تجاوز إلى المحتوى

تفسير سورة الماعون

درس صوتي · ١٠:١٢

جارٍ تجهيز الصوت

انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها

إعدادات

اختصارات لوحة المفاتيح

Space أو K تشغيل وإيقاف ←→ خمس ثوانٍ JL خمس عشرة ثانية HomeEnd بداية ونهاية الدرس

محتوى الدرس

تفسير الآية (١)

٠٠:٠٠:٠٢

نبتدئ هذا اللقاء بتفسير قول الله تبارك وتعالى: أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (١) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ [الماعون: ١، ٢] إلى آخِر السورة إن شاء الله. فيقول الله تبارك وتعالى: أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ [الماعون: ١] أَرَأَيْتَخِطاب، لكن لِمَن؟ هل هو للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم لأنه الذي أُنْزِل عليه القرآن، أو هو عامٌّ لكلِّ مَن يتوجَّه إليه الخطاب؟ العموم أَوْلى، فنقول: أَرَأَيْتَ الَّذِيعامٌّ لكلِّ مَن يتوجَّه إليه الخطاب. أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِأي: بالجزاء، وهؤلاء هم الذين يُنكرون البعثَ ويقولون: أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (١٦) أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ [الصافات: ١٦، ١٧]، ويقول القائل منهم: مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ [يس: ٧٨]، هؤلاء يُكَذِّبون بيوم الدِّين، أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِأي: بالجزاء.

تفسير الآيتين (٢-٣)

٠٠:٠١:٠٤

{فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (٢) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ} [الماعون: ٢، ٣] فجمع بين أَمْرين: الأمر الأول: عدم الرحمة بالأيتام الذين هم محلُّ الرحمة؛ لأن الأيتام هم الذين مات آباؤهم قبل أن يَبْلغوا، وهم محلُّ الشفقة والرحمة؛ لأنه فاقدٌ لأبيه، فقَلْبُه منكسرٌ يحتاج إلى جَبْر، ولهذا وردت النصوص بفضل الإحسان إلى الأيتام، لكن هذا -والعياذ بالله- يَدُعُّ الْيَتِيمَأي: يَدْفعه بعُنف؛ لأن الدَّعَّ هو الدَّفْع بعُنفٍ كما قال الله تعالى: يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا [الطور: ١٣] أي: دفعًا شديدًا، فتجد اليتيمَ إذا جاء إليه يستجديه شيئًَا أو يُكلِّمه في شيءٍ يحتقره ويدفعه بشِدَّة فلا يرحمه. أيضًا: لا يَحُثُّون على رحمة الغير؛ وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ، فالمسكين الفقير المحتاج إلى الطعام لا يحضُّ هذا على إطعامه؛ لأن قَلْبه حَجَرٌ والعياذ بالله، قاسٍ، فقلوبهم كالحجارة أو أشدُّ قسوة، إذَنْ ليس فيه رحمة لا للأيتام ولا للمساكين، فهو قاسي القلب والعياذ بالله.

تفسير الآيتين (٤-٥)

٠٠:٠٢:٣٢

ثم قال عز وجل: فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ [الماعون: ٤] (وَيْل) هذه كلمة وعيدٍ، وهي تتكرَّر في القرآن كثيرًا، والمعنى: الوعيد الشديد على هؤلاء. لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ [الماعون: ٤، ٥] هؤلاء مُصَلُّون يُصَلُّون مع الناس أو أفرادًا، لكنهم عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَأي: غافلون عنها، لا يُقيمونها على ما ينبغي، يؤخِّرونها عن الوقت الفاضل، لا يُقيمون ركوعَها ولا سجودَها ولا قيامَها ولا قعودَها، لا يقرؤون ما يجب فيها من قراءة سواءٌ كانت قرآنًا أو ذِكْرًا، إذا دَخَلَ في صلاته وإذا هو غافلٌ، قَلْبه يتجوَّل يمينًا وشِمالًا، فهو ساهٍ عن صلاته، وهذا مذمومٌ؛ الذي يسهو عن الصلاة ويَغْفل عنها ويتهاون بها لا شكَّ أنه مذمومٌ، أمَّا الساهي في صلاته فهذا لا يُلام، والفرق بينهما أن الساهي في الصلاة معناه أنه نَسِي شيئًا؛ نَسِي عددَ الركعات، نَسِي شيئًا من الواجبات وما أشبهَ ذلك، ولهذا وقع السهوُ من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أشدُّ الناسِ إقبالًا على صلاته بل إنه قال عليه الصلاة والسلام: «جُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ» ، ومع ذلك سها في صلاته؛ لأن السهو في الشيء معناه أنه نَسِي شيئًا على وجهٍ لا يُلام عليه، أمَّا الساهي عن صلاته فهو متعمِّدٌ للتهاون في صلاته، ومن السهو عن الصلاة أولئك القوم الذين يَدَعُون الصلاةَ مع الجماعة، فإنهم لا شكَّ عن صلاتهم ساهون، فيدخلون في هذا الوعيد؛ فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ.

تفسير الآية (٦)

٠٠:٠٤:٢١

{الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ} [الماعون: ٦، ٧] أيضًا إذا فَعَلوا الطاعةَ فإنما يقصدون بها التزَلُّفَ إلى الناس وأن يكون لهم قيمةٌ في المجتمع، ليس قَصْدهم التقرُّب إلى الله عز وجل؛ فهذا الْمُرائي -والعياذ بالله- يتصدَّق من أجْل أن يقول الناس: ما أَكْرَمَهُ! هذا المصلِّي يُحسن صلاتَه من أجْل أن يقول الناس: ما أَحْسَنَ صلاتَه! وما أشبهَ ذلك، هؤلاء يُراؤون، أَصْل العبادة لله، لكنْ يريدون مع ذلك أن يحمدهم الناسُ عليها، ويتقرَّبون إلى الناس بتقرُّبهم إلى الله، هؤلاء المراؤون والعياذ بالله. أمَّا مَن يُصلِّي لأجْل الناس؛ بمعنى أنه يصلِّي بين يَدَي الملِك مثلًا أو غيرِهِ يخضع له ركوعًا أو سجودًا فهذا مُشْرِكٌ كافرٌ، قد حرَّمَ الله عليه الجنةَ ومأواه النار. لكن هذا يصلِّي لله مع مراعاة أن يحمده الناسُ على عبادته، على أنه عابدٌ لله عز وجل، وهذا يقع كثيرًا في المنافقين؛ كما قال الله تعالى: وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا [النساء: ١٤٢]، انظر لهذا الوصف: إِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى، إذَنْ هم عن صلاتهم ساهون، يُرَاءُونَ النَّاسَ. هُنا يقول: الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ، فإنْ قال إنسان: وهل الذين يُسَمِّعون مثلهم؟ يعني الإنسان مَثَلًا يقرأ قرآنًا، يجهر بالقراءة، يُحَسِّن القراءة، يُحَسِّن الأداء والصوت من أجْل أن يُقال: ما أَقْرأَهُ! هل يكون مِثْل الذين يُراؤون؟ الجواب: نعم، كما جاء في الحديث: «مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ، وَمَنْ رَاءَى رَاءَى اللَّهُ بِهِ» ، المعنى: مَنْ سَمَّع فَضَحَهُ اللَّهُ وبيَّنَ للناس أن الرجُل ليس مخلصًا، ولكنه يريد أن يسمعه الناسُ فيمدحوه على عبادته، ومَنْ راءى كذلك راءى اللَّهُ به؛ فالإنسان الذي يُرائي الناس أو يُسَمِّع الناس سوف يفضحه الله، وسوف يتبيَّن أَمْره إنْ عاجِلًا أمْ آجِلًا.

تفسير الآية (٧)

٠٠:٠٦:٣٢

{الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ} أي: يمنعون ما يجب بَذْلُه من المواعين، وهي الأواني؛ يعني يأتي الإنسانُ إليهم يستعير آنِيةً يقول: أنا محتاج إلى دَلْو، محتاج إلى إناءٍ أشرب فيه، محتاج إلى لمبة كهرباء وما أشبهَ ذلك، ويمنع، هذا أيضًا مذموم.

ومَنْعُ الماعون ينقسم إلى قِسمين: قِسْمٌ يأثم به الإنسان، وقِسْمٌ لا يأثم به لكنْ يَفُوته الخير؛ فما وَجَبَ بَذْلُه فإن الإنسان يأثم بمنعه، وما لم يجب بَذْلُه فإن الإنسان لا يأثم بمنعه لكنْ يفوته الخير. مثالُ ذلك: إنسانٌ جاءه رجلٌ مضطرٌّ يقول: أعطني إناءً أشرب به، فإنْ لم أشربْ مِتُّ. بَذْلُ الإناء له أيش؟ واجبٌ، يأثم به الإنسانُ، حتى إنَّ بعض العلماء يقول: لو مات هذا الإنسان فإنه يضمنه ذاك بالدِّية؛ لأنه هو سبب ما فيه، ويجب عليه بَذْلُ ما طلبه. جاء إنسانٌ إلى آخَر يقول: أعطني ثوبًا أَدْفأُ به عن البَرْد وإلا هلكتُ. هُنا يجب عليه أن يَبْذل له ذلك الثوبَ وجوبًا. لكن اختلف العلماء في هذه المسألة: هل يجب على المستعير في هذه الحال أن يُعطي المعيرَ أجرةً أو لا يجب؟ أو يجب في المنافع دون الأعيان؟ كيف هذا؟ مَثَلًا إنسانٌ أتاك وهو مضطرٌّ إلى طعام، فإنْ لم تطعمه هَلَكَ، هنا يجب عليك أن تُطعمه، لكن هل يجب عليه أن يُعطيك قيمةَ الطعام؟ قال بعض أهل العلم: يجب عليه أن يُعطيك قيمةَ الطعام، وقال آخرون: لا يجب؛ لأن إطعامه في هذه الحال واجبٌ عليك من عند الله، وهذا القول هو الراجح أنَّه ليس له عِوَض؛ لأن إنقاذ الواقع في هَلَكة واجبٌ، ولا يمكن أن يأخذ الإنسانُ أجرًا على ما أوجبَ الله عليه. في المسألة الثانية: جاءك إنسانٌ مضطرٌّ إلى ثوبٍ خوفًا من البَرْد، فأعطيتَه الثوبَ، فهل يجب عليه أُجْرة لهذا الثوب؟ بعض العلماء يقول: يجب عليه أُجرة، وبعضهم يقول: لا يجب، والصحيح أنه لا يجب عليه الأُجرة، ولكنْ إنْ أعطيتَه إيَّاه على سبيل التملُّك فهو ملْكه، وإنْ أعطيتَه إيَّاه على سبيل العاريَّة وجبَ عليه إذا وجد ثوبًا غيره أن يَرُدَّه عليك، هذا القول هو الصحيح، وبهذا ينتهي الكلام على هذه السورة. فيجب على المرء أن ينظر في نفْسه هل هو مِمَّن اتَّصَفَ بهذه الصفات أو لا، إنْ كان مِمَّن اتَّصَفَ بهذه الصفات؛ قد أضاعَ الصلاةَ وسها عنها ومَنَعَ الخيرَ عن الغير فليُبْشِر بالويل والعياذُ بالله، وإنْ كان قد تَنَزَّهَ عن ذلك فليُبْشِر بالخير. والقرآن الكريم ليس المقصود منه أن يتلوه الإنسانُ فقط ليتعبَّد لله تعالى بتلاوته، المقصود أن يتأدَّبَ به، ولهذا قالت عائشة رضي الله عنها: إنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان خُلُقه القرآن . (خُلُقه) يعني أخلاقه التي يتخلَّق بها يأخذها من القرآن. وفَّقَنا الله وإيَّاكم لِمَا فيه الخير والصلاح في الدنيا والآخرة.