تفسير سورة القصص - ٥
درس صوتي · ٨٤:١٥
جارٍ تجهيز الصوت
انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها
إعدادات
اختصارات لوحة المفاتيح
محتوى الدرس
(قِطْعَة وَشُعْلَة مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ [القصص: ٢٩])؟ (تَسْتَدْفِئُونَ). قوله: لَعَلِّي آتِيكُمْ [القصص: ٢٩]، (لعل) هنا للتوقع ولَّا للترجي؟ طالب: للترجي. الشيخ: للترجي؛ لأنه يتمنى أن يحصُل له هذا الأمر. آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ [القصص: ٢٩]، (آتي) هنا فعل ماضٍ ولَّا فعل مضارع؟ طالب: فعل مضارع. الشيخ: فعل مضارع آتِيكُمْ، وأصلها (أأتيكم)، بمعنى: أجيئكم. ما هي بـ(آتِي) اسم فاعل؟ الإتيان مصدر. طالب: نعم. الشيخ: إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ [الأنعام: ١٣٤]، فهنا (آتِي) ما تصلح اسم فاعل؟ لا، ما تصلح؛ لأنها هنا يُريد الفعل، لا يُريد أن يبين أنه متصف بالإتيان، والدليل أنك لو حوَّلتها إلى معناها لقلتَ: (لعلي أجيئكم)، فـ(أجيئكم) واضح أنها فعل مضارع، فليست هنا اسم فاعل. وقوله: لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا، أي مِن هذه النار، ومعلوم أن النار نفسها لا تُعطي خبرًا، ولكن المراد من عندها؛ لأن النار عادةً لا تشتعل إلا وعندها أُناس.
وقوله: بِخَبَرٍ، المؤلف يقول: (عَن الطَّرِيق وَكَانَ قَدْ أَخَطَأَهَا)، وهذا ممكن أن يكون، وممكن أن يكون أعم من كونه عن الطريق؛ عن الطريق، وعن ما بقي من المسافة، وعن كل شيء، (خَبَر) نكرة. وقوله: أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ [القصص: ٢٩]، يقول: (بِتَثْلِيثِ الْجِيم)، اقرأها بتثليث الجيم، اقرأها على التثليث. طالب: بجِذوةٍ. الشيخ: تمام. الطالب: وبجَذْوة. الشيخ: إي. الطالب: وبجُذوة. الشيخ: (جِذوة، وجَذوة، وجُذوة)؛ هذا التثليث، فإذا قالوا: مُثَلَّث أو بتثليث، فمعناه أنه تجوز فيه الحركات الثلاث، أما إذا قالوا: بالمُثَلَّثَة، فهذه غير المثلث. وأيش معنى المثلثة؟ طالب: الثاء. الشيخ: الثاء، يعني عليها ثلاث نقاط، فإذا قيل: بالمثلثة يعني بالثاء لا بالتاء، وإذا قيل: بتثليث كذا؛ فالمعنى تجوز فيه الحركات الثلاث. ما هي الجذوة؟ قال: (قِطْعَة وَشُعْلَة مِنَ النَّارِ)، يعني معناه: يأتي بعود في طرفه نار مشتعلة؛ هذه الجذوة. وقوله: مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ [القصص: ٢٩]. (لعل) هذه للتعليل، أي: لأجل أن تَصْطَلُوا، وقد مر علينا أن (لعل) لها عدة معانٍ، الأول: الترجي، والإشفاق، والتوقع، والتعليل، هذه معاني (لعل). قال: (لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَتَسْتَدْفِئُونَ)؛ لأن الصَّلِي معناه: الاحتماء بالنار، فالاصطلاء إذن الاحتماء بها وهو الاستدفاء، وهذا دليل على أنهم كانوا في برد، ولَّا لا؟ طالب: إي نعم. الشيخ: في برد. يقول: (وَالطَّاء بَدَل مِنْ تَاء الِافْتِعَال)، هذه هي علة تصريفية. ويش هي تاء الافتعال؟ التي تدل على فعل الشيء. (اصطلى) أصله؟ طالب: اصتلى. الشيخ: اصتلى، وتَصْطَلُونَأصلها (تصتلون)، مثل: تبتغون، ولكنه القاعدة التصريفية في اللغة العربية: أنه إذا وقعت تاء الافتعال بعد الصاد فإنها تُقلب طاء، فيقال: (اصْطَلَى) بدل (اصْتَلَى)، ويقال: تَصْطَلُونَبدل (تَصْتَلُون). منين مأخوذة؟ (من صَلِيَ النار بِكَسْرِ اللَّام وَفَتْحهَا).
(بكسر اللام) صلِي النار وفتحها: صلَى النار. إذن من (صَلِيَ) كـ(رَضِي)، أو من (صلَى) كـ(رمَى)، ففيها لغتان في اللغة العربية. في القرآن الكريم: لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى [الليل: ١٥]، من أي البابين؟ من باب (رضِي يرضَى) أو (رمَى يرمِي)؟ طالب: (رمى يرمي). الشيخ: لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى، من أي البابين؟ طالب: من (رضِي). الشيخ: من (رضِي)، لو كانت من (رَمَى) لكان لا يَصْلِيها، كما يُقال: لا يَرْمِيهَا. إذن، فالقرآن يدل على ما قدمه المؤلف من أنها بكسر اللام أفصح، أو لا؟ الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى [الأعلى: ١٢]، يَصْلَىولم يقل: يصلِي، مع أنه يجوز باللغة العربية. قال المؤلف رحمه الله.. طالب: صَلَى بالنار. الشيخ: إي، من صَلَى بالنار، أنا قلت: النار. فَلَمَّا أَتَاهَا [القصص: ٣٠]. طالب: يا شيخ، قوله في سورة أخرى: لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى [طه: ١٠]، ما يعني هنا (...)؟ الشيخ: إلا إذا، لكن نحن إذا قلنا: إن الخبر أعم من ذلك، ما هو معناه أنه ينفي هذا الشيء، ويدل على أنه كان يحتاج إلى دليل، وقلنا: إن الظاهر أيضًا أن السماء مُغِيمة، وإلا لكان يعرف النجوم؛ لأنه راعٍ وقد بقي ثماني سنوات ويعرف غالب النجوم، لكن ما يبعد أنها كانت مُغِيمة السماء.
وقوله: فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ [القصص: ٣٠].
(لما أتاها) يعني جاء إلى النار ووصل إليها. نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِنُودِيَالنداء: هو دعاء الشخص بصوت مرتفع، والمناجاة: المُسَارَّة بصوت منخفض، وقد قال الله تعالى: وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا [مريم: ٥٢]، فموسى نُودِي من بُعْد، ثم قَرُب فنُوجِي. وقوله: نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ، كلمة نُودِيَمبنية للفاعل ولَّا للمفعول؟ طالب: للمفعول. الشيخ: مبنية للمفعول، ومَن الذي ناداه؟ الله، كما في آيةٍ أخرى: إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى [النازعات: ١٦]، فهنا حُذِف الفاعل لأي غرض؟ طالب: (...). الشيخ: للعلم به؛ لأنه معلوم أن الذي ناداه هو الله، بدليل: إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [القصص: ٣٠]. وقوله: (نُودِيَ مِنْ شَاطِئِجانب)، شاطئ الشيء: جانبه، ومنه شاطئ النهر، شاطئ النهر يعني جانب النهر. وقوله: الْوَادِ، الوادي: مجرى الماء، يعني مجرى الشيء يُسَمَّى واديًا؛ لأنه فيه جَمْع، والوَدْي: الجمْع، فعليه يكون مجرى الشيء واديًا. وقوله: مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ، كلمة الْأَيْمَنِصفة لـالْوَادِولَّا صفة لـ(الشاطئ)؟ طالب: لـ(الشاطئ). الشيخ: ويش الدليل؟ الطالب: لأن للوادي شاطئين. الشيخ: إي، الوادي له شاطئان، لكن ما عندنا واديان أحدهما أيمن والثاني أيسر، ويدل على ذلك قوله تعالى: وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ [طه: ٨٠]. إذن كلمة الْأَيْمَنِصفة لـشَاطِئِ، أي: من الشاطئ الأيمن؟ الْأَيْمَنِيقول المؤلف: (لِمُوسَى). معلوم؛ لأنه منادى، هو مثلًا أمامه وادٍ أو هو في نفس الوادي، الأيمن منه هو الذي على يمينه، على يمين موسى. (فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ [القصص: ٣٠] لِمُوسَى)، فِي الْبُقْعَةِ، ويش هي الْبُقْعَةِ؟ طالب: الأرض. الشيخ: أصلها الْبُقْعَةِ [القصص: ٣٠] الشيء المتميز عن غيره، ومنه: بُقَع الماء في الثوب مثلًا، فـالْبُقْعَةِمعناها يعني الجانب من الأرض الذي له ميزة مثلًا بأشجار أو شبهها. وقوله: الْمُبَارَكَةِأي: التي باركها الله سبحانه وتعالى، والبرَكة -كما مر علينا- هي الخير الكثير الثابت. طالب: الْبُقْعَةِما هي اللي ما فيها شجر يا شيخ؟ الشيخ: لا، هذا كالقاع. الطالب: عندنا يسمونها بقعة يا شيخ (...) يعني اللي ما فيها شجر نقول: هذه بقعة ما فيها شجر. الشيخ: إي، لا، هذا يسمى القاع. الطالب: (...). الشيخ: إي، بـ(...). طالب: بوسط المكان (...). الشيخ: إي، يسمى؟ طالب: بقعة. الشيخ: لا، هذا ممكن اللغة عرفية. قوله: الْمُبَارَكَةِمعناها التي أحل الله فيها البركةَ، والبركةُ الخير الكثير الثابت؛ لأنه مُشتق من بِركة الماء، وبِركة الماء تكون مَجْمَعًا له مع ثبوته فيه. والبَرَكة من الله سبحانه وتعالى، وليس شيءٌ مباركٌ لشخصه، بل لِما أنزل الله فيه من البركة، وقد مر علينا بحْث في كون الإنسان يَتَبَرَّك به، مثل ما يقول الناس فيه: (زُرْنا نتبرك بك)، فهل هذا صحيح ولَّا لا؟ قلنا فيما سبق: إن كان الْمُراد البَركة الشخصية فهذا ليس بصحيح إلا للنبي صلى الله عليه وسلم، وإن كان المراد بالبَركة ما يحصل منه من منافع عِلمية أو مالية فإن هذا صحيح، فإن بعض الناس قد يكون مجلسه مُبَاركًا ينفع الحاضرين إما بالذِّكر، وإما بالعلم، وإما بالمال، وإما بالآداب والأخلاق، هذه بَركة لا شك. وبعض الناس يكون بالعكس مشئومًا على جليسه، كما أن من الناس أيضًا من يكون مِفْتاحًا للخير ومِغْلاقًا للشر، ومنهم من يكون بالعكس. وقوله: الْمُبَارَكَةِ [القصص: ٣٠]، لكن المؤلف قيدها قيدًا حسنًا، قال: (الْمُبَارَكَةِلِمُوسَى)، فهي مباركة في ذلك الوقت بالنسبة لموسى، أما بعد ذلك فليس لها صِبْغة دينية وليست مقدسةً بعد ذلك، فهمنا أن هذا خاص في وقت تكليم موسى. ومنه أيضًا غار حراء مثلًا، غار حراء بالنسبة للرسول صلى الله عليه وسلم مبارك للرسول متى؟ حين نزول الوحي عليه فيه، أما بعد ذلك فليس له صبغة دينية؛ ولهذا من البدعة أن الإنسان يذهب إلى غار حراء ليزورَه تعبدًا، وكذلك غار ثور، أما إذا كان يزوره اطلاعًا فقط؛ فإن هذا لا بأس به ولا حرج؛ لأنه ما يريد التعبد، فمِن هذه الأماكن اللي ما يثبت لها قدسية عامة تكون قدسيتها خاصة متى؟ طالب: في حينها. الشيخ: في حينها فقط، ولِمَن هي له أيضًا، وأما لغيره فلا يكون لها هذا الحكم. ولهذا من أحسن ما مشى عليه المؤلف تقييده هنا: (لِمُوسَى لِسَمَاعِهِ كَلَام اللَّه فِيهَا)؛ لسماعه كلام الله في هذه البقعة، ولا شك أن الاستماع إلى كلام الله عز وجل لا يشبهه أيُّ استماع؛ لأن الإنسان يجد فيه من لَذَّة المناجاة ما لا يجده في أي مناجاة أحد؛ لأنه أحب شيء إلى الإنسان، ومعلومٌ أن الإنسان كلما خاطب محبوبَه صار أشد تلذذًا بكلامه معه، مع أن كلام الله لا يشبهه كلام. (لِسَمَاعِهِ كَلَام اللَّه فِيهَا)، وكلام الله سمعه من الله ولَّا من الشجرة؟ طالب: من الشجرة. الشيخ: لا، سَمِعَه من الله حين تكلم به، وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة، وخالف في ذلك الأشاعرةُ فقالوا: إن كلام الله هو المعنى القائم بالنفس، وإن ما يُسمع مخلوق خلقه الله عز وجل ليُعبرَ به عما في نفسه. وعلى هذا فيكون موسى ما سمِعَ كلام الله، إنما سمِع ما هو عبارة عن كلام الله. وخالف في ذلك أيضًا المعتزلة والجهمية، وقالوا: إن كلام الله مخلوق، يَخلق سبحانه وتعالى أصواتًا فيما أراد، إما في جبريل، وإما في الشجرة، وإما في الأرض، فتُسمَع هذه الأصوات فيُنسَب الكلام إلى الله من باب التشريف والخَلق والتكوين. وعندما نُمحِّص الأمر، نجد أنه لا فرقَ بين الأشاعرة والمعتزلة في هذا الباب، والسبب؛ لأن الكل مُتفقون على أن ما يُسْمَع فهو مخلوق، وليس هو كلام الله، ففي الحقيقة لا فرْق بينهما، لكن الأشاعرة تلطفوا في الأمر وقالوا: إن الكلام معنى قائم بالنفس يُعبَّر عنه بالأصوات، لا يُعبِّر المتكلم يَخلُق ما يَدُل عليه. ولا ريب أن مذهب أهل السنة والجماعة هو المذهب الصحيح الموافق للنقل والعقل، يقولون: إن كلام الله يُسمَع من الله، وإنه -أي كلام الله- بحرف وصوت، أما الحرف فهو ما يَتكلم به تبارك وتعالى مما يستعمله الناس في نُطقهم، في المخاطَبِين، وأما الصوت فإنه لا يشبه أصوات المخلوقين، وكيف يُشبه أصوات المخلوقين وهو سبحانه وتعالى إذا تكلم بوحي صعقتِ الملائكة وارتجفت السماوات حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ [سبأ: ٢٣]. قال: (مِنَ الشَّجَرَةِبَدَل مِنْ شَاطِئِبِإِعَادَةِ الْجَار لِنَبَاتِهَا فِيهِ). نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ [القصص: ٣٠]، يصير هنا تخصيص بعد تعميم، أو بعد تخصيص؟ فيه عندنا الآن تخصيص بالنسبة لجانب الشاطئ، ويش التخصيص فيه؟ طالب: الأيمن. الشيخ: أنه الأيمن، وفيه أيضًا تخصيص ثانٍ بالنسبة للشاطئ، وهو أنه مِنَ الشَّجَرَةِ، نُودِيَمِنَ الشَّجَرَةِ، أي: من ناحيتها، وليس معناه أن النداء من الشجرة، المعتزلة، يقولون: إن النداء من الشجرة، وإن الشجرة خُلِق فيها صوت سمعه موسى على أنه كلام الله. ولكن المراد مِنَ الشَّجَرَةِ، أي: من ناحيتها وجِهَتِهَا، بدليل ما يأتي: إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [القصص: ٣٠] هل يمكن تقوله الشجرة؟ طالب: لا. الشيخ: ما تقوله، ولو قالت الشجرةُ: إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ، لقال لها موسى: كذبتِ. ولكن الذي يقول ذلك هو الله سبحانه وتعالى، وقوله: (لِنَبَاتِهَا فِيهِ وَهِيَ شَجَرَة عُنَّاب أَوْ عَلِيق) أو (عُلَيْق) ما أعرف ضبطها (أَوْ عَوْسَج). (أو) هذه لتنويع الخلاف، ولكن نحن لا يهمنا أن تكون هذا أو هذا، المهم أنها شجرة نُودِي منها عليه الصلاة والسلام. والنداء: (أَنْمُفَسِّرَة لَا مخففة يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ). (أَنْ [القصص: ٣٠] مفسرة) والمفسرة هي التي بمعنى (أي)، وهي التي تأتي مُفَسِّرة لما فيه معنى القول دون حروفه. (مفسرة) بمعنى أيش؟ طالب: (أي). الشيخ: بمعنى (أي)، وهي التي تأتي مفسرة لما فيه معني القول دون حروفه. ويش معنى (لما فيه معنى القول دون حروفه)؟ يعني: بكلمة فيها معنى القول لا حروف القول. النداء فيه معنى القول ولَّا حروفه؟ طالب: معناه. الشيخ: معناه، ما فيها: (قيل له)، بل فيها نون، فتكون مُفسِّرة. فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ [المؤمنون: ٢٧]. فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ، (أَنْ) هذه مُفَسِّرة ولَّا مخففة؟ طالب: مُفَسِّرة. الشيخ: مفسرة؛ لأنها أتت لما فيه معنى القول -وهو الإيحاء- دون حروف القول، وقول المؤلف.. طالب: كيف يا شيخ دون الحروف؟ الشيخ: يعني دون حروف القول، القول اللي هو (قاف، واو، لام). الطالب: يعني (...)؟ الشيخ: لا، معناه أنها تكون مُفسِّرة لفعلٍ فيه معنى القول لا حروف القول، يعني مثلًا لو قال: قيل له: أَنْ يَا مُوسَى، ما تكون في معنى المفسرة؛ لأن فيها حروف القول، لكن نُودِيَتكون أَنْمفسرة؛ لأن فيها معنى القول؛ ولهذا سميناها مُفسِّرة؛ لأنها فَسَّرَت النداء بالقول، إذ إن مدخولها: أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ [القصص: ٣٠]، مدخولها قول ولَّا لا؟ قول، يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُهذا قول، فلهذا نقول: إنها (مفسرة)؛ لأنها فسرت معنى الفعل حيث تضمن القولَ دون حروف القول. وقوله: (لا مخفَّفة)، (مخففة) منين؟
طالب: من الثقيلة. الشيخ: من الثقيلة، فلا تصِح أن تكون مخففة؛ لأنه ينطبق عليها معنى التفسيرية؛ هذه واحدة، وأيضًا الْمُخَفَّفَة تحتاج إلى تقدير، أيش اللي بيقدر؟ طالب: ضمير الشأن. الشيخ: يُقدر اسم اللي هو ضمير الشأن، والأصل. طالب: عدمه. الشيخ: عدم التقدير. وقول المؤلف: (لا مخففة) أشار إلى نفيه؛ لأن بعض المعرضين يقولون: إنها مخففة. يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [القصص: ٣٠]. إِنِّي أَنَا اللَّهُ، يعني الذي أخاطبك، أَنَا اللَّهُفبدأ بالألوهية؛ لأنها هي المقصود. وقال: رَبُّ الْعَالَمِينَ، ثنَّى بالربوبية؛ لأن الربوبية في الحقيقة وسيلة إلى الألوهية؛ ولهذا مَن أقرَّ بالربوبية لزِمه أن يُقِر بالألوهية، وإلا كان متناقضًا، والله تعالى يحتج على المشركين بالألوهية، يَحتج عليهم دائمًا بإقرارهم بالربوبية؛ لأن من أقر أن الله ربُّه فإنه يقال له: إذن يجب أن تعبد هذا الرب، إذَا عبدتَ معه غيره فإنك لم تَصدُق بإقرارك بربوبيته، فهما متلازمان؛ ولهذا قال الله سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [البقرة: ٢١]، فجعل الخَلْق الذي هو مِن مقتضى الربوبية دليلًا مُلزمًا لعبادته، اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ. إِنِّي أَنَا اللَّهُ، ماذا تعربون أَنَا؟ طالب: خبر المبتدأ. الشيخ: خبر المبتدأ؟! ما يمكن الضمير يصير خبرًا أبدًا. طالب: بدل من الضمير. الشيخ: بدل؟ الطالب: من (...). الشيخ: لا، تصح ضمير فصل؟ طالب: نعم، فصل. الشيخ: ضمير الفصل يفصل بين الخبر والصفة، وهذا ما يعنيه، لو قال: (إني اللهُ) لاشتبه الأمر، فالظاهر لي أنها مبتدأ: إِنِّيأي المتكلم أَنَا اللَّهُ [القصص: ٣٠]، كما قال: إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا [طه: ١٤]، فهي مبتدأ واللَّهُ [القصص: ٣٠] خبره، وجملة المبتدأ والخبر في محل رفع خبر (إن). وقوله: رَبُّ الْعَالَمِينَ [القصص: ٣٠] خبرٌ ثان لـأَنَا. ورَبُّ الْعَالَمِينَما معنى الرب؟ هو الخالق. طالب: الخالق المدبِّر.
الشيخ: المالِك المُدَبِّر لجميع الأشياء. وقوله: الْعَالَمِينَ [القصص: ٣٠] الْمُراد بهم مَن سوى الله، وجَمعَهم باعتبار أصنافهم، وإلا فالعالَم: كلُّ ما سوى الله فهو عالَم، لكن جُمعوا (عالَمين)؛ لأنه فيه مثلًا عالَم الإنس، عالَم الجن، عالَم البهائم، عالَم الملائكة، فجُمعوا باعتبار أجناسهم. وهذه الربوبية عامة ولَّا خاصة؟ عامة، وقد مر علينا أن الربوبية تنقسم إلى عامة وخاصة، كما أن العبادة أو العُبودية تنقسم إلى عامة وخاصة، وقد اجتمعا في قوله تعالى: قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٧) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ [الشعراء: ٤٧، ٤٨]. فقوله: بِرَبِّ الْعَالَمِينَهذه العامة، ورَبِّ مُوسَى وَهَارُونَخاصة. طالب: في آية أخرى: إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ [طه: ١٢]؟ الشيخ: إي نعم، نحن نتكلم عن مثل الآية هذه إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [القصص: ٣٠]. وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ [القصص: ٣١]. طالب: شيخ، ذكرت أنه في مذهب أهل السنة والجماعة أن الله يتكلم بحرف وصوت. الشيخ: نعم. الطالب: وأن الحرف من جنس الحروف التي يستعملها الناس. الشيخ: التي يتكلم بها الناس. الطالب: ما يقتضي هذا التشبيه؟ الشيخ: لا، لا يقتضي التشبيه؛ لأن الحروف هذه ما هي بصفة لله، صفةُ الله الصوت، أما الحروف فإنها منطوق بها وليست نطقًا، ما فيها تشبيه.
الطالب: فائدة ذكر الشجرة: مِنَ الشَّجَرَةِ [القصص: ٣٠]؟ الشيخ: فائدة ذكر مِنَ الشَّجَرَةِيعني معناه تحديد المكان، المقصود تحديد المكان؛ لأن شَاطِئِ الْوَادِ [القصص: ٣٠] واسع وعام، فتخصيص المكان هذا يكون أبيَن؛ إذ إن موسى لو نُودي من جميع الشاطئ لالتبس عليه الأمر، لكن إذا حُدِّد النِّداء من جهة معينة خاصة صار هذا أبين له وأوضح. قال: وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ [القصص: ٣١]، هذه معطوفة على قوله: أَنْ يَا مُوسَى [القصص: ٣٠]، نُودِيَأَنْ يَا مُوسَى، يعني: ونودي أيضًا أن أَلْقِ عَصَاكَ، وأَلْقِبمعنى: ضَعْ عصاك على الأرض، وعَصَاكَلماذا استصحبها؟ طالب: للرعي. الشيخ: إي، ويش قال؟ الطالب: أَتَوَكَّأُعليها.
الشيخ: أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى [طه: ١٨]، مَآرِبُ أُخْرَىما ذَكَرها، ويش هي المآرب الأخرى؟
الطالب: قيل: إنه (...)، والله أعلم. الشيخ: إي نعم، وغير؟ الطالب: ويدفع بها السباع. الشيخ: إي، ويدفع بها السباع ويدفع بها عن نفسه، لكن ذكَر جانب المصالح: أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي، وأما جانب دفع المفاسد فأجمله في قوله: وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى، وهذا في الحقيقة من الأدب في النطق، وتجدون أن صفات الله سبحانه وتعالى في مقام الإثبات يُؤتى فيها بالتفصيل، وفي مقام النفي يُؤتى فيها بالإجمال غالبًا. قال: (وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَفَأَلْقَاهَا فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّتَتَحَرَّك كَأَنَّهَا جَانٌّوَهِيَ الْحَيَّة الصَّغِيرَة مِنْ سُرْعَة حَرَكَتهَا) هذا وجْه التشبيه (وَلَّى مُدْبِرًا [القصص: ٣١] هَارِبًا مِنْهَا). قوله: فَلَمَّا رَآهَاأبصرَها، وعلى هذا فيكون جملة تَهْتَزُّفي موضع نصبٍ على الحال، وليست مفعولًا ثانيًا؛ لأن (رأى) البَصَرية ما تنصب إلا مفعولًا واحدًا. أين جواب (لَمَّا) فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ؟ طالب: وَلَّى. الشيخ: وَلَّى مُدْبِرًا. وقوله: تَهْتَزُّ، يقول: (تتحرك)، تتحرك لكنْ باهتزاز، نوع من الاضطراب، وتعرفون أن الحية تتحرك يمينًا وشمالًا. وقوله: كَأَنَّهَا جَانٌّهذا للتشبيه، يعني كأنها في هيئتها وفي حركتها؛ يعني في ذاتها وفي حركتها جَانٌّقال: (وَهِيَ الْحَيَّة الصَّغِيرَة) هذا الجان. ووجه المشابهة؟ طالب: الحركة. الشيخ: الحركة، سرعة الحركة، ولكن المؤلف فسَّر الجانَّ بأنها الحية الصغيرة، والله تعالى يقول في آية أخرى: فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ [الأعراف: ١٠٧]. طالب: حَيَّةٌ تَسْعَى [طه: ٢٠]. الشيخ: ثُعْبَانٌ مُبِينٌ [الأعراف: ١٠٧]، ثُعْبَانٌ، والثعبان: الذَّكَر من الحيات الكبيرة. فما الجمع بينهما؟ قالوا: إن الجمع بينهما أنه أول ما ألقاها صارت كالجان، ثم بعد ذلك تضخمت حتى كانت ثعبانًا مبينًا، حتى صارت ثعبانًا مبينًا. طالب: (...). الشيخ: إي نعم، عند السحرة. (كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا [القصص: ٣١] هَارِبًا مِنْهَا)، ومُدْبِرًاهذه حال، ويُسمونها: حال مؤكِّدة، أيش معنى مؤكِّدة؟ لأن التولي معناه الإدبار، فهي حال مُؤَكِّدة لعاملها؛ إذ إن معنى الإدبار مفهومٌ من قوله: وَلَّى، ولكنها جاءت للتأكيد، وقوله: مُدْبِرًايعني ولَّاها دبره؛ ولهذا قال المؤلف: (هاربًا)؛ لأن الهارب ما يمشي إلى جنب، وإنما يمشي على العكس، عندما تهرب، أولًا: عندما تنصرف عن الشيء تُسمى مُوَلِّيًا، لكن إذا كنت هاربًا هل تُوَلِّي جنبك وتمشي مثلًا باتجاهٍ مُجانِب أو باتجاه معاكِس؟ باتجاه معاكس؛ ولهذا قال: (وَلَمْ يُعَقِّبْ [القصص: ٣١] أي يرجع)، معناه أنه هرب. ولكن الله يقول: وَلَمْ يُعَقِّبْ، يقول المؤلف: (فنودي يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ [القصص: ٣١])، ولهذا ينبغي أن نقف على قوله: وَلَمْ يُعَقِّبْ؛ لأنه لو وصَلنا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَىلظَنَّ الظانُّ أن الكلام واحد، ولكن الكلام انفصل، فقال: يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ. أَقْبِلْمقابل (التولِّي)، وَلَا تَخَفْمقابل (الهرب)؛ لأن الهارب يكون خائفًا. ثم طمأنه بقوله: إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ، تأكيدًا لقوله: وَلَا تَخَفْ؛ لأن الآمِن ما يخاف، وإنما يخاف مَن ليس عنده أمْن. وهنا قال: إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ، ولم يقل: إنك آمِن، بل قال: مِنَ الْآمِنِينَ، فما هو البلاغة في هذا؟ طالب: مراعاة القوافي. الشيخ: نعم، مراعاة الفواصل، يمكن نقول هذا: مراعاة الفواصل، لكنَّ هذه المناسبة لفظية. الطالب: لنعلم أنها (...). الشيخ: نعم، ليتذكَّر أن هناك آمِنين، فإذا كان هناك آمنون فإنه لا غرابة أن تأْمَن؛ لأن الإنسان إذا ذُكِّر بما حدَث لغيره صار أشد طمأنينة في حصول ذلك الشيء. ونظيره بالعكس قول فرعون: لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ [الشعراء: ٢٩]، ولم يقل: لأسْجُنَنَّك؛ لأجل أن يُرهبه بأن عنده مَنْ هو مسجون، وأنه ليس يُعجزُنا أن نسجنَك. فالحاصل أن مثل هذا يُقال لأجل أن يتذكر موسى عليه الصلاة والسلام أن هناك أناسًا آمنين، فيأمن أكثر. (...) حيث إن الإنسان يعلم أن الله سبحانه وتعالى حكيم جعل لكل شيء سببًا، فيأخذ بهذه الأسباب (...). ثم بُعث (...)، لماذا؟ طالب: (...). الشيخ: إي، لأنه (...). كذلك إذا أراد أن يخرج خارج البلد فإنه ينبغي (...)؛ لأن الأمور (...)، وربما تحدث أشياء تحتاج إلى (...)، فهذه الأشياء ينبغي للإنسان أن (...). طالب: (...). الشيخ: ومنها أيضًا: أن اتخاذ الأسباب لا ينافي التوكل (...) اتخاذ الإنسان للأسباب لا ينافي التوكل، بل هو من تمام التوكل، ومن تمام معرفة الإنسان لله سبحانه وتعالى، حيث إن الإنسان يعلم أن الله سبحانه وتعالى حكيم، جعل لكل شيء سببًا، فيأخذ بهذه الأسباب (...). لكن المحظور الذي ينافي التوكل هو أن الإنسان يعتمد على السبب، لا (...)، هذا من المحظور، وأما أن يأخذ بالسبب عارفًا بذلك (...). ثم قال تعالى: فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [القصص: ٣٠]. في هذه الآية: إثبات الكلام لله سبحانه وتعالى؛ لأن نُودِيَ [القصص: ٣٠] المُنادِي مَنْ؟ هو الله؛ لقوله تعالى في آية أخرى: إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى [النازعات: ١٦]. ومِنها: أن كلام الله تعالى بصوت؛ لقوله: نُودِيَ، والنداء يكون بِصَوْت للبعيد، والمناجاة بصوت لمن؟ للقريب. ومنها: الرد على الأشاعرة الذين يقولون: إنَّ كلام الله هو المعنى القائم بنفسِه. ولا شك أن المعنى القائم بالنفس لا يسمى كلامًا ولا يُسمَع، وكلام الله تعالى يُسْمَع. ومنها أيضًا: الرد على الجهمية والمعتزلة الذين يقولون: إنَّ كلام الله مخلوق. ووجهُ ذلك أنَّه ثبت أن النداء ممن؟ من الله سبحانه وتعالى، والنداء صوت -بصوت مرتفع- والقولُ لا يؤخذ إلا بقائل، فيكون القولُ قولَ الله. وكل صفة مِن صفات الله فإنها غير مخلوقة؛ لأنها وَصْف لمن اتصف بها، فإذا كانت وصفًا للخالق فهي غير مخلوقة، فيكون في الآية رد على الطائفتين: الأشعرية والمعتزلة.
ومنها أيضًا: أن الأمكنة منها مباركة بركة إضافية لا بركة مطلقة؛ لقوله: فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ [القصص: ٣٠]، فإن البركة هاهنا لِمَن؟ طالب: لموسى. الشيخ: لِموسى، (...) كما قاله المؤلف. ومنها أيضًا: إثبات أن كلام الله سبحانه وتعالى بِحرف؛ مِن قوله: أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [القصص: ٣٠]؛ فإن يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَجُمَل مُكَوَّنَة مِن حروف، فيكون في هذا رد على مَن؟ الأشاعرة؛ لأن الأشاعرة يقولون: الكلام هو معنى قائم، فأنا عندما أُضمر (...)، يكون هذا الْمُضمر هو الكلام، وما سُمِع فليس هو الكلام بل هو عبارة عن الكلام. ولا شك أن هذا لا يكون معتبرًا، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ» . فبيَّن أن الكلام غير حديث النفس. ومِنها: إثبات ربوبية الله سبحانه وتعالى في كل شيء؛ لقوله: إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ. ما (...)؟ ما الجمع بين هذه الآية وبين ما جاء في آيات كثيرة من (...) الربوبية لبعض الأشخاص أو (...) إلى قسمين: عامة وخاصة، كما أن العبودية أيضًا تنقسم إلى قسمين: عامة وخاصة، فمثل قوله تعالى: إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ [الحجر: ٤٢]، هذه مِن العامة ولَّا مِن الخاصة؟ طالب: من العامة. الشيخ: لأن عِبَادِي، إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ [الحجر: ٤٢]. طالب: عامة. الشيخ: عامة؟ أيش الدليل؟ الاستثناء، إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ، إن قلنا بالاستثناء المنقطع إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌفتكون خاصة، لكن مِن المقرر أنه إذا دار الأمر بين أن يكون الاستثناء متصلًا أو منقطعًا، فالأفضل الاتصال، فالأفضل أن يكون متصلًا. إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا [مريم: ٩٣]، عامة؟ طالب: نعم. الشيخ: وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا [الفرقان: ٦٣]، هذه خاصة. إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٣٠) وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ [القصص: ٣٠، ٣١]. طالب: (...).
طالب آخر: (...). الشيخ: وقوله: وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ. في هذا دليل على أن موسى كان يصطحب العصا؛ لقوله: أَلْقِ عَصَاكَ. وفيه دليل على قدرة الله سبحانه وتعالى؛ لأنه بمجرد أن ألقاها صارت تهتز كأنَّها جان، بمجرد الإلقاء، ففي هذا دليل على القدرة (...)، وفيه دليل على حكمة الله سبحانه وتعالى أيضًا؛ حيث إنَّ هذه الآية مناسِبة لِمَن سيقابِلُهم موسى، لأنه سيقابل مَن؟ طالب: السحرة. الشيخ: السحرة، وهذه الآية مناسبة تمامًا لهم؛ لأنهم سوف يعجَزُون عن مُقابلتها، (...). ومنها أيضًا: أنَّ هذه العصا (...) التي عُرفت بالحركة السريعة؛ لأنها جان. ومنها: أنه يجوز على الأنبياء ما يجوز على غيرهم مِن الخوف الطبيعي؛ لقوله: وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ، مع أن موسى -كما تعلمون- كان من الرجال الأقوياء، لكنَّه يعتريه ما يعتري غيرَه مِن البشر، وقد سبق أنه خرج من المدينة خائفًا يترقب.
ومنها أيضًا: عناية الله تعالى به؛ حيث ناداه وطمأنه بقوله: أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ [القصص: ٣١]، ولم يقتصر على قوله: وَلَا تَخَفْ، بل طلب منه الإقبال إليه: أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ، وهذا يدل على عناية الله به ومحبته له. ومنها أيضًا: أنه ينبغي للمستدعي لغيره أن يذكر السبب في ذلك؛ لقوله: إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ [القصص: ٣١]؛ لأنه لو قال: وَلَا تَخَفْ، فإنه قد يزول عنه الخوف لكنه لا يكون مطمئنًا تمام الطمأنينة، فإذا قال: إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَازداد بذلك طمأنينة.
ومنها أيضًا: أنه ينبغي ذِكر النُّظراء أو الإشارة إليهم ليكون ذلك أثبت للقلب؛ لقوله: إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ. (...)
تفسير الآية (٣٢)
٠٠:٥١:١٣
قال: اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ [القصص: ٣٢]. قال المؤلف: (اُسْلُكْأَدْخِلْ يَدَكَالْيُمْنَى بِمَعْنَى الْكَف فِي جَيْبِكَ). قوله: اسْلُكْيعني: (أدخِل) (...)، فمعنى اسْلُكْ: أدخل. وقوله: (يَدَكَبمعنى الكف)، في الحقيقة لا حاجة إلى هذا؛ لأنه قد (...)، بل المراد باليد عند الإطلاق الكف؛ ولهذا لما قال الله تعالى: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا [المائدة: ٣٨]، قالوا: المراد بالأيدي الأَكُف. أما إذا أُريد باليد غير الكف فإنها تُقَيد به، كما في قوله تعالى: فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ [المائدة: ٦]، في التيمم قال: فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ [المائدة: ٦]، وكان الفرق مسْح الكف فقط؛ يعني ما كله، فاليد عند الإطلاق تكون بمعنى الكف فقط. وقوله: (اليمنى)، منين نأخذه؟ ما في الآية دليل على هذا؛ ولهذا الأَوْلى أن نجعلها مُبهَمَة كما أبهمها الله سبحانه وتعالى، ولا يهمنا أن تكون اليد اليمنى أو اليسرى، المهم أنه قيل، قال: (فِي جَيْبِكَ [القصص: ٣٢] هُوَ طَوْق الْقَمِيص وَأَخْرِجْهَا). قوله: (هُوَ طَوْق الْقَمِيص) (...)، اللي يدخل معه الرأس، فالجيب هو الطوق الذي يُدخل معه الرأس في القميص. وقوله: (وَأَخْرِجْهَا تَخْرُجْ [القصص: ٣٢])، المؤلف قدَّر طلبًا ليناسِب الجواب؛ لأنه ليس مجرد الإدخال لتخرج به بيضاء، بل إذا أخرجها خرجت بيضاء. لكن في الحقيقة أنه لا داعيَ إلى ذلك، وأنه لا مانع أن يكون تَخْرُجْجوابًا لقوله: اسْلُكْ؛ فإن الإدخال إذا قلت: تَخْرُجْمعناه لزم من ذلك أن يكون أخرجها، والأصل عدم الحذف. وعليه فـتَخْرُجْهنا مجزومة جوابًا للطلب في قوله: اسْلُكْ؛ لأن جواب الطلب إذا حُذِفت منه الفاء صار مجزومًا، وإن وُجِدت معه الفاء صار منصوبًا بـ(أنْ)، قال ابن مالك:
وَبَعْدَ فَا جَوَابِ نَفْيٍ أَو طَلَبْ
مَحْضَيْنِ (أَنْ) وَسَتْرُهَا حَتْمٌ نَصَبْ
يعني معناه: أنَّ (أنْ) تنصِب بعد فاء التي وقعت جوابًا لنفي أو طلب محض، ولكنه إذا سقطت الفاء فإنه يُجزم الفعل، ولكن يقول:
وَشَرْطُ جَزْمٍ بَعْدَ نَهْيٍ أَنْ تَضَعْ
(إِنْ) قَبْلَ (لَا) دُونَ تَخَالُفٍ يَقَعْ
هنا بمعنى طلب؛ طلب أمر. (تَخْرُجْخِلَاف مَا كَانَتْ عَلَيْهِ مِنْ الْأُدمَة). (الأُدمة) السمرة، يعني اللون الذي بين البياض والسواد يُسَمَّى: أُدْمَة، وكان موسى صلى الله عليه وسلم آدَمَ. فأدْخَلَ يده، فخرجت بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ [القصص: ٣٢] أي مِن غير عيْب، وأن العيب يسوء المرء، والبياض الذي يسوء المرء ما هو؟ البَرص، ولهذا قال المؤلف: (أَيْ بَرَص). وقوله: بَيْضَاءَمحلها من الإعراب؟ طالب: حال. الشيخ: حال منين؟ من فاعل تَخْرُجْ. بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ، قال: (فَأَدْخَلَهَا وَأَخْرَجَهَا تُضِيء كَشُعَاعِ الشَّمْس تَغْشَى الْبَصَر). هذه مبالَغة، يكفينا أن نقول: ما قال الله سبحانه وتعالى: بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ، يعني ليس برصًا، بل بياضًا لا (...)، وأما أن تكون تضيء لكان الله يقول: تخرج مضيئة؛ لأن الإضاءة أبلغ من مجرد البياض، كذلك أيضًا أقوى للآية، ونحن نقول كما قال الله: بَيْضَاءَ. (وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ [القصص: ٣٢] بفتح الحرفين) {الرَّهَبِ}. (وسكون الثاني مع فَتْح الْأَوَّل وَضَمِّه)، (سكون الثاني) يعني اللي هو الهاء، (مع فتح الأول) الذي هو الراء (وضمه)، فتكون القراءات ثلاثًا: {الرَّهَبِ} والرَّهْبِو{الرُّهْبِ}. فـ{وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهَبِ} صح؟ طالب: نعم. الشيخ: صحيح، هي القراءة التي بدأ بها المؤلف. {وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرُّهْبِ} [القصص: ٣٢] صحيح. وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِأيضًا صحيح. وقوله: جَنَاحَكَ، المراد بالجناح اليد؛ لأنها للإنسان بمنزلة الجناح للطائر. وقوله: مِنَ الرَّهْبِ، مِنَللسببية، معناها السببية، أما عن الإعراب فهي حرف الجر. قال: (أَي الْخَوْف)؛ هذا تفسير لـالرَّهْبِ، الرَّهْبِمعناه: الخوف. المعنى يقول المؤلِّف: (أَي الْخَوْف الْحَاصِل مِنْ إضَاءَة الْيَد بِأَنْ تُدْخِلهَا فِي جَيْبك فَتَعُود إلَى حَالَتهَا الْأُولَى). يعني معناه إذا قال: بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ [القصص: ٣٢]، وأردتَ أن تعود إلى حالها الأولى، فاضممها إليك مرة ثانية، فحينئذٍ تعود إلى حالتها، فإذا أدخلها في جيبه وأخرجها صارت بيضاء، وإذا أراد أن تعود إلى حالها ضمَّها إليه فعادت إلى حالها. هذا معنى كلام المؤلف. وقال بعض العلماء: إن الجملة هذه منفصلة عن الجملة الأولى؛ لأن الله تعالى أرشده إذا خاف أن يضم يده إلى صدره حتى يزولَ عنه الخوف. وهل هذه آية لموسى فقط، بأنه إذا خاف من شيء فإنه يضم يده إلى صدره، أو أنها عامة لكل أحد؟ هي على كل حال بالنسبة لموسى (...) أنه إذا خاف مِن فرعون أو مِن غيره يضم إليه يده، لكنَّ غيره رُوِي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: ما من خائف يضع يده على صدره إلا زال خوفه . (...) على كل حال هي بالنسبة لموسى الآن فيها قولان لأهل العلم: القول الأول: أن هذه معالجة لإعادة اليد على ما كانت عليه. وهذا يُضعِفه أن الله قال: وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ، وموسى لم يَرهَب؛ لأن الله ما دام قال له: بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍفإنه لم يرهب. والقول الثاني: أنه عندما يحصل من موسى الخوف، فموسى كما عرفتم مِن الآية وَلَّى مُدْبِرًا [القصص: ٣١] خائفًا، فأرشده الله إلى أنه إذا أراد أن يُزيل الخوف من (...) فإنه يضم يده إليه إلى نفسه: وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ [القصص: ٣٢]. (وَعَبَّرَ عَنْهَا بِالْجَنَاحِ؛ لِأَنَّهَا لِلْإِنْسَانِ كَالْجَنَاحِ لِلطَّائِرِ)، وهذا صحيح، وهي جناح أيضًا، حتى الإنسان عند ارتفاعه (...) بيديه ولَّا لا؟ إي نعم، لو تربط يديه ما (...) فهي لا شك أنها تعين الإنسان، كما أن جناح الطائر يعينه. (فَذَانِكَ [القصص: ٣٢] بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيف؛ أَيْ الْعَصَا وَالْيَد وَهُمَا مُؤَنَّثَانِ، وَإِنَّمَا ذُكِّرَ الْمُشَار بِهِ إلَيْهِمَا الْمُبْتَدَأ لِتَذْكِيرِ خَبَره). طالب: (...)؟ الشيخ: نعم، (...)؛ لأن اليدين -كما تعرف- واحدة جناح والأخرى (...)، فإذا أدخلها في جيبه (...)، وهذا هو الذي يمنع من القول (...) سواء في اللغة العربية أو في القرآن. وقوله: فَذَانِكَيقول: (بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيف). (بالتشديد): {فَذَانِّكَ}، وبـ(التخفيف): فَذَانِكَ. نريد مَن يستشهد لنا من كلام ابن مالك على هذين الوجهين، التشديد والتخفيف؟ طالب: (...). الشيخ: (...).
وَالْنُّوْنُ مِنْ ذَيْنِ وَتَيْنِ شُدِّدَا
أَيْضًا.................................
مثل: النون من اللذان واللتان.
..................................
..... وَتَعْوِيضٌ بِذَاكَ قُصِدَا
(فَذَانِكَبِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيف؛ أَيْ الْعَصَا وَالْيَد)، (العصا) مؤنث ولَّا مذكر؟ طالب: مؤنث. الشيخ: مؤنث، قال: هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا [طه: ١٨]، ولم يقل: هو عصاي أتوكَّأ عليه، بل قال: هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا. اليد مذكر ولَّا مؤنث؟ طالب: مذكر. الشيخ: اليد مذكر؟! الطالب: (...). الشيخ: إي، (...) اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ [القصص: ٣٢]، ولم يقل: يخرج أبيض، وقال تعالى: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ [المائدة: ٦٤]، وقال: وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ [المائدة: ٦٤]. وغيرها، المهم أنها مؤنث. إذن العصا مؤنث واليد مؤنث. والإشارة فَذَانِكَ بُرْهَانَان [القصص: ٣٢] مذكر ولَّا لا؟ من الإشارة، ولو كان بالتأنيث لقال: فتانِك برهانان. فلماذا جعله مذكرًا؟ يقول المؤلف: (وَإِنَّمَا ذُكِّرَ الْمُشَار بِهِ إلَيْهِمَا الْمُبْتَدَأ)؛ لأن (ذان) مبتدأ، والخبر بُرْهَانَان: (لِتَذْكِيرِ خَبَره بُرْهَانَانِ). بُرْهَانَانمثنى برهان، و(برهان) مذكر ولَّا مؤنث؟ طالب: مذكر. الشيخ: مذكر؟ الطالب: إي نعم. الشيخ: (...) يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ [النساء: ١٧٤]، وإن كان هذا ما هو بيعني واضح؛ لأنه مفصول بين الفعل والفاعل، ما قال: قد جاءتكم برهان، قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ. إذن (برهان) مذكر، واليد والعصا مؤنث، فهنا لُوحِظ الخبر ولَّا لُوحِظ المُشار إليه؟ لُوحِظ الخبر؛ لأن بُرْهَانَانِمذكر فذُكِّر اسم الإشارة. بُرْهَانَانِ، ما هو البرهان؟ هو الدليل. وقول المؤلف: (مُرْسَلَانِ مِنْ رَبِّكَ)، كلمة (مرسلان) ليست تفسيرًا لـبُرْهَانَانِ، ولكنَّها بيان لِمُتَعَلَّق. قوله: مِنْ رَبِّكَ؛ لأن كلمة (برهان) اسم جامد لا يصح أن يكون مُتَعَلَّقًا للجار والمجرور. فهمتم يا جماعة أو لا؟ مرة ثانية نقول: (مرسلان) قد يظن الظانُّ أنها تفسير للبرهان، والبرهان ليس معناه المُرسل، البرهان معناه الدليل، الدليل الواضح يُسَمَّى برهانًا، وعند المتكلمين يقولون: إن البرهان هو الدليل القاطع القطعي. ولكن المؤلف أدخَل (مرسَلان) لِيُبيِّن أن قوله: مِنْ رَبِّكَمتعلِّق به، بـ(مرسلان) المُقَدَّر، ولم يجعلْه مُتَعلِّقًا بـبُرْهَانَانِ؛ لأنَّ بُرْهَانَانِاسم جامد، والجار والمجرور ما يتعلق إلا بفعل أو مُشتَق، كما قال الناظم الناظم:
لَا بُدَّ لِلجَارِ مِنَ التَّــــــعَلُّقِ
بِفِــــــــــــعْلٍ اوْ مَعْنَاهُ نَحْـــــــــــــوُ مُرْتَقِي
وَاسْتَثْنِ كُلَّ زَائِدٍ لَهُ عَمَلْ
كَالْبَا وَمِنْ وَالكَافِ أيْضًا وَلَعَلْ
الشاهد قوله: (لَا بُدَّ لِلجَارِ مِنَ التَّعَلُّقِ بِفِعْلٍ أَوْ مَعْنَاهُ) يعني: (مرسلان). لكن غير المؤلف قال: لا حاجة إلى أن نُقَدِّر (مرسلان)، بل نقول: بُرْهَانَانِكائنان مِن ربك، فهو متعلِّق (...) كغيره من الجار والمجرور. لكن هذا الذي قاله مَن خالفوه أصح مما قال المؤلف؛ لأن ما قاله المؤلف خاص، وما قدَّره غيرُه عام، ومتعلَّق الجار والمجرور إذا كان خاصًّا لا يجوز تركُه، بل لا بُدَّ من ذِكْره، فلا يُحذف متعلَّق الجار والمجرور إلا إذا كان عامًّا، مثل: (كائن) أو (موجود) أو ما أشبه ذلك. فالصواب إذن أن نُبقِي الآية على ما هي عليه، فنقول: مِنْ رَبِّكَمتعلِّق بمحذوف تقديره: (كائنان). بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ [القصص: ٣٢]، وهذا الذي أوجَب للمؤلف أن يُقَدِّر (مُرسلان)، لأجل قوله: إِلَى فِرْعَوْنَ، ولكنه ليس هو المرسل، المُرسل في الحقيقة مَنْ؟ موسى، لكنْ معه دليلان إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِأي قومه، وفرعون هو حاكِمُ مِصرَ، وقد قيل: إنه عَلم جنس لِكل مَن حكم مصر كافِرًا، كل من حكم مصر كافرًا فإنه يُسَمى فِرعون، وكل مَن ملك الفُرْس كافرًا فإنه يُسَمى كِسْرَى، وكل من ملك الروم كافرًا فإنه يسمى قَيْصَر. وقوله: إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ [القصص: ٣٢]، الجملة تعليل لِما قبلها، يعني: أننا أرسلناك بهاتين الآيتين إلى هؤلاء القوم؛ لأنهم كانوا قومًا فاسقين. كَانُوافيما مضى، أو كَانُوافي عِلْم الله؟ طالب: (...). الشيخ: نحن قررنا قبلُ أن (كان) مفصولة الزمن، مفصولة الدَّلالة على الزمن؛ يعني ما دلَّ على ماضٍ ولَّا على غيره، فمعنى كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَأي: مُتَّصِفِين بالفِسْق. وقرَّرنا هذا بأنَّ (كان) ما تدل على مفهوم نفي الْمُضِيِّ، قررنا هذا؛ لأنَّ الله تعالى يقول عن نفسه دائمًا: وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا [الأحزاب: ٤٠]، وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [النساء: ٩٦]... إلى آخره، ومعلومٌ أنه ليس المراد الزمن الماضي، بل المراد أنه مُتَّصِفٌ بهذه الصفات، لكنَّها قد تدل على الزمن الماضي بِقرينة غير لفظ الفعل. وقوله: فَاسِقِينَ، أيُّ الفِسْقَيْن منهما؟ فسق الكفر ولَّا فسق الطاعة؟ (...)، وقد مرَّ علينا أن الفسق ينقسم إلى قسمين: قسم مُخْرِج عن الملة؛ وهو فسق الكفر، وفِسْق مخرج عن الاستقامة؛ وهو فسق المعصية، المعصية بدون الكفر، مثال الأول؟ طالب: (...). الشيخ: مثال غير هذه الآية؟ الطالب: (...). الشيخ: نعم، يمكن، لكن فيه آيات أوضح منها، يعني فيها تفصيل (...). الطالب: (...). الشيخ: لا، أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ (١٨) أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٩) وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ [السجدة: ١٨ - ٢٠]. ومثال الفسق الذي لا يُخرج عن الإيمان: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ [الحجرات: ٦]. طالب: (...)؟ الشيخ: الملأ؟ الملأ (...)، والظاهر -والله أعلم- أنه كما أن (...). ثانيًا: حكمة الله سبحانه وتعالى أيضًا، حيث يُعطِي الأنبياء مِن الآيات ما يُناسِب الوقت وحال المُرسَل إليهم؛ لأن هذا مِن الحِكمة أن تأتي الآيات مُطابِقة للواقع. ومنها أيضًا: هذه الآية التي أُعْطِيَت لِموسى، وهي أنه يخرج يدَه إذا ضمها (...) في جيبِه، يخرجها بيضاء مِن غير سوء. ومنها: إرشاد الله تبارك وتعالى لِموسى إذا خاف مِن شيء أن يَضُم إليه يده حتى يطمئن ويسكن قلبه. وهل هذا خاص به أو عام؟ تقدم أنه رُوِي عن ابن عباس: أنه إِنْ خاف مِن شيء أن يضع يده على صدره . فعليه يكون عامًّا. والظاهر أنه خاص بِموسى؛ لأن الإنسان قد يستعمل هذا الشيء ولا يُغني عنه شيئًا. ومنها: إثبات أو تأييد الأنبياء بالآيات الدالة على صدقهم؛ لقوله: فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ [القصص: ٣٢]. ومنها: أن الآيات التي تأتي للأنبياء حُجَج على قومِهم؛ لأن البرهان معناه الحجة والدليل، فالآيات التي تفيدها حجج على قومهم أن يلزمهم بالتطبيق، كذا؟ ومنها: أنه ما مِن رسول يُرسَل إلا أُوتِي آيةً تدل على صدقه؛ لأنه لو لم يُؤْتَ آيةً لكان لِلناس عذرٌ في رده (...) ولَّا لا؟ لأنه لو جاء وقال: أنا رسول رب العالمين وعليكم أن تفعلوا كذا وعليكم أن تجتنبوا كذا، فربما يقولون: ما نقدر إلا بِبينة، والبينة هي الآيات. ومنها: لُطْف الله تبارك وتعالى بعباده؛ حيث يُرسِل إليهم الرسل لمصلحتِهم لا لِمصلحتِه؛ إذ إن الله يقول: وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ [آل عمران: ٩٧]، لكن لِمصلحة الخلْق يُرسِل إليهم الرسل. ومن فوائد الآية: أنَّ الرسالة تكون حيث يحتاج الناس إليها للخروج عن طاعة الله؛ لقوله: إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ [القصص: ٣٢]. ومِنها: أن الله سبحانه وتعالى يُجَدِّد لِهذه الأمة دِينها كلَّما خرجت عنه. منين نأخذه؟ طالب: (...). الشيخ: لأن الرسل إذا كانوا يُرسَلون لإنقاذ أمتهم، هذه الأمة إرسال الرسل فيهم (...)، فيكون بدلًا مِن الرسول أن يُبعث رجلٌ عالِم مُعَلِّم يخرج منهم، سواء كان واليًا من ولاة السلطة أم (...). المهم أن يعرف أن الله سبحانه وتعالى يُرسِل الرسل عند الحاجة إليهم، وفي هذه الأمة لا رسول، فيبقى (...) يُبعث مِن قومه قوم صالحون مصلحون يُصلحون الخلق. طالب: (...). الشيخ: إي، (...). ومنها أيضًا: أن الغالِب أن أتباع رؤساء الكفر هم الأشراف؛ لقوله: إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ [القصص: ٣٢]؛ لأن الملأ هم الأشراف، وإن كانت تُطلق على القوم؛ لأن الله ذكَر في آية أخرى: إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ [النمل: ١٢]، لكن الغالب أن الملأ هم الأشراف وهم الذين غالبًا ما يأتون يستكبرون على ما جاءت به الرسل، أما الضعفاء والفقراء فإنهم يتبعونهم. طالب: (...)؟ الشيخ: إي نعم. الطالب: (...)؟ الشيخ: هذا الظاهر، لكن لعله والله أعلم (...)، على رأس كل مئة ، فقد يكون هذا الحد الأعلى، (...). قال: وَأَخِي هَارُونُ. طالب: (...). الشيخ: فيها قراءتان: {فَذَانِّكَ}، فَذَانِكَ. الطالب: (...). الشيخ: (...).
تفسير الآيات (٣٣-٣٦)
٠١:٢٣:٣٦
قال: وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي [القصص: ٣٤]. أولًا: ما إعراب هذه الجملة وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا؟ أَخِيمبتدأ، أو لا؟ (أخي) مبتدأ.