تجاوز إلى المحتوى

تفسير سورة الكوثر

درس صوتي · ٩:١٢

جارٍ تجهيز الصوت

انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها

إعدادات

اختصارات لوحة المفاتيح

Space أو K تشغيل وإيقاف ←→ خمس ثوانٍ JL خمس عشرة ثانية HomeEnd بداية ونهاية الدرس

محتوى الدرس

تفسير الآية (١)

٠٠:٠٠:٠٤

نبتدئ هذا اللقاء بالكلام على سورة: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ [الكوثر: ١ - ٣]. هذه السورة قيل: إنها مَكِّيَّة، وقيل: إنها مَدَنِيَّة، والمكيُّ هو الذي نزل قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينةِ سواء نزل في مكة أو في المدينة أو في الطريق؛ في السَّفَر يعني، كلُّ ما نزل بعد الهجرة فهو مدنِيٌّ، وما نزل قبلها فهو مَكِّيٌّ، هذا القول الراجح من أقوال العلماء. يقول الله عز وجل مخاطبًا النبيَّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ، والكوثر في اللغة العربية هو الخير الكثير، وهكذا كان النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه الله تعالى خيرًا كثيرًا في الدنيا والآخرة؛ فمِن ذلك النهرُ العظيمُ الذي في الجنة والذي يصُبُّ منه ميزابانِ على حوضه المورود صلى الله عليه وسلم، ماؤه أشدُّ بياضًا من اللبن، وأحلى مَذَاقًا من العسل، وأطيب رائحةً من المسك. وهذا الحوض في عَرَصات القيامة يَرِدُهُ المؤمنون من أُمَّة النبي صلى الله عليه وسلم، وآنِيتُهُ كنجوم السماء كثرةً وحُسْنًا ، فمَنْ كان واردًا على شريعته في الدنيا كان واردًا على حوضه في الآخرة، ومَن لم يكن واردًا على شريعته فإنه محرومٌ منه في الآخرة، نسألُ الله أن يُورِدَنا وإيَّاكم حوضَه ويسقينا منه. ومن الخيرات الكثيرة التي أُعطِيَها صلى الله عليه وسلم في الدنيا ما ثَبَتَ في الصحيحين من حديث جابرٍ رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلِي: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا؛ فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ، وَأُحِلَّتْ لِيَ الْمَغَانِمُ، وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً» . هذا من الخير الكثير؛ لأن بَعْثَه إلى الناس عامةً يستلزم أن يكون أكثرَ الأنبياءِ أتباعًا، وهو كذلك، فهو أكثرُهم أتباعًا عليه الصلاة والسلام. ومن المعلوم أن الدالَّ على الخير كفاعل الخير، والذي دلَّ هذه الأُمَّة العظيمةَ التي فاقت الأُمَمَ كثرةً هو محمدٌ صلى الله عليه وسلم، وعلى هذا فيكون للرسول عليه الصلاة والسلام من أجْر كلِّ واحدٍ من أُمَّته نصيبٌ من الأجر، ومَن يُحصِي الأُمَّةَ إلا اللهُ عز وجل؟! ومن الخير الذي أُعْطِيَه في الآخرة المقامُ المحمودُ، ومنه الشفاعةُ العظمى؛ فإن الناس في يوم القيامة يَلْحقهم من الكَرْب والغَمِّ ما لا يُطيقون، فيطلبون الشفاعة، فيأتون إلى آدم، ثم نوح، ثم إبراهيم، ثم موسى، ثم عيسى، حتى تصل إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيقوم ويَشْفع، ويقضي الله تعالى بين العباد بشفاعته ، وهذا المقام يحمده عليه الأوَّلون والآخِرون، داخل في قوله تعالى: عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا [الإسراء: ٧٩]. إذَن الْكَوْثَرَيعني أيش؟ الخير الكثير، ومنه النهرُ الذي في الجنة، فالنهرُ الذي في الجنة هو الكوثر لا شكَّ، ويُسَمَّى كوثرًا، لكن ليس هو فقط الذي أعطاه الله نبيَّه محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وسلم من الخير.

تفسير الآية (٢)

٠٠:٠٤:٣١

ولما ذَكَر مِنَّتَه عليه بهذا الخير الكثير قال: فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ، شُكْرًا لله على هذه النعمة العظيمة أنْ تُصَلِّي وتنحر لله، والمراد بالصلاة هُنا جميعُ الصلوات، وأوَّل ما يدخل فيها الصلاةُ المقرونةُ بالنحر، وهي صلاةُ عيدِ الأضحى، لكن الآية شاملة عامَّة؛ صَلِّ لِرَبِّكَالصلوات المفروضة، والنوافل، صلوات العيد، والجمعة. وَانْحَرْأي: تَقَرَّبْ إليه بالنَّحْر، والنَّحْر يختصُّ بالإبل، والذَّبح للبقر والغَنَم، لكنه ذَكَر النحر لأن الإبل أنفع من غيرها بالنسبة للمساكين، ولهذا أهداها النبيُّ صلى الله عليه وسلم في حَجِّه، أَهْدى مئةَ بعيرٍ، ونَحَرَ منها ثلاثًا وستين بيده، وأعطى عليَّ بن أبي طالبٍ رضي الله عنه الباقيَ فنَحَرَه، وتصدَّق بجميع أجزائها إلا بضعةً واحدةً من كلِّ ناقةٍ، فأخذها، وجُعِلتْ في قِدْرٍ فطَبَخَها، فأكل من لحمها وشَرِبَ من مَرَقِها ، وأَمَر بالصدقة حتى بجِلالها وجلودها ، عليه الصلاة والسلام، والأمر له أمرٌ له وللأُمَّة، فعلينا أن نُخْلِص الصلاةَ لله وأن نُخْلِص النحرَ لله كما أُمِر بذلك نبيُّنا صلى الله عليه وسلم.

تفسير الآية (٣)

٠٠:٠٦:٠٨

ثم قال: إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُهذا في مقابل إعطاء الكوثر، قال: إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ، شَانِئَكَأي: مُبْغِضك، والشَّنَآن: البُغْض، ومنه قوله تعالى: وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا [المائدة: ٢] أي: لا يَحْمِلنَّكم بُغْضُهم أن تعتدوا. وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُواأي: لا يَحْمِلنَّكم بُغْضُهم على تَرْكِ العدلِ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى [المائدة: ٨]، فـشَانِئَكَفي قوله: إِنَّ شَانِئَكَيعني: مُبْغِضك. هُوَ الْأَبْتَرُالْأَبْتَرُاسم تفضيل؛ من (بَتَرَ) بمعنى قَطَعَ، يعني: هو الأَقْطَعُ المنقطعُ من كل خير؛ وذلك أن كُفَّار قريش يقولون: محمد أَبْتر، لا خير فيه ولا بَرَكة فيه ولا في اتِّباعه، أَبْتر. لَمَّا مات ابنُه القاسمُ رضي الله عنه قالوا: محمدٌ أَبْتر لا يُولَد له، ولو وُلِدَ له فهو مقطوعُ النَّسْل. فبيَّنَ اللهُ عزَّ وجلَّ أن الأَبْتر هو مُبْغِضُ الرسولِ عليه الصلاة والسلام، فهو الأَبْترُ المقطوعُ عن كلِّ خير، الذي ليس فيه بَرَكة، وحياتُهُ ندامةٌ عليه، وإذا كان هذا في مُبْغِضه فهو أيضًا في مُبْغِض شَرْعِه؛ فمَنْ أبغضَ شريعةَ الرسول عليه الصلاة والسلام، أو أبغضَ شعيرةً من شعائر الإسلام، أو أبغضَ أيَّ طاعةٍ مِمَّا يتعبَّد به الناسُ في دين الإسلام فإنه كافرٌ خارجٌ عن الدين؛ لقول الله تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ [محمد: ٩] ولا حُبُوطَ للعمل إلا بالكفر، فمَن كَرِهَ فَرْض الصلوات فهو كافرٌ ولو صلَّى، ومَن كَرِهَ فَرْض الزكاة فهو كافرٌ ولو زكَّى، لكن مَن استثقلها مع عَدَم الكراهة فهذا فيه خصلةٌ من خصال النفاق لكنه لا يكفر، وفرقٌ بين من استثقلَ الشيءَ ومن كَرِه الشيء. إذَنْ هذه الآية تضمَّنتْ بيانَ نعمةِ الله على رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بإعطائه الخيرَ الكثيرَ، ثم الأمرَ بالإخلاص لله عز وجل في الصلوات والنَّحْر وكذلك في سائر العبادات، ثم بيانَ أن مَن أبغضَ الرسولَ عليه الصلاة والسلام أو أبغضَ شيئًا من شريعته فإنه هو الأقطعُ الذي لا خير فيه ولا بَرَكة فيه.