تفسير سورة الكهف - ٤
درس صوتي · ٩٢:٠٣
جارٍ تجهيز الصوت
انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها
إعدادات
اختصارات لوحة المفاتيح
محتوى الدرس
ثم قال الله عز وجل: مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا [الكهف: ٥١]؛ يعني أن هؤلاء لا يستحقون أن يُتّخذوا أولياء؛ لأنهم ليس لهم حظ في الكون والتدبير، فالله عز وجل ما أشهدهم خلق السماوات والأرض؛ لأن السماوات والأرض مخلوقةٌ قبل الشياطين.
وَلا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ؛ يعني: بعضهم من بعض؛ يعني ما أشهدت بعضهم خلق بعض، فكيف تتخذونهم أولياء وهم لا شاركوا في الخلق ولا خلقوا شيئًا، بل ولا شاهدوا خلق السماوات والأرض، ولا خلق أنفسهم، وفي هذه الجملة دليل على أن كل من تكلم في شيء من أمر السماوات والأرض بدون دليل شرعي أو دليل حسي فإنه لا يقبل قوله.
مثلًا لو قال: السماوات تكونت من كذا والأرض تكونت من كذا، وبعضهم يقول: الأرض قطعة من الشمس، وما أشبه ذلك من الكلام الذي لا ندري عن صحته، فإنا نقول له؟ أيش نقول؟ إن الله ما أشهدك خلق السماوات والأرض، ولن نقبل منك أي شيء من هذا إلا إذا وجدنا دليلًا حسيًّا لا مناص لنا منه، فحينئذٍ نؤمن به؛ لأن القرآن لا يعارض الأشياء المحسوسة.
وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًاالضمير كُنتُيعود إلى الله عز وجل، مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًاأي أنصارًا ينصرون ديني، ليش؟ لأن المضل يصرف الناس عن الدين، فكيف يتخذ الله عز وجل المضلين عضدًا؟ وهو إشارة إلى أنه لا ينبغي لك أنت أيها الإنسان أن تتخذ المضلين عضدًا تنتصر بهم؛ لأنهم لن ينفعوك بل أيش؟ بل سيضرونك.
إذن لا تعتمد على السفهاء ولا تعتمد على أهل الأهواء المنحرفة؛ لأنه لا يمكن أن ينفعوك، بل يضروك، فإذا كان الله عز وجل لم يتخذ المضلين عضدًا فنحن كذلك لا ينبغي لنا أن نتخذ المضلين عضدًا؛ لأنهم ما فيهم خير، وفي هذا النهي عن بطانة السوء، انتبه، النهي عن بطانة السوء وعن مرافقة أهل السوء، وأن يحذر الإنسان من جلساء السوء.
تفسير الآية (٥٢)
٠٠:٠٣:٠٦
{وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا (٥١) وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ} [الكهف: ٥١، ٥٢]؛ يعني: اذكر يوم يقول نادوا شركائي الذين زعمتم، فينادونهم ولا يستجيبون لهم، وهذا متى؟ هذا يكون يوم القيامة يقال لهم: أين شركائي الذين كنتم تزعمون؟ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ؛ لأنه في ذلك الوقت يقول الله عز وجل: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ [غافر: ١٦]، فيجيب نفسه: لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ [غافر: ١٦]، فهذه الأصنام لا تنفع أهلها، بل إنها تلقى هي وعابدوها في النار، قال الله عز وجل: إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ [الأنبياء:٩٨].
يقول عز وجل: فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا [الكهف: ٥٢]، الموبق: مكان الهلاك؛ يعني جعلنا بينهم شيئًا لا يمكن أن يذهبوا إلى شركائهم، ولا أن يأتوا شركاؤهم إليهم، بل هو مهلكة، وهو عبارة عن تيئيس هؤلاء من أن ينتفعوا بشركائهم يوم القيامة.
جَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًاأرأيت لو كان بينك وبين صاحبك أو من تنتصر به، لو كان بينك وبينه خندق من نار هل يمكن أن تذهب إليه لتنصره أو يأتي إليك لينصرك؟ لا يمكن، هؤلاء يجعل الله بينهم يوم القيامة موبقًا.
تفسير الآية (٥٣)
٠٠:٠٤:٥٨
{وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ} [الكهف: ٥٣]، المجرمون: يعني الكافرين، كما قال عز وجل: إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ [السجدة:٢٢].
فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا [الكهف: ٥٣]، ظنوا بمعنى أيقنوا أنهم مواقعوها، والظن يأتي بمعنى اليقين، كما في قوله تعالى: الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ [البقرة:٤٦]، يَظُنُّونَيعني أيش؟
طالب: يتيقنون.
الشيخ: نعم، يوقنون أنهم ملاقو الله، وإلا فالظن الذي هو ترجيح أحد الأمرين المشكوك فيهما لا يكفي في الإيمان، لكنهم يظنون؛ أي يوقنون، هنا رأوها وأيقنوا أنهم مواقعوها.
وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا [الكهف: ٥٣]، نسأل الله العافية؛ يعني: لم يجدوا مكانًا ينصرفون عنها إليه، وهذا ليس داخلًا في الظن؛ لأنه لو كان داخلًا في الظن لقالوا: ولن، لكن هذا ابتداء؛ يعني أنهم لما رأوها وظنوا أنهم مواقعوها لَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًاأي: مكانًا ينصرفون إليه لينجو به منها.
تفسير الآية (٥٤)
٠٠:٠٦:١٨
{وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ} [الكهف: ٥٤]، صَرَّفْنَايعني: نوَّعنا، تصريف الشيء يعني تنويعه، كما في قوله تعالى: تَصْرِيفِ الرِّيَاحِ [البقرة: ١٦٤] أي تنويعها من جنوب إلى شمال، شرق غرب، صَرَّفْنَايعني: نوعنا في هذا القرآن من كل مثل، وهكذا الواقع، فكلام الله صدق، أمثال القرآن تجدها متنوعة تارة لإثبات البعث، وتارة لإثبات وحدانية الله، وتارة لبيان حال الدنيا، وتارة لبيان حال الآخرة، وتارة تكون مطولة، وتارة تكون مختصرة، فهي أنواع، كل نوع في مكانه من البلاغة والفصاحة وغير ذلك.
وقوله: مِنْ كُلِّ مَثَلٍأي: من كل جنس وصنف، فهذا مثل لكذا، وهذا مثل لكذا، لماذا؟ من أجل أن يتذكر الناس ويتعظوا ويعقلوها، ولكن يوجد من الناس من لا يتعظ بهذه المُثل بل على العكس.
ولهذا قال: وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا [الكهف: ٥٤]، قوله: وَكَانَ الإِنسَانُ، بعض المفسرين يقول: الإنسان يعني الكافر، ولكنّ في هذا نظرًا؛ لأنه لا دليل على هذا، بل نقول: الإنسان من حيث الإنسانية أكثر شيء جدلًا؛ يعني أكثر ما عنده الجدل، هذا من حيث الإنسانية، لكن من حيث الإيمان المؤمن لا يكون مجادلًا، بل يكون مستسلمًا للحق ولا يجادل فيه، ولهذا قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: ما أُوتِيَ قومٌ الجدلَ إلا ضلّوا ، أعوذ بالله من ذلك.
وتدبر حال الصحابة رضي الله عنهم تجد أنهم مستسلمون غاية الاستسلام لِما جاءت به الشريعة ولا يجادلون، ولا يقول: لِمَ؟ ولما قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «تَوَضَّؤُوا مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ وَلَا تَوَضَّؤُوا مِنْ لُحُومِ الْغَنَمِ» ، هل قال الصحابة: لِمَ؟ لا، ما جادلوا، بل قالوا: سمعنا وأطعنا، وكذلك بقية الأوامر، لكن الإنسان من حيث هو إنسان أكثر شيء عنده هو الجدل.
لاحظ إذن إذا مر بك مثل هذا في القرآن الكريم الإنسان لا تحمله على الكافر إلا إذا كان السياق يعيّن ذلك، إذا كان السياق يعيّن ذلك فصار هذا عامًّا أريد به أيش؟ الخاص، لكن إذا لم يكن في السياق ما يعين فاجعله للعموم، لكن اجعله إنسانًا بوصف الإنسانية، والإنسانية إذا غلب عليها الإيمان اضمحل مقتضاها.
وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا، هذا وقع في قول الرسول عليه الصلاة والسلام لعلي بن أبي طالب وفاطمة رضي الله عنهما حين جاء إليهما ووجدهما نائمين، فقال: «أَلَا تَقُومَانِ؟»، قال له علي رضي الله عنه: يا رسول الله إن أنفسنا بيد الله، ولو شاء لأيقظنا، فولَّى الرسول عليه الصلاة والسلام وهو يضرب على فخذه ويقول: «وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا» .
ولا شك الرسول يعلم أن أنفسهما بيد الله، والرسول عليه الصلاة والسلام قال في الفريضة: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا» ، فعذر النائم، وهو يعلم عليه الصلاة والسلام ذلك لكنه يريد أن يحثهما، وأراد علي رضي الله عنه أن يدفع اللوم عنه وعن زوجه فاطمة.
تفسير الآية (٥٥)
٠٠:١١:٠٠
{وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا} [الكهف: ٥٥]؛ يعني: ما منع الناس عن الإيمان والاستغفار نقص في البيان؛ لما ذكر أن الله ضرب للناس من كل مثل، وكان الواجب على الإنسان إذا ضربت له الأمثال أن يؤمن، لكنه ما منعه من الإيمان نقص في البيان، الأمر بَيّن واضح ولله الحمد، أتى بها النبي صلى الله عليه وسلم بيضاء نقية، لكن العناد، ولهذا قال: إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَيعني: ما ينتظرون إلا سنة الأولين.
أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًاقوله: أَنْ يُؤْمِنُواوَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ، يستغفروا ربهم يعني يطلبون مغفرته، فالمؤمن كثير الاستغفار، والكافر إذا آمن لا بد أن يستغفر الله عز وجل مما وقع منه من الذنوب، فإذا آمن واستغفر زال عنهم ما كان من الذنوب، قال الله تعالى: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ [الأنفال:٣٨].
أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًايعني: مقابلة ومعاينة ومباشرة، وما سنة الأولين؟ سنة الأولين هي أخذهم بالعذاب العام، هذه سنة الأولين، لكن لم يأخذ الله عز وجل هذه الأمة بعذاب شامل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم دعا ربه ألا يأخذ أمته بسنةٍ بعامة، فأجاب الله دعاءه .
تفسير الآية (٥٦)
٠٠:١٣:٢٢
ثم قال الله عز وجل: وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِيإلى آخره [الكهف: ٥٦]، هذه وظيفة الرسل مَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَمن أولهم -وهو نوح- إلى آخرهم -محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إلا لهذين الغرضين، مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَيعني: ولم نرسلهم من أجل أن يجبروا الناس على الإيمان أو يهدوا الناس، هم مبشر ومنذر، مبشر من؟ مبشر المؤمنين، كما جاء في أول السورة، ومنذر الكافرين وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا [الكهف:٤].
إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ(مبشرين) منصوبة، و(منذرين) منصوبة، على أيش؟ على الحال من المرسلين؛ يعني إلا حال كونهم مبشرين ومنذرين.
وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِالمجادلة: المخاصمة، وسميت المخاصمة مجادلة؛ لأن كل واحد يجدل حجته للآخر، وتعرفون الجدل هو فتل الحبل حتى يشتد ويقوى، هذا أصل المجادلة، إذن يجادل يعني يخاصم، الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِوالمخاصمة بالباطل باطلة، مثال ذلك يقولون: أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا [التغابن: ٦]، البشر يهدوننا؟! يقولون: لَوْ شَاءَ اللَّهُ؛ لأنزَلَ مَلائِكَةً [المؤمنون: ٢٤]، يقول: إذا كان المشركون وما يعبدون من دون الله حصب جهنم فعيسى من حصب جهنم، وما أشبه ذلك من المجادلة، يجادلون، فيقول: مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ [يس: ٧٨]، وأنواع المجادلة كثيرة.
في مجادلة عيسى قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى [الأنبياء: ١٠١] ومنهم عيسى عليه الصلاة السلام أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ.
ويستفاد من الآية: أن كل إنسان يجادل من أجل أن يدحض الحق فإن له نصيبًا من هذه الآية؛ يعني فيه نصيب من الكفر والعياذ بالله؛ لأن الكافرين هم الذين يجادلون بالباطل ليدحضوا به الحق.
فإذا قال قائل: الشبهات التي يوردها من يوردها من الناس كيف يقال: إنها باطل، وهي شبهة؟
قلنا: ينظر للغرض، ما غرضهم بها؟ أن يدحضوا الحق، فمثلًا في الذين ينكرون استواء الله على العرش يقولون: لو استوى على العرش لكان جسمًا. ما قصدهم بهذا؟ إنكار حقيقة الاستواء.
نقول: إذن هؤلاء جادلوا بباطل من أجل إدحاض الحق، وأما مسألة أن الله جسم أو غير جسم فهذا شيء آخر، لكن هم أتوا بهذه الكلمة لأجل أيش؟ إدحاض الحق، ونحن لا ننكر عليهم مسألة أنه جسم أو غير جسم، ننكر أنهم أنكروا حقيقة الاستواء، أما الجسم أو غير الجسم فهذا له بحث آخر، وهو أنه لا ننكر اللفظ ولا نثبت اللفظ، أما المعنى فنقول: إن الله تعالى قائمٌ بذاته موصوف بصفاته، يفعل ما يشاء، يستوي على عرشه، ينزل إلى السماء الدنيا، يأتي للفصل بين عباده، يعجب، ويفرح، ويضحك، وقل ما شئت، لكن مسألة اللفظ هذا ما نقره إثباتًا ولا نفيًا، المهم أنكم كلما رأيتم شخصًا يريد أن يبطل الحق فله نصيب من هذه الآية.
قال تعالى: وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا، اتخذوها: أي صيروها، آيَاتِييعني القرآن، وَمَا أُنْذِرُواأي: ما أنذروا به من العذاب، اتخذوها هزوًا، مثلًا استهزأ الكفار لما أخبر الله عز وجل عن شجرة الزقوم: إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ [الصافات:٦٤] في قعره، فهم يضحكون، كيف تكون شجرة وتخرج في أصل الجحيم؟ وهي أبعد ما يكون عن النار؟ النار حارة جافة، والشجرة رطبة وباردة، كيف يكون هذا؟ فجعلوا يستهزئون ويقولون: هذا من هذيان محمد عليه الصلاة والسلام، فاتخذوا آيات الله واتخذوا ما أنذروا به هزوًا، والله عز وجل قال: فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ [الصافات: ٦٦]، فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ (٥٤) فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ [الواقعة:٥٤، ٥٥]، أعوذ بالله، يملؤون بطونهم من هذا الزقوم ملئًا تامًا ثم تحترق من العطش، وماذا يسقون؟ يسقون ماءً حارًا، فَشَارِبُونَ عَلَيْهِأي على ما في بطونهم من الحميم، ومع ذلك شربًا ليس عاديًا بالنسبة للبشر، ولكنه شرب الإبل الهيم؛ الهائمة العاطشة، هذه الشجرة التي يستهزئون بها هي التي يملؤون منها بطونهم في نار جهنم.
اتَّخَذُوا آيَاتِييعني: القرآن، وَمَا أُنْذِرُواأي ما أنذروا به من الوعيد سواءٌ جاء الإنذار في القرآن أو في السنة اتخذوه هزوًا، أي أضحوكة ولعبًا وسخرية.
تفسير الآية (٥٧)
٠٠:٢٠:٢٧
قال الله عز وجل: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ، مَنْ أَظْلَمُمرت علينا أولًا في أول السورة، وهذه، فكيف نجمع بينهما مَنْ أَظْلَمُمَنْ أَظْلَمُ؛ لأن مَنْ أَظْلَمُمعناها لا أحد أظلم، وهذا قد يفيد التناقض، أول السورة ماذا قال الله عز وجل؟ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا، وهنا يقول: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا [الكهف: ٥٧]، تناقض، أحسن ما قيل في هذا: أن كل معنى فهو بالنسبة لما كان يماثله؛ يعني من أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها من الذين يذكرون فيُعْرِضون، قد يذكر الإنسان بشيء ويُعْرض، لكن أشد ما يكون أن يذكر بأيش؟
طلبة: بآيات الله.
الشيخ: بآيات الله ثم يُعرض، هذا أشد شيء، في افتراء الكذب، قد يفتري الإنسان الكذب على فلان وفلان، لكن أظلم ما يكون افتراءً عليه هو الله عز وجل، وأنت إذا أخذت بهذه القاعدة سلمت من إشكالات كثيرة.
أما القول: بأن أظلم وأظلم، يشترك المعنيان بالأظلمية فهذا فيه نظر، وإن كان قد قيل به؛ لأنه لا يمكن أن نقول: مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَاإنه يساوي من افترى على الله كذبًا.
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا، بِآيَاتِ رَبِّهِالكونية أو الشرعية؟ الكونية والشرعية، الكونية أن يقال له: إن كسوف الشمس والقمر يخوف الله بهما عباده، فيعرض عن هذا ويقول: أبدًا، خسوف القمر طبيعي، وكسوف الشمس طبيعي، ولا إنذار ولا نذير، هذا إعراض، أما الآيات الشرعية فكثير يذكر بآيات الله ولكنه يعرض.
وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُيعني: نسي ما قدمت يداه من الكفر والمعاصي والاستكبار وغير ذلك مما يمنعه عن قبول الحق؛ لأن الإنسان -والعياذ بالله- كلما أوغل في المعاصي ازداد بعدًا عن الإقبال على الحق، كما قال الله عز وجل: فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ [الصف: ٥]، ولذلك يجب أن تعلم أن من أشد عقوبات الذنوب أن يعاقب الإنسان بمرض القلب والعياذ بالله، الإنسان إذا عوقب بهلاك حبيب أو فقد محبوب من المال هذه عقوبة لا شك، لكن إذا عوقب بانسلاخ القلب -نسأل الله العافية- هذه أشد ما يكون عقوبة، يقول ابن القيم رحمه الله:
وَاللَّهِ مَا خَوْفِي الذُّنُوبَ فَإِنَّهَــــــــــــــا
لَعَلَى طَرِيقِ الْعَفْوِ وَالْغُفْرَانِ
وَإِنَّمَا أَخْشَى انْسِلَاخَ الْقَلْبِ مِنْ
تَحْكِيمِ هَذَا الْوَحْيِ وَالْقُرْآنِ
هذا الذي يخشاه الإنسان العاقل، أما المصائب الأخرى فهي كفارات، وما ضاع يأتي بدله.
يقول الله عز وجل: إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ؛ إِنَّا جَعَلْنَاأي: صيرنا، عَلَى قُلُوبِهِمْقلوب مَن؟ مَن ذُكِّر بآيات ربه فأعرض عنها، وأعيد الضمير على مفرد باعتبار المعنى، إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةًيعني أغطية، والعياذ بالله، أَنْ يَفْقَهُوهُ.
مناقشة لما سبق؛ قول الله تبارك وتعالى: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَلماذا أمر الله الملائكة أن يسجدوا لآدم؟
طالب: (...) إكرامًا لبني آدم.
الشيخ: نعم، إكرامًا لآدم وبنيه، لو قال قائل: السجود لغير الله شرك فما الجواب؟
الطالب: الصحيح يا شيخ (...) في القرآن اتباع أمر الله، واتباع أمر الله فهو طاعة، كذكر الله حين يدخل في الخلاء، وحبس الكلام، وذكر الله حين الخلاء يكون طاعة ولا يكون معصية، ولو قلنا..
الشيخ: أيش لون؟ سردت لنا ها الدنيا هذه ويش..
الطالب: (...) طاعة يا شيخ.
الشيخ: أقول لك: كيف يسجد الملائكة لآدم والسجود لغير الله شرك؟
الطالب: قلنا: صحيح يا شيخ؛ لكن هناك..
الشيخ: صحيح؟ إذن الملائكة مشركون؟
الطالب: لا؛ لأن هناك امتثالًا لأمر الله يا شيخ، والامتثال لأمر الله يكون طاعة ولا يكون شركًا.
الشيخ: يعني إذن لَمَّا أمر الله به لم يكن شركًا، والذي جعله شركًا هو الله عز وجل، الذي جعل السجود لغير الله شركًا هو الله، فإذا أمر به صار طاعة.
لو قال قائل: إن هذا سجود تحية وليس وضع الجبهة على الأرض، ماذا نقول له؟
طالب: هذا أمر الله به.
الشيخ: نقول: قولك هذا خلاف؟
الطالب: خلاف ظاهر الآية.
الشيخ: خلاف ظاهر القرآن، ولا يمكن أن نصرف الكلام عن ظاهره إلا بدليل، واضح؟
لو قال قائل: هل إبليس من الملائكة؟
طالب: لا، ليس من الملائكة.
الشيخ: ليس منهم؟
الطالب: ليس منهم.
الشيخ: كيف صح استثناؤه منهم، إِلَّا إِبْلِيسَ؟
الطالب: يضبط في الآية بأن إبليس من الجن.
الشيخ: نعم؟
الطالب: (...).
الشيخ: وهذا الاستثناء يسمى عند النحويين استثناءً منقطعًا، جيد.
الاستفهام في قوله: أَفَتَتَّخِذُونَهُ؟
طالب: الاستفهام للإنكار والتوبيخ.
الشيخ: للإنكار.
الفائدة من قوله: وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ؟
الطالب: الإغراء والحث على معاداة إبليس وذريته.
الشيخ: نعم، الإغراء والحث على معاداة إبليس؛ يعني كيف تفعلون وتتخذونه وليًّا وهو عدو، جيد.
هل يستفاد من هذا أن الإنسان إذا أراد أن يحذر شخصًا من شيء فليبين له أضراره؟
الطالب: نعم يا شيخ يستفاد منه.
الشيخ: نعم يستفاد من هذا، وكذلك إذا كان يأمره بشيء ينبغي له أن يذكر فوائده ومنافعه حتى يحمل النفس على الترك في المنهيات وعلى الفعل في المأمورات.
ما علاقة قوله: مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِبما قبلها؟
الطالب: تجري بيانًا أو عدم علمهم وعدم استحقاقهم.
الشيخ: بيان عدم استحقاقهم أن يكونوا أولياء؛ لأنهم ليس لهم حق من الربوبية، كذا؟
هل يستفاد من هذه الجملة أن من تحدث عن خلق السماوات والأرض أو عن خلق الإنسان وما أودع الله فيه من القوى فإننا لا نقبل قوله إلا بدليل؟
الطالب: نعم.
الشيخ: نعم، إلا بدليل حسي نقتنع به.
ما هي وظيفة الرسل؟
الطالب: هي البلاغ والبشارة والنذارة.
الشيخ: هل عليهم السيطرة؟
الطالب: لا، ليس عليهم السيطرة.
الشيخ: هل عليهم هداية الخلق؟
الطالب: لا.
الشيخ: وهو كذلك.
العلماء هل وظيفتهم الدعوة والتبشير والإنذار أو أن يوفقوا الناس للهداية؟
الطالب: العلماء يا شيخ تبع الرسل.
الشيخ: تبع الرسل، فإذا كان الرسل ليس عليهم هداية الخلق فالعلماء كذلك، الحمد لله.
طالب: قوله تعالى: لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا، هل يؤخذ منها الرد على من قال: إن تسمية المعاصي صغائر لم يرد في القرآن؟
الشيخ: إن أيش؟
الطالب: بعضهم يقول يا شيخ: إن تقسيم المعاصي إلى صغائر وكبائر لم يرد في النصوص، الوارد تسمية بعض المعاصي كبائر فقط، أمَّا الصغائر لم يرد، هل يؤخذ من الآية الرد عليه؟
الشيخ: هؤلاء الذين قالوا ذلك عندهم نقص في العقل، العقل ما هو عقل ضد الجنون، إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ [النساء: ٣١]، هل هناك كبائر لا يقابلها صغائر؟! الجواب: لا، الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ [النجم: ٣٢]، واضحة.
هذا نظير من قال: إننا نقول: إن الإيمان يزيد، ولا نقول: ينقص، كيف يزيد؟ هل يتصور زيادة بلا نقص؟ ما يتصور، أما هذا الذي ذُكِر فهذا يدل على أن صغائر الكفار لا تمحى بخلاف المؤمن فإنه إذا اجتنب الكبائر محيت صغائره بذلك.
طالب: عفا الله عنك يا شيخ، إن نظرنا في كون إن الله سبحانه وتعالى خلق آدم بيده، وأسجده الملائكة له يا شيخ احترامًا له وتكريما، ولو نظرت لطاعة الملائكة لله سبحانه وتعالى أكثر من طاعة الكثير من البشر، ويش التفضيل بينهم يا شيخ؟ لأن لو قلنا بالإجمال الملائكة أفضل، وإذا قلنا بالإفراد: إذن آدم خلقه الله بيده وأسجد له الملائكة؟
الشيخ: هذه مسألة اختلف فيها العلماء هل مؤمن البشر أفضل أو الملائكة أفضل؟
أما هل البشر على سبيل العموم أفضل أو الملائكة أفضل؟ فلا شك أن الملائكة أفضل؛ لأن البشر منهم المؤمن ومنهم الكافر، والملائكة كلهم مؤمنون، لكن هل مؤمن البشر أفضل من الملائكة؟
هذه مسألة خاض الناس فيها وعندي أنها من فضول العلم، وأنها تستحق أن يقال فيها: فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا [الكهف: ٢٢]، شيخ الإسلام رحمه الله يقول: أما في النهاية فالبشر أفضل وأما في البداية فالملائكة أفضل؛ لأن الملائكة ما بدر منهم معصية لله عز وجل والملائكة خلقوا من النور والبشر وجدت منهم المعاصي وخلقوا من التراب لكن أنا أقول: ما له داعي، وأما قوله عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: مَنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَأٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَأٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ» ، فلا يدل على التفضيل المطلق للملائكة على البشر، بل خير منهم من هؤلاء فقط بخصوصهم.
طالب: جزاك الله خيرًا، في قوله تعالى: وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا [يوسف: ١٠٠]، ليس في الآية أن الله أمرهم كما في هذه الآية؟
الشيخ: أحسنت، يقول: قصة يوسف عليه الصلاة والسلام أنه رَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا، وهذا ظاهر أنهم سجدوا على الجباه.
فالجواب: أن هذا كان في شريعة من سبق، أو يقال: إنهم مع الدهشة أرادوا الانحناء، ولكن سقطوا على الأرض، أو يقال إن هذ الرؤيا أريها يوسف من قبل على أنه رأى أحد عشر كوكبًا والشمس والقمر رآهم ساجدين، فجعل من هذا إفتاءً بسجودهم له، كما جعل إبراهيم عليه الصلاة والسلام رؤياه إفتاءً بذبح ابنه.
قال الله تبارك وتعالى: إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً [الكهف: ٥٧].
إِنَّا جَعَلْنَاأي: صيرنا، عَلَى قُلُوبِهِمْأي: قلوب مَن إذا ذكِّر بآيات الله أعرض عنها، وحينئذٍ يكون الضمير عاد إلى اللفظ أو المعنى؟ عاد إلى المعنى؛ لأن (مَن) سواء كانت اسمًا موصولًا أو كانت شرطية يجوز في عود الضمير إليها أن يعود على لفظها فيكون مفردًا، وأن يعود إلى معناها فيكون مجموعًا أو مثنى حسب السياق، أفهمتهم؟
فإذا قلت: يعجبني من قام، فهنا راعينا؟ أين الأفهام يا جماعة؟
طالب: (...).
الشيخ: يعجبني من قام، راعينا؟
طالب: (...).
الشيخ: طيب، إذا قلت: يعجبني مَن قاما.
طالب: المعنى.
الشيخ: المعنى.
إذا قلت: يعجبني من قاموا.
طالب: المعنى.
الشيخ: المعنى.
يعجبني من قمن؟
طالب: المعنى.
الشيخ: المعنى.
وقد يراعى المعنى مرة واللفظ مرة أخرى، ويعادل المعنى؛ يعني معناه قد تعود الضمائر مراعاة للأمرين في سياق واحد.
قال الله عز وجل: وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا [الطلاق: ١١] راعى اللفظ؟
الطلبة: اللفظ.
الشيخ: راعى اللفظ يعني إذا أفرد فهو مراعٍ اللفظ.
يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ [الطلاق: ١١]، اللفظ أو المعنى؟
طالب: المعنى.
طالب آخر: اللفظ.
الشيخ: يُدْخِلْهُ؟
الطلبة: اللفظ.
الشيخ: اللفظ، يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا [الطلاق: ١١]؟
الطلبة: المعنى.
الشيخ: المعنى.
قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا [الطلاق: ١١]؟
الطلبة: اللفظ.
الشيخ: اللفظ، شوف السياق واحد فروعي اللفظ أولًا، ثم المعنى ثانيًا، ثم اللفظ ثالثًا.
يقول عز وجل: إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ [الكهف: ٥٧] أغطية، أَنْ يَفْقَهُوهُأي: يفقهوا القرآن فلا يفهمونه، وفي هذا الحث على فقه القرآن، وأنه ينبغي للإنسان أن يقرأ القرآن وأن يتعلم معناه، كما كان الصحابة رضي الله عنهم كانوا لا يتجاوزون عشر آيات حتى يتعلموها وما فيها من العلم والعمل .
وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا [الكهف: ٥٧] شوف -أعوذ بالله- القلوب عليها غطاء، والآذان فيها صمم لا تسمع، فلا يسمعون الحق ولا يفقهونه.
وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا [الكهف: ٥٧]، يقول الله عز وجل: إن تدعهم يا محمد إلى الهدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا، أي: ما دامت قلوبهم في أَكِنّة وفي آذانهم وقر لن يهتدوا، ومن أين يأتيهم الهدى؟ الآذان لا تسمع الحق، والقلوب لا تفقه الحق والعياذ بالله من أين يهتدوا؟
فإذا قال قائل: هل في هذا تيئيس للرسول عليه الصلاة والسلام من أنه وإن دعا لا يقبل منه، أو فيه تسلية له؟
الثاني: في هذا تسلية له، وأنه إذا لم يقبل الحق هؤلاء فلا عليك منهم لن يهتدوا إذن أبدًا.
تفسير الآية (٥٨)
٠٠:٤٠:١٧
{وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ} [الكهف: ٥٨]، هذا أيضًا فيه تسلية للرسول عليه الصلاة والسلام من وجه آخر، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم قد يقول: لماذا لم يعاجلوا بالعقوبة؟ كيف يكذبونني وأنا رسول الله ولم يعاقبوا؟
فبين الله له أن الرب عز وجل هو الْغَفُورُأي الذي يستر الذنوب، ذُو الرَّحْمَةِالذي يلطف بالمذنب، ولهذا قال: لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ؛ لأنه لو أراد الله أن يؤاخذ الناس بما كسبوا لعجل لهم العذاب، وقد بَيّن الله عز وجل هذا العذاب في آيات أخرى، فقال: وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ [فاطر: ٤٥] لأهلكهم في الحال، وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى [فاطر: ٤٥].
بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا [الكهف: ٥٨]، بَلْهذه للإبطال، إضراب إبطالي؛ يعني: بل لن يسلموا من العذاب إذا أُخّر عنهم.
لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًاأي: ملجأً، متى هذا؟ يوم القيامة، ويحتمل أن يكون ما يحصل للكفار من القتل على أيدي المؤمنين كما قال عز وجل: قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ [التوبة: ١٤، ١٥]، فنقول: بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًانقول: هذا يحتمل أن يكون المراد ما سيكون عليهم من القتل والأخذ في الدنيا أو ما سيكون عليهم يوم القيامة الذي لا مفر منه.
تفسير الآية (٥٩)
٠٠:٤٢:٤٦
{وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا} [الكهف: ٥٩]، تِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْقد يقول قائل: فيه إشكال تِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْوالقرى جماد، والجماد لا يعود عليه الضمير بصيغة الجمع؛ يعني ما تقول مثلًا: هذه البيوت عمرناهم، لا، هذه البيوت عمرناها، تلك القرى أهلكناها، فلماذا قال: أَهْلَكْنَاهُمْ؟
نقول: قال هذا لأن الذي يهلك هم أهل القرى، وفي هذا دليل واضح على أن القرى قد يُراد بها أهلها، وقد يراد بها البناء المجتمع، أفهمتم؟ القرية الآن أو القرى تارة يُراد بها أهلها وتارة يُراد بها المساكن المجتمعة، قال الله تعالى: وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ [القصص: ٥٩]، المراد بالقرى هنا أهلها؛ لأن الله قال في نفس الآية: إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ، وقد يراد بها البناء المجتمِع، المجتمِع يسمى قرية.
يقول عز وجل: وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُواوالمراد بالظلم هنا الكفر، وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا [الكهف: ٥٩]؛ يعني: جعلنا لإهلاكهم موعدًا، والله عز وجل يفعل ما يشاء، إن شاء عَجّل بالعقوبة وإن شاء أَخَّر، لكن إذا جاء الموعد لا يتأخر، ولهذا قال نوح عليه الصلاة والسلام لقومه: يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لا يُؤَخَّرُ [نوح: ٤]، إذا جاء لا يمكن أن يؤخر، ولكنه أجل مُعين عند الله عز وجل في الوقت الذي تقتضيه حكمته.
تفسير الآية (٦٠)
٠٠:٤٥:٢٤
ثم قال الله تعالى: وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لا أَبْرَحُإلى آخره [الكهف: ٦٠]، إِذْ قَالَمفعول لفعل محذوف، والتقدير: اذكر إِذْ قال، وهذه السورة سبحان الله فيها عدد من القصص، موسى عليه الصلاة والسلام بن عمران خطب يومًا في بني إسرائيل فقام أحدهم، وقال: هل على وجه الأرض أعلم منك؟ قال: لا .
قال: لا، بناءً على أيش؟ بناءً على ظنه أنه ليس على وجه الأرض أعلم منه فعتب الله عليه في ذلك، لماذا لم يَرُدَّ العلم إلى الله؟ لأنه فوق كل ذي علم عليم، ليس أحد عنده العلم المطلق من البشر، ثم إن قوله: لا، فيه نظر من جهة أخرى، وهو أنه هل طاف بالأرض كلها وعرف أنه لا أحد أعلم منه؟ لا، ثم إنه لا أحد أعلم منه في كل شيء؟ لا، فقال الله عز وجل: إن لي عبدًا هو أعلم منك، أين هو؟ قال: في مجمع البحرين، وذكر له علامة، ويش العلامة؟
العلامة أن تفقد الحوت، فاصطحب حوتًا معه في مِكْتَل؛ يعني: شيء مثل الزنبيل، وسار هو وفتاه يوشع بن نون، جاء ذلك في البخاري، سارا إلى أين؟ إلى مجمع البحرين؛ لينظر من هذا الذي هو أعلم منه، وليتعلم منه أيضًا، ثم إنهما آويا إلى صخرة وناما، وكان الحوت في المكتل، فلما استيقظا مع السرعة لم يفتشا في المكتل، والحوت بأمر الله خرج ودخل في البحر، ويأتي إن شاء الله بقية القصة في الدرس القادم.
بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، وأسأل الله تعالى أن يبارك لنا في هذا القرآن الكريم.
قال الله تبارك وتعالى: إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًاما معنى أَكِنَّة؟
طالب: جمع كِنَّات، وهي الأغطية.
الشيخ: جمع كِنّ، وهي الأغطية.
هل جعل الله تعالى هذه الأكنة، هل هي بسبب منهم أو بمجرد مشيئة؟
الطالب: لا، بسبب منهم.
الشيخ: الدليل؟
طالب: الدليل وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا.
الشيخ: لا، الدليل؟
طالب: إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [يونس: ٤٤].
الشيخ: لا.
طالب: فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ.
الشيخ: نعم، فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ [الصف: ٥]، ولها نظائر فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً [المائدة: ١٣].
هل في الآية ما يشير إلى أن من المهم جدًا أن يفقه الإنسان القرآن الكريم دون أن يتلوه مجرد تلاوة؟
طالب: نعم، في الآية دليل على هذا.
الشيخ: ما هو الدليل؟
الطالب: قوله أَنْ يَفْقَهُوهُ؛ لأنهم عوقبوا..
الشيخ: أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُكذا؟
من عادة السلف الصالح أنهم؟
الطالب: أنهم يقرؤون عشر آيات ولا..
الشيخ: لا يتجاوزون.
الطالب: حتى يعرفوا معانيها (...).
الشيخ: والعمل، بارك الله.
في قوله: وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا؟
طالب: هذا ليس فيه تيئيس للنبي عليه الصلاة والسلام بل فيه تسلية له.
الشيخ: فيه تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم وليس فيه تيئيسًا له، المعنى أنهم لن يهتدوا؛ لأنه علم سبحانه وتعالى أنهم لا يهتدون فلا تحزن عليهم.
قوله تعالى: وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُواماذا يعني بالقرى؟
طالب: أهل القرى.
الشيخ: مثل أيش؟ ما تعرف قرية أهلكها الله؟
الطالب: بلى، مثل..
الشيخ: قوم نوح.
الطالب: قوم نوح، قوم عاد، قوم ثمود.
الشيخ: نعم، وغيرهم.
هل يستفاد من الآية الكريمة أن الظلم سبب للهلاك؟
طالب: أي نعم.
الشيخ: كيف ذلك؟
الطالب: قوله لَمَّا ظَلَمُوا.
الشيخ: لَمَّا ظَلَمُوافأهلكهم الله لما ظلموا.
قوله: وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا، ما معنى هذا أو صلته باللي قبله؟
الطالب: يعني: أجل.
الشيخ: أجل، نعم، لئلا يقول قائل: هل يقع العذاب من حين الظلم أو يتأخر أو ما أشبه ذلك، فيقال: إن الله تعالى قد جعل له موعدًا.
قوله: وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُما هذا الفتى، هل هو ابنه؟
طالب: لا، ليس ابنه.
الشيخ: من؟
طالب: يوشع بن نون يا شيخ.
الشيخ: اسمه يوشع بن نون لكن ما صلته به؟
الطالب: فتى لموسى.
الشيخ: يعني: خادم له، طيب.
سبب هذا القول؟
الطالب: قال موسى لفتاه إنه (...) بني إسرائيل (...)، فقال له -هذا يوشع بن نون-: هل أعلم منك؟ قال: لا أعلم مني، قال: لا يوجد أعلم مني، عَرَّفه الله سبحانه وتعالى، فقال الله سبحانه وتعالى: يجد عبده في مجمع البحرين هو أعلم منه، فذهب.
قال الله تعالى: وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا [الكهف:٦٠].
لا أَبْرَحُأي: لا أزال، والخبر محذوف، والتقدير: لا أزال أسير حتى أبلغ هذا أو أمضي سنين، فجعل الغاية أحد أمرين: إما أن يبلغ مجمع البحرين ولو في زمن قصير، أو يبقى أزمنة طويلة -إما ثمانون سنة أو أكثر- حتى يصل إلى هذا الرجل الذي أخبره الله عز وجل.
وما مجمع البحرين؟ قيل: إنه مكان الله أعلم به، لكن موسى يعلم، وقيل: إنه ملتقى البحر الأحمر مع البحر الأبيض، وكان فيما سبق بينهما أرض حتى فتحت القناة، وهذا ليس ببعيد أنه قيل له: إن عبدًا من عبادنا في مجمع البحرين وذهب إلى هذا.
أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا(أو) هنا للتنويع؛ يعني: إما كذا وإما كذا، وقيل: (أو) بمعنى إلا، أي: حتى أبلغ مجمع البحرين إلا أن أمضي حقبًا؛ أي: سنين طويلة قبل مبلغه، لكن الوجه الأول أَسَدّ.
أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًافماذا صنع؟ تهيأ لذلك، وسار.
تفسير الآية (٦١)
٠٠:٥٥:١٩
{فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا} أي: بين البحرين، نَسِيَا حُوتَهُمَا [الكهف: ٦١]، نَسِيَاأضاف الفعل إليهما، مع أن الناسي هو الفتى، وليس موسى، لكن القوم إذا كانوا في شأن واحد وفي عمل واحد نُسِب فعل الواحد منهم أو الطائفة منهم إلى الجميع، ولهذا يخاطب الله عز وجل بني إسرائيل في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، فيقول: وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ [البقرة:٥٠]، وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً [البقرة: ٥٥]، مع أنهم ما قالوا هذا لكن قاله أجدادهم.
نَسِيَا حُوتَهُمَانسيان ذهول أو نسيان ترك؟ نسيان ذهول، وليس نسيان ترك، وهذا من حكمة الله عز وجل أن الله أنساهما ذلك لحكمة، نَسِيَا حُوتَهُمَا.
وهذا الحوت جعله الله سبحانه وتعالى علامة لموسى، أنك متى فقدت الحوت فثم مجمع البحرين، وهذا الحوت سبق لنا في الليلة الماضية أنه كان في مِكْتَل، وكان يقتاتان منه، لما وصلا إلى مكان ما ناما فيه عند صخرة، فلما استيقظا وإذا الحوت ليس موجودًا، لكنه -أي الفتى- لم يتفقد المكتل، ونسي شأنه وأمره، هذا الحوت -سبحان الله- طلع، خرج من المكتل ودخل في البحر، وجعل يسير في البحر والبحر ينحاز عنه.
فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا [الكهف: ٦١]؛ أي: مثل السرب، السرب: السرداب؛ يعني أنه يشق الماء ولا يتلاءم الماء، وصفه بعض التابعين قال: هكذا؛ يعني: حجز، وهذا من آيات الله، وإلا فقد جرت العادة أن الحوت إذا انغمس في البحر أيش يعمل البحر؟ يتلاءم عليه، لكن هذا الحوت من آيات الله، أولًا: إذا كان قد ذبح أو قد مات وأنهما يقتاتان منه، كونه حيي، وقام ودخل البحر وصار طريقه على هذا الوجه، هذا من آيات الله عز وجل.
فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ، فَاتَّخَذَالضمير يعود على أيش؟ على الحوت، سَبِيلَهُ: طريقه، فِي الْبَحْرِ سَرَبًايعني: مثل السَرَب، السرب ما نسميه إحنا بالسرداب؛ يعني الشق الطويل.
تفسير الآية (٦٢)
٠٠:٥٨:٥٤
{فَلَمَّا جَاوَزَا} [الكهف: ٦٢] الفاعل موسى وفتاه، جَاوَزَايعني تعديا ذلك المكان، قال موسى لفتاه آتِنَا غَدَاءَنَا [الكهف: ٦٢]، وهذا لا شك أنه في الصباح؛ لأن الغداء هو الطعام الذي يؤكل في الغداة.
لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا [الكهف: ٦٢] أي: تعبًا، قوله: مِنْ سَفَرِنَا هَذَا: ليس المراد من سفرهم من حين ابتدأا السفر، ولكن من حين فارقا الصخرة، ولذلك طلب الغداء، من حين فارق الصخرة تعب وطلب الغداء، قال أهل العلم: وهذا من آيات الله عز وجل، فقد سارا قبل ذلك مسافة طويلة ولم يتعبا، ولما جاوزا المكان تعبا سريعًا من أجل ألا يتماديا في البعد عن المكان.
تفسير الآية (٦٣)
٠١:٠٠:٠٣
{فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا (٦٢) قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ} أرأيت يعني: تنبه أو بمعناها، إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِأي رجعنا إليها واتخذناها مأوى؛ لأنهما ناما، فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَما معنى نسيت؟ يعني نسيت أن أتفقده وأسعى في شأنه، وإلا فالحوت معروف كان في المكتل، لكن نسي هل هو باق أو لم يبق؟
وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُقوله: أَنْ أَذْكُرَهُهذه بدل من الهاء في أَنْسَانِيهُيعني: ما أنساني ذكره إلا الشيطان.
وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًاسَبِيلَهُيعني طريقه، عَجَبًاأي محل عَجَب، وهو محل عجب، ماء سَيَّال يمر به هذا الحوت ويكون طريقه سربًا، فكان هذا الطريق للحوت سربًا، ولموسى وفتاه عَجَبًا، ولنا أيضًا عجبًا؛ لأن الماء عادة يتلاءم على ما يمر به، لكن هذا الحوت بإذن الله لم يتلاءم.
تفسير الآية (٦٤)
٠١:٠١:٥٤
{وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا (٦٣) قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ} [الكهف: ٦٣، ٦٤]، يقول موسى عليه الصلاة والسلام: ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِأي ما كنا نطلب؛ لأن الله أخبره بأنه إذا فقد الحوت فذاك محل اتفاقه مع مَن؟ مع الخضر، قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا [الكهف: ٦٤] يعني: رجع، بعد أن أخذ مسافة تعب فيها.
ارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَايعني: يقصان آثارهما لئلا يضيع عنهما المحل الذي كانا أويا إليه، عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًاأي: يقصان الأثر.
تفسير الآية (٦٥)
٠١:٠٢:٤٣
{فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا} [الكهف: ٦٥]، وهو الخضر، كما صح عن ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم.
عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَاهل هو من العباد الصالحين؟ أو من الأولياء الذين لهم كرامات؟ أو من الأنبياء؟ أو من الرسل؟ كل ذلك ممكن، لكن النصوص تدل على أنه ليس برسول ولا نبي، إنما هو عبد صالح أعطاه الله تعالى كرامات؛ ليتبين بذلك أن موسى لا يحيط بكل شيء علمًا، وأنه يفوته من العلم شيء كثير.
آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا [الكهف: ٦٥]، آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَاهي أن الله تعالى جعله من أوليائه، وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًايعني علمًا لا يطلع عليه الناس، علم خاص بالله عز وجل، وهو علم الغيب في هذه القصة المعينة، وليس علم نبوة، ولكنه علم خاص؛ لأن هذا العلم الذي اطلع عليه الخضر لا يمكن إدراكه، أليس كذلك؟ لا يمكن إدراكه، ليس شيئًا مبنيًّا على المحسوس فيبنى المستقبل على الحاضر، شيء غائب، وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًاأي معلومات لا يطلع عليها البشر.
تفسير الآية (٦٦)
٠١:٠٤:١٨
يقول الله عز وجل: قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا [الكهف: ٦٦]، تأمل هذا الأدب من موسى عليه الصلاة والسلام، مع أن موسى أفضل منه وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا [الأحزاب:٦٩]، ومع ذلك يتلطف بهذا؛ لأنه سوف يأخذ منه علمًا لا يعلمه موسى، ففي هذا دليل على أنه ينبغي لطالب العلم أن يتلطف مع شيخه ومع أستاذه، وأن يعامله بالإكرام.
هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىفهو قال: هَلْ أَتَّبِعُكَ، وهذا عرض، عرض رقيق، وأيضًا بَيَّن له أنه لا يريد أن يتبعه ليأكل من أكله ويشرب من شربه، لا، عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا.
الخضر لا شك أن سيفرح ممن يأخذ منه العلم، وكل إنسان أعطاه الله علمًا فينبغي أن يفرح أن يؤخذ منه هذا العلم؛ لأن العلم الذي يؤخذ من الإنسان في حياته ينتفع به بعد وفاته، كما جاء في الحديث الصحيح: «إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَه» .
تفسير الآيات
٠١:٠٥:٥٢
(٦٧-٦٩)
فقال له: إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٦٧) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا [الكهف: ٦٧، ٦٨].
إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا، وبين له عذره في أنه لا يستطيع، فقال: وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا، وأين الدليل للخضر أن موسى لم يحط بذلك خبرًا؟
لأنه قال: عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ، وهذا يدل على أنه لا علم له فيما عند الخضر، فقال: وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا (٦٨) قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا [الكهف: ٦٨، ٦٩].
وهذا الذي قاله موسى عليه السلام قاله فيما في نفسه في تلك الساعة أنه سيصبر، لكنه علقه بمشيئة الله؛ لئلا يكون ذلك اعتزازًا بنفسه وإعجابًا بها، سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وهذا كقول إسماعيل بن إبراهيم عليه الصلاة والسلام، لما قال له أبوه: إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ [الصافات: ١٠٢]، قال: يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِيأيش؟ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ [الصافات: ١٠٢]، موسى عليه الصلاة والسلام قال للخضر: سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا، وأيضًا أصبر على ما تفعل وأمتثل ما به تأمر.
وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا، وعده بشيئين: الصبر على ما يفعل، والثاني: الائتمار بما يأمر، والانتهاء عما ينهى.
تفسير الآية (٧٠)
٠١:٠٨:٠٢
{وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا (٦٩) قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا} [الكهف: ٦٩، ٧٠]؛ يعني: حتى أذكر لك السبب، إِنِ اتَّبَعْتَنِي، ومعلوم أنه سيتبعه، فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍكل ما فعلت لا تسألني عنه حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا، وحَتَّىهنا للغاية؛ يعني: إلى أن أحدث لك منه ذكرًا، وهذا توجيه من مُعلِّم لمن يتعلم منه، ألَّا يتعجل في الرد على معلمه، بل ينتظر حتى يحدث له من ذلك ذكرًا، وهذا لا شك أنه من آداب المتعلم ألَّا يتعجل بالرد حتى يتبين الأمر حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا.
تفسير الآية (٧١)
٠١:٠٩:٢٠
{فَانْطَلَقَا} [الكهف: ٧١] (انطلقا) الفاعل من؟ موسى والخضر، وسكت عن الفتى، فهل الفتى تأخر، أو أنه ركب، لكن لما كان تابعًا لم يكن له ذِكْر؟ الذي يظهر -والله أعلم- أنه كان تابعًا، لكن لما لم يكن له تعلق بالمسألة، والأصل هو موسى، طُوِي ذِكْره، وهو أيضًا تابع، فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا؛ يعني: هما يمشيان على ساحل البحر، فمرت سفينة فركبا فيها، لما ركبا في السفينة قام الخضر فخرقها، خرقها بالمخراق؟
لا، لكنه قلع إحدى خشبها الذي يدخل منه الماء، فقال له موسى: أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا [الكهف: ٧١] وهذا إنكار، إنكار ممن؟ من موسى على الخضر، مع أنه قال له: سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًاولكنه لم يصبر؛ لأن هذه مشكلتها عظيمة، سفينة في البحر يخرقها فتغرق.
و(اللام) في قوله: لِتُغْرِقَليست للتعليل ولكنها للعاقبة؛ يعني أنك إذا خرقتها غرق، وإلا لا شك أن موسى عليه الصلاة والسلام لا يدري ما غرض الخضر، ولا شك أيضًا أنه يدري أنه لا يريد أن يغرق أهلها؛ لأنه لو أراد أن يغرق أهلها لكان أول من يغرق هو وموسى، لكن اللام هنا للعاقبة، ولام العاقبة ترد في غير موضع حتى في القرآن، مثل قول الله تعالى: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا [القصص:٨]، لو سألنا أي إنسان: هل آل فرعون التقطوا موسى ليكون عدوًّا لهم وحزنًا؟ أبدًا لكن هذه الغاية.
لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا [الكهف: ٧١] أي عظيمًا؛ لأن موسى عليه الصلاة والسلام كان شديدًا قويًّا في ذات الله، فهو أنكر عليه وبَيَّن أن فعله ستكون عاقبته الإغراق، وزاده توبيخًا في قوله: لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًاأي: عظيمًا، والجملة هنا مؤكدة بكم مؤكدات يا إخوان؟ ثلاثة مؤكدات: (اللام)، و(قد)، والقسم المُقَدّر الذي تدل عليه اللام، وقلنا: عظيمًا، ومنه قول أبي سفيان لهرقل لما حدثه عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وبين له حاله وصفاته ومكارم أخلاقه وانصرف مع قومه، قال: لقد أَمِر أَمْرُ ابن أبي كبشة، إنه ليخافه ملك بني الأصفر ، يعني بابن أبي كبشة الرسول صلى الله عليه وسلم، وأمِر أمره: يعني عَظُم، لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا.
تفسير الآية (٧٢)
٠١:١٣:٢٥
{قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا} [الكهف: ٧٢].
الجواب بلى، ولّا لا؟
طلبة: بلى.
الشيخ: اعتذر موسى.
تفسير الآية (٧٣)
٠١:١٣:٤٠
{قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا} [الكهف: ٧٣]، لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُوسبب نسيان موسى أن الأمر عظيم اندهش له، أن تخرق السفينة وهو على ظهرها والخضر على ظهرها وأهلها معه، هذه توجب أن الإنسان ينسى ما سبق من شدة وَقْع ذلك في نفسه، اعتذر قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُأي: بنسياني، ولهذا نقول في إعراب (ما) إنها مصدرية، أي: بنسياني ذلك، وهو قولك: إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا، وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًايعني لا تثقل عليَّ وتُعَسّر عليَّ الأمور، وكأن هذا -والله أعلم- توطئة لما يأتي بعد.
تفسير الآية (٧٤)
٠١:١٤:٤٥
{فَانْطَلَقَا} [الكهف: ٧٤] انطلقا منين؟ من السفينة بعد أن أرست على الميناء، حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ [الكهف: ٧٤]، هنا قال: حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُولم يقل: قتله، وفي السفينة قال: خَرَقَهَاولم يقل: فخرقها؛ لأن قتل النفس كأنه تأنى فيه قليلًا يعني كأن شيئًا حصل قبل القتل فقتله، الغلام والصغير، موسى عليه الصلاة والسلام ما صبر.
قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً-وفي قراءة {زَاكِيَةً}- بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا [الكهف: ٧٤]، قوله: زَكِيَّةً؛ لأنه غلام صغير، والغلام الصغير تكتب له الحسنات ولا تكتب عليه السيئات، إذن فهو زكي؛ لأنه صغير، فلا تكتب عليه السيئات وتكتب له الحسنات.
بِغَيْرِ نَفْسٍيعني أنه لم يقتل أحدًا حتى تقتله، ولكن لو أنه قتل هل يُقتل أو لا؟ شريعتنا لا يقتل، غير المكلف لا يقتل بالعمد؛ لأنه لا عمد له.
لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًاهذه العبارة أشد من العبارة الأولى، الأولى ماذا قال؟ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا، لكن هنا قال: لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا؛ أي: منكرًا عظيمًا أن تقتل نفسًا، والفرق بين هذا وهذا أن خرق السفينة قد يكون به الغرق وقد لا يكون، وهذا اللي هو حصل لم تغرق السفينة، وأما قتل النفس فهو منكر حالًا ما فيه احتمال.
تفسير الآية (٧٥)
٠١:١٧:٢٣
{لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا (٧٤) قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا} [الكهف: ٧٤، ٧٥] هنا فيها لوم أشد على موسى، في الأول قال: قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ، في الثاني قال: قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ؛ يعني: كأنك لم تفهم ولن تفهم، ولذلك الناس يفرقون بين الجملتين، لو أنك كلمت شخصًا في شيء وخالف، تقول في الأول: ألم أقل إنك، لكن: ألم أقل لك؛ يعني: الخطاب ورد عليك ورودًا لا خفاء فيه ومع ذلك خالفت، فصار لوم الخضر لموسى في الثانية أيش؟ أشد. قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا.
تفسير الآية (٧٦)
٠١:١٨:١٩
فقال له موسى، لما رأى أنه لا عذر له: قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي [الكهف: ٧٦]؛ يعني: امنعني عن صحبتك، وفي قول موسى: فَلَا تُصَاحِبْنِيإشارة إلى أنه عليه الصلاة والسلام يرى أنه أعلى منه منزلة، وإلا لقال: إن سألتك عن شيء بعدها أيش؟ فلا أصاحبك، لكن قال: فَلَا تُصَاحِبْنِييعني: وامنعني من ذلك.
قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا [الكهف: ٧٦] يعني أنك وصلت إلى حال تُعْذَر فيها؛ لأنه كم أنكر عليه من مرة؟ مرتين، مع أن موسى التزم بألا يسأل قال: قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا.
تفسير الآية (٧٧)
٠١:١٩:٢٦
{فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ} [الكهف: ٧٧]، ولم يعين الله عز وجل القرية، فلا حاجة إلى أن نبحث عن هذه القرية، نقول: قرية أبهمها الله فنبهمها، اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا [الكهف: ٧٧] يعني: طلبا من أهلها طعامًا، فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا [الكهف: ٧٧]، ولا شك أن هذا خلاف كمال الإيمان؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ» ، لكن هؤلاء أبوا أن يضيفوهما، وكان جزاؤهم ألا يعاملوا إلا بمثل ما فعلوا، لكن الأمر وقع على خلاف ذلك، والله عز وجل ييسر لعبده المؤمن ما يكون به الخير.
بعث النبي صلى الله عليه وسلم سرية، فنزلوا ضيفًا على قوم، ولكن القوم أبوا أن يضيفوهم، فتنحوا ناحية، فسلط الله على رئيسهم عقربًا لدغته، وكانت شديدة، فقال بعضهم لبعضهم: هل من راقٍ؟ قالوا: لا نعلم إلا كان هؤلاء الرهط، فأتوا إلى الصحابة قالوا: إن سيدهم قد لدغ، فهل عندكم من راق؟ قالوا: نعم، لكننا لا نرقيه إلا بكذا وكذا من الغنم، قال: لكم هذا، فذهب أحد رجال السرية، وجعل يقرأ على هذا اللديغ سورة الفاتحة، فقام كأنما نشط من عقال .
فانظر إلى لطف الله عز وجل حيث يسر للصحابة ضيافة رغمًا على هؤلاء الذين أبوا أن يضيفوهم، وصاحبهم لم يمسه سوء إلا وجع اللدغة وانتهى بقراءة الرجل عليه، المهم أن موسى والخضر استطعما أهل القرية ولكن أبوا أن يضيفوهما، قال: فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ [الكهف: ٧٧] جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّكيف يريد أن ينقض؟ هل الجدار له إرادة؟
الجواب: نعم، له إرادة، وذلك ميله، فإن ميله يدل على إرادة السقوط، ولا تتعجب إذا كان للجماد إرادة، فها هو أُحُد قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّهُ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ» ، والمحبة وصف زائد على الإرادة، وهو جماد.
وأما قول بعض الناس الذين يجوزون المجاز في القرآن وقالوا: إن هذا كناية وليس للجدار إرادة، فلا وجه له.
يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّأي أنه مائل يريد أن يسقط، فَأَقَامَهُمن أقامه؟ أقامه الخضر، لكن كيف أقامه؟ الله أعلم، قد يكون أقامه بيده وأن الله أعطاه قوة واستقام الجدار، وقد يكون بناه البناء المعتاد، المهم أنه أقامه.
قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا [الكهف: ٧٧]، هذه عبارة لينة جدًا ليست كالعبارة الأولى، ما أنكر عليه أن يبنيه، ولا قال: كيف تبنيه وقد أبوا أن يضيفونا، بل قال: لَوْ شِئْتَ، وهذا لا شك أسلوب رقيق، عرض، لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا؛ لأنه عليه الصلاة والسلام قد قدم ما يجعله لا ينكر على الخضر.
تفسير الآية (٧٨)
٠١:٢٤:١٥
{قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ} [الكهف: ٧٨]، القائل الخضر؛ يعني: انتهى ما بيني وبينك، فلا صحبة، سَأُنَبِّئُكَأي: سأخبرك عن قرب، بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا، وإنما قلت: سأخبرك عن قرب؛ لأن السين تدل على القرب بخلاف سوف، وهي أيضًا تفيد مع القرب التحقيق، سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا، بِتَأْوِيلِأي: بتفسيره وبيان وجهه.
تفسير الآية (٧٩)
٠١:٢٥:٠٥
{أَمَّا السَّفِينَةُ} [الكهف: ٧٩]، ويريد بها السفينة التي خرقها، فـ(أل) في السفينة لأيش؟
طالب: للعهد الذكري.
الشيخ: للعهد الذكري، نعم، أَمَّا السَّفِينَةُيعني: التي خرقها، فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ؛ يعني أنهم يطلبون الرزق فيها، مساكين فقراء، والجمع أقله ثلاثة، قد يكون ثلاثة أو عشرة أو عشرين أو ثلاثين، عددهم ليس بضروري أن نعرفه.
يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا؛ يعني أن أجعل فيها عيبًا، لماذا؟ قال: وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا، فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا، حتى إذا مرت بهذا الملك قال: هذه سفينة معيبة لا حاجة لي فيها؛ لأنه لا يأخذ إلا السفن الصالحة الجيدة، أما هذه فلا حاجة له فيها، وهذا منه أخذ الناس أن الإنسان الذي يخاف على نفسه العين ينبغي ألا يظهر بالمظهر الذي يلفت النظر؛ خوفًا من العين؛ يعني لا يلبس الثياب الجميلة جدًا التي تلفت النظر، أو يتزين زينة تلفت النظر، هل مثلًا لو فرضنا أن الرجل هذا له عينان واسعتان جميلتان قويتا النظر، هل مثلًا نقول: امش وأنت مغمض؟
طلبة: يلبس نظارات.
الشيخ: ممكن يلبس نظارات، أو إذا لم يكن عنده نظارات يقلل من فتح العينين؛ لئلا يصاب بأذى، على كل حال صار له وجهة نظر، فعل الخضر له مبرر، ومنه يؤخذ فائدة عظيمة، وهي إتلاف بعض الشيء لإصلاح باقيه، إتلاف بعض الشيء لإصلاح باقيه هذا شيء جائز، والأطباء الآن يعملون به، تجده مثلًا يأخذ من الفخذ قطعة ليصلح بها شيئًا في الوجه أو في الرأس أو ما أشبه ذلك ولا بأس به.
وأخذ من ذلك العلماء رحمه الله أن الوقف إذا دمر وخرب فلا بأس أن يباع بعضه ويصلح به الباقي.
فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا، إذن زال الإشكال في مسألة السفينة.
تفسير الآية (٨٠)
٠١:٢٨:٣١
{وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ} [الكهف: ٨٠]، الغلام صغير، كان أبواه مؤمنين، فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا خَشِينَاقال هنا بالجمع، وهو بالنسبة للخضر واقع، وبالنسبة لموسى متوقع، أما السفينة قال: فَأَرَدْتُولم يقل: أردنا؛ لأن موسى قد لا يُتَوقع أنه يريد ذلك، لكن موسى عليه الصلاة والسلام وغيره من المصلحين يخشون أن يكفر الإنسان بسبب شيء من الأشياء، فهذا والله أعلم وجه كون أَرَدْتُبالإفراد وخَشِينَابالجمع.
فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًافأعلمه الله عز وجل بأن مآل هذا الغلام أيش؟ الكفر، وأنه ربما يرهق والديه؛ يعني: يكرههما على الطغيان والكفر، إما لمحبتهما إياه أو لغير ذلك من الأسباب، وإلا فالغالب أن الوالد يؤثر على الولد، لكن قد يؤثر الولد على الوالد، كما أن الغالب أن الزوج يؤثر على زوجته وقد تؤثر الزوجة على زوجها.
تفسير الآية (٨١)
٠١:٣٠:٠٧
{فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا} [الكهف: ٨١]؛ يعني أن إذا قتلناه فعند الله ما هو خير وأبقى، أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةًأي: في الدين، وَأَقْرَبَ رُحْمًاأي: في الصلة؛ يعني أنه أراد هو وموسى -تحقيقًا بالنسبة للخضر وتقديرًا بالنسبة لموسى- أن الله يخلف عليهما من هو أزكى منهما في الدين، وأوصل منهما في الرحم، وَأَقْرَبَ رُحْمًا.
بقي شيء ثالث، الآن عرفنا وجهة النظر في قتل الغلام، فهل يؤخذ من ذلك أن يقتل الكافر خوفًا من أن ينشر كفره في الناس؟ نعم، لا شك، فالداعي إلى الكفر يقتل خوفًا من أن ينشر كفره في الناس.
تفسير الآية (٨٢)
٠١:٣١:١٧
قال تعالى: وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ [الكهف: ٨٢]، غلامين صغيرين يتيمين قد مات أبوهما، وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا تحت أيش؟ الجدار، كَنْزٌأي: مال مدفون.
فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ، أراد الله عز وجل أن يبلغا أشدهما؛ أي: يبلغا ويكبرا، حتى يصلا إلى سن الأشد، وهو أربعون سنة عند كثير من العلماء.