تفسير سورة القصص - ٨
درس صوتي · ٩٠:٣٨
جارٍ تجهيز الصوت
انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها
إعدادات
اختصارات لوحة المفاتيح
محتوى الدرس
...........................
تَمَنَّ وَارْجُ كَذَاكَ النَّفْيُ قَدْ كَمُلَا
طالب: ما يصح (...)؟ الشيخ: لا، ما يصح؛ لأنه قد تكون فاء السببية عاطفة. طيب، بعد هذه الأمور، أمَّا (مُرْ) فهي إشارة للأمر، نعم، كما تقول: (انزلْ عندنا فنكرمَك). (وادع) هذا دعاء الله، قال الشاعر:
ربِّ وفِّقْنِي فَلَا أَعْدِلَ عَنْ
سَنَنِ السَّاعِينَ في خَيْرِ سَنَنْ
(رب وفقني فلا أعدلَ)، وتقول: (رب وفقني فأعملَ صالحًا). (وانهَ): وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ، ويش بعدها؟ طالب: فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي. الشيخ: فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي [طه: ٨١]. (وسَلْ)، اسأل يعني للاستفهام: فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا [الأعراف: ٥٣]، منصوب الفعل بـ(أنْ). (واعرِضْ) العَرْض، كما في قول القائل: (ألا تنزلُ عندي فتصيبَ خيرًا)، (ألا تنزل) عرض (فتصيبَ خيرًا). (لِحَضِّهِمِ) هذا التحضيض، مِنْه هذه الآية: لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ [القصص: ٤٧]. (تَمَنَّ) المُراد به التمني، تقول: (ليت لي مالًا فأتصدقَ منه). (وارْجُ) الرجاء، الترجي يعني: لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى [غافر: ٣٦، ٣٧]، لعلي أبلغ فأطلعَ. (كذاك النفيُ)، النفي غير النهي، فتقول: (ما تَعَلَّم زيدٌ فيُعَلِّمَك). نعم، هذه تسعة مواضع إذا وقعت الفاءُ بعدها فإنه يُنصَب الفعل بـ(أن) مُضْمَرة. طالب: (...)؟ الشيخ: في النفي. الطالب: (...). الشيخ: (ما تعلم زيد فيعلمَك). طيب، قال: فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ [القصص: ٤٧]. طالب: فيه النهي (...) فيه النهي، فيه (وانه) فيها النهي؟ الشيخ: فيه النهي؟ الطالب: (...) (وانه)؟ الشيخ: إي، مثَّلنا له بقوله تعالى: وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ [طه: ٨١]. طالب: البيت الثاني: ربِّ وفقني فلا أعدلَ.. الشيخ:
ربِّ وفِّقْنِي فَلَا أَعْدِلَ عَنْ
سَنَنِ السَّاعِينَ في خَيْرِ سَنَنْ
قال: (فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَالمرسَلَ بها وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وجواب لَوْلَا [القصص: ٤٧] محذوف). المعنى: إنا أرسلناك يا محمد إقامةً للحجة عليهم ورحمةً بهم أن يصيبهم العذاب بدون أن يصِل إليهم رسول. فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى [القصص: ٤٨]. قال الله تعالى: فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ، الْحَقُّذكرنا فيما سبق أنَّه الشيء الثابت، وأنَّه فيما يقابل الأوامر هو العدل، وفيما يقابِل الأخبار هو الصدق، والمراد بالحق هنا قال المؤلف: (إنه محمد صلى الله عليه وسلم)، وكأنّه عَدَل به عن المعنى الظاهر منه من أجل قوله: لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى، فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ، هذا الحق مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى، فكأن المؤلف عدَل عن معنى الحق الظاهر إلى أن يكون محمد صلى الله عليه وسلم في هذا. ولكن الصواب: أن المراد بالحق الوحي الذي نَزل على محمد صلى الله عليه وسلم، المراد بالحق الوحي الذي نَزل على محمد، ولهذا قال: فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا، والعِنْدِيَّة تقتضي القرب، وأن يكون ذلك من الله، وهذا لا يتصور أنه محمد صلى الله عليه وسلم، بل هو الحق الذي جاء به. كما أن مثل هذه الآية: فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَافي جميع مواضع القرآن هي مطَّرِدة أن المراد به الوحي الذي نزل على محمد صلى الله عليه وسلم. ويكون قوله: لَوْلَا أُوتِيَ، أي: محمد الذي جاء بهذا الحق، فمعنى الآية هنا ظاهر جدًّا ولا فيه تكلُّف، فكوننا نقول: إن الضمير لَوْلَا أُوتِيَيؤيد أن يكون الحق محمدًا، نقول: لا حاجة إلى ذلك، ما دام جاء الحق، والذي جاء به مَن؟ محمد، فيكون معلومًا أن قولَه: لَوْلَا أُوتِيَيعني محمدًا صلى الله عليه وسلم الذي جاء بالحق، وليس محمدٌ هو الحق. ولهذا ليس من أسماء الرسول عليه الصلاة والسلام الحقّ، نعم هو صلى الله عليه وسلم صادق فيما جاء به من النبوة، ولكنّه جاء بالحق. فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا، الضمير يعود على مَن؟ يعود على مَن جاءهم الرسولُ عليه الصلاة والسلام. (قَالُوا لَوْلَاهلَّا)، ويش معناه على هذا التفريع؟ طالب: تحضيضية. الشيخ: تحضيضية، وليست شرطية، هلا أُوتِيَأي أُعطِي مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَىيعني (من الآيات)، مثلَما أُعطي موسى من الآيات، وهذا الجواب فيه إشكالٌ إذا جعلناه عائدًا إلى قريش؛ لأن قريشًا -كما هو معلوم- قوم أميون لا يعلمون عن الرسل شيئًا، فكيف يعارِضون بقصة موسى؟ أجاب المفسرون عن ذلك بأن قريشًا كانت عندما بُعِث الرسول عليه الصلاة والسلام تُراسِل اليهودَ وتقول: جاءنا رجلٌ يقول: إنه نبي، فما هي علامات الأنبياء عندكم؟ فتخبِرُهم اليهود بعلامات الأنبياء، ولهذا عارضت قريشٌ النبيَّ صلى الله عليه وسلم بالآيات التي جاءت لموسى. ويَحتمِل أن قوله: فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ [القصص: ٤٨] عائدٌ إلى اليهود؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام مبعوثٌ إليهم، ويُؤَيد هذا الاحتمالَ قولُه: أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ [القصص: ٤٨]. ويأتي إن شاء الله بقية الكلام عن الآية. طالب: قوله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ [يس: ٧١]، (...) المخلوق، وهي أن اليد هي آلة العمل. الشيخ: نعم. الطالب: هذا غير موجود في (...). الشيخ: لا، ما نقدر نقول: غير موجود. الطالب: ما قال الله سبحانه وتعالى: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس: ٨٢]، فيدل على أنه يفعل (...). الشيخ: إي، لكن بس يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ. (...) فمعناها حرف وجود الوجود أنها أشبه بالشرطية. ما المراد بالحق في قوله: فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ، أيش المراد بالحق؟ فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى [القصص: ٤٨]، أيش يقول المؤلف في المراد بالحق؟ طالب: المؤلف يقول: إن الحق محمد. الشيخ: المؤلف يقول: إن الحق محمد. الطالب: والصحيح أن الحق القرآن. الشيخ: القرآن الذي جاء به محمد. طيب، قوله: لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى، أيش معنى لَوْلَا؟ طالب: هلَّا. الشيخ: هلَّا، والضمير في قوله: أُوتِيَيعود إلى مَن؟ الطالب: إلى موسى. الشيخ: لا. الطالب: الضمير؟ الشيخ: إي، قال: لَوْلَا أُوتِيَ؟ أي: محمد، لَوْلَا أُوتِيَأي: محمد. قوله: مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى، ما المراد بـمِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى؟ طالب: التوراة. الشيخ: مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَىيعني التوراة؟ الطالب: نعم. الشيخ: ويش المراد بالمثلية؟ مِثْلَليش؟ الطالب: (...). الشيخ: (...) أتى بوحي مثلما أن التوراة وحي. الطالب: محمد. الشيخ: إي نعم، مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَىبأيش؟ الطالب: بالتوراة (...). الشيخ: إي، وأيضًا التوراة في نزولِها جملة واحدة، هم قالوا: مِثل أوتي موسى مِن نزول الوحي جملةً واحدة ومِن الآيات (...)، فهمتم؟ طيب، قال الله تعالى: أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ [القصص: ٤٨]، ما تقول: يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ، الضمير يعود على مَن؟ طالب: (...). الشيخ: يَكْفُرُوا. الطالب: (...). الشيخ: وهل موسى مبعوثٌ إليهم حتى يؤنبوا على الكُفر به؟ الطالب: (...). الشيخ: إي، لكن إذا كفر بها مَن لم تُرسَل إليه ما قال... الطالب: (...). طالب: الضمير يعود إلى الجنس. الشيخ: المراد يعود إلى الجنس، يعني أن آيات موسى ما نفعت أيضًا، كفرَ بها مَن كفر من الناس، أَوَلَمْ يَكْفُرُواأي جنس البشر بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ، فاقتراحكم أن تكون آيات محمد صلى الله عليه وسلم كآيات موسى ليس ذلك بموجِبٍ للإيمان؛ لأن آيات موسى كُفِر بِها. قوله: قَالُوا سِحْرَانِ [القصص: ٤٨]، فيها قراءة ثانية؟ قَالُوا سِحْرَانِ، وأيش القراءة اللي فيها؟ طالب: {سَاحِرَانِ}. الشيخ: نعم، إذا كانت {سَاحِرَانِ} مَن تعني؟ الطالب: تعني (...). الشيخ: وإذا قال: سِحْرَانِ، على قراءة سِحْرَانِ؟ الطالب: تعني (...). الشيخ: وهما؟ الطالب: القرآن والتوراة. الشيخ: القرآن والتوراة، صح، نعم. قوله: تَظَاهَرَا [القصص: ٤٨]، أيش معناها؟ طالب: تعاونا. الشيخ: أي: تعاونا. طيب، قوله تعالى: فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [القصص: ٤٩] ما المراد بالأمر هنا؟ طالب: (...). الشيخ: لا، فَأْتُوا بِكِتَابٍأمر، ما هو للاستفهام: فَأْتُوا بِكِتَابٍ. الطالب: (...). الشيخ: (...) هذا أمر. الطالب: التعجيز. الشيخ: التعجيز والتحدي. قوله: أَهْدَى مِنْهُمَا [القصص: ٤٩]، مِنْهُمَاالضمير يعود على أيش؟ طالب: على التوراة والإنجيل. الشيخ: الإنجيل؟! التوراة؟ الطالب: على التوراة والقرآن. الشيخ: والقرآن. طيب، وما معنى أَهْدَى؟ الطالب: أَهْدَىيعني أكثر هدايةً. الشيخ: أكمل؟ الطالب: أو أكمل هداية. الشيخ: أكمل هداية. طيب، ما الذي جزَم أَتَّبِعْهُ؟ طالب: نعم؟ الشيخ: أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ [القصص: ٤٩]، العين ساكنة مجزومة. الطالب: نعم. الشيخ: أيش اللي جزمها؟
طالب: جواب الطلب. الشيخ: وين الطلب؟ الطالب: فَأْتُوا. الشيخ: فَأْتُوا، نعم، فإذا جعلوا الغاية جوابًا للأمر السابق صار مجزومًا. قوله: فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ [القصص: ٥٠]، ويش تقول؟ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ، يَسْتَجِيبُوا لَكَفي أيش؟ طالب: (...). الشيخ: يعني ما يجيبون كتابًا مِن عند الله هو أهدى مِنهما، إي نعم. قوله: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ [القصص: ٥٠]، وَمَنْ أَضَلُّ؟ طالب: يعني ما أحد أَضَلُّ؟ الشيخ: لا أحد أَضَلُّ. طيب، ما هو الغرض مِن الإتيان بالنفي بصورة الاستفهام؟ الطالب: (...). الشيخ: كيف نجمع بين هذه الآية وبين قوله تعالى: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ [الأحقاف: ٥]، كيف نجمع بين الآيتين؟ هذه تقول: لا أحد أضل مِمَّن اتبع هواه، وتلك تقول: لا أحد أضل ممن يدعو من دون الله. كيف نجمع بينهما؟ يعني كل واحدة تقول: ما أحدَ أضل من هذا. طالب: (...). الشيخ: إي نعم، والثانية؟ الطالب: (...). الشيخ: نعم. طالب: (...). الشيخ: باعتبار أيش؟ الطالب: (...) في مقام الدعاء: لا أضل مِمَّن يدعو من دون الله، في مقام الاتباع، لا أضل مِمَّن يتبع (...). الشيخ: نعم، معناه أنه هنا تُنَزَّل كل الآية على معنى لا يتعلق (...) يعني؟ الطالب: إي نعم. الشيخ: يعني معناه أنها ضلال الغاية باعتبارِ ما هو مِن جنسها؟ الطالب: إي نعم. الشيخ: طيب، هذا واحد. فيه وجه آخر؟ الطالب: (...) الضلال اللي يدعو كل واحد. الشيخ: فهما في مرتبة واحدة. الطالب: في مرتبة واحدة. الشيخ: وهذا والله ما يخالف أنه مثلًا ما فيه شيء يساويه، إذن وَمَنْ أَضَلُّ [القصص: ٥٠] فلا يمنع أن يوجد شيء يساويه في ذلك، فيكون كلٌّ من الأمرين قد بلغ الغاية في الضلال، إي نعم، هذا يعني معناه أنه يُجمع بينها بِأحد أمرين: إما أن يقال إن كلَّهما في منزلة واحدة، أو يقال: وَمَنْ أَضَلُّباعتبار هذا المعنى، نعم، فيكون كل واحد منهما يُنَزَّل على معنى. نرجع الآن إلى استنباط الفوائد: الفائدة الأولى: قال الله تعالى: فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى [القصص: ٤٨] هذه الآية معلوم تفريعها على ما سبق، فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ [القصص: ٤٧]. ففيها: تكذيب دعوى هؤلاء في قولهم: لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ، فإنّه قد جاءهم الحق مع الرسول، ومعَ ذلك كذبوا ولّا لا؟ كذَّبوا، وقالوا: لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى. ففي الآية: تكذيب هؤلاء الذين قالوا: لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ. من فوائدها: أن ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم فهو الحقُّ، والحق بمعنى الشيء الثابت، وهو بالنسبة للأخبار الصدق، وبالنسبة للأحكام العدل. مِن فوائدها: أنَّ ما خالف ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم فهو باطل؛ لقوله تعالى: فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ [يونس: ٣٢]، فكلُّ خبر يَتضَمَّن تكذيب خبرِ الله ورسوله فهو الكذب. فمثلًا إذا قال قائل: أصل الإنسان قرد، ثم تطور فصار إنسانًا، ماذا نقول له؟ كذِبٌ؛ لأنه يُخالِف ما جاء به النبيُّ صلى الله عليه وسلم، نعم. وإذا شرَّع الإنسان قوانين مخالفة للشرع، قلنا: هذا باطل وضلال؛ لأنَّ الحق فيما جاء به الشرع فقط، نعم. من فوائد الآية: بيانُ عُتُوِّ هؤلاء المُكَذِّبين للرسول عليه الصلاة والسلام، عتوُّهم وعنادُهم، وهو أنَّهم كذَّبوا بالحق بعد أن قالوا: لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ [القصص: ٤٧]. ومن فوائد الآية: أن قريشًا عِنْدهم بعض المعلومات عن الرسل السابقين؛ حيث قالوا: لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى. وبأيِّ وسيلة حصلوا على هذا العلم؟ طالب: عن طريق اليهود. الشيخ: عن طريق اليهود؛ لأنهم لما جاء الرسول صلى الله عليه وسلم بُعِث أَرسلوا إلى اليهود يسألونهم عن أخبار هذا الرجل، فكتبوا لهم بما يعرفون من أخباره وبما جاء به موسى .
من فوائد الآية: إثبات رسالة موسى صلى الله عليه وسلم؛ لقولهم: مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى [القصص: ٤٨].
من فوائدها: أن موسى عليه الصلاة والسلام أعطاه الله تعالى آياتٍ يؤمِن على مِثْلها البشرُ، وهذا ليس خاصًّا بِه، بل هو لِكل رسول بعثه الله، لا بد أن يؤتيَه من الآيات ما يؤمن على مثله البشر؛ لأن البشر لا تُصَدِّق رجلًا قال: أنا رسول الله إليكم، آمركم بكذا وأنهاكم عن كذا، واتركوا ما كان عليه آباؤكم مِن عبادة الأصنام، واتركوا ما كان عليه آباؤكم من تحريم الحلال، وما أشبه ذلك. ما يقبلون إِلا بآيات تدُل على صدقه وتُؤَيِّده. طيب، ومنها أيضًا، مِن فوائد الآية: إبطالُ حُجَّة هؤلاء المكذِّبين، إبطال حجتهم: أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ [القصص: ٤٨]. ومن فوائدها أيضًا: أنه ينبغي في مقام المناظَرة والمجادَلة أن يُفْحَم الخَصمُ بإبطال قولِه بقولِه أو بفعلِه، أنه يُبْطَل قولُه بِما جرى مِنه هو، لِماذا؟ لأنَّ ما جرى مِنه لا يمكن أن يُنكِره، ولو أنكره ما قُبِل، فكوننا نُقيم الحجة على الخصم مِن فعلِه وقولِه؛ هذا أبلغ في إفحامه. أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ. ومنها: أنّ طبيعة البشر واحدة، بناء على أن قولَه: أَوَلَمْ يَكْفُرُوا [القصص: ٤٨]، أنّ الضمير يعود على جِنس الإنسان؛ لأن الطبيعة البشرية واحدة. ومنها، مِن فوائد الآية أيضًا: أنّه ينبغي أيضًا عند المُخاصمة أو عند المُناظرة إبطالُ قولِ الخصم بالواقع، أنّك تُبطل قولَ الخصم في الأمر الواقع، ما (...) في الأمر الواقع، فإن الآيات التي جاء بها موسى و(...) هؤلاء كُذِّبَت ولَّا ما كُذِّبَتْ؟ طالب: كُذِّبَتْ. الشيخ: كُذِّبَتْ، ما آمن بها البشر. إذن، فالمدار ليس على جنس الآيات، ولكن المدار على حال المُخَاطَب، وإلا فالآيات قائمة وبَيِّنَة، لكن وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ [يونس: ١٠١]. ومِنها: أن أهل الباطل يُلقِّبون أهل الحق بألقاب السوء تنفيرًا للناس عن قَبولهم، مِنين تؤخذ؟ طالب: سِحْرَانِ. الشيخ: قَالُوا سِحْرَانِأو {سَاحِرَانِ}، {قَالُوا سَاحِرَانِ تَظَاهَرَا} [القصص: ٤٨]، أو سِحْرَانِ تَظَاهَرَا، فسواءٌ وَصفوا ما جاءت به الرسُل بالسحر أو وصفوا الرسُلَ أنفسهم بالسحر، فإنّ المقصود بذلِك التنفير؛ تنفير الناس عن قَبول ما جاءت به الرسل. طيب، هل نقول: إن هذه القاعدة ثابتةٌ لأتباع الرسل؟
طالب: نعم. الشيخ: بدليل قوله: إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (٣٠) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (٣١) وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ [المطففين: ٢٩ - ٣٢]، والله تبارك وتعالى قد جعل لِكُل نبيّ عدوًّا من المجرمين، والعدوُّ من المجرمين عدوٌّ للنبي بشخصه أو عدوٌّ له بوصفه؟ طالب: بوصفه. الشيخ: بوصفه، بدليل أن محمدًا صلى الله عليه وسلم قبل أن تأتيَه الرسالة وهو عند العرب الصادق الأمين، ويرونه أنّه من أفضل بني هاشم وأقومِهم بالعدل، فلما جاء بالحق ويش صار؟ صار الخائنَ الكذوبَ، واضح؟ إذا كان هؤلاء المجرمون يعادون الرسلَ لِوصفهم، فمعنى ذلك أنه هذه المعاداة ستنتقل إلى مَن تابَع هؤلاء الرسل؛ لأنّ المعْنَى الذي حصلت به العداوة موجود أيضًا في أتباع الرسل. وعلى هذا، فيمكن أن نأخذ منه فائدة، وهي: طمأنة أتباع الرسل وتثبيتهم على أنّهم سينالهم مِن ألقاب السوء ومِن المعاداة مِثلُ ما نال الرسلَ، نعم، فعليهم أن يقابِلوا ذلك بالصبر والثبات والقوة، نعم، لا أن ينخذلوا، بل يكونوا كما كان متبوعوهم: فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ [الأحقاف: ٣٥]. ومِنها أيضًا، مِن فوائد الآية: أن التعاون حتَّى على الباطل له تأثير، ولَّا لا؟ التعاون حتى في الباطل له تأثير وتقوية، من أين تؤخذ؟ من قوله: تَظَاهَرَا [القصص: ٤٨]، فإذا كان التعاون في الباطل له تأثير، فما بالك بالتعاون في الحق. وعلى هذا فينبغي لنا، وهي الفائدة التي تترتب على ذلك: ينبغي لنا أن نكون متعاونين فِيما نحن عليه مِن دعوة الحق، وألا يخذل بعضنا بعضًا، نعم، خلافًا لِما كان عليه حال الناس اليوم، فإنهم في هذا الباب ليسوا بمتعاونين، حتى أهلُ الحق وأهلُ الدعوة تجدهم غيرَ متعاونين؛ لأنهم أولًا كل واحد ما همه إلا نفسه، وثانيًا: أنهم رُبَّمَا يختلِفُون في أمر بسيط جُزْئِي من أمور الدِّين، ويتعادَون على ذلك، نعم، يمكن يخالفه في كيفية رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام، هذا يقول: ترفع يديك إلى الأذنين، وهذا يقول: ترفع إلى المنكبين، ثم يقول: أنت على ضلال، وهو يقول: أنت على ضلال. ثم ماذا تصنع هذه الكلمة؟ تصنع الحقد والبغضاء والعداوة. وأنا قد قصصت عليكم قصةَ طائفتين من أهل إفريقيا، كلُّ طائفة تُكَفِّر الأخرى في مسألة بسيطة من مسائل الدين، طائفة تقول: إن السنة أن يضع الإنسان يده اليمنى على اليسرى فوق صدره، وطائفة أخرى تقول: إن السنة أن يرسِل الإنسان يديه إلى جنبِه، كلُّ واحدة تقول للأخرى: أنتِ كافرة ملعونة؛ لأنكِ تركتِ السُّنة عن عمْد وقصْد، والإنسان اللي يكره ما أنزل الله يكون كافرًا. ففيه خصومة عظيمة، وفي وقت الحج هذه الأيام في منى، ويا الله أنه يجتمع ناس من الإخوان من التوعية اجتمعوا عليهم وهدَّؤُوهم وبينوا أن هذا ما يجوز؛ لأن هذا ضرر عليكم أنتم يا أهل الحق؛ لأنكم إذا كفَّر بعضكم بعضًا أيش تصيرون على أهل الخرافات وأهل البدع، نعم، المكفِّر (...) كافر. فنقول: إن التعاون له تأثير بالغ، وأظنكم تعرفون في نقض الصحيفة التي كَتَبَتْ قريش في مقاطعة بني هاشم، كيف نقضوا هذه الصحيفة؟ ما جاء واحد من الناس ينقضها، ما يستطيع، لكنه ذهب إلى فلان وقال له يوبِّخه، فقال: بنو هاشم قوم منكم كيف ترضون أن تقاطعوهم حتى يموتوا مِن الجوع، وذهب إلى آخر وإلى ثالث ورابع، حتى إنهم كوَّنوا جماعة فذهبوا إلى هذه الصحيفة من الكعبة ومزَّقوها . فإذن التعاون أساس النجاح، مثلما قال العامة، وانظر إلى كلمة المجرمين، يقولون: سِحْرَانِ تَظَاهَرَا [القصص: ٤٨]. طيب، ثانيًا: من فوائد الآية: بيان عُتُوِّ هؤلاء أيضًا من جهة أنهم لم يؤمنوا بالأمرين، وقالوا: إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ [القصص: ٤٨]. ومنها أيضًا: أن تقديم المعمول في قوله: بِكُلٍّ كَافِرُونَأيش يفيد؟ الحصر، مع أنهم كفروا به مع غيره، لكن سبق أن قلنا: إن هذا الحصر المقصود به إغاظة الخصم، كأنهم يقولون: لو آمنا بكل شيء ما كفَرنا إلا بهما. وإلَّا معلوم أنهم يكفرون به وبغيره، وهذه فائدة قليلٌ مَن ينتبه لها، وهو أنه إذا كان الشيء غيرَ محصور في هذا الشيء ولكنَّه حُصِر فيه، فلا بدَّ أن هناك غرضًا، الغرض هنا: الإغاظة، كأنهم يقولون: نحن وإنْ آمنا بكل شيء، فنحن كافرون بِما جئتم به: إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ. قال الله تعالى: قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [القصص: ٤٩]. في هذه الآية من الفوائد: أنه مِن العدل التنزُّلُ مع الخصم إلى حال يُقِرُّ بها، فإنه من المعلوم أن الله سبحانه وتعالى يعلم أنه لا يمكن أن يأتوا بما طُلب منهم، أو لا؟ حين طلب منهم أنهم يجيبون كتاب أهدى مِن التوراة والقرآن، والله يعلم أنهم لن يأتوا بذلك أو لا؟ كيف يقول للرسول: قُلْ فَأْتُوامع أنه يعلم أنّه ما يمكن؟ هذا مِن باب التنزل مع الخصم إلى غاية ما يكون مِن العدل، كأنه جعلَه مع خصمه شيئًا واحدًا، فيقول: أنتم هاتوا كتابًا أهدى من التوراة والقرآن أتَّبِعه، أنا ألتزم باتباعه، فإذا لم يأتوا معناه: يلزمهم أن يتبعوا التوراة والقرآن، ولَّا لا؟ يلزمهم ذلك، يعني ما دام أنِّي أنا ملتزِم لهم بأنكم إذا أتيتم بكتاب أهدى منهما بأن أتبعه، فأنتم يجب عليكم أن تتبعوا ما دام ما وجدتم. إذن فيه التنزل مع الخصم، وأن ذلك مِن تمام العدل في المناظَرة. ومن فوائد الآية أيضًا: إفحام الخصم بالتحدي، ولو أنكم قرأتم آخر سورة الطور لوجدتم فيها شيئًا غريبًا من المناظرة، من قولِه: فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ [الطور: ٢٩]، إلى قوله: حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ [الطور: ٤٥]، تجِدون يعني آدابًا كثيرة مِن المناظرة: أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ [الطور: ٣٨]، إن كان الأمرُ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ [الطور: ٣٨]، أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ [الطور: ٣٣]، إن كان الأمر كذلك فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ [الطور: ٣٤]، فالمناظرة، يعني الله سبحانه وتعالى في ختام المناظرة يجعل الخصم مُفحَمًا بتحديه بما لا يستطيع، فهنا ما يستطيعون أن يأتوا بمثله فتقوم بذلك عليهم الحجة. ومِن فوائد الآية: أن التوراة والقرآن من عند الله، فيكون القرآن والتوراة كلامَ الله، لكن القرآن نَزَل وحيًا، والتوراة نزلت كِتَابةً، كتبها الله في ألواح ألقاها إلى موسى.
ومن فوائد الآية أيضًا: أنه لا يلزم الإنسان الانتقال عمَّا كان عليه إلى غيره، إلَّا إذا كان أهدى منه. أنا ما يلزمني الانتقال مثلًا من مذهب الحنابلة إلى مذهب الشافعية حتى أرى أنه أصوب؛ لأنه قال: ما يجب الاتباع إلا إذا كان ما جاءوا به أهدى منه، أما إذا كان مساويًا فأنتم لا تلزموني، وأنا لا ألزمكم إذا كان مساويًا، إنما الإلزام متى؟ حينما يكون ما جاء به الخصمُ أهدى مِمَّا أنا عليه. وهذه فائدة مهمة جدًّا، وهي: لا يَلزَم الإنسانَ الانتقالُ مما هو عليه مِن طريقة ومذهب إلا إلى مَن هو أصوب وأحسن وأهدى منها، أمَّا عند التساوي فإنه لا يُلزَم ولا يُلَام أيضًا إذا لم يَنتقل، وإما أيضًا إذا كان ما فيه غيره أدنى فإنه من باب أولى لا يلزم. طيب، فالمراتب الآن ثلاثة: إما أن يكون ما تُدْعَى إليه أدنى مما أنت عليه، أو أهدى، أو مساويًا. إن كان أهدى، أيش الواجب؟ يلزَم الاتباع. وإن كان أدنى حَرُم الاتباع. بقينا إذا كان مساويًا هل يلزَم الاتباع أو يحرُم أو يُخَيَّر به الإنسان؟ العلماء يقولون في مثل هذه الحال: يُخيَّر الإنسان، قالوا: وإذا أفتاه عالمان ولم يكن أحدُهما عنده أرجح فإنه يُخيَّر في اتِّباع أيِّ القولين شاء. وربما يُؤخَذ مِن هذه الآية، ربما يُؤْخذ حكم هذه المسألة مِن هذه الآية؛ لأنه ما أوجب الله الاتباع إلا إذا كان أهدى، ومعلومٌ أنه إذا كان أدنى كان الاتباع محرمًا، فيبقى المُساوي ليس إلى جانب التحريم وليس إلى جانب الوجوب، وهذه مرتبة التخيير. ومنها أيضًا، من فوائد الآية: الأمر أن التحدي أيضًا يكون بالوصف كما يكون بالفعل، فَأْتُوا [القصص: ٤٩] تحدٍّ بفعل ما هم بآتين به، إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَتحدٍّ بالوصف، إن كنتم من الصادقين أن ما أنتم عليه حق فأتوا بهذا، وإلا فأنتم مِن الكاذبين، ولهذا قال: أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [القصص: ٤٩]. قال الله تعالى: فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [القصص: ٥٠]. قوله: فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ، أي: فإن انتفت استجابتهم لك. ففيه: جواز التعليق بالشرط فيما هو محقق الوقوع، أو ما فهمتم هذا؟ طالب: إي نعم. الشيخ: يعني معناه فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ، هذا أمر محقَّق الوقوع، فهل يظن الظانُّ أن فيه احتمالًا أن يستجيبوا؟ طالب: لا. الشيخ: ما فيه، ما يظن. إذن فنقول: جواز تعليق الشيء المحقَّق بالشرط، ولو كان محققًا أنه لن يكون، وكذلك ولو كان محققًا أنه كائن، فإن هنا الانتفاء كائنٌ لا محالة، ومع ذلك عُلِّق بالشرط، وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ» ، يقوله لأهل المقابر، فمعلومٌ أن هذا الأمر؟ طالب: مُحَقَّق. الشيخ: مُحَقَّق، نعم. ومنها أيضًا: أن هؤلاء المكذِّبين للرسول صلى الله عليه وسلم ليس عندهم حُجة سوى اتباع أهوائهم؛ لقوله: فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ [القصص: ٥٠]. وهل معنى ذلك أي: فلا تجادِلْهم؟ لأن المتَّبِع هواه مشكل مُكابِر، اللي يتبع هواه مكابر ما تقدر تقنعه، ما دام أنه ما هو بيريد الحق، وإنما يريد أن ينتصر لنفسه فقط ويتَّبِع هواه، فأعتقد أن مثل هذا الرجل ما يمكن أن يُجَادَل، لو جادلتَه ما دام صاحب هوى ما فيه فائدة. فهل نقول: إنه يُستفاد من هذه الآية: أنه إذا عُلم بأن المجادَل يريد اتباع هواه فإنه لا فائدة من جداله؛ لأنه إضاعة وقت؟ نعم، نقول هكذا؛ لأنه قال: فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ، يعني: ولا فائدة من جدالهم، فإذا كنتَ بيَّنت للإنسان الحق ووضحته بأدلته النقلية والعقلية والحسية حسب ما هو موجود من الأدلة، ولكنه أصر إلا أن يبقى على ما كان عليه، فاعلم أنه متبع لهواه، والمتبع الهوى مشكل، ما هو بإنسان يتطلب الهدى، ما يمكن ينتفع. ولهذا نقول في هذه الحال: لا يجب على المرء مجادلتُه، وإنما ينتقل إلى شيء آخر، وهو معاقبته: وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ [العنكبوت: ٤٦]، فالمعاند غير مَن يريد اتباع الحق ولم يَظهر له، المعاند له حال، وقد قال الله تعالى: فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى [الأعلى: ٩]، يعني: وإنْ لم تنفع فلا تُذَكِّر، وهذه تَقدم الكلام عليها هل هذا الشرط له مفهوم أو ليس له مفهوم؟ طالب: (...)؟ الشيخ: لا، (...) ما دام تجادلتم أمام الناس اتضح الحق، ما هو معنى أنه يتصل ويتكلم بالباطل وتسكت؛ لأنه إذا ما سمعته يتكلم بالباطل يجب أن الناس تعرف الحق وتغيير هذا الباطل. لكن إذا كنت جادلته أمام الناس وتبين الحق وهو أبى، ما عندك شيء، ما فيه فائدة من مجادلته. طالب: (...)؟ الشيخ: لا، هو على كل حال نحن ما نقول: جادِل عند الناس، لكن أحيانًا يكون الجدال عند الناس، تكون عند ناس في مجلس ويبدأ البحث ويحصل النقاش، هل نقول: إن هذا الرجل إنك تسكت وتخليه؟ لا، يجب عليك أنك تقاوم بالذي عندك، نعم. كذلك لو سمعته مثلًا يتكلم في مجمع ويُقَرِّر الباطل، يجب عليك أنك تتكلم بالحق، إي نعم. ومِن فوائد الآية: اختلاف الناس في الضلال، أن الناس يختلفون في الضلال، فليسوا على حدٍّ سواء في الضلال، كما أنهم ليسوا على حدٍّ سواء في الهدى، وليسوا على حد سواء في الغيِّ، وليسوا على حد سواء في الرُّشْد، أو لا؟ الناس على حد سواء في هذه الأمور؟ طالب: لا. الشيخ: لا، ولهذا قال: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ [القصص: ٥٠]، ففي هذا دليل على أن الناس يتفاوتون في الضلال، ولكن ما هناك أحد أضل مِن هذا الذي اتبع هواه بغير هدًى من الله. ومنها أيضًا، من فوائد الآية: أنَّ الهوى قد يكون موافِقًا للهدى. منين نأخذه؟ طالب: هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى. الشيخ: هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ [القصص: ٥٠]، أمَّا مَن اتبع هواه بِناء على هدى من الله، فهذا طيب أن يكون هواه تبعًا لما جاء به الحق، هذا طيب، وقد ذكرنا لكم الحديث المروي عن النبي عليه الصلاة والسلام: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعًا لِمَا جِئْتُ بِهِ» ، فالحاصل أن الهوى المذموم هو الذي ليس على هدى. طيب، ومن فوائد الآية: أنَّ الظالم قد عرَّض نفسه لِحِرمانه من الهدى، أو إن شئت فقل: إن الظلم سبب لِحرمان الظالم مِن الهدى؛ لقوله: إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [القصص: ٥٠]، فالظالم هو الذي حَرَمَ نفسَه الهدى. (...) وقوله: إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي، والقدرية يرون أن الإنسان يُمكن أن يهتدي بنفسه، وليس لله تبارك وتعالى عليه أيُّ سلطة؛ لأنهم - والعياذ بالله - القدرية، ويش يقولون بالنسبة لقدر الله؟ طالب: أن الأمر أنف. الشيخ: إي نعم أن الأمر أُنُف، بمعنى أن الله ما قدَّر أفعال العباد، وإني أنا أفعل وأترك باختياري المجرد المحض، وليس لله فيه أي مشيئة ولا خَلْق ولا شيء، لكن إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [القصص: ٥٠] يرد عليهم، كما أنه أيضًا يرد على الجهمية الجبرية الذين يقولون بالجبر؛ لأن الله تعالى نسَبَ هؤلاء -بفعلهم- إلى الظلم، ولو كانوا مجبَرين عليه لكانت نسبةُ الظلم إليهم ظلمًا، والله تبارك وتعالى لا يظلم أحدًا. ففي الآية إذن: ردٌّ على القدرية، ورد على مَن؟ ورد على الجبرية، والجبرية جهمية، يعني الجهمية مِن مذهبهم الجبر، وفيهم ثلاث جِيمات، كما قال ابن القيم في النونية: الجهمية فيهم ثلاث جيمات، كلهم جيمات ذم، أيش هي؟ جبر وإرجاء وجيم تجهُّم، فهم جبرية مرجئة جهمية، نعم، الله يكفيك شر الجيمات الثلاثة، نعم، الجهمية والجبرية والمرجئة. على كل حال، في الآية الكريمة: ردٌّ على الطائفتين الضالَّتين، وهما: القدرية والجبرية، والقدرية يُنكِرون قدَر الله بالنسبة لأفعال العبد، والجبرية بالعكس. إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ. طيب، ومن فوائد الآية: أنّ مَن تحرى العدل فإنه قد تعرَّض للهداية؛ لأن الظلم ضده العدل، وانتفاء الهداية بوصف الظلم يقتضي ثُبوت الهداية بوصف العدل. فمن تحرى العدل فإنه يُوَفق للهداية، فالعدل سبب للهداية. وهكذا كل من تحرى الخير - بس عسى الله يوفقنا لتحريه - كل من تحرى الخير فإنه يُوفَّق له إذا كانت النية صادقة والعزم أكيد. طالب: (...)؟ الشيخ: يقولون: إن الإنسان له إرادة مستقلة ما لله فيها دخل، ما لله دخل فيها على الإطلاق. (...)
تفسير الآيات (٥١-٥٤)
٠٠:٤٨:١٩
{وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} [القصص: ٥١]. وَصَّلْنَامن التوصيل، وحروفها الأصلية (وصل)، والوصول إلى الشيء: بلوغ غايته، والمعنى أن الله سبحانه وتعالى يؤكِّد في هذه الجملة يؤكد بحروف ثلاثة، وهي القَسَم واللام و(قد)، أنّه وصل لهم القول. وقوله: وَصَّلْنَا لَهُمُ، المعروف أن (وصل) تتعدى بـ(إلى)، فيقال: (وصَل إليه)، ويقال: (وصَّل إليه)، و(أوصَل إليه) هذا المعروف. وهنا عُدِّيَت باللام، تعديتها باللام؛ لأنها تضمنت معنى الوصول والبيان، ولهذا قال المؤلف في تفسيرها: (بيَّنَّا لهم). وقد مر علينا أن اللغة العربية قد تُعدي الفعل، أو بعبارة أعم: قد تعدي العامل بغير ما يَتَعَدَّى به، لماذا؟ ذكَرنا أن لِعلماء النحو في ذلك طريقين؛ الطريق الأول: التجوز بالحرف، والطريق الثاني: التجوز بالفعل. فمثلًا هنا أَوضحُ مثال لكم قوله تعالى: عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ [الإنسان: ٦]، العين يُشرب بِها ولَّا منها؟ طالب: منها. الشيخ: يُشرَب منها، الذي يُشرب به الإناء، نعم، لكن العين يُشرب مِنها، والآية الكريمة قال الله فيها: عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ، فمعلوم أن الفعل هنا عُدِّى بغير ما يَتعدى به، فقال بعضُ النحويين: إن التجوز بالحرف، وإن الباء بمعنى (مِن)، فتكون تبعيضية. وقال بعض النحويين: بل التجوز بالفعل (يشرب)، وأنه ضُمِّن معنى (رَوِيَ، يَرْوَى)، فمعنى يَشْرَبُ بِهَاأي: يَرْوَى بها إذا شرب منها. وهذا في الحقيقة (...) مذهب البصريين، يرون أن هذا التجوز وأن يعبر بالتجوز موافقةً لهم في التعبير. فهنا نقول: وَصَّلْنَا لَهُمُ، المعروف أن (وصَل) أو (وصَّل) يتعدى بأي شيء؟ (وصَل) ويش يتعدى به؟ بأي حرف من حروف الجر؟ طالب: يتعدى بـ(إلى). الشيخ: بـ(إلى)، وهنا عُدِّي باللام، فنقول: إما أن تكون اللام بمعنى (إلى)، وإما أن نجعل (وصَّل) مشربًا معنى؟ طالب: البيان. الشيخ: البيان، مشربًا معنى البيان، المعنى: وَصَّلْنَاإليهم ببيان. وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ، (القول) يقول المؤلف: (القرآن). ولعله أعمّ مما قال المؤلف، وأن مراد (القول) أي قولنا، نعم. فالله تعالى ما يزال يُنَزِّل لعباده سبحانه وتعالى مِن قوله ووحيه ما تصلح به أمورهم. أقول: ما زال الله تعالى يوصل القول إلى عباده وهو الوحي، إلى أن وصل إلى محمد صلى الله عليه وسلم، إلى القرآن. وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ [القصص: ٥١]، يعني: ما أغفلناهم، بل ما زالت أقوالنا تصِل إلى الخلق وتُبيِّنُ لهم لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ. (لعل) هنا للتعليل أو لأجل أن يتذَكَّروا، والتذكر بمعنى ذِكر الشيء، لكن لا لمجرد الذِّكْر، ولكن للاتعاظ به، ولهذا المؤلف رحمه الله دائمًا يفسِّر (يتذكرون) بلازمه، وهو الاتِّعاظ، وإلا أصل التذكر (تذكرتُ الشيء) أي: كنت مِنه على ذِكْر، لكن هناك لازم وهو الاتعاظ، أما مُجرد الذِّكر بدون اتعاظ فهذا لا ينفع، والمؤلف يقول: (يتعظون) أي تُؤَثِّر فيهم الموعظة والقول (فيؤمنون). قال الله تعالى: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ [القصص: ٥٢]، آتَيْنَاهُمُبمعنى أعطينا، فالإيتاء هنا شرعي ولَّا قدري؟ شرعي، إيتاء شرعي، ويَحتمل أن يكون آتَيْنَاهُمُإيتاءً قدريًّا، يعني قدَّرنا أن يأتيهم الكتاب وهو الوحي فأتاهم. وقوله: الْكِتَابَبمعنى المكتوب، والمراد به التوراة، وكذلك الإنجيل، التوراة والإنجيل كُلُّها تُسَمى كتابًا. وقوله: مِنْ قَبْلِهِالضمير يعود على القرآن، آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِأي: مِن قبل القرآن. هُمْأي: الذين آتيناهم. بِهِ(أي: بالقرآن). يُؤْمِنُونَأي: يُصَدِّقُون ويَنقادون له. الإعراب الآن: الضمير مبتدأ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ، وجملة آتَيْنَاهُمُصلة الموصول، وهُمْمبتدأ ثانٍ، وبِهِ يُؤْمِنُونَخبر المبتدأ الثاني الجملة، والجملة من المبتدأ الثاني والخبر، ابدأ بها؟ طالب: هُمْ. الشيخ: إي، صحيح. هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ [القصص: ٥٢]، الجملة من المبتدأ الثاني وخبرِه خبرُ المبتدأ الأول، والفائدة من تكرار المبتدأ: لأجل أن يكون إسناده، كأنَّ إسنادَ الإيمان إليهم مرتان، كأنه قال مرتين: مرة بالضمير هُمْ، ومرة بالمبتدأ الأول الَّذِينَ، ما هو (...)؟ طالب: إي نعم. الشيخ: طيب، هُمْ بِهِوأتى بقوله: يُؤْمِنُونَ، بالفعل المضارع الدالِّ على الاستمرار إشارةً إلى أنهم تلَقَّوه عن قبول وإذعان، وأنهم ما زالوا على هذا الأمر. وهذه الجملة بالنسبة لِما قبلها في المعنى كأنّها إقامة دليل على الذين كَذَّبوا بالقرآن، يعني كأنه يقول: (الذين أوتوا الكتاب من قبلكم آمنوا بالقرآن)، مما يدل على أيش؟ على أنه حق ولَّا باطل؟ على أنه حق؛ لأنهم هم مع أنهم أهل كتاب ترَكُوا كتابهم وآمنوا بالقرآن، وأنتم أهل جهل وليس لديكم كتاب، فكان حقًّا عليكم أن تكونوا أيش؟ قبْلهم في الإيمان؛ لأنه من الصعب أن الإنسان ينتقل من كتابه أو مِن دينه إلى دين آخر، لكن ليس من الصعب أن الإنسان ينتقل من جهل إلى حق وعِلم. ثم إنه فيه أيضًا، في هذا تأنيب لهؤلاء، فيه أيضًا دليل على أنه حق؛ لأن الذين أوتوا الكتاب ما آمنوا به إلا عن علم، وهو كذلك، فإِنه ما فيه شك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مكتوبًا عند بني إسرائيل في التوراة والإنجيل: يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ [البقرة: ١٤٦]، حتى أوصافه الخِلقية موجودة عندهم، بقطع النظر عن منهاجه وسيرته: يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ [الأعراف: ١٥٧]، هذا كله موجود في التوراة والإنجيل ومعروف، ولِهذا تجمَّع اليهود في المدينة من أجل أن يستقبلوا هذا النبيَّ الذي وجدوا صفته عندهم فيؤمنوا، وَكَانُواكما قال الله تعالى: وَكَانُوا مِنْ قَبْلُأيش؟ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا، أي: يستنصرون عليهم بهذا النبي، فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ [البقرة: ٨٩]. فالحاصل أنه في هذه الآية، أقول: إنها وَجْهُ تَعلُّقها بما قبلها من وجهين: الوجه الأول: تأنيب هؤلاء الجاهليِّين، ويش؟ على الكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم، معَ أن أهل الكتاب وهم على دين انتقلوا من دينهم إلى دينه، فكنتم أولى باتباعه. والوجه الثاني: أنه إقامة دليل على صحة ما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأن هؤلاء الذين عِنْدهم علمٌ من الكتاب ما انتقلوا إلا عن علم بأنّه حق، فالمناسبة واضحة جدًّا بين هذه والنصوص التي قبلها. ولا ريب أيضًا أن في هذه الآية ثناءً على الذين آمنوا بالرسول عليه الصلاة والسلام مِن الذين أوتوا الكتاب، ولِهذا (...) هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ، فلم يستكبروا عنه معَ أنّ لديهم كتابهم. طالب: (...)؟ الشيخ: لا، يعني قوله: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ [القصص: ٥٢] (...). الطالب: طيب يا شيخ لماذا ما قال (...)؟ الشيخ: (...) للجنس، ينفي القول، (...) هذا الكتاب (...) يقول: مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ [القصص: ٤٦]، نعم؟ الطالب: ولا نهي؟ الشيخ: ولا نهي، ولا نفي، لكن هذه من باب الجنس، يعني معناه أننا ما تركناهم، بل إن القول وصل إليهم كما وصل إلى غيرهم، مثلما قلنا في تفسيرها: إن الله ما زال سبحانه وتعالى يُنزل الكتب على من سبق. قال: (أيضًا)، أيش لون (أيضًا)؟ (هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَأيضًا)، ويش لون (أيضًا)؟ طالب: يعني كذلك. طالب: يعني اللي بعدهم. الشيخ: يعني كما آمنوا بكُتبهم، و(أيضًا) يقولون: إنها من الأسماء الملازِمة للنصب على المصدرية؛ لأن فعلها (آضَ، يَئِيضُ، أَيْضًا) مثل: (باع، يبيع، بيعًا)، وإنَّ معناها رجع، نعم، فالمعنى: أنهم هم أيضًا يُؤمنون بالقرآن، قال المؤلف: (نزلت في جماعة أسلموا من اليهود كعبد الله بن سلام وغيرِه، ومِن النصارى قدِموا مِن الحبشة ومِن الشام)، وكذلك مِن غير الشام. (أسلموا من اليهود مثل عبد الله بن سلام)، واشتهر عبد الله بن سلام بالإسلام وهو مِن اليهود؛ لأنه كان حبرًا من أحبار اليهود، وكان كما قال اليهود عنه في حضرة النبي عليه الصلاة والسلام: إنه خيرهم وابن خيرهم، وسيدهم وابن سيدهم ، معترفين له بالفضل والعلم والسيادة، فلهذا كانوا يضربون به المثل؛ لأن مثل هذا يا جماعة الذي يكون سيدًا في قومه قد تَحمِله السيادة على (...)، وقد يحمله أيضًا حبُّ الرياسة على عدم الاتباع لغيره؛ لأنه إذا تبِع غيره صار مرؤوسًا لا رئيسًا، ولَّا لا؟ لكنه رضي الله عنه (...) تواضع للحق فكان مؤمنًا بالرسول عليه الصلاة والسلام. وقصة إيمانِه معروفة؛ فإن الرسول خبَّأهُ، ودعا اليهود، وسألهم عنه، وأثنوا عليه، وسألهم عن رسالة الرسول فكذَّبوا الرسولَ عليه الصلاة والسلام، فقال لهم: «مَا رَأْيُكُمْ لَوْ أَسْلَمَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلَامٍ؟» قالوا: حاشاه من ذلك، ما يُسلم؛ لأنه من خيرهم، فخرج وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فما خرجوا إلا وهم يثنون عليه شرًّا؛ لأنه أسلم . كذلك نزلت في (جماعة من النصارى قدموا من الحبشة)، هذا ما أعرف له مثالًا، تعرفون له مثالًا؟ قدِم النصارى من نجران وأسلموا، وفيهم نزلت: وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ [المائدة: ٨٣]، ولكن الحبشة معروف أنه أسلم فيها نصارى، مثل مَن؟ مثل النجاشي، فإنه أسلم ودخل دين الإسلام وهو على دين النصرانية، ووصفه النبيُّ عليه الصلاة والسلام بأنه أخ للصحابة، وأنه رجل صالح، وهو كذلك، يعني: أخ لهم ورجل صالح. فالمهم على كل حال ما يهمنا أعيان الذين أسلموا، المهم أن مِن الذين أوتوا الكتاب من اليهود والنصارى قومًا آمنوا بالقرآن أيضًا. (وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْالقرآن قَالُوا آمَنَّا بِهِ [القصص: ٥٣]). ما شاء الله، وإذا يتلى قالوا، (إذا) كما نعرف شرطية، وجواب الشرط متصل بفعله مباشرةً، أو لا؟ طالب: بفعل الشرط. الشيخ: إي، بفعل الشرط، جواب الشرط متصل بفعله مباشرة، أو لا؟ الطالب: يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا. الشيخ: أسألكم، هذه قاعدة عامة: جواب الشرط يكون متصلًا بفعلِه مباشرة؟ طالب: ما هو بلازم. الشيخ: بمعنى أنه متى وُجِد فعل الشرط وُجِد جوابه، ما هو معناه الاتصال اللفظي؛ الاتصال الوقوعي، إذا وُجِد الشرط وُجِد المشروط، نعم، أخذتم بالكم؟ وطبعًا على حسب الحال يعني، ما هو معناه أنه قد يكون فورًا، قد يكون حتى في المستقبل، فهنا يقول: وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ [القصص: ٥٣]، وَإِذَا يُتْلَى، لم يقل: (إذا تُلِي)، فمعنى ذلك أنه أيّ آية تتلى عليهم يقولون: آمنا بها، ما آمنوا بالقرآن جملةً، آمنوا بالقرآن تفصيلًا؛ لأنَّ الفعلَ المضارع أيش يدل عليه؟ يدُل على الاستمرار، فكلما تُلِيَت عليهم آية آمَنُوا بها فزادتهم إيمانًا. وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْأي يقرأ عليهم قَالُوا آمَنَّا بِهِ، مع تردُّد ونظر وتفكير ولَّا على طول يؤمنون؟ طالب: على طول يؤمنون. الشيخ: على طول؛ لأنه قلنا: إن جواب الشرط يلي فعل الشرط مباشرةً: وإذا يتلى قالوا آمنا به، أي: بالذي تُلِي عليهم مِن القرآن قليلًا كان أو كثيرًا. ثم بيَّنوا أن إيمانهم هذا عن اقتناع وعلى أساس: إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا [القصص: ٥٣]، إِنَّهُأي: ما تُلِي عليهم من القرآن، الْحَقُّبمعنى: الشيء الثابت الواقع الصادق خبرًا العادل حكمًا. وقولهم: مِنْ رَبِّنَا، ولم يقولوا: مِن الله؛ لأن الرب هو الذي له التصرف المطلق، فهو يتصرف بعباده شرعًا، ويش بعد؟ طالب: وقدرًا. الشيخ: وقدرًا، يتصرف بهم شرعًا وقدرًا، فكأنهم يقولون: إن ربنا لن يخلينا من أن يُنزِل القرآن، وله الحكم والتصرف المطلق كونًا وشرعًا. وقولهم: مِنْ رَبِّنَا، هذا إشارة إلى أنهم رضِي الله عنهم يفتخرون بانتسابهم إلى الله، مِنْ رَبِّنَا. وقوله: إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا، الجملة من حيث المعنى محلها مما قبلها؟ طالب: تعليلية. الشيخ: تعليلية، يعني: آمَنَّا بِهِلا لأنه أعجبنا حُسنه وبيانه وبلاغته، ولكننا آمنا به لأنه الحق من ربنا. فإذا قال قائل: (إنه) إذا كانت تعليلية، فلماذا لا تُفتح الهمزة: أنه الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا؟ لأن الجملة التعليلية على تقدير اللام، واللام إذا اتصلت بـ(إن) وجب فتح همزتها، فتقول: لِأن ذلك كذا، ولا تقول: لإن ذلك كذا، قال الله تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ [المؤمنون: ٦٠]، ولم يقل: إنهم إلى ربهم. فهنا لماذا لم تكن تعليلية؟ قلنا: الجملة التعليلية قد تكون تعليلية من حيث المعنى فقط، يعني يلاحَظ بها المعنى فقط، وقد تكون تعليلية يُلاحَظ فيها اللفظ مع المعنى، فإن لُوحِظ معها اللفظ مع المعنى فإنها تُفتح الهمزة؛ لأنها على تقدير اللام، وإن لُوحِظ المعنى فقط فإنها تُكْسر الهمزة. وهنا لُوحِظ أيش؟ طالب: المعنى. الشيخ: المعنى فقط، لوحظ المعنى فقط. وملاحظة المعنى وملاحظة اللفظ أيهما أوْلَى؟ نقول: لكل مقام مقال، فملاحظة المعنى فائدتها أن الجملة تكون من حيث اللفظ منقطعةً عما قبلها، فكأنها جملة خبرية مستقلة، وكأنها منقطعة عن اللفظ، لكن إفادة التعليل مِن السياق. وأما التعليلية اللفظية، فإنها تكون مرتبطة بما قبلها، وإذا شئتم ما يوضح ذلك فاقرءوا قول ابن مالك: (فاكسر في الابتدا)، فهذا هو الفرق بين الجملة التعليلية التي قُصد بها اللفظ والمعنى، أو التي قُصد بها المعنى فقط. إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ [القصص: ٥٣]، مِن قَبْل أيش؟ مِن قبل القرآن، إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِأي: من قبل القرآن. مُسْلِمِينَ، قال المؤلف: (موحِّدِين)، ولو أنه فسر الإسلام بظاهره لكان أولى؛ لأن الإسلام معناه الاستسلام والانقياد، وأصله من عدم المعارضة والمحاربة، ولهذا يُقال: السِّلم والإسلام، يعني معناه عدم المعارضة والمحاربة. فكلمة مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَأي: منقادين مذعنين للحق. وقولهم: إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَليس المراد بذلك الفخر والإعجاب بالعمل قطعًا؛ لأن السياق سياق ثناء، ولكن المراد بذلك الثناء على الله بما كانوا عليه في الحالَين؛ في الحال السابقة وفي الحال الثانية، في الحال الثانية: وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ [القصص: ٥٣]، والحالة الأولى كانوا من قبله مسلمين منقادين متبعين للرسول الذي جاء إليهم. طيب، ويش إعراب مُسْلِمِينَ؟ طالب: خبر يا شيخ (كان). الشيخ: خبر (كان)؟ الطالب: نعم. الشيخ: إي، خبر (كان) ولَّا مِنْ قَبْلِهِهو الخبر؟ الطالب: لا، مُسْلِمِينَ. الشيخ: إي، مُسْلِمِينَهو الخبر، نعم، ولو تقدَّم عليه مِنْ قَبْلِهِ؛ لأن الخبر ما تحصُل به الفائدة، سواءٌ تقدم أو تأخر. قال الله تعالى: أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا [القصص: ٥٤]. أُولَئِكَالمشار إليهم مَن؟ الذين أوتوا الكتاب ثم آمنوا بالرسول صلى الله عليه وسلم، أوتوا الكتاب من قبل فآمَنوا به ثم آمَنوا بالرسول. يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْأي: يعطون أَجْرَهُمْ، وهذه فيها شاهد لدرس البارحة، أو لا؟ يعطون أَجْرَهُمْ، درسنا في النحو؟ طالب: إي. الشيخ: (...)؟ الطالب: لا، هذه يُؤْتَوْنَمن باب الكسر. الشيخ: من باب الكسر، إي نعم. الطالب: (...). الشيخ: مقام الفاعل؛ لأنه (...) المفعول، وهو الواو، نائب فاعل يُؤْتَوْنَوالمفعول الثاني؟ وين المفعول الثاني من يُؤْتَوْنَ؟ أَجْرَهُمْنعم. وأما قوله: مَرَّتَيْنِفإنه مفعول مطلق، يعني أنه دال على المصدر لكنه بغير لفظه، كل ما دل على المصدر بغير لفظه فهو مفعول مطلق. (مَرَّتَيْنِبإيمانهم بالكتابين) فهم يُؤتون أجرَهم مرتين، المرة الأولى على الإيمان بالكتاب السابق، والمرة الثانية على الإيمان بالقرآن، وأما أهل الجاهلية الذي آمنوا بالقرآن فيُعطَون أجرهم مرة واحدة؛ لأنهم ما آمنوا مرتين. وقد ثبت بهذا الحديثُ عن النبي عليه الصلاة والسلام إضافةً لهذه الآية، فإن النبي عليه الصلاة والسلام ذَكَر الذين يؤتون أجرهم مرتين الرجل الذي آمن بالكتاب الذي نَزَل إليه ثم آمن بما أُنزِل على محمد، والرجل يُعتِق المرأة ويتزوجها، والثالث العبد الذي أحسن في عبادة الله وفي معاملة مواليه . قال: يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا [القصص: ٥٤] الباء للسببية، و(ما) مصدرية. وما معنى المصدرية أو ما علامتها؟ علامتها أن تُحوَّل (...) ما بعدها إلى مصدر، فهنا نقول في التحويل كما قال المؤلف: (لصبرهم)، وأسألكم الآن: هل تصح أن تكون (ما) اسمًا موصولًا؟ طالب: (...). الشيخ: الجملة بِمَا صَبَرُوايصح؟ الجملة بِمَا صَبَرُوا، يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِبالذي صَبَرُوا؟ لا، ما يصِح؛ لأنه أيش معنى (بالذي صبروا)؟ ثم لو كانت موصولة لكانت على تقدير الضمير: (بالذي صبروه)، وهذا ما يستقيم. فإذن هنا يتعين أن تكون مصدرية، أي: (بصبرهم)، وهو أحد محامل (ما) العشرة، نُكرِّرها لأجل تبقى في أذهانكم. طالب: حافظها. الشيخ: حافظها، اقرأها علينا. الطالب:
مَحَـــــــامِلُ (مَا) عَــــشْرٌ إِذَا رُمْتَ عَــــــدَّهَا
فَحَافِظْ عَلَى بَيْتٍ سَلِيمٍ مِنَ الشِّعْرِ
سَتَفْهَمُ شَرْطَ الْوَصْلِ فَاعْجَبْ لِنُكْرِهَا
بِكَـــفٍّ وَنَفْيٍ زِيــدَ تَعْظِـــــيمُ مَصْـــــــدَرِ
الشيخ: إي، ما شاء الله، أعيدها، نعم، طيب:
سَتَفْهَمُ شَرْطَ الْوَصْلِ فَاعْجَبْ لِنُكْرِهَا
بِكَـــفٍّ وَنَفْيٍ زِيـــدَ تَعْظِــــيمُ مَصْــــــدَرِ
اللي يعنينا مِن هذا البيت قوله: (مصدر). وقوله: بِمَا صَبَرُواأي: (بصبرهم على العمل بهما)، وهذا الصبر على العمل بهما هل هو مِن باب الصبر على طاعة الله، أو مِن باب الصبر عن معصية الله، أو مِن باب الصبر على أقدار الله؟ طالب: (...). الشيخ: إي نعم، نقول: هو الثلاثة تجتمِع، بِمَا صَبَرُواعلى طاعة الله، فإن الشرع فيه أوامر شاقَّة على النفوس تحتاج إلى معالجة، فهذا صبر على طاعة الله. في الشرائع نواهٍ نُهِي عنها، قد يشُقُّ على النفس تركُها، ففيها صبر أيش؟ عن معصية الله. كذلك أيضًا في الشرائع إيذاء، فإن المجرمين يؤذون المؤمنين، وربما يضربونهم، وربما يقتلونَهم، أليس كذلك؟ وهذا صبر أيش؟ طالب: على أقدار الله. الشيخ: على أقدار الله المؤلمة. فعلى هذا يكون الصبر على الشرائع يتضمن الصبر بأنواعه الثلاثة: الصبر على طاعة الله، وعن معصيته، وعلى أقداره المؤلمة، أو لا؟ طالب: نعم. الشيخ: طيب، بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ [القصص: ٥٤]، وأصل الصبر في اللغة الحبس، ومنه قولهم: (قُتِل فلان صبرًا) أي: محبوسًا على القتل، أُمسِك وقُتِل، فمعنى الصبر: حبس النفس، والنفس تحتاج إلى حبس على طاعة الله سبحانه وتعالى؛ لأنه كم من إنسان يقول له ضميرُه: افعل كذا من الطاعة، وربما يفعل البعض ثم يعجز فلا يصبِر نفسه. وكذلك بالنسبة للمعاصي، فإن النفس المطمئنة تزجُر المرءَ عن المعصية، ولكن تأتيها النفس الأمارة بالسوء فتأمره بالمعصية، وحينئذٍ تتصارع النفسان، والتوفيق بيد الله عز وجل. كذلك بالنسبة للأقدار: مِن الناس مَن لا يصبر على الأقدار، بل إذا نزل به القدر يمكن - والعياذ بالله - يكفر، كما قال الله عز وجل: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ [الحج: ١١]، فإن بعض الناس قد لا يصبِر على الأقدار المؤلِمة، وتجده يقنط، فيه ناس يقال: إنهم إذا أصيبوا بالمصائب انتحروا! هؤلاء غاية في الصبر؟! طالب: لا. الشيخ: لا؟ بالعكس: ما فيهم صبر، هؤلاء ما صبروا على الأقدار فقَتلوا أنفسهم ليُعَذَّبُوا بما قَتلوا به أنفسهم في نار جهنم - والعياذ بالله - ويُخَلَّدُون فيها. لكن الصبر على الأقدار المؤلمة هذا أمر يمكن للإنسان أن يصبر عليه ويعني يُحاسِب نفسه حتى يستقيم في أفعاله. فالمهم أن الصبر إذن ثلاثة أقسام: صبر على طاعة الله، وعن معصيته، وعلى أقداره المؤلمة. أيهما أعلى وأكمل؟ طالب: على طاعة الله. الشيخ: إي، من حيث (...) على طاعة الله، الصبر على الطاعة أفضل؛ لأن فيه جهادَين: جهاد على العمل، وجهاد على تحمُّل العمل. ثم الصبر عن المعصية؛ لأنه (...) جهاد واحد، على العمل ولَّا على تحمل تركه؟ تحمُّل تركه، ما فيه عمل، يقال: لا تزن، نعم، ما أُمِرت وكُلِّفت بفعل شي. الصبر على الأقدار المؤذية أو المؤلمة هو أدناه؛ لأنه صبرٌ على ما لا اختيار للمرء فيه، كما قال بعض السلف: إما أن تصبر صبر الكرام، وإما أن تَسْلُوَ سُلُوَّ البهائم. كل إنسان إذا أُصِيب بمصيبة وطال عليها الزمن تبقى في نفسه ولَّا لا؟ ينسى، يسْلُوَ سُلُوَّ البهائم، البهيمة مثلًا تجدها (...)، لكن لو يحط لها علفًا جيدًا وماءً جيدًا نسيت، فإما أن تصبر صبر الكرام وإما أن تسْلُوَ سُلُوَّ البهائم. ولهذا كان صبرُ يوسف على تَرْك الزنا بامرأة العزيز أكملَ من صبره على ما حصل من قضية إخوانه له بلا ريب، ولهذا قال الله تعالى: كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ [يوسف: ٢٤]، ولم يقل مثلَ هذا حين ألقوه في غيابات الجب. طالب: قلنا: إن الصبر على الطاعة يكون أعظم من الصبر عن المعصية. الشيخ: نعم. الطالب: ولكن المعاصي كثرتها (...). الشيخ: إي، يؤلمك لكنه شيء بِغير اختيارك. الطالب: (...). الشيخ: بغير اختيارك، يعني أنت المعاصي تركتَها باختيارِك. الطالب: إي نعم. الشيخ: تقدر تفعلها لكن ما فعلتها، أما هذا ما تقدر ترفع البلاء. الطالب: (...). الشيخ: البلاء الذي نزل عليك ما ترفعه، فأنت افرض نزل بإنسان بلاء هل يقدر يرفعه إذا قام يخبِّط وجهه ولَّا يشقق ثوبه. الطالب: لا، ما يقدر. الشيخ: ما يقدر. الطالب: لكن لو صبر واستسلم (...). الشيخ: لا؛ لأن الاستسلام للشرع أفضل مِن الاستسلام للقدر، الاستسلام للشرع هو الذي يُمدَح عليه الإنسان ويحمد ويُثنى عليه، لكن الاستسلام للقَدَر كلُّ الناس يستسلمون للقدر، حتى يعني، أما تسمع قول الجاهلي:
وَتَجَلُّـــــدِي لِلشَّامِتِـــــينَ أُرِيهُــمُ
أَنِّي لِرَيْبِ الدَّهْرِ لَا أَتَضَعْضَعُ
حتى الكفار الآن يعني أفعالهم تنزِل بهم المصائب، ولكن يقول: ما يهم، يصبِر ويكابد وهو كافر، ما يرجو بذلك الأجر ولا الثواب. طالب: بس فيه وجه يا شيخ (...) الصبر على المشاق، الصبر على الطاعات يمرن الإنسان عليه بالتدريب، يعني خلاص يأخذ عليه. الشيخ: نعم. الطالب: مثل التمرن على الصلاة، على الصيام، (...). الشيخ: إي نعم. الطالب: لكن إذا طرأت له مصيبة عظيمة كـ(...) مثلًا. الشيخ: نعم. الطالب: هذا شيء ما تمرن عليه؟ الشيخ: إي، بس قد يتمرن عليه إن أُصِيب (...) لا يتمرن، حتى العبادات مثل الحج ما يأتي إلا مرة واحدة في العمر. الطالب: إي نعم. الشيخ: فلذلك يعتبر صبرًا على الطاعة، مع مشقته البدنية والمالية والأمنية، مسألة للوقوع وعدم الوقوع هذا شيء آخر، مع أننا نقول: هل الرجل يكابد الطاعة ويجد من نفسه مشقة في معالجتها عند فعل الطاعة وإنسان آخر تمرَّن على الطاعة فصارت يعني أمرًا سهلًا عليه، أيهما أفضل؟ طالب: مَن سهل عليه. الشيخ: أما الأول فهو أشق عملًا، والثاني أكمل حالًا، الثاني الذي صارت الطاعةُ كأنها سجية في نفسه، هذا لا شك أنه أكمل حالًا من الأول؛ لأن هذا كأن الطاعة صارت غريزة مِن محبته لها وسهولتها عليه، لكن الأول أشق عملًا، فيُعطَى هذا أجرَ الكُمَّل، وذاك يُعْطَى أجرَ الصابرين؛ لأنه فيه نوع من المكابدة والمشاق. والعلماء مختلفون في هذه المسألة أيهما أفضل؟ ولكن الصواب هذا التفصيل، فيقال: الذي يفعل الطاعة وهي سهلة عليه وينقاد لها بدون مكابَدة، هذا لا شك أنه أكمل حالًا من الأول بلا ريب، والثاني أشق عليه فيُعطَى الأجر على قدر المشقة النفسية. الآن شوف مثلًا واحدًا يحضر للدرس بسهولة وانقياد ويرى أنه غنيمة، وآخر لا، يكابد نفسه (...) يطلع مثلًا مِن البيت لأجل أن يحضر الدرس، أيهما أكمل حالًا؟ طالب: الأول. الشيخ: الأول، وإن كان الثاني يُؤْجر على فعله، لكن الأول أكمل حالًا وأقرب منزلة. طيب، أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ بِمَا صَبَرُوا [القصص: ٥٤]، والباء في قوله: بِمَا صَبَرُواليش هي؟ للسببية، أي: بسبب صبرهم. وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ [القصص: ٥٤]، يدرءون: (يَدْفَعُونَ) بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ. السَّيِّئَةَمفعول به، والباء في قوله: بِالْحَسَنَةِهذه باء الآلة، مثلما تقول: (ذبحت بالسكين، وضربت بالعصا) فعندنا دارِئٌ ومَدْرُوء ومدروءٌ به، مَن الدارئ في الآية؟ طالب: (...). الشيخ: لا، في الآية، من الدارئ؟ العاملون، والمدروء؟ طالب: السيئة. الشيخ: السيئة، والمدروء به الحسنة، كما تقول: (ذبحت بالسكين)، فعندنا: ذابح ومذبوح ومذبوح به الآلة، فالحسنة لهم بمنزلة الآلة التي يتوصلون بها إلى غرضهم. وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ، السَّيِّئَةَيقول المؤلف: (منهم)، فإذا فعلوا سيئةً أتَوا بعدها بحسنة فاندفعت السيئة، هذه الحسنةُ المدروء بها السيئة تنقسم إلى قسمين: قسم تُزيل السيئةَ من باب المقابلة، وقسم آخر تُزيل السيئةَ من باب المحو والإزالة -أخذتم بالكم يا جماعة؟- الحسنات التي تُدْرأ بها السيئات تنقسم إلى قسمين: قسم من باب المقابلة، وقسم من باب المحو والإزالة، فإن كانت الحسنةُ المدروء بها السيئة، إن كانت توبةً، والتوبة من الحسنات ولَّا لا؟ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ [البقرة: ٢٢٢]، إن كان من باب التوبة فهو من باب المحو والإزالة، وإن كانت حسنةً أخرى كما لو دَفَع السيئاتِ بالصلاة: وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ [هود: ١١٤]، فهذا الدرءُ من باب؟ طالب: المقابلة. الشيخ: من باب المقابلة، يعني أن ثواب الحسنة يُقابَل بعقوبة السيئة، من باب الموازنة، فإذا رجَح ثوابُ الحسنة انمحت السيئة، وإلا فلا. أيهما أكمل؟ أي الدَّرْأينِ أكمل؟ الأول ولَّا الثاني؟ الأوَّل أكمل؛ لأنه إذا حصل الأولُ صارت الحسنة الثانية زيادة رفعة في الدرجات، ما هو بمقابلة بالسيئة. ثم إنه إذا كان الدرء من باب المقابلة، فقد تضعف الحسنةُ الثانية، الحسنةُ تَضعف عن مقابلة السيئة، فصار الدرء بالتوبة أكملَ من الدرء بفِعل حسنة أخرى تُقابِل السيئة، وكِلا الأمرين يحصل بهما الدرء. وقول المؤلف: (منهم). يعني في الحقيقة أن هذا الكلام وجيه، لكن لو قلنا: إنها أعم، وأنهم يدرؤون بالحسنة والسيئة مِنهم ومِن غيرهم. كيف مِنهم ومِن غيرهم؟ يعني إذا أُسِيئَ إليهم دفعوا الإساءة بالإحسان، فيكون هنا ثناءً عليهم من حيث معاملتهم مع الخلق، يصلُح ولَّا ما يصلح؟ يصلح، قال الله تعالى: وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ [فصلت: ٣٤، ٣٥]. وعلى هذا فنحمِل الآية على المعنيين: يدرؤون بالحسنة السيئة بالنسبة لما يقع منهم في عبادة الله، ويدرؤون بالحسنة السيئة بالنسبة لما يقع من غيرهم في المعاملة. إذا عُوملوا، أساء إليهم أحد، قابلوه...