، وليس عنده علم من الغيب اطلع عليه.
تفسير الآيات (٣٦-٣٨)
٠١:٢٤:٣٤
ثم قال: أَمْ لَمْ يُنَبَّأْأي: لم يخبر بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (٣٦) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى [النجم: ٣٦، ٣٧] أي: هو أيضًا لم يُخبر بما في صُحُف موسى وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّىأي: وفَّى ما أمر الله به، كقوله: وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ [البقرة: ١٢٤] يعني هل هذا الرجل الذي تولى عن طاعة الله وأعطى القليل ومنع الكثير هل عنده علم الغيب أنه ناجٍ بذلك أو لا؟ وهل جاءه الخبر بما في صحف موسى عليه الصلاة والسلام وإبراهيم؟ وذكر موسى؛ لأنه أفضل أنبياء بني إسرائيل، وذكر إبراهيم؛ لأنه أبو الأنبياء، فهو أبو الأنبياء في بني إسماعيل وأبو الأنبياء في بني إسرائيل. وقوله: الَّذِي وَفَّىأي: وفَّى ما أمر به، قال الله تعالى: وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّوهنا قدَّم موسى على إبراهيم، وفي سورة الأعلى قدَّم إبراهيم على موسى، ولا شك أن الأحق بالتقديم إبراهيم؛ لأنه أسبق زمنًا وأعلى مرتبة، ولكن مراعاة لفواصل الآيات قدَّم موسى؛ ولأجل الثناء الخاص بإبراهيم أيضا قدَّم موسى، فقال: وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى. ما الذي في صحف إبراهيم وموسى؟ قال: أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [النجم: ٣٨] أي لا تحمل نفس وَازِرَةٌأي: يلحقها الإثم وِزْرَأي: إثم، أُخْرَى: يعني أن النفوس لا يحمل بعضها وزر بعض، الوزر على من؟ على صاحبه الذي استحق أن يأثم، وأما غيره فلا يمكن. ولهذا قال الله تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ [العنكبوت: ١٢] المعنى: اتبعوا طريقنا ونحن نحمل خطاياكم يعني والإثم علينا، فقال الله تعالى: وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٢) وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ [العنكبوت: ١٢، ١٣] والآية ليس فيها تعارض قوله: وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍهذا في الواقع وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ [العنكبوت: ١٣] لأنهم هم الذين أضلوا الناس ومن أضل شخصًا فعليه وزره ووزر من عمل به. المهم أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىفإن قال قائل: ألم يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أن من دل على سوء فعليه إثمه وإثم من تبعه، ومن سن في الإسلام سُنة سيئة فعليه وزرها ووز من عمل بها ؟ فالجواب: بلى، ثبت هذا، لكن لما كان هو الداعي إلى هذا الوزر والإثم صار كالفاعل، فالوزر الذي حمل من أوزار من اتبعه هو السبب فيه، فكان عليه إثمه.
تفسير الآية (٣٩)
٠١:٢٧:٣٢
{وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} [النجم: ٣٩]، فسعي غيره لا ينفعه، ليس لك إلا ما سعيت، وهذا كقوله تعالى: لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ [البقرة: ٢٨٦] فإن قال قائل: أليس العالم الذي يدل على الخير إذا فعله غيره فله مثله؟ قلنا: بلى، لكن دلالته على الخير من سعيه، أليس من سَنَّ في الإسلام سُنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها؟ بلى، لكن كونه سنها هذا من سعيه. واستدل بعض العلماء بهذه الآية على أن إهداء القرب لا ينفع من أُهدي إليه، فلو صليت وقلت: اللهم اجعل ثوابها لأبي لم ينفعه، ولو صُمْتَ وقلت: اللهم اجعل ثوابه لأبي لم ينفعه؛ لأنه ليس للإنسان إلا ما سعى، وأما سعي غيره فلا ينفعه إلا أن ما وردت به السنة، فلا بد من القول به، فالصوم عن من مات وعليه صيام جاءت به السنة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ» ، الحج عن من لا يستطيع الحج يجوز؛ لأن امرأة سألت النبي صلى الله عليه وسلم قالت: إن أبي أدركته فريضة الله على عباده في الحج شيخًا لا يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: «نَعَمْ» . إذن هذا الحج، الصوم والحج الواجب، الصوم الواجب، والحج الواجب، الصدقة جائزة؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم سأله سعد بن عبادة رضي الله عنه، له مِخْراف –يعني: حائط يُخرف- نخل، هل يتصدق به لأمه فينفعها؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «نَعَمْ» ، وسأله رجل آخر قال يا رسول الله إن أمي افتلتت نفسها -يعني: ماتت بغتة- وإنها لو تكلمت لتصدقت أفأتصدق عنها، قال: «نَعَمْ» ، فهذه ثلاث جاءت بها السنة، والعتق كذلك، فما جاءت به السنة فهو على العين والرأس، ويكون مُخَصِّصًا لقوله: وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى [النجم: ٣٩]، وذهب بعض العلماء إلى أن إهداء القرب للأموات جائز سواء كان مما جاءت به السنة أو لا؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم سُئل عن قضايا أعيان، قضية بعينها، فقال: نعم، فيُقال: ومثلها جميع الطاعات، من باب القياس. وهؤلاء يحملون قوله تعالى: وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى [النجم: ٣٩]، أن المعنى أنه لا يمكن أن يأخذ من عمل غيره، لكن إذا أهدى إليه العامل فإن هذا لا بأس به، كما أن الإنسان ليس له التصرف إلا في ماله، ولو أعطاه شخص مالًا لتصرف فيه، لو أعطاه مالًا يتصرف فيه، وهذا القول هو الذي عليه الإمام أحمد -رحمه الله- وأصحابه في المشهور عنهم؛ أن أي قربة فعلها الإنسان وجعل ثوابها لميت أو حي نفعه ذلك، وقد نقل الجمل في حاشيته على الجلالين في هذا الموضع نقل عن شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله: أنه يجوز إهداء القرب، وأن الميت ينتفع بذلك، وذكر لهذا أكثر من عشرين وجهًا، فمن أحب أن يراجعه فليراجعه، والكتاب اسمه الفتوحات الإلهية.
تفسير الآية (٤٢)
٠١:٣١:٢١
{وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى} [النجم: ٤٢] وهذه الآية فيها قراءتان: القراءة الأولى: فتح الهمزة: وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى [النجم: ٤٢]، والثانية: كسر الهمزة: {وَإنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى}، وكلاهما قراءتان صحيحتان سبعيتان، إذا قرأ الإنسان بإحداهما صح، بل الأولى للإنسان الذي يعرف القراءات أن يقرأ بهذه القراءة مرة وبهذه القراءة مرة أخرى، لكن لا على ملأ من الناس وسماعٍ منهم؛ لأن العامة إذا سمعوك تقرأ على خلاف ما يعلمون فسيحصل بذلك مفسدة؛ إما أن يقولوا: إن هذا الرجل لا يعرف القرآن، وإما أن يتشككوا في القرآن، حيث يظن العامي أن (...)، لذلك ننصح إخواننا الذين أعطاهم الله تعالى علمًا في القراءة ألا يقرؤوا إلا بالقراءة المعروفة عند العامة حتى لا يحصل اللبس، لكن فيما بينك وبين نفسك إذا كنت تدرك القراءة الثانية إدراكًا تامًا فاقرأ بها أحيانًا؛ لأن الكل سُنَّة، الكل كلام الله عز وجل. فإذا كانت بالكسر: {وإِنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى} صارت هذه الجملة وما بعدها ليست في صحف إبراهيم وموسى، بل تكون استئنافية، وإذا كانت بالفتح: وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَىصارت هذه الجملة وما بعدها مما جاء في صحف إبراهيم وموسى، وعلى كلٍ فهي كلام الله عز وجل. وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَىفي أي شيء؟ في أمور الدين والدنيا، فإلى الله المنتهى في مسائل العلم، عندما تشكل علينا مسألة من مسائل العلم إلى أين ننتهي؟ إلى الله ورسوله، كما قال تعالى: فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ [النساء: ٥٩]، والنبي صلى الله عليه وسلم لا يقول شيئًا من عنده، إنما هو من عند الله عز وجل، فيكون المنتهى إلى الله في الحكم بين الناس وفي الحكم في الناس. إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَىأيضًا منتهى الخلائق؛ لأن هذا الخلق الموجود الآن سوف يفنى وينتقل إلى خلقٍ آخر، كما قال عز وجل: أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ [ق: ١٥] المنتهى على هذا التقدير هو يوم القيامة، فإلى الله المنتهى: إلى الله المصير، فمنتهى أحوالنا وأحكامنا وجميع ما يصدر منا وعلينا إلى الله عز وجل. وإذا كان إلى الله المنتهى فإلى من تشكو إذا أصابك الضر؟ إلى الله عز وجل، وإذا أردت النفع فمن تطلب؟ الله عز وجل؛ لأنه إلى الله المنتهى، وكم من إنسان انعقد له أسباب الرزق وإذا به يُحرم منه على آخر لحظة، ربما يشتغل بإنشاء محطة مثلًا على أنه يريد أن يرتزق بها، وإذا كان الله لم يُرِد هذا احترقت المحطة. إذن: لا يجلب لك الخير إلا الله، ولا يمنع عنك الضرر إلا الله عز وجل، فاجعله منتهاك في كل أمورك.
تفسير الآية (٤٣)
٠١:٣٤:٤٣
{وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى} [النجم: ٤٣] هل المراد حقيقة الضحك أو المراد لازم ذلك؛ وهو الفرح؟ وكذلك يُقال في أبكى: هل المراد حقيقة البكاء أو المراد الحزن؟ إذا نظرنا إلى ظاهر اللفظ قلنا: الضحك الحقيقي، والضحك الحقيقي لا ينشأ إلا عن سرور، وَأَبْكَىالبكاء الحقيقي، والبكاء لا يحصل إلا عن حزن، فالله تعالى أضحك في الدنيا وأبكى، وأضحك في الآخرة وأبكى. الكفار في الدنيا الآن يضحكون على من؟ على المسلمين، على المؤمنين: إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ [المطففين: ٢٩]، لكن هذا ضحك سيعقبه بكاء في يوم القيامة: فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ [المطففين: ٣٤]، فالذي أضحك في الدنيا وأبكى، والذي أضحك في الآخرة وأبكى هو الله عز وجل. إذن: هو مقدر ما يكون به الضحك، ومقدر ما يكون به البكاء، وأتى بالأمرين، وهما متقابلان؛ ليعلم بذلك أن الله سبحانه وتعالى على كل شيءٍ قدير، وهو القادر على خلق الضدين.
تفسير الآية (٤٤)
٠١:٣٥:٥٩
{وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا} [النجم: ٤٤] أمات في الدنيا وأحيا في الدنيا، وأمات أيضًا في الدنيا وأحيا في الآخرة، أَمَاتَ وَأَحْيَا: الآن البشر تجد هذا، تُنفخ فيه الروح اليوم فيكون الله قد أحياه، والآخر تُنزع روحه من بدنه فيكون الله قد أماته، وهكذا دواليك، هو الذي أمات وأحيا، هناك أيضًا ميتة عامة وحياة عامة، أمات العالم في الدنيا وأحياهم في الآخرة، فهو الذي خلق الموت وهو الذي خلق الحياة، وهذان أيضًا متضادان؛ حياة وموت، كلها من عند الله عز وجل؛ لأن الله تعالى على كل شيء قدير.
تفسير الآيتين (٤٥-٤٦)
٠١:٣٦:٤٤
{وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٤٥) مِنْ نُطْفَةٍ} [النجم: ٤٥، ٤٦] خَلَقَ الزَّوْجَيْنِالزوج بمعنى: الصنف، ومثاله قوله تعالى: وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ [ص: ٥٨] أي: أصناف، وقوله تعالى: احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ [الصافات: ٢٢] ليس المراد: زوجاتهم، المراد: أزواجهم؛ أي: أصنافهم. إذن الزَّوْجَيْنِيعني أيش؟ الصنفين، ثم بَيَّن هذين الصنفين، فقال: الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى [النجم: ٤٥]، من مادة واحدة مِنْ نُطْفَةٍوهي المني، إِذَا تُمْنَى [النجم: ٤٦] أي: تُراق وتُصب في رحم المرأة، فالله عز وجل خلق هذين الصنفين المختلفين خلقة، المختلفين مزاجًا، المختلفين عقلًا، المختلفين فكرًا، خلقهما من شيءٍ واحد، من نطفة، ولهذا قال الله تبارك وتعالى في سورة القيامة في آخر السورة، قال: فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣٩) أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى [القيامة: ٣٩، ٤٠]؟ الجواب: بلى، فالله تعالى خلق الزوجين، الذكر والأنثى من شيء واحد، وهذا يدل على كمال قدرته جل وعلا، إذ أنه خلق صنفين مختلفين في كل الأحوال، حتى في القوى البدنية يختلف الرجل عن المرأة، والعقلية والفكرية والتنظيمية يختلف الذكر عن الأنثى، وبذلك نعرف ضلال أولئك القوم الذين يريدون أن يلحقوا المرأة بالرجل في أعمالٍ تختص بالرجل، فإنهم سفهاء العقول، ضُلّال الأديان، وكيف يمكن أن نسوي بين شيئين، أو بين صنفين فرق الله بينهما خلقة وشرفًا؟! هناك أحكام يُطالب بها الرجل ولا تُطالب بها المرأة، وأحكام تُطالب بها المرأة ولا يُطالب بها الرجل، وأما قدرًا وخلقة فالأمر واضح، لكن هؤلاء الذين لم يوفقوا وسلب الله عقولهم وأضعف أديانهم يحاولون الآن أن يلحقوا النساء بالرجال، وهذه لا شك أنها فكرة خاطئة مخالفة للفطرة مخالفة للطبيعة، كما أنها مخالفة للشريعة. مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى [النجم: ٤٦] ما معنى تُمنى؟ أي: تُصب وتُراق في الرحم، ومنه سُمي المكان منى الذي حول مكة قال العلماء: لأنها تمنى فيه الدماء؛ لأن الهدي أين يُذبح؟ يُذبح يوم العيد في مِنَى، فتراق فيه الدماء؛ ولذلك سُمّي هذا المكان باسم ما يحدث فيه.
تفسير الآية (٤٧)
٠١:٣٩:٢٢
ثم قال: وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى [النجم: ٤٧] على من؟ على الله، وفي هذا دليل على أن الله أوجب على نفسه أن يبعث الناس؛ لأنه لو كان الناس يحيون ويموتون بلا إرجاع لكان هذا عبثًا محضًا؛ لأننا نعلم الآن أن الناس في الدنيا يختلفون في الغنى والفقر، والقوة والضعف، والذكاء والعقل، وغير ذلك، لو كان الخلق هكذا فقط بدون إرجاع لكان هذا منافيًا للحكمة تمامًا، لكن لا بد من رجوع. ولهذا قال: وَأَنَّ عَلَيْهِو(على) تفيد؟ مثلًا: إذا قلت: عليك تفعل كذا يعني: واجب، فـ(على) تفيد الوجوب، فيكون الله أوجب على نفسه أن ينشئ الناس مرة أخرى، ولا مانع من أن الله يفرض على نفسه ما شاء، كما قال تعالى: كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ [الأنعام: ٥٤] أي: أوجب على نفسه الرحمة. كذلك هنا قال: وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى [النجم: ٤٧] أي: على الله، أوجب الله على نفسه أن ينشئ الناس نشأة أخرى للجزاء كلٌ بحسب عمله، والنشأة الأخرى تفيد بأن هناك نشأة قبلُ، وهي النشأة الأولى، وهي ابتداء خلق الناس من عند الله عز وجل. ففي قوله: (الأخرى) فائدة عظيمة، وهي الإشارة إلى أن القادر على الأولى قادر على الآخرة، والنشأة الآخرة أهون من الأولى، كما قال عز وجل: وَهُوَ الَّذِي يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ [الروم: ٢٧]، وكله عليه هين، لكن الهين يختلف باعتبار ذاته لا باعتبار قدرة الله، قدرة الله لا تختلف، كن فيكون، سواء كان أعلى شيء أو أدنى شيء. لكن بالنسبة للمقدور عليه أيهما أهون؟ الإعادة أهون أما بالنسبة لقدرة الله فكلها واحدة؛ لأن المسألة لا تعدو أن يقول: كن فيكون. وبهذا نعرف أن بعض المفسرين -رحمهم الله وعفا عنهم- قالوا في قوله: وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ [الروم: ٢٧]، قال المعنى: وهو هين عليه، هذا غلط، كيف يقول الله عن نفسه: وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِونقول: وهو هين؟! لكن نقول: الهون له نسبتان: نسبة للمفعول، ونسبة للفاعل، بالنسبة للفاعل هما سواء؛ لأن كل شيء منهما يتكون بكلمة واحدة: كن فيكون. بالنسبة للمفعول يختلف، لا شك أن الأول أشد من الثاني. إذن النَّشْأَةَ الْأُخْرَىقلنا كلمة: الْأُخْرَىفيها فائدة، وهي الإشارة إلى أن القادر على الأخرى قادر على الأولى من باب أولى، ثم استشهدنا لذلك بقوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ [الروم: ٢٧].
تفسير الآية (٤٨)
٠١:٤٢:١٨
{وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى} [النجم: ٤٨] يعني: أن الله سبحانه وتعالى هو الذي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، فهو الذي أغنى؛ يعني أغنى من شاء من خلقه، وَأَقْنَىقيل: معناها أفقر؛ لأنها في مقابلة أغنى، وقيل: أَغْنَىبالكفاية، وَأَقْنَىبما زاد عن الكفاية؛ يعني: أن الله عز وجل بسط الرزق للعباد، فمنهم من أغناه عن غيره ومنهم من أقناه؛ أي: جعل له قُنية، وهي الزائد عن الكفاية. وكما ذكرنا مرارًا أن الكلمة إذا كانت تحتمل معنيين ليس بينهما منافاة ولا مرجح لأحدهما على الآخر فإنها تُحمل عليهما؛ لأنه أعم للمعنى. فالذي يغني هو الله، والذي يقني هو الله عز وجل، وليست هذه الأصنام التي هي: اللات والعزى ومناة، بل ذلك إلى الله عز وجل وحده.
تفسير الآية (٤٩)
٠١:٤٣:٢٢
{وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى} [النجم: ٤٩] أتى بضمير الفصل تأكيدًا للجملة، ورَبُّ الشِّعْرَىأي: خالقها ومالكها ومدبرها، والشِّعْرَىهي: النجم المضيء الذي يخرج في شدة الحر، ونص على هذا النجم؛ لأن بعض العرب كانوا يعبدونها ويعظمونها، فَبَيَّن تبارك وتعالى أن الشعرى من جملة المخلوقات المربوبات، فليست إلهًا، ولا تستحق أن تعبد.
تفسير الآية (٥٠)
٠١:٤٣:٥٩
{وَأَنَّهُ} أي: الله عز وجل أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى [النجم: ٥٠] وهم قوم هود. والْأُولَى: وصف كاشف وليس وصفًا مُقيدًا؛ يعني: ليس هناك عاد أولى وعاد ثانية، هي واحدة، لكنها عاد قديمة سابقة، ولهذا وصفها بأنها الأولى؛ يعني: القديمة السابقة، وليس ثمة عادٌ أخرى. عاد: هم قوم هود، وكان الله تعالى قد أعطاهم من القوة والنشاط وشدة البطش ما ليس لغيرهم، حتى إنهم قالوا: مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً [فصلت: ١٥]، قال الله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآياتِنَا يَجْحَدُونَ [فصلت: ١٥]، هؤلاء القوم يفتخرون بشدتهم وقوتهم فأهلكهم الله تعالى بألطف الأشياء، أهلكهم بريح صرصر عاتية، سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا [الحاقة: ٧] ابتدأت من بعد الفجر وانتهت عند الغروب، فصارت الأيام ثمانية والليالي سبعًا سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ [الحاقة: ٧] تحمل الإنسان إلى القمة ثم تقذف به على الأرض، فصاروا كأنهم أعجاز نخلٍ خاوية، والعياذ بالله، أو أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ [القمر: ٢٠]. فهؤلاء القوم مع شدة بطشهم وشدة بأسهم لم يمنعهم ذلك من عذاب الله عز وجل.
تفسير الآية (٥١)
٠١:٤٥:٣٨
وقوله: وَثَمُودَ [النجم: ٥١] يعني: وأهلك ثمود فما أبقاهم، وثمود هم أصحاب الحَجَر، حيث أرسل الله إليهم صالحًا فكذبوه، وكان الله تعالى قد أعطاهم قوة وأعطاهم معرفة وعلمًا بهندسة البناء، لكن مع ذلك ما فعلوا ما أراد الله بهم، صيح بهم ورجفت بهم الأرض، فأصبحوا في ديارهم جاثمين، والعياذ بالله.
تفسير الآية (٥٢)
٠١:٤٦:٠٧
{وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ} [النجم: ٥٢] يعني: وأهلك قوم نوحٍ من قبل، أهلكهم بالغرق، كما قال الله تعالى في سورة (اقتربت الساعة وانشق القمر) قال عن نبيهم نوح: فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (١٠) فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ [القمر: ١٠-١١] وفي قراءة: ففتَّحنامما يدل على الكثرة وشدة الانفتاح، أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ [القمر: ١١] يعني: نازلٍ بشدة، وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا [القمر: ١٢] الأرض كلها كانت عيونًا؛ يعني ليس فيها موضع شبر إلا وهو يفور، حتى إن التنور الذي هو محل الإيقاد صار يفور، مع أن محل الإيقاد أبعد ما يكون عن الرطوبة، لكنه فار، فصارت الأرض كلها عيونًا والسماء تمطر. الْتَقَى الْمَاءُ [القمر: ١٢] ماء السماء وماء الأرض، عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ [القمر: ١٢]؛ يعني: أمر مقدر محدد بدون زيادة ولا نقص، سبحان الله العظيم، فغرق القوم حتى بلغ الماء قمم الجبال، ويذكر أن امرأة كان معها صبي، فكلما علا الماء صعدت الجبل كلما علا الماء صعدت الجبل، حتى وصل الماء إلى قمة الجبل، ووصل إلى المرأة وارتفع في جسدها، وكان معها صبي، فحملت الصبي على يديها، ترفعه لئلا يغرق قبلها، وجاء في الحديث: «لَوْ رَحِمَ اللَّهُ أَحَدًا لَرَحِمَ أُمَّ الصَّبِيِّ» ، لكن إذا حقت كلمة الله فلا راد لقضاء الله تعالى، أجارنا الله وإياكم من العذاب الأليم. وقوله: إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى [النجم: ٥٢] اختلف المفسرون في قوله: إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى، فقيل: إن الضمير يعود على قوم نوح فقط، وقيل: إنه يعود على كل الأمم التي ذكرها الله عز وجل ممن أهلكهم. فعلى القول الأول يكون المعنى؛ أن قوم نوحٍ أظلم وأطغى من قوم ثمود وعاد، ووجه ذلك؛ أنه حصل منهم عتو واستكبار مع طول المدة، حيث إن نوحًا عليه الصلاة والسلام لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا، يقول الله تبارك وتعالى عنه: قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (٥) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا (٦) وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ [نوح: ٥، ٧] حتى لا يسمعوا، وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ [نوح: ٧] تغطوا بها حتى لا يبصروا، وهذا يدل على شدة كراهتهم لما يدعوهم إليه عليه الصلاة والسلام، وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا [نوح: ٧] يعني: استكبارًا عظيمًا فلم يخضعوا لعبادة الله عز وجل، فكانوا أظلم وأطغى من عاد وثمود. وعلى القول الثاني: أن الضمير يعود على كل هؤلاء الأمم، يكون المعنى: إن هؤلاء كانوا أظلم وأطغى من قريش الذين كذبوك يا محمد. فيكون في هذا تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم؛ بأن الله تعالى أهلك هؤلاء القوم مع أنهم أظلم وأطغى من قومك، والذي أهلك من سَبَق قادرٌ على أن يهلك من لحق، وكلا المعنيين صحيح، فهؤلاء الأمم أظلم وأطغى من قريش، وقوم نوح أظلم وأطغى من عادٍ وثمود.
تفسير الآية (٥٣)
٠١:٥٠:٠٢
ثم قال عز وجل: وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى [النجم: ٥٣] أي: أسقط، وَالْمُؤْتَفِكَةَهي قرى قوم لوط، أَهْوَىبمعنى: أنزل، واختلف المفسرون في قوله: أَهْوَىهل المعنى: أنه أهوى بها من فوق إلى أسفل بناءً على أن الله تعالى رفع هذه القرى إلى فوق ثم قلبها، أو أن المعنى: أنه أَهْوَىأسقطها بمعنى: أرسل عليها الحجارة حتى تهدم البناء فصار أعلى البناء أسفله. المهم، أن الله تعالى أخبر عن قوم لوط بأن الله أهواهم -أي: أسقطهم- سواء من الجو أو من سقوط البناء على أسفله.
تفسير الآيتين (٥٤-٥٥)
٠١:٥٠:٥٩
{فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى} [النجم: ٥٤] غشاها؛ أي: غطاها، وقوله: مَا غَشَّىمبهم للتعظيم والتفخيم، كقوله تعالى: فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ [طه: ٧٨] أي: غشيهم شيءٌ عظيم، فالإبهام أحيانًا يُراد به التعظيم والتهويل والتفخيم كما في هذه الآية: فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى (٥٤) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى [النجم: ٥٤، ٥٥]، الاستفهام هنا للتوبيخ، وتَتَمَارَىتتشكك، والآلاء: النعم؛ أي: بِأَيِّ نعم الله تتشكك أيها الإنسان؟! إذ أن الواجب أن الإنسان يقر بنعم الله ويشكر الله عليها، لا أن يتشكك ويقول: هذا من عملي، هذا من كذا، هذا من كذا، كما كانت العرب تقول: مطرنا بنوء كذا وكذا؛ يعني: بالنجم، وينسون الخالق عز وجل.
تفسير الآية (٥٦)
٠١:٥٢:٠٤
ثم قال جل وعلا: هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى [النجم: ٥٦] هذا المشار إليه الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، نَذِيرٌبمعنى: منذر، والمنذر: هو الذي يعلم بالشيء على وجه التخويف؛ لأن الإنذار هو إعلام بتخويف، والبشارة هو إعلام برجاء، هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَىولم يقل: بشير؛ لأن المقام لا يقتضي إلا ذكر الإنذار، إذ أن الله تحدث من أول السورة إلى آخرها عن قريش وتكذيبها للرسول صلى الله عليه وسلم، وعبادتها الأصنام، فيقول: محمد صلى الله عليه وسلم نذير من النُذُر الأولى؛ أي: من الرسل السابقين؛ يعني: فكما أن الذين كذبوا الرسل حل بهم العقاب والنكال، فأنتم أيها المكذبون لرسول الله صلى الله عليه وسلم يوشك أن يحل بكم النكال والعقوبة؛ لأن محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وسلم مثل غيره، نذيرٌ من النذر، فإذا كان نذيرًا من النذر فإن من كذبه سيقع به مثل ما وقع بالأمم السابقة.
تفسير الآية (٥٧)
٠١:٥٣:٢٣
{أَزِفَتِ الْآزِفَةُ} [النجم: ٥٧] أي: قربت القيامة؛ الْآزِفَةُ: القيامة، وأزف بمعنى: قرب، ومنه قول الشاعر:
أَزِفَ التَّرَحُّلُ غَيْرَ أَنَّ رِكَابَنَا
لَمَّا تَزُلْ بِرِحَالِنَا وَكَأْنَ قَدِ
الآزفة هي القيامة؛ لأن الساعة قريبة، كما قال الله تعالى: وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ [الشورى: ١٧]، وقال تعالى في الآية الثانية: وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا [الأحزاب: ٦٣] فهي قريبة، ويدل لقربها أن محمدًا صلى الله عليه وسلم خاتم الرسل معناه: أن الأمر قريب، ومع كون الله تعالى يذكر أن الأمر قريب كم بيننا وبين نزول القرآن؟ أربعة عشر قرنًا، ونحن في الخامس عشر، ومع ذلك يقول الله عز وجل: إن الساعة قريب، من هنا نعرف أن عمر الدنيا طويل وبعيد، ولكن هل نأخذ بقول هؤلاء الذين يتخرصون ويقولون: عمر الدنيا الماضي كذا وكذا؟ لا، هؤلاء لا نصدقهم ولا نكذبهم، أحيانًا يقولون: إنهم عثروا على آثار حيوان له كذا وكذا من ملايين السنين، أو على أحجار أو ما أشبه ذلك، هذا لا نصدقه ولا نكذبه؛ لأنهم لا يعلمون الغيب الماضي وإنما يقيسونه بحال الحاضر؛ يعني: يقيسون مثلًا عمر هذا الأثر.