تفسير سورة المائدة - ٧
درس صوتي · ٩٢:٠٠
جارٍ تجهيز الصوت
انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها
إعدادات
اختصارات لوحة المفاتيح
محتوى الدرس
بأنواع الدلالات الثلاث، وهي: المطابقة والتضمن والالتزام. المعية الخاصة بالوصف كثيرة في القرآن: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ [النحل: ١٢٨] هذه الآية إذا آمن بها الإنسان سوف تحمله على ثقته بنفسه، لكن ثقته بنفسه لا لأنه قوي قادر ولكن لأن الله معه، فإذا اتقى الإنسان ربه تقوى حقيقة فإنه سوف يحصل له النصر والتأييد، وإن الله يدافع عن الذين آمنوا، لكن الذي في الحقيقة ينقصنا هو التقوى، ولذلك نجد أننا فاشلون في كل المعارك التي خضناها مع إخوان القردة والخنازير؛ وهم اليهود. ونجد أن الإخوة الذين كان عندهم -فيما يظهر لنا والعلم عند الله- تقوى وقوة نجد أنهم غلبوا من كانوا أكبر دولة فيما سبق وهم؟ طالب: الفرس. الشيخ: نعم، الفرس فيما سبق صحيح، ولكن الذين غلبوهم عندهم من التقوى ما ليس عندنا الآن، يقولون: إن الشيشان كان الروس أذل من الكلاب عندهم، حتى إنهم لما أمروهم؛ أي أمر ضباطهم وقوادهم وجيوشهم أن تتجمع كانوا يتجمعون ينحدرون من رؤوس الجبال ويجتمعون، يقول واحد، يقسم بالله أن سبع مئة آلية للحرب، سبع مئة يقودها طبعًا الروس، يقول: إن الشيشان قالوا: لا يمكن أن تسير من حولنا إلا والعلم المكتوب عليه (لا إله إلا الله محمد رسول الله) في المقدمة، صاروا يقودونه بـ (لا إله إلا الله محمد رسول الله)، وهؤلاء يقول: أذل ما يكون، والذي قتل منهم يقولون: سبعون ألفًا من الروس، ما كنا نظن هذا. فأقول لكم: إن الإنسان إذا وثق بنفسه لما معه من تقوى الله والإحسان في عبادة الله؛ فليبشر بأن الله تعالى معه، وأن الله تعالى ناصره. ثم ليُعلم أن النصر ليس من الضروري أن يُنصر الإنسان في حياته، بل إذا نُصر ما يدعو إليه بعد موته فهو انتصار له، لا شك، ولهذا نحن نؤمن بأن انتصار الصحابة بفتحهم مشارق الأرض ومغاربها انتصار لمن؟ للرسول عليه الصلاة والسلام، يعني حتى لو فرض أن من قام بالدعوة إلى الله مخلصًا لله متبعًا لشريعة الله لو يعني مات أو قتل لكن بقيت الدعوة وانتصر بها من بعده فهو في الحقيقة انتصار له، فيصدق قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ. أما المعية المعينة بشخص فهي أعظم وأعظم، فقول الرسول: إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا [التوبة: ٤٠] أبلغ من إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ؛ لأنه تعيين، تعيين للشخص، وكذلك موسى وهارون إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى [طه: ٤٦].
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣) وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ [المائدة: ١٣- ١٤].
الشيخ: نعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى بعد أن ذكر تذكير هؤلاء في الميثاق الذي أخذ عليهم، قال سبحانه وتعالى: فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء لو أوفوا بعهد الله لأوفى الله لهم بعهده؛ كما قال تعالى: وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ [البقرة: ٤٠]، يؤخذ من قوله: لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ [المائدة: ١٢] إلى آخره. ومن فوائدها: أن الصلاة والزكاة مفروضة على الأمم السابقة، وهو كذلك، فالصلوات والزكوات مفروضة، لكن لا يلزم من كونها مفروضة أن تكون مماثلة لما وجب علينا في الكيفية والوقت والمقدار، المهم أن جنس الصلاة مفروض، جنس الزكاة مفروض، لكن قد يختلف، وهذا كقوله: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة: ١٨٣] فالتشبيه هنا بالفرض، شبَّه الفرض بالفرض، ولا يلزم أن يكون صيامهم كصيامنا، وبقينا في الحج، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الأمم السابقة كان الحج مشروعًا في حقهم، فهذه الأركان العظيمة أركان الإسلام مشروعة عند كل أمة. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه يجب على بني إسرائيل الإيمان بجميع الرسل، وعلى رأسهم محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأن الله تعالى لم يتكفل لهم بهذا الثواب إلا إذا آمنوا برسله؛ لقوله: وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي [المائدة: ١٢]. ومن المعلوم أن من كذّب رسولًا واحدًا فقد كذّب جميع الرسل؛ كما قال الله تعالى: كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ [الشعراء: ١٠٥]، مع أنه لم يسبق رسول قبل نوح، لكن لما كذبوا نوحًا صار تكذيبهم إياه تكذيبًا لجميع الرسل. ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: وجوب نصرة الرسل؛ لقوله: وَعَزَّرْتُمُوهُمْ. ونصرتهم في حياتهم أن يكون معهم في الجهاد والدفاع وغير ذلك، نصرتهم بعد وفاتهم أن ينصروا شرائعهم ويقيموها بين الناس، فواجب علينا نحن الآن أن ننصر شريعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان فضل الله عز وجل على العباد، حيث كان يعطيهم الرزق ثم يقول: أَقْرَضْتُمُ اللَّهَوهو المعطي أولًا والمثيب ثانيًا؛ لقوله: وَأَقْرَضْتُمُوقد ذكرنا الحكمة بالتعبير عن الإنفاق في سبيل الله في القرض ما هي؟ طالب: الاقتراض بمعنى المقترض يلتزم.. الشيخ: كأن الله جعل الإنفاق في سبيله بمنزلة القرض الذي يلزم المستقرض أن يوفيه. ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا بد أن تكون الأعمال التي يتقرّب بها الإنسان إلى الله حسنة، من أين تؤخذ؟ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًاليخرج النقص عن الواجب والإسراف في البذل؛ لأن الإسراف ليس حسنًا، والنقص ليس حسنًا. ومن فوائد الآية الكريمة: أن الأعمال الصالحة تكفّر الأعمال السيئة؛ لقوله تعالى: لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ، ويدل لهذا قوله تعالى: إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ [هود: ١١٤]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا» .
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه يُبدأ بالنجاة من المرهوب قبل بيان حصول المطلوب؛ لقوله: لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ، وهو شاهد لما اشتهر عند العلماء أن التخلية قبل التحلية؛ يعني إزالة الشوائب والعوائق قبل أن يحصل المطلوب.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الجنة ليست واحدة؛ لقوله: جَنَّاتٍهذا إذا قلنا: إن هذا الجمع عائد على الجنات، لا على من دخلها؛ لأنه فيه احتمال أن يكون عائدًا على من دخلها، وأن كل واحد له جنة وإن كانت الجنة واحدة، لكن تعددت باعتبار داخليها، فنقول: هذا محتمل، ولكن القرآن دل على أنها جنات مجموعة، نفس الجنات، ففي سورة الرحمن: وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ [الرحمن: ٤٦] وقال في الثانية: وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ [الرحمن: ٦٢]. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن نعيم الجنة نعيم للنفس والقلب والسمع والبصر، وكل شيء، وذلك حينما ذكر أن هذه الجنات تجري من تحتها الأنهار، وهذا لا شك أنه يطرب السمع، حفيف جريان النهر يطرب السمع؛ ولهذا تجد الإنسان يقف عند الشلالات متمتعًا بالاستماع إليها، وكذلك النظر أيضًا، وكذلك القلب والنفس تستريح. ومن فوائد الآية الكريمة: أن في الجنة أنهارًا، لا نهرا واحدًا، من أين تؤخذ؟ الْأَنْهَارُجمع (نهر)، وقد ذكر الله عز وجل أنواعها في سورة القتال، سورة محمد، يقرؤها علينا الأخ، الأنهار، أنواع الأنهار اللي في سورة القتال، اللي هي سورة محمد مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ. طالب: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى [محمد: ١٥].
الشيخ: نعم، أحسنت، أربعة أنواع. فإن قال قائل: كيف نجمع بين قوله تعالى: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ [القمر: ٥٤، ٥٥] فذكر نهرًا واحدًا، وهنا ذكر أنهارًا؟ كيف نجمع؟ الطالب: (...). الشيخ: النكرة ما تعم إلا في سياق الشرط والنفي والنهي وما أشبه ذلك. الطالب: الجنس، جنس العمل. الشيخ: أيهم؟ الطالب: الآيات فيها ذكر معلومات. الشيخ: الإفراد للجنس، فلا ينافي التعدد صح، نقول: المراد الجنس فلا ينافي التعدد. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وعيد من كفر بعد الميثاق، والنداء عليه بالضلال البين؛ لقوله: فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ [المائدة: ١٢]. ومن فوائد الآية الكريمة: أن المؤمن يسير على سواء السبيل؛ أي وسطها دون حافتيها، وجه ذلك: أنه إذا ثبت في حكم الكافر ضلال السبيل فضدّه يثبت بحكمه، يثبت فيه ضد حكمه؛ لأن إذا تضادت الأعمال تضادت الجزاءات. ومن فوائد الآية الكريمة: التنبيه على أن الغالب أن الوسط وسط السبيل والطريق هو الحق؛ لأن سواء بمعنى وسط؛ لقوله تعالى: فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ [الصافات: ٥٥] أي: في وسطها أو في مستقرها، وهذا هو الغالب؛ أن ما تطرف من يمين أو يسار فهو ضلال، ولذلك جاء في الحديث: دِينُ اللَّهِ بَيْنَ الْغَالِي فِيهِ وَالْجَافِي عَنْهُ .
تفسير الآية (١٣)
٠٠:١٥:٥١
ثم قال الله عز وجل: فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ [المائدة: ١٣] فَبِمَا نَقْضِهِمْالفاء عاطفة، والعطف بالفاء يفيد الترتيب، وإذا كان عطفًا عطف فعل على فعل فإنه يفيد السببية مع الترتيب، فإذا قلت: جاء زيد فعمرو، هذا للترتيب المحض؛ لأن العطف هنا عطف مفرد على مفرد، وإذا جاء جملة على جملة فإنه قد يفيد الترتيب مع السببية وهو الغالب، مثل أن تقول: كفر فلان فكان في النار، آمن فلان فكان في الجنة، أي: بسببه، وأحيانًا تكون لمجرد الترتيب؛ كما في قوله تعالى: وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا [الأعراف: ٤]. فهنا أَهْلَكْنَاهَاهو بعد مجيء البأس، هنا فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ، هذه الفاء قلت: إنها عاطفة تفيد الترتيب وتفيد السببية، مع أن الباء التي بعدها تفيد السببية أيضًا. فَبِمَا نَقْضِهِمْ(الباء) للسببية، وهي حرف جر، و(ما) مصدرية، وعلامة المصدرية التي يحوّل ما بعدها إلى مصدر، هذه علامة المصدرية، أن يحول ما بعدها إلى مصدر؛ فهنا فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْأنا قلت: إنها مصدرية، والصواب أنها زائدة؛ لأن الذي بعدها فعل، فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْأي: فبنقضهم ميثاقهم، فـ(ما) هنا زائدة للتوكيد. (ما) تأتي زائدة، وتأتي مصدرية، وتأتي موصولة، وتأتي شرطية، وقد جمع بعضهم معانيها في بيت واحد فقال:
مَحَامِلُ مَا عَشـــرٌ إِذَا رُمْــــتَ عَدَّهَـــــــــــــــــــــا
فَحَافِظْ عَلَى بَيْتٍ سَلِيمٍ مِــــنَ الشِّــــــــــــــعْرِ
سَتَفْهَمُ شَرْطَ الْوَصْلِ فَاعْجَبْ لِنُكْرِهَا
بِكَفٍّ وَنَفْيٍ زِيدَ تَعْظِيــــــــــــــــــــمُ مَصْــــــــــــــدَرِ
من جملة ما ذكرنا من المعاني أنها زائدة كما في هذه الآية (بكف ونفي زيد) هذه الزائدة. فإذا قال: ما الفائدة من الزائدة؟ قلنا: الفائدة التوكيد، وهكذا جميع حروف الزيادة العاملة وغير العاملة فائدتها التوكيد. فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْالنقض ضد العقد؛ أي: حلهم الميثاق. وقوله: مِيثَاقَهُمْأي: الذي واثقهم الله عليه، وهو قوله: لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًافهؤلاء نقضوا الميثاق بسببه. لَعَنَّاهُمْواللعن هو الطرد والإبعاد عن رحمة الله، فكانوا -والعياذ بالله- مطرودين مبعدين عن رحمة الله، لا ينالهم الله برحمة، لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً، ومن لعنه الله لعنه اللاعنون كما قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: وما لي لا ألعن من لعنه الله أو من لعنه رسول الله . لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً، وفي قراءة {قَسِيَّةً}، قَاسِيَةًاسم فاعل، {قَسِيَّةً} صفة مشبهة، أيهما أغلظ؟ الصفة المشبهة أغلظ؛ لأنها وصف ملازم؛ كما قال ابن مالك رحمه الله:
...............................
كَطَاهــــــــرِ الْقَلْــــبِ جَمِيــــــلِ الظَّاهِـــــــــــــــــــــــــــــــرِ
فهي -أي الصفة المشبهة- ملازمة، إذن قَاسِيَةًو{قَسِيَّةً} إذا جاءت قراءتان فالمعنى أن الأمرين كلاهما حاصل؛ فهي قسية، وهذا وصفها، قاسية، عند وجود ما يوجب لين القلب تقسو، والعياذ بالله؛ فهي قسيّة وصفًا، قاسية فعلًا، كما قلنا في قراءة: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة: ٤] و{مَلِكِ}، قلنا: نجمع القراءتين فيكون المعنى أنه ملك ذو تصرف؛ أي ملك مالك، بعض ملوك الدنيا يكون أيش؟ ملكًا غير مالك، وكثير من الناس مالك ولكنه غير ملك، كلنا يملك مالًا لكن لسنا ملوكًا. إذا قسية وقاسية قريب من هذا، قسية وصفها الملازم، قاسية عند حدوث ما يوجب لين القلب تقسو والعياذ بالله. وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَة يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِهذا أيضًا من ضلالهم والعياذ بالله ونقضهم العهد، يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَكلم من؟ كلم الله عز وجل، و(الكلم) اسم جمع (كلمة)، والجمع (كلمات)، لكن (كلم) اسم جمع. يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَوأصل التحريف التغيير، تغيير الشيء عن وجهه، ولهذا تقول: انحرفت الدابة، يعني تغيّر مسيرها، انحرفت السفينة، تغيّر اتجاهها، إذن يُحَرِّفُونَأي: يغيرون الكلم عن مواضعه، وتغيير الكلم عن مواضعه عندهم نوعان: تغيير في اللفظ، وتغيير في المعنى؛ من تغييرهم في اللفظ أنه لما قيل لهم: قولوا: حطة، ماذا قالوا؟ حنطة، ما قالوا: حطة؛ يعني حط ذنوبنا، ما قالوا هذا، قالوا: حنطة؛ أعطنا أكلًا. ولما وجب على الزاني المحصن أن يرجم حرّفوا ذلك وقالوا: إن هذا في الوضعاء وليس في الشرفاء، وصاروا يرجمون الوضعاء، ولكنهم لا يرجمون الشرفاء، هذا تحريف معنوي؛ يعني حملوا النصوص على غير ما أراد الله بها. إذن التحريف من هؤلاء يشمل التحريف اللفظي والمعنوي. يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِأي عن المواضع التي أرادها الله به. وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِنَسُواتحتمل معنيين؛ نسوا أي: تركوا، نسوا أي بعد الذكر، فالأول: نسيان عملي، والثاني: نسيان علمي، فهل المراد الأول أو الثاني؟ كلاهما، المراد: نسوا أي: تركوا عن عمد، نسوا أي: تركوا عن عدم علم؛ يعني نسوا العلم الذي كانوا يعلمونه من قبل، فالنسيان إذن نسيان عملي ونسيان علمي.
فإذا قال قائل: ما هو الدليل على تقسيم النسيان إلى هذا؟ قلنا: اقرأ قول الله تعالى: رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا [البقرة: ٢٨٦] هذا نسيان أيش؟ علمي، نسيان علمي، واقرأ قول الله تعالى: وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ [الحشر: ١٩] هذا نسيان عملي، نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ [التوبة: ٦٧] هذا أيضًا نسيان عملي. وقوله: حَظًّاأي: نصيبًا، والحظ قد يكون في الخير وقد يكون في الشر، فقوله تبارك وتعالى: وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ [فصلت: ٣٥] هذا حظ محمود ولَّا غير محمود؟ محمود، وإذا قيل مثلًا: فلان حظه من اليوم الآخر النار، هذا مذموم. حَظًّاأي: نصيبًا. مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِأي: من الوحي الذي نزل عليهم ليتذكروا به، فهم نسوا حظًّا من التوراة؛ لأن الكلام الآن على اليهود، نسوا حظًّا من التوراة، تركوه عمدًا نتيجة تحريف الكلم عن مواضعه، أو نسوه بمعنى أنهم نسوه بعد العلم، وذلك أن كتبهم تلِفت، ولما تلفت صاروا يتخبطون فيها ويكتبون فيها ما أرادوا، فهذا وجه النسيان الذي هو ضد الذكر، والنسيان الذي هو ضد العمل.
وقوله: نَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ [المائدة: ١٣] لا تزال أيها المخاطب، أو لا تزال أيها الرسول؟ الأول؛ يعني لا تزال أيها الإنسان؛ لأنه لم يتقدم للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم ذكر، أي: لا تزال أيها الإنسان أو أيها المتأمل في حالهم تطّلع على خائنة منهم. كلمة خَائِنَةٍيحتمل أن تكون مصدرًا، ويحتمل أن تكون اسم فاعل، فإن كانت مصدرًا فالمعنى: لا تزال تطلع على خيانة منهم، وإن كانت اسم فاعل فالمعنى: لا تزال تطلع على طائفة خائنة منهم، فتكون وصفًا لموصوف محذوف. أما كونها اسم فاعل فلا إشكال فيه؛ لأن اسم الفاعل يأتي على وزن فاعل، لكن كيف تكون مصدرًا؟ وهل يأتي في المصادر ما هو على فاعل؟ قلنا: نعم، يأتي، كلمة العافية: اللهم إني أسألك العافية، هل اسم فاعل؟ طالب: (...). الشيخ: والله ما أدري! يعني تتوقفون في شيء تدعون الله به في الليل والنهار! (أسألك العافية) مصدر، أسألك أن تعافيني عافية. (العاقبة) كذلك مصدر، فاللغة العربية واسعة. فعلى هذا نقول: كلمة خَائِنَةفي الآية الكريمة يحتمل أن تكون أيش؟ مصدرًا كالعاقبة والعافية، ويحتمل أن تكون اسم فاعل، وعلى هذا التقدير يحتاج إلى أيش؟ إلى تقدير موصوف؛ إما أن يقال التقدير: على طائفة خائنة، أو على نفس خائنة. ألا يمكن أن تكون اسم فاعل على أن التاء فيها للمبالغة وأن الأصل: على خائن منهم، ولكن التاء للمبالغة، كما يقال في داعٍ: داعية؟ نقول: يمكن؛ لأن فيهم -أي في اليهود- من طبيعته الخيانة فيصدق عليه أنه داعية؛ أي أن التاء فيه للمبالغة، وهذا من سعة معاني القرآن الكريم؛ أنك تجد اللفظة الواحدة تحتمل معاني كثيرة، والقاعدة أن ما احتمل أكثر من معنى، ولا مرجِّح، ولا تضادّ، فإنه يُحمل على كل ما يحتمله من معنى.
وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْإلا قليلًا من اليهود فإنهم سالمون من هذه الأوصاف والعيوب، مثل من؟ عبد الله بن سلام رضي الله عنه، عبد الله بن سلام من أحبار اليهود، حبر من أحبارهم، عالم من علمائهم، وليس فيه شيء من هذه الأوصاف، من حين قدم النبي عليه الصلاة والسلام المدينة آمن به واتبعه وشهد له بالحق، وله أمثال؛ فمنهم من هو سالم من هذه الأوصاف والعيوب والأوصاف الذميمة لكنه قليل؛ ولهذا قال: إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ. ثم قال: فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ: اعْفُ عَنْهُمْعن القليل الذين لا خيانة فيهم أو عن جميعهم؟ الله المستعان، قيل: إنه يعود على أقرب مذكور، وهو القليل، يعني: فاعفُ عن هؤلاء القليل الذين تقدم منهم الأذى والعداوة لرسالتك، ثم زالت أوصافهم السيئة، اعفُ عنهم ما مضى، فيكون المراد: اعفُ عما مضى من أيش؟ من سيئاتهم. وعلى هذا المعنى لا إشكال في الآية إطلاقًا ولَّا لا؟ يا جماعة! اعفُ عن القليل الذين سلموا من الأوصاف الذميمة؛ لأن هؤلاء القليل كانوا يهودًا، وكان منهم ما كان من المنابذة ونقض العهد، لكن آمنوا. نقول: على هذا التقدير لا إشكال فيه، إذا قلنا: اعفُ عنهم، عن مجموعهم، مع اتصافهم بهذه الأوصاف وخيانتهم. يبقى في ذلك إشكال، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم قاتل اليهود بأمر الله، قال الله تعالى: قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ [التوبة: ٢٩] فكيف الجمع؟ ذهب كثير من المفسرين إلى أن هذه الآية منسوخة بآية السيف، أي بالآيات التي تأمر بقتالهم، عرفتم؟ وما أكثر الناس الذين إذا أعياهم الجمع بين النصوص قالوا: هذا منسوخ، فيكون كثير من الشريعة منسوخًا، مع أن النسخ يقول بعض العلماء المحققين: لا يتجاوز عشرة أحكام، كل النسخ، وعلى كل حال نحن نقول: إن بعض العلماء قال: إن هذه الآية منسوخة، وفي هذا إشكال أن تكون منسوخة: أولًا: لأننا لا نعلم أيش؟ التاريخ، ومن المعلوم أن من شرط النسخ العلم بالتاريخ حتى نعرف أن هذا بعد هذا، فيكون ناسخًا له. ثانيًا: من شرط النسخ أيضًا: ألا يمكن الجمع، فإذا أمكن الجمع فلا نسخ؛ لأنه إذا أمكن الجمع وقلت: هذا منسوخ، فإن هذا إلغاء النص الآخر، وإلغاء النص ما هو هيّن، يعني كونك تقول مثلًا: هذا بطل حكمه وهو ثابت بالقرآن والسنة ما هو هيّن، ولذلك لا يجوز الإقدام على دعوى النسخ إلا أيش؟ بدليل لا مفر منه، وأما متى أمكن الجمع فإن القول بالنسخ محرم؛ لأنه -كما قلت لكم- النسخ يعني إبطال أحد الدليلين، وهذا صعب أن يكون دليل ثابت تدعي أنه باطل. ثالثًا: أن سورة المائدة من آخر ما نزل، حتى قال بعض أهل العلم: إنه لا نسخ فيها، وإن جميع الأحكام الموجودة فيها محكمة لا منسوخة، وهذا مشهور عند أهل العلم؛ أن سورة المائدة من آخر ما نزل، وأنه ليس فيها حكم منسوخ. إذن دعوى النسخ غير صحيحة. يبقى عندنا الآن الجمع، جمع بعض العلماء بين هذا وبين الأمر بالقتال أن الرسول عليه الصلاة والسلام سمح عن الذين خانوا، وعن الذين نبذوه، سمح عنهم؛ أي: خفف عنهم العقوبة فلم يقتلهم عليه الصلاة والسلام. بنو قينقاع وبنو النضير هل قتلهم الرسول؟ ما قتلهم، مع أنهم نقضوا العهد الذي بينهم وبين الرسول عليه الصلاة والسلام، وهذا نوع من العفو والصفح. بنو قريظة أيضًا عفا عنهم في الواقع؛ لأنه أنزلهم على حكم من رضوا حكمه، أليس كذلك؟ على من؟ على حكم من؟ سعد بن معاذ، أنزلهم على حكمه الذي اقترحوه هم، وهذا نوع من العفو، وإلا لكان الرسول وضع فيهم السيف؛ لأنهم خانوا النبي عليه الصلاة والسلام وألبوا الأحزاب عليه، ومع هذا أنزلهم على حكم سعد بن معاذ الذي رضوه، هذا نوع من العفو. فتكون الآية الآن أيش؟ محكمة، ويكون المراد بالعفو ليس العفو الكامل الذي يقتضي عدم عقوبتهم بأي عقوبة، ولكنه عفو جزئي، ولا شك أن هذا خير من القول بالنسخ، بل القول بالنسخ مع إمكان الجمع أيش قلنا؟ محرم؛ لأنه يعني إبطال النص الذي ادعي أنه منسوخ. طالب: فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ [المائدة: ١٢] ما يمكن أن نعتبر أن هذا من باب إضافة الموصوف إلى صفته، إضافة، فالأصل السبيل السوي؟ الشيخ: نعم، صحيح، وهو كذلك. طالب: قوله تعالى: يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ [المائدة: ٤١]، وهنا: عَنْ مَوَاضِعِهِ، كيف هذا؟ الشيخ: عَنْ مَوَاضِعِهِأي: يصرفونه عنه، ومِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ [المائدة: ٤١] يأتينا إن شاء الله تعالى السبب أنها عبر عنها بكلمة مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ. الطالب: أحسن الله إليك، ما الفرق بين العفو والصفح؟ الشيخ: العفو: عدم المؤاخذة، والصفح: الإعراض عن الذنب بحيث لا يذكر؛ لأنك قد تعفو عن الإنسان لكن تذكر ذنبه أحيانًا؛ لأن أصل الصفح معناه تولية صفحة العنق، وهذا يقتضي أن الإنسان أدبر وترك الموضوع كأن لم يكن، واضح الفرق؟
إذن هذا تدرج من الأدنى أيش؟ إلى الأعلى، العفو قد يكون هناك عفو، لكن يذكر الذنب أحيانًا، بيعفو عنه ويقول: أنا سامحتك ولن أطالب بحقي، لكن بعدين يقول: هذا جزائي عفوت عنك لكن اليوم واليوم تقول في كذا وكذا! هذا صفح ولا ما صفح؟ هذا ما صفح، لكن العفو إذا كان معه الصفح ما يذكر إطلاقًا؛ أعني أن الذنب لا يذكر. طالب: قوله سبحانه وتعالى (...). الشيخ: لا، لأنه ما نعهد أن الرسول ذكرهم مرة أخرى بعد أن أجرى فيهم ما أجرى. طالب: (...). الشيخ: لا؛ لأنك خففت هذا، ما عهدنا أن الرسول قال: قد عفونا عنكم مرة ونقضتم مثلًا، أو: أرخصنا لكم أن تغادروا المدينة. طالب: (...). الشيخ: لا، ما هو موجّه لشخص معين، العمل أو الأعمال ما تكون موجهة إلى شخص معين. طالب: ما الفرق بين قولنا: إن التحريف يكون في النصوص، والتعطيل يكون في المدلول؟ الشيخ: أيش؟ الطالب: أن التحريف يكون في الدليل، والتعطيل يكون في المدلول؟ الشيخ: نعم، ما تعرف الفرق؟ أنا ما ذكرتها الآن، لكن ذكرتها من قبل، التحريف في الدليل: استوى على العرش، قال لك: استوى بمعنى استولى، حرّف الدليل، حرفوا المعنى، المدلول لم يثبت الاستواء لله، والآية تدل على الاستواء لله، فهو عطَّل المدلول، وكل إنسان يحرّف الدليل فسيعطّل المدلول، وسيدّعي معنى لا يدل عليه اللفظ فيكون جانيًا على النص من وجهين: الأول: تعطيل النص عما أريد به، والثاني: إثبات معنى لا يراد منه. طالب: فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْما هو المؤكد؟
الشيخ: نقض الميثاق. الطالب: (...). الشيخ: يعني فبتأكدنا لنقضهم الميثاق حصل كذا وكذا. الطالب: كيف يجتمع الحرفان ويفيدان التعليل؟ الشيخ: نعم، كيف يجتمع شاهدان على مشهود به واحد؟ تعدد الأسباب لا يستلزم تعدد المسبب، واضح؟ آمنتم برسلي. الطالب: أقرب من لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ؛ لأن الإيمان بالرسول من قبل إقامة الصلاة..؟ الشيخ: إي؛ لأنهم هم يدعون أنهم يصلون ويؤتون الزكاة، فهمت؟ وهم يصلون فعلًا، يصلون ويزكون، لكن ما آمنوا بالرسل.
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ [المائدة: ١٤].
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْإلى آخره. سبق الكلام عليها وعلى فوائدها. قال الله تبارك وتعالى: فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [المائدة: ١٣]. نكمل الكلام على الآية، قال الله تعالى: فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْالعفو: ترك المؤاخذة على الذنب، والصفح الإعراض عنه، ولا يلزم من العفو الصفح، لكن في الغالب أنه يلزم من الصفح العفو، مثال ذلك: رجل أساء إليك فعفوت عنه، ولم تقتصّ منه، هذا عفو، فإن أعرضت ولم تتكلم فيما جرى منه أبدًا فإن هذا يسمى صفحًا فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ. إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَهذا كالتعليل لما سبق؛ أي: إنما أمرناك بالعفو والصفح لأن الله تعالى يحب المحسنين، وفيه أيضًا أنه إذا كان الله يحب ذلك فلا تتأخر في العمل به. من فوائد الآية الكريمة أولًا: إثبات الأسباب. تؤخذ؟ الطالب: من الفاء والباء. الشيخ: كيف ذلك؟ من الفاء والباء كيف ذلك؟ لأنهما دلّا على السببية. ومن فوائد الآية الكريمة: أن نقض الميثاق سبب للعنة الله عز وجل؛ لقوله: فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ. ومن فوائدها: أن اللعن عقوبة؛ لأن الله تعالى عاقب به من نقض الميثاق. وهنا سؤال: هل يجوز لنا أن نلعن من لعنه الله ورسوله؟ الجواب: نعم، نلعن من لعنه الله ورسوله، لكن على سبيل العموم، إذا جاءت اللعنة على سبيل العموم، وعلى سبيل الخصوص إذا جاءت اللعنة على سبيل الخصوص، فمثلًا: نحن نقول: لعن الله المعتدين، لعن الله الظالمين، وما أشبه ذلك، لكننا لا نخص شخصًا معينًا حتى ولو كان من الظالمين؛ لأننا لا ندري بماذا يُختم لهذا الرجل، فقد يختم له بالخير، حتى لو كان كافرًا ومات على الكفر فإننا لا نلعنه؛ لأن هذا من باب سب الأموات، وقد أفضوا إلى ما قدموا، ولا فائدة من ذلك؛ لأنه إن كان قد استحق اللعن فهو ملعون؛ لعنت أم لم تلعن، وإن لم يكن مستحق اللعنة بُؤت بالإثم. ومن فوائد الآية الكريمة: أنه كلما عصى الإنسان ربه قسا قلبه؛ لقوله: وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً، عكس ذلك أن نقول: كلما أطاع الإنسان ربه لان قلبه، وما أكثر الذين يطلبون أن تلين قلوبهم ويسألون ما هو الدواء لقسوة القلب! نقول: الدواء لقسوة القلب كثرة طاعة الله عز وجل. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن للقلوب أحوالًا؛ قسوة ولين، وهو كذلك كما قال الله تبارك وتعالى: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ [الزمر: ٢٣]. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن المعاصي سبب لقلة الفهم، فَهْم كلام الله عز وجل، أو للعدوان في فهمه؛ لقوله: يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ، وتحريف الكلم عن مواضعه إما أن يكون سببه الجهل وفقد العلم، وإما أن يكون سببه الاستكبار والعدوان، وعلى كلّ فالجملة معطوفة على ما سبق، أو إنها حال من قوله: قُلُوبَهُمْيعني حال كونهم، أو من فاعل قَاسِيَةً، يعني حال كونهم يحرفون الكلم عن مواضعه، المهم أن المعاصي سبب لعدم الأخذ بالنصوص، وسبب لتحريفها. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن المعاصي سبب لنسيان ما ذُكّر به الإنسان. وقد ذكرنا أن النسيان نوعان: نسيان علم، ونسيان عمل، وهذا كله لا شك سبب، أما كون المعاصي سببًا لنسيان العلم فقد دل عليه قوله تعالى: وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ [محمد: ١٧]، فإذا كانت الهداية سببًا لزيادة العلم، فالمعصية سبب لنقصانه. وأما كون المعاصي سببًا لنسيان الترك، فلقول الله تبارك وتعالى: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ [المائدة: ٤٩] يعني تولوا وأعرضوا فاعلم أن سبب ذلك هو أنهم أذنبوا فأراد الله تعالى أن يصيبهم ببعض ذنوبهم. ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء قد أُقيمت عليهم الحجّة، ولكنهم تركوا العمل بعد إقامة الحجة؛ لقوله: مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن قسوة القلب وتحريف الكلم عن مواضعه ونسيان ما ذُكّر به الإنسان من خصال اليهود، وإذا كانت من خصالهم فالواجب على الإنسان أن يبتعد عنها وأن يفر منها فراره من الأسد. ومن فوائد الآية الكريمة: أن خيانة اليهود لا تزال باقية؛ لقوله: وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ. وقد سبق لنا تفسير كلمة خَائِنَةٍ. ومن تدبر تاريخهم عرف أنهم على ما وصفهم الله؛ لا يزالون خونة، وأنه لا يُفرح منهم بعهد، ولا يوثق منهم بوعد؛ إذ إنهم خونة، إن رأوا قوة في مقابلهم ضعفوا أمامه، وإن رأوا ضعفًا قووا أمامه، فهم يتبعون مصالحهم ولا يبالون في وفاء الوعد أو العهد أو عدم وفائه؛ لأنهم لا يزالون خونة. ومن فوائد الآية الكريمة: أن من اليهود من طُهّر من ذلك؛ لقوله: إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ. وهذا هو الواقع، فإن من اليهود من آمن برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشهد له بالحق، وحسن إسلامه، وكان داعية لقومه. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: حسن معاملة الإسلام لعدوه، وذلك حين أمر الله بالعفو عنهم والصفح، ولا سيما إذا ظهر النصر لنا، فحينئذٍ يأتي دور العفو؛ لأن العفو الحقيقي الذي يُمدح عليه صاحبه هو العفو مع القدرة، أما العفو مع العجز فهذا ليس بعفو، ولا يحمد عليه الإنسان. ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات المحبة لله؛ لقول الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ، ومحبة الله عز وجل ثابتة بالكتاب والسنة وإجماع السلف والذوق المحسوس، فإن الإنسان يحس بمحبة الله عز وجل، أي: بأنه يحب الله، ويعمل بطاعته، وكذلك أيضًا إذا أحب في الله، وأبغض في الله، ووالى في الله، وعادى في الله، صار لله وليًّا وذاق طعم الإيمان. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن عدم المؤاخذة على الذنب من الإحسان؛ لقوله: فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ، فدل هذا على أن عدم المؤاخذة على الذنب يعتبر إحسانًا، وكثير من الناس لا يفهمون الإحسان إلا الشيء الإيجابي، يعني الإعطاء، الصدقة، الهدية، التبرع، وليس كذلك، الإحسان يتضمن شيئين: إما إيصال مطلوب وإما العفو عن مرهوب. ومن فوائد الآية الكريمة: الحث على الإحسان؛ لقوله: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ. ثم إنه مر علينا غير بعيد أن الإحسان ينقسم إلى قسمين: إحسان في عبادة الخالق، وإحسان في معاملة المخلوق، فالإحسان في عبادة الخالق بيّنه الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم بقوله: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» ، والإحسان في معاملة المخلوق هو أن تبذل له المعروف، وألا تعتدي عليهم بما ليس بمألوف، ومنهم من قال: إن الإحسان بذل الندى وكف الأذى. وهذا بمعنى ما قلنا. ويدل على أن كف الأذى يعتبر من الإحسان هذه الآية.
تفسير الآية (١٤)
٠٠:٥٨:٤٨
ثم قال: وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ [المائدة: ١٤] يعني: وأخذنا من الذين قالوا: إنا نصارى ميثاقهم، ولم يقل: ومن النصارى، بل قال: قَالُوا إِنَّا نَصَارَى، مع أنها في الآية الأخرى يثبت الله تعالى لهم هذا الوصف، مثل قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى [الحج: ١٧] فيثبت لهم هذا الوصف، لكن هنا قال: قَالُوا إِنَّا نَصَارَى، وفائدتها إقامة الحجة عليهم، حيث يدّعون أنهم نصارى، وأنهم أهل نصر للحق، ومع ذلك نسوا حظًّا مما ذكروا به. وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْإذن أخذ الله الميثاق من اليهود، وأخذ الله الميثاق من النصارى، وكذلك من هذه الأمة، فإن الله تعالى أخذ منها الميثاق؛ كما قال: وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا [المائدة: ٧]. وقد أخذ الله الميثاق على بني آدم كلهم أن يؤمنوا به وبرسله ويوحّدوه ولا يشركوا به شيئًا. أخذ الله الميثاق على النصارى، على الذين قالوا: إنا نصارى فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ [المائدة: ١٤]. نَسُواأي: تركوا، وهذا نسيان عمل، وهل يمكن أن يكون نسيان علم؟ لا يمكن، إن قلنا: إن بني إسرائيل قد سقطت عنهم المؤاخذة بالنسيان؛ لأنه إذا كان سقطت عنهم المؤاخذة فإنهم لا يعاقبون، لكن إذا قلنا: إن عدم المؤاخذة بالنسيان خاص بهذه الأمة قلنا: إن قوله: نَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِيتناول نسيان العلم ونسيان العمل، ولا شك أن نسيان العمل أشد من نسيان العلم، حتى على القول بأنهم يؤاخذون بنسيان العلم. وقوله: حَظًّامعناها نصيب، نسوا حظًّا مما ذكروا به. فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِولم يذكر الله تعالى لهؤلاء النصارى مثل ما ذكر لليهود؛ لأنه ذكر لليهود أنه لعنهم، وجعل قلوبهم قاسية، وابتلوا بتحريف الكلم عن مواضعه، ونسوا حظًّا مما ذكروا به، أما هؤلاء فيقول: أَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ. هذا للعقاب. يقول عز وجل: فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَأي: ألقيناها بينهم، لكنه عبر بالإغراء كأن كل واحد قد أُغري بالآخر من شدة العداوة بينهم، العداوة والبغضاء، العداوة بالقول والفعل، والبغضاء بالقلب، يعني فلا موالاة بينهم، ولا مودة، بل العداوة التي هي ضد الولاية، والبغضاء التي هي ضد المودة. أَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ [المائدة: ٦٤] يعني: حتى إلى وقتنا هذا، فالنصارى مختلفون متعادون يضلّل بعضهم بعضًا، ويكفّر بعضهم بعضًا. فإن قال قائل: نحن الآن نجد أن النصارى متفقون؟ نقول: هذا الاتفاق اتفاق ظاهري، وإلا ففي قلوبهم من البغضاء بعضهم لبعض ما لا يعلمه إلا الله، ثم هم متفقون على أيش؟ على عدو ثالث، مثل قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ [المائدة: ٥١]، فهم متفقون على عدو ثالث وإلا فهم فيما بينهم مختلفون، قلوبهم متنافرة واعتداءات ظاهرة. وقوله: إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِنقول: العداوة الآن والبغضاء بين النصارى وبين طوائفهم لا شك أنها موجودة؛ لأن خبر الله صدق، وقد قال: إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، لكن ما نشاهده من الاتفاق الظاهري فإنه مخالف لما في الباطن، ثم -كما قلت لكم- اتفاقهم الآن الظاهري ضد أيش؟ ضد عدو للجميع، وليس هذا بغريب في مسائل الدنيا وسياستها. أما يوم القيامة مر علينا أنه اليوم الذي يبعث فيه الناس، وأنه سمي بذلك اليوم لأمور ثلاثة: الأول: أن الناس يقومون فيه من قبورهم لرب العالمين. والثاني: أنه يقام فيه الأشهاد.
والثالث: أنه يقام فيه العدل. وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ: (سوف) للتحقيق، لكنها تدل على التراخي، وأختها السين للتحقيق، لكنها تدل على الفورية. فإذا قلت: سيقوم زيد، فالمعنى أنه يقوم بعد يومين؟ الآن، وإذا قلت: سوف يقوم؟ فيما بعد، نعم، لكن كلتاهما يدل على التحقيق، وأن الأمر محقق ولا بد من وقوعه. وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَأي: يخبرهم بما كانوا يصنعون، وإخباره سبحانه وتعالى بأنه ينبئهم تهديد؛ لأنه إذا نبّأهم بما صنعوا فما بعد ذلك إلا الجزاء بما يستحقون. وقوله: بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَأي: بما كانوا يعملونه من نسيان الحظ مما ذكروا به. في الآية فوائد، منها: إقامة الحجة على الخصم بما يدعيه؛ لقوله: قَالُوا إِنَّا نَصَارَىلأننا ذكرنا أن الحكمة من كونه يقول: قَالُوا إِنَّا نَصَارَىدون: (ومن النصارى) إقامة الحجة عليهم لما ادعوه، هم يدعون أنهم نصارى ومع ذلك نسوا حظًّا مما ذكروا به. ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى لم يغفل أمة من الميثاق الذي أخذه عليهم؛ لما ذكرنا أنه أخذ على اليهود، وأخذ على النصارى، وأخذ على هذه الأمة، وأخذ على جميع بني آدم. من فوائد هذه الآية الكريمة: أن إضاعة حق الله من أسباب إلقاء العداوة والبغضاء بين الناس، بمعنى أنك متى وجدت عداوة وبغضاء بين الناس فهذا بسبب أيش؟ إعراضهم عن دين الله؛ لقوله: فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَاوالفاء للسببية. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن العكس يكون بالعكس، بمعنى أن الناس إذا قاموا بطاعة الله واتفقوا عليها فإن الله يلقي بينهم المودة والمحبة والولاية. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: التفريق بين العداوة والبغضاء، العداوة ضدها: الولاية، والبغضاء ضدها: المحبة، وهناك فرق بين حبيب ليس وليًّا وبين حبيب هو ولي، وبين بغيض ليس عدوًّا وبغيض هو عدو؛ لأن البغيض قد يعتدي عليك فيكون بذلك بغيضًا عدوًّا، وقد لا يعتدي عليك ولكن يكره، يكرهك مثلًا فلا يكون عدوًّا.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات يوم القيامة؛ لقوله تعالى: إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وهو آتٍ لا محالة؛ لقول الله تعالى: وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ [الحج: ٧]. ومن فوائد الآية الكريمة: تهديد هؤلاء النصارى الذين نسوا حظًّا مما ذكروا به، وذلك في قوله: وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ. ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات علم الله، تؤخذ من قوله: يُنَبِّئُهُمُ؛ لأنه لا إنباء إلا بعد علم، وهو كذلك.
ومن فوائد الآية الكريمة: الرد على الجبرية في قوله: يَصْنَعُونَفأضاف الفعل إليهم، والأصل أن الفعل إذا أُضيف إلى أحد فإنه قائم به مختار له، ففيه الرد على الجبرية، والجبرية يقولون: إن الإنسان مجبر على عمله حتى في الحركات الإرادية، يقول: هو مجبر، حتى لو أراد الإنسان أن يأكل أو يشرب يقول: هو مجبر على ذلك، ولا شك أن قولهم هذا يخالف المحسوس والمعقول والمنقول.
تفسير الآيتين (١٥-١٦)
٠١:١٠:١٤
ثم قال الله تعالى: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ [المائدة: ١٥] إلى آخره. يَا أَهْلَ الْكِتَابِهم اليهود والنصارى، وإذا كان كذلك فالمراد بالكتاب هنا الجنس، وهي التوراة والإنجيل، وأضافهم الله تعالى إلى الكتاب، وسمّاهم أهلًا له لإقامة الحجة عليهم ونفي العذر، كأنه قال: يا أهل الكتاب، أنتم أهل كتاب، عندكم علم، وعندكم معرفة قد جاءكم رسولنا وأنتم تعرفون هذا الرسول كما تعرفون أيش؟ أبناءكم. قوله: قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَايريد به محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وسلم. يُبَيِّنُ لَكُمْ: يُبَيِّنُالجملة حال من (رسول)، أي حال كونه يبين لكم، أي: يظهر لكم كثيرًا مما كنتم تخفون من الكتاب، والبعض الآخر يعفو عنه، فيبين كثيرًا مما كنتم تخفون من الكتاب مما تقوم به الحجة عليكم، ويعفو عن كثير مما لا تدعو الحاجة إلى ذكرهم. ومن تدبر القرآن وجد فيه أخبارًا كثيرة عن بني إسرائيل، قال الله تعالى: قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا [الأنعام: ٩١] فهذا دأب أهل الكتاب. يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِأي: يبين لكم حكمه؛ لأن الحاجة تدعو إليه وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍأي: يتركه ولا يذكره؛ لأنه لا حاجة لذكره. ثم قال: قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ، قوله: قَدْ جَاءَكُمْنُورٌ وَكِتَابٌالنور هل المراد محمد صلى الله عليه وسلم، أو المراد ما يحصل من الكتاب والسنة من الهدى؟ الثاني، المراد: الثاني، وعلى هذا فيكون قوله: وَكِتَابٌمعطوفًا على نُورٌمن باب عطف المقتضِي على المقتضَى، قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا [النساء: ١٧٤] فمحمد صلى الله عليه وسلم أتى بالنور الذي هو الهدى الساطع اللامع الذي لا ظلمة معه. وَكِتَابٌ مُبِينٌكتاب مبين هو القرآن، وسمي كتابًا لأمور ثلاثة: أولًا: أنه مكتوب في اللوح المحفوظ. وثانيًا: أنه مكتوب في الصحف التي بأيدي الملائكة. والثالث: أنه مكتوب في الصحف التي بأيدينا. و(فِعال) بمعنى (مَفْعول) كما جاء ذلك كثيرًا في اللغة العربية مثل: (غِراس، وبِناء). وقال: مُبِينٌهل المراد: مبين لغيره أو بيِّن بنفسه؟ كلاهما، المراد كلاهما؛ وذلك لأن (أبان) الرباعي يستعمل لازمًا ويستعمل متعديًا، فتقول: أبان الصبحُ بمعنى: بان، وتقول: فلان أبان الحقَّ، بمعنى: أظهر، وإذا كانت الكلمة تستعمل في معنيين فإنها تُحمل عليهما على الشرطين اللذين ذكرناهما سابقًا، وهما: ألا يتنافيا، وأن تكون تحتملهما على السواء، وهنا الكلمة تحتمل هذا وهذا، مع أن بعضهما لازم من بعض، فإنه إذا كان مُبينًا لغيره فهو بيّن بنفسه. يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ [المائدة: ١٦] يَهْدِي بِهِالباء هنا للسببية، والهداية هنا إن كان المراد به يعني بدلالته فالهداية هنا هداية دلالة، وإن كان المراد بقوله: بِهِيَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِأي: باتباعه فالهداية هداية توفيق ودلالة أيضًا. ننظر إلى بقية السياق يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ: مَنِمفعول أول، سُبُلَمفعول ثان، ورِضْوَانَهُمفعول لـاتَّبَعَ. إذن المهديُّ هو مُتّبع الرضوان، والذي هُدي إليه هي سبل السلام. يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُأي: تطلبه وابتغاه، ورأى ما يرضي الله فقام به.
سُبُلَ السَّلَامِولم يقل: سبيل السلام، مع أن التعبير الغالب أنه يُعبّر عن طريق الإسلام بالإفراد، وعن طرق الضلال بالجمع، لكن هنا لما قال: اتَّبَعَ رِضْوَانَهُتعين أن يكون المراد بالسبل هنا شرائع الإسلام، يعني إذا كان متبعًا لرضوان الله فقد اهتدى وأسلم وآمن، لكن الإسلام له شرائع، له سبل، فلهذا قال: سُبُلَ السَّلَامِ، وإضافة السبل إلى السلام من باب إضافة الشيء إلى مسبّبه، أي: السبل التي يحصل بها السلام، السلام من أي شيء؟ السلام من النار، السلام من الزيغ، السلام من الشبهات، يعني اذكر كل معنى تحتمله كلمة السلام. سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ: يُخْرِجُهُمْأي: الله عز وجل، والمراد بقوله: يُخْرِجُهُمْ: مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ، وعاد إليه -إلى (مَن)- بلفظ الجمع مراعاة لمعناها؛ لأن (مَن) لفظها مفرد ومعناها قد يراد به الجمع، فصح أن يعود الضمير إليها مجموعًا، وهذه قاعدة في (مَن) سواء كانت اسمًا موصولًا أو اسم شرط، يجوز أن تعيد الضمير إليها بلفظ الجمع باعتبار المعنى، وبلفظ الإفراد باعتبار اللفظ، وانظر إلى قوله تعالى: وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا [الطلاق: ١١] تجد أن الله تعالى أعاد الضمير إليها مرة بلفظ الجمع ومرة بلفظ الإفراد، وعاد مرة ثانية بلفظ الإفراد، مَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًاإفراد يُدْخِلْهُإفراد خَالِدِينَجمع، قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُإفراد، هذه القاعدة أن لفظ (مَن) موصولة كانت أم شرطية يجوز عود الضمير إليها مفردًا وعوده إليها مجموعًا مراعاة للفظ وأيش؟ والمعنى، متى يكون مراعاة اللفظ؟ إذا عاد مفردًا، والمعنى إذا عاد مجموعًا. طالب: شيخ، في أبواب الاعتقاد، سائلين نقول فيما نقول في مسائل الاعتقاد يعني ثبت بالحس والعقل والنقل، وقاصد بها، ويقول بعضهم: ثبت بالعقل والنقل، وشيخ الإسلام يقول: ثبت بالحسي والنقل، ما الفرق بين الحسي والعقل؟
الشيخ: الحس ما تدركه بالحواس، كاللمس والشم والذوق، والعقل ما تدركه بقلبك، بعقلك، هذا الفرق، ولَّا يمكن يجيء مع الدليل السمعي والعقلي والحسي، مثلًا: اليد تضاف إلى الإنسان، وتضاف إلى البعير، وتضاف إلى البغل، اختلافها مدرك بأيش؟ بالحس، كل ما يعرف هذه يدها كذا، وهذه يدها هكذا، وهذه يدها هكذا، العقل أن تقول فيما يتعلق بصفات الله: إذا كانت ذات الخالق لا تماثل المخلوق فكذلك صفاته، هذا دليل عقلي ما هو دليل حسي. الطالب: قلت يا شيخ: في القرآن والسنة إن الله سمى من ادعى على عيسى النصارى، لكن الواقع الآن ما يذكر بهذا الاسم، يقولون: إنهم مسيحيون، ما السبب يا شيخ أنهم فروا من هذا الاسم؟ أبدًا يا شيخ، حتى الآن العرب منهم يقال له: أنت نصراني؟ يقول: لا ما هو، مسيحي. الشيخ: السبب في ذلك أنهم إذا انتسبوا إلى المسيح انتسبوا إلى دين، إلى رسول، دينه حق، وهذا أهون من إذا قالوا: إنا نصارى، لا سيما إذا قلنا: إن نصارى إنها نسبة إلى بلد تسمى (الناصرة)؛ لأن النسبة حينئذٍ تكون نسبة أرضية وطنية، لكن إذا قلنا: مسيحيون صارت النسبة إلى رسول متبوع، كما يسمي أهل التحريف أنفسهم بأيش؟ بأهل التأويل، قالوا ذلك تلطيفًا للأمر وجعل الشيء أمرًا مقبولًا؛ لأنهم لو قالوا: أهل التحريف ما تبعهم أحد. طالب: شيخ، أولًا ما صحة قول القائل: إن تقرب بالعمل ليس من (...) إلى الكتاب والسنة شنعوا عليه بلفظ النصرانية؟ الشيخ: يمكن هذا وهذا. طالب: شيخ، قلنا: إن من استحق اللعنة كما أن العادة هنا على سبيل العموم فإذا علمنا أن زيدًا من الناس مثلا استحق اللعن بعينه فهل لنا أن نعينه؟ الشيخ: لا، من أين تعلم؟ الطالب: (...). الشيخ: لا، ما هو صحيح، ولهذا لما كان الرسول يدعو على قوم باللعنة: «اللَّهُمَّ الْعَنْ فُلَانًا وَالْعَنْ فُلَانًا» نهاه الله قال: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ [آل عمران: ١٢٨] . طالب: ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قد يلعن من ليس لهم اللعن فهل يمكن؟ الشيخ: مثل أيش؟ الطالب: كما ورد عنه صلى الله عليه وسلم «اللَّهُمَّ إِنِّي بَشَرٌ أَغْضَبُ كَمَا يَغْضَبُ الْبَشَرُ، فَأَيُّمَا امْرِئٍ لَعَنْتُهُ فَاجْعَلْ ذَلِكَ كَفَّارَةً لَهُ» ، أو معنى الحديث، فهل يمكن أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قد لعن رجلًا ليس أهلًا للعن ولا نعلم.. الشيخ: أصلًا لعن هنا بمعنى السب، ولما قال الصحابة: يا رسول الله، وهل يلعن الرجل أباه؟ قال: «يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أَبَاهُ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ فَيَسُبُّ أُمَّهُ» .
الطالب: شيخ، هل يفهم من لعن الله عز وجل اللعن المعين، ولا سيما إذا مات الإنسان وهو كافر بالله عز وجل وتأكدنا من ذلك؟ الشيخ: أنا قلت لك: ما الفائدة؟ إن كان الله قد لعنه فلا حاجة لدعائك، وإن كان ليس أهلًا فأنت آثم. طالب: شيخ، ذكرنا أن عدم المؤاخذة عن الذنب يعتبر هذا إحسانًا، هل يكون هذا إطلاقًا يعين من..؟ الشيخ: على الإطلاق، كما أن فوات الأجر يعتبر عقوبة «مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا إِلَّا كَلْبَ مَاشِيَةٍ أَوْ كَلْبَ صَيْدٍ انْتَقَصَ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ» ، هذه عقوبة ما هي بعقوبة إيلام؛ تعذيب، لكن فوات محبوب. طالب: (...) يا شيخ، أن إنسان يعني تمادى في الذنب والمعصية هل يجوز يعني (...). الشيخ: هو -بارك الله فيك- أصل العفو، العفو ليس مشروعًا إلا إذا كان فيه إصلاح، هذا ما نبحث هل هذا مما يعد إحسانًا أو لا، وإنما نبحث هل العفو في محله أو لا، والله عز وجل اشترط في العفو أن يكون إصلاحًا فقال: مَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ [الشورى: ٤٠]، ولهذا لو كان عفو عن هذا الرجل يؤدي إلى تسلطه وعدوانه على الناس ما عفونا عنه.
الطالب: النهي الخاص باللعن، هل يقاس عليه جميع الدعاء عليه، كل الدعاء عليه؟ الشيخ: أما الدعاء عليه فالظاهر أنه لا يدخل في اللعن؛ لأن اللعن ليس بالهين، اللعن هو الطرد والإبعاد عن رحمة الله، أما لو دعوت الله بأن يهلكه أو ما أشبه ذلك فالظاهر أنه لا يدخل في هذا. الطالب: هذا يخص (...) النبي صلى الله عليه وسلم، دعا على رجل بعينه غير اللعن. الشيخ: لا أذكر، لكن ما أظن تخلو، لا بد أنه يكون. طالب: شيخ ما هي الفائدة البلاغية.. الشيخ: هو الرسول دعا على قريش عمومًا: «اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ، اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ، اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ» ولا أستبعد أن يوجد الدعاء على شخص معين. الطالب: الذين آذوه عندما كان ساجدًا دعا عليهم عِيانًا: اللهم أهلك فلانًا..؟ الشيخ: إي، بس دعا عليهم ما أذكر أنه عُيّن الدعاء. طالب: الفائدة البلاغية من تقديم الجار والمجرور وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ. الشيخ: التوكيد؛ لأن كلما كرر الشيء زاد توكيدًا.
طالب: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [المائدة: ١٥ - ١٧].
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ [المائدة: ١٥، ١٦] أولًا: من المراد برسوله هنا؟ النبي محمد ولَّا موسى ولَّا عيسى؟ طالب: هو النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه (...). الشيخ: قوله: يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِنريد مثالًا لذلك؟ طالب: حكم رجم الزاني المحصن فإن النبي صلى الله عليه وسلم (...). الشيخ: حكم رجم الزاني المحصن موجود عندهم في التوراة ومع ذلك يخفونه، وغيره؟ أهم من ذلك صفة النبي صلى الله عليه وسلم في التوراة والإنجيل، يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل ومع ذلك يخفون هذا وينكرونه. قوله: يَعْفُو عَنْ كَثِيرٍما المراد بالعفو هنا؟ طالب: لا يذكره. الشيخ: لا يذكره نعم، وسماه عفوًا لأن فيه سترًا لفضائحهم التي كانوا يقومون بها من كتمان ما أنزل الله، فسماه الله تعالى عفوًا. قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌما المراد بالنور؟
طالب: (...). الشيخ: رضوان لأيش؟ طالب: (...). الشيخ: القرآن طيب، وكتاب؟ نور وكتاب؟ لكن نعطف كتاب، والمراد بالكتاب لا شك أنه القرآن، نعطف (كتاب) على (نور) وهو هو. يعني عُطف الشيء على نفسه. طالب: (...). الشيخ: ما هي إضافة، نُورٌ وَكِتَابٌ، والأصل في العطف المغايرة. طالب: (...). الشيخ: لماذا؟ النور هو ما جاء به الرسول من الشرع.