تجاوز إلى المحتوى

تفسير سورة القصص - ٣

درس صوتي · ٩٣:٢٤

جارٍ تجهيز الصوت

انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها

إعدادات

اختصارات لوحة المفاتيح

Space أو K تشغيل وإيقاف ←→ خمس ثوانٍ JL خمس عشرة ثانية HomeEnd بداية ونهاية الدرس

محتوى الدرس

أصل القصة دخول موسى للمدينة، ووجود الرجُلين، وقتْل النفس، كلُّ هذا كان سببًا لخروج موسى ثم نبوَّته. فيستفاد منه: أنَّ الله سبحانه وتعالى يُجري الأمور بأسبابها، إثباتُ الأسباب. ويُستفاد من هذا -من قوله: فَاسْتَغَاثَهُ [القصص: ١٥]-: جواز الاستغاثة بالمخلوق، لكنَّه مشروطٌ بما يُفيد فيه، أمَّا ما لا يُفيد فيه فلا يجوز؛ فعلى هذا إذا استغاث بميِّت فلا يجوز لأنه لا يفيده، وإذا استغاث بحيٍّ فيما لا يَقدر عليه فلا يجوز لأنه لا يفيده، وإذا استغاث بحيٍّ فيما يَقدر عليه فهو جائز. إذَن الاستغاثة بالمخلوق جائزة بشرط أن تكون فيما يفيد، وذلك في حيٍّ قادرٍ على دَفْع الشدة. وفيها أيضًا: إثبات العداوة والولاية؛ لقوله: فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ [القصص: ١٥]، وهو أصل في الدين، فإن ولاية المؤمنين من واجب المؤمن، والبراءة من الكفار من واجب المؤمن؛ قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ [الممتحنة: ٤]، وهذا أمرٌ لا بدَّ منه أنْ يتبرَّأ الإنسان من كلِّ كافر. وفي الآية: دليلٌ على قوَّة موسى؛ لقوله: فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ [القصص: ١٥]. وفيها: إثبات غَيْرته وسرعة استجابته؛ لأنه ما تلكَّأ في الأمر، بل بادر به. هل يستفاد منه جواز الدفْع - دفع الصائل - بما يصِل إلى القتل؟ طلبة: لا، ما يستفاد. الشيخ: (...). طالب: ما أُقِرَّ عليه. الشيخ: إي، ما (...) على هذا ولا أُقِرَّ، لكنَّه بالشريعة الإسلامية معروفٌ أنَّ الإنسان إذا صال عليه أحدٌ ودفعه بالتي هي أحسن ولم يندفع فله أن يقتله. وفيها: أنَّ المعاصي من أوامر الشيطان وأعماله؛ لقوله: هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ [القصص: ١٥]. وفيها أيضًا: إثباتُ السبب؛ لقوله: مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ؛ لأن مِنْللسببيَّة. وفيها أيضًا: ثبوتُ عداوة الشيطان لبني آدم؛ إِنَّهُ عَدُوٌّ [القصص: ١٥]، وأُكِّد بـ(إنَّ) لشِدَّة التنفير منه؛ لأنَّ عداوته ليس فيها التباس.

تفسير الآية (١٦)

٠٠:٠٣:٤٨

{قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [القصص: ١٦]. في هذه الآية: إثباتُ أنَّ الرسل عليهم الصلاة والسلام قد يخطئون. شوف الفائدة هذه قد تُسَلَّم ولَّا لا؟ طالب: لا، هذا قبل الرسالة. الشيخ: هذه لا تُسَلَّم لأنه قبل الرسالة، وقبل الرسالة ممكن أن يقع منهم هذا الشيء، لكن لا يقع منهم فسادُ الأخلاق وشربُ الخمور وما أشبه ذلك، أمَّا الغَيْرة والحميَّة فهذا قد يقع منهم. وفيها أيضًا: جواز التوسل إلى الله سبحانه وتعالى بحال الداعي؛ يؤخذ منين؟ من قوله: رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي، فالظالم لنفسه محتاجٌ إلى من يُنقذه، فهو توسلٌ إلى الله سبحانه وتعالى بحال الداعي، ومنه قوله تعالى عن موسى: رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ [القصص: ٢٤]. والتوسل إلى الله سبحانه وتعالى يكون بحال الداعي، ويكون بالثناء على الله وأسمائه وصفاته، وكذلك بأفعاله التي يُنعِم بها، وقد اجتمع الجميع في تعليم النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر؛ قال: علِّمني دعاءً أدعو به في صلاتي، فقال: «قُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا، وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ وَارْحَمْنِي، إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ» .

طالب: ذكرنا أمس أنه (...)؟ الشيخ: لا، ما هو بهذا، (...) الآية الأولى رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي. وفيه أيضًا: إثبات هذين الاسمين من أسماء الله: (الغفور) و(الرحيم)، وإثباتُ الاسم -كما مرَّ علينا في أصول العقيدة- يتضمَّن ثلاثة أمور إذا كان الاسم متعدِّيًا، وأمرين إذا كان لازمًا: يتضمَّن إثباتَ هذا الاسم من أسماء الله، وإثباتَ ما دلَّ عليه من صفة، وإثباتَ الأثر وهو تَعَدِّيه إلى المخلوق مثلًا؛ فـالْغَفُورُ الرَّحِيمُتَضمَّن ثلاثة أشياء: إثباتَ (الغفور) (الرحيم) على أنهما من أسماء الله، وإثباتَ صفتَيِ المغفرة والرحمة لله سبحانه وتعالى، وإثباتَ الأثر المترتب على ذلك وأنه يغفر ويرحم. وفيه أيضًا -في قوله: رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي- دليلٌ على إثبات الأسباب؛ منين يؤخذ؟ مِن أنَّ الفاء هنا للسببيَّة؛ يعني: فبسبب ظُلم نفسي فإنِّي أسألك أن تغفر لي. طالب: قوله: فَغَفَرَ لَهُما يستفاد منه: استجابة الله منه؟ الشيخ: إي نعم. يستفاد من قوله: فَغَفَرَ لَهُاستجابة الله سبحانه وتعالى وما تتضمَّنه هذه الاستجابة من صفات؛ لأن الاستجابة تتضمَّن السمع والعِلم والقدرة والغِنى، هذا (...)، إذا استجاب الله لإنسان فهو معناه أنه كان قد سَمِعه وعَلِم بحاله وقدر على إعطائه سُؤْلَه، كل هذا يُستفاد منه. وفيه أيضًا: إثباتُ كرم الله؛ لقوله: فَغَفَرَ لَهُ. وفيه أيضًا: إثباتُ أنَّ الدعاء سببٌ، خلافًا لمن أَنْكر سببيَّته وقال: إنَّ الشيء إنْ كان قد كُتِب لي لم يَحتجْ إلى دعاء، وإنْ كان لم يُكتَب لي فلا فائدة من الدعاء. والجواب على ذلك أن يُقال: هو مكتوبٌ لك بالدعاء، مكتوبٌ لك بهذا الشرط؛ بالدعاء. يقول مثلًا: أنا ما أدعو؛ لأن المكتوب لا بدَّ أن يحصل، وما لا يُكتَب لا يمكن أن يحصل. هذا صحيح؟ طالب: لا، ليس بصحيح. الشيخ: نقول: ليس هذا بصحيح؛ لأنه مكتوبٌ لك بهذا السبب، كما لو قال قائل: أنا لن أتزوَّج، إنْ كان الله مُقدِّرًا لي ولدًا بيجيني ولد، وإن كان الله ما قدَّر لي ولدًا ما فيه فائدة من الزواج. نقول: ولكنه مقدِّرٌ لك الولد بأيش؟ بالزواج. فهذه الأمور الغيبيَّة منافية للأمور المشاهَدة، كما أنَّ الأمور المشاهَدة لا تصلح إلا بفعل الأسباب التي توصل إليها فكذلك الأمور الغائبة ما تصلح، إذَن نقول: لا تعمل بعدُ، لا تعمل عملًا صالحًا؛ لأنك إنْ كنتَ من أهل الجنة فإنك ستكون من أهل الجنة، إنْ كنتَ من أهل النار فلن تكون إلا من أهل النار! فيُقال: أنت تكون من أهل الجنة بعملك، ولهذا لَمَّا قال الرسول عليه الصلاة والسلام لأصحابه: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ إِمَّا فِي الْجَنَّةِ أَوْ فِي النَّارِ». قالوا: يا رسول الله، أفلا نَدَعُ العملَ ونتَّكل على الكتاب؟ قال: «لَا، اعْمَلُوا، فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ». أو: «فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ»، ثم تلا قوله تعالى: فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى [الليل: ٥ - ١٠] . المهمُّ أنَّ في هذه الآية وغيرها من الآيات الكثيرة دليلًا على تأثير الدعاء في حصول المطلوب، أليس كذلك؟ طالب: بلى. الشيخ: لأن مَن أنكر ذلك فهو في الحقيقة مكابرٌ أو جاهلٌ.


تفسير الآية (١٧)

٠٠:١٠:٥٦

{قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ} [القصص: ١٧]. هذه الآية -كما مرَّ علينا بالأمس- من العلماء مَن يقول: إنها دعاءٌ، ومنهم مَن يقول: إنها خبرٌ بمعنى الالتزام. إن قلنا: إنها دعاءٌ، فإنه يُستفاد من الآية: جواز التوسل بنِعَم الله عز وجل؛ لأن قوله: بِمَا أَنْعَمْتَأي: بسبب إنعامك عليَّ. وإن قلنا: إنها التزام، فإنَّها تدلُّ على شكر النعمة وأنَّ الإنسان إذا أنعم الله عليه فإنه يجب ألَّا يكون عونًا بهذه النعمة للمجرمين. وقلنا: إنَّ المعنى الثاني أقرب وأرجح؛ لأنه ظاهر الآية، ولا ينبغي العدول عن ظاهرها وإن كانت تحتمل المعنى الثاني فيُستفاد منها إذَن: كمالُ موسى عليه الصلاة والسلام؛ حيث التزم لله تعالى شكرًا لنعمته ألَّا يكون ظهيرًا للمجرمين. وفيه: دليلٌ على أنَّ مظاهرة المجرم تُنافي الشكر، فهي محرَّمة. لماذا تكون مُظاهرة المجرم محرَّمة؟ طالب: (...). الشيخ: مُظاهرة، ويش معنى مظاهرة المجرم؟ الطالب: (...). الشيخ: لا، معنى مظاهرته، يعني؟ الطالب: (...). الشيخ: لا، لا يصح هذا الكلام، ويش معناها؟ طالب: يعني عونه (...). الشيخ: عونه، مظاهرته يعني مساعدته، فمساعدة المجرمين محرَّمة؛ لأنها إجرامٌ في الحقيقة، المجرم مساعدته بمنْع إجرامه؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا». قالوا: يا رسول الله هذا المظلوم، فكيف ننصر الظالم؟ (...) قال: «تَمْنَعُهُ مِنَ الظُّلْمِ» ، هذا نصره.


تفسير الآيات (١٨-٢٠)

٠٠:١٣:٣٩

{فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ} [القصص: ١٨]. أَصْبَحَأي: موسى، ومعنى (أصبح) أي: دخل في الصباح؛ يعني: باتَ ليلتَه، ولكنَّه في صباحها أصبح خائفًا يترقَّب. وقوله: فِي الْمَدِينَةِ، (أل) هنا للعهد الذِّكري؛ لأنه سبق ذكرها. وقوله: خَائِفًاهذا خبر (أصبح)، (أصبح) من أخوات كان، ترفع الاسم وتنصب الخبر، فـخَائِفًاخبرُ (أصبح). وقوله: يَتَرَقَّبُهذا خبرٌ ثانٍ، أو حالٌ من الضمير في خَائِفًا؛ خائفًا حال كونه يترقَّب. أو: أصبح خائفًا أصبح يترقَّب. فعلى الإعراب الثاني -أنَّها خبر- يكون هذا من باب تعدُّد الخبر مع الاختلاف؛ لأنه يجوز تعدُّد الخبر سواءٌ تعدَّد بلفظ المفرد أو تعدَّد بلفظ الجملة أو تعدَّد بلفظ المفرد والجملة. وقوله: يَتَرَقَّبُيقول المؤلف: (ينتظر ما يناله من جهة القتيل)؛ لأن هذا القتل إجرام، فكلُّ إنسان يَقتل شخصًا في بلدٍ، يُعتبر هؤلاء الشيعة -شيعة موسى عليه الصلاة والسلام- يُعتبرون مستضعفين، لا بدَّ أن يخاف. وهذا الخوف من طبيعة البشر، وليس خوفَ عبادة، فالخوف نوعان: خوف عبادةٍ يقتضي التقرُّبَ إلى الْمَخُوف والتزامَ طاعته وما أشبه ذلك، وخوفٌ طبيعيٌّ مما يُخاف منه. فالثاني لا بأس به لأنه من طبيعة البشر، لكنَّه يكون مذمومًا إذا أدَّى إلى تَرْك واجبٍ أو فِعْل محرَّم: إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [آل عمران: ١٧٥]. قال: فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ [القصص: ١٨]. قوله: فَإِذَا الَّذِي(إذا) فجائية، يعني: فاجأه في الصباح وهو خائِفٌ يترقَّب، فاجأه أنَّ صاحبه الإسرائيلي الذي استنصره بالأمس، اليومَ يستصرخه. والاستصراخ معناه طلب الإنقاذ من الشِّدة (...). فهنا عندنا (استغاث) و(استنصر) و(استصرخ)، أيُّها أبلغ؟ (...) الاستصراخ يَسْتَصْرِخُهُ. و(الاستنصار) ظاهر الآية الكريمة أنَّه بمعنى الاستغاثة؛ لأنه قال: فَاسْتَغَاثَهُ، ثم قال: فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ، فظاهره أنَّ الاستغاثة والاستنصار بمعنًى واحد، ولكنها في الحقيقة (الاستنصار) أعمُّ؛ لأنك قد تستنصر الإنسان لينصرك وإن لم تكن في شِدَّة، والاستغاثة أخصُّ، إلا أن الآية الكريمة تدلُّ على أنَّ استغاثته من باب الاستنصار. يَسْتَصْرِخُهُقال: (يستغيث به على قبطيٍّ آخَر). قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ [القصص: ١٨]، قَالَ لَهُلمن؟ للإسرائيلي الذي استنصره، وزعم بعض المفسرين أنَّ الضمير في لَهُيعود إلى القبطي، وأنَّ موسى عليه الصلاة والسلام عاقَب القبطيَّ وقال له: إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ. ولكن هذا بعيدٌ من السياق، والصواب أنَّ الضمير في لَهُيعود إلى الإسرائيلي الذي استنصره. (إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌبَيِّن الغواية؛ لِمَا فعلْتَه أمس واليوم). (غَوِيٌّ) على وزن (فَعِيل) بمعنى (فاعل)، أو على أنها صفة مشبَّهة، والغَوِيُّ ضدُّ المرشد، وهو الذي يتصرَّف على وجه الإساءة؛ قال الله تعالى: قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ [البقرة: ٢٥٦]، والرُّشد معناه معروف أنَّه إحسان التصرُّف، وعلى هذا فيكون الغيُّ سوء التصرُّف. فمعنى قوله: إِنَّكَ لَغَوِيٌّأي: ذو غواية، وهي سوء التصرُّف، وقوله: مُبِينٌأي: بَيِّنُها، ووجْه ذلك -وجْه سوءِ تصرُّفك- أن أمس القريب كان يتخاصم مع قبطيٍّ، واليوم الثاني الذي يليه كان يتخاصم أيضًا مع قبطيٍّ آخَر. طالب: صاحب مشاكل. الشيخ: نعم، صاحب مشاكل، فلهذا قال له: إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ، يمكن لو بقي لليوم الثالث والرابع كل يوم يجيب فتنة، يسوي مشكلة، فلهذا قال: إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ. (فَلَمَّا أَنْ [القصص: ١٩] زائدة) يعني أنَّ كلمة أَنْزائدة، وهي زيادةٌ لفظية إعرابية، وليست زيادةً معنوية؛ لأنها تفيد التوكيد، وجميع الحروف الزائدة في القرآن لفظًا هي أصليةٌ معنًى؛ لأنها تفيد معنى التوكيد. وتَطَّرِد زيادة (أنْ) بعد (لَمَّا)، وكذلك قبل (لو)، كما في قول الشاعر:

وَأُقْسِمُ أَنْ لَوِ الْتَقَيْنَا وَأَنْتُمُ

......................

ومثل قوله تعالى: وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ [الجن: ١٦]، على أنَّ وَأَلَّوِ اسْتَقَامُواتقدَّم أنها تكون مخفَّفة من الثقيلة؛ يعني: وأنَّهم لو استقاموا. هنا يقول: (فَلَمَّا أَنْزائدة أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَالِموسى والمستغيثِ به قَالَالمستغيث). لَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ ... قَالَ أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي، كيف عرف أنَّه يريد والإرادة عملٌ قلبيٌّ؟ تهيَّأ وأراد أن يفعل، وهو لا بدَّ أنه استند في هذا العلم، استند إلى أمرٍ ظاهر، وإلا فالإرادة محلُّها القلب. وقوله: أَرَادَأي: موسى. أَنْ يَبْطِشَأيش معنى البطش؟ هو الأخذ بقوة. أراد أن يبطش به ({قَالَ} المستغيث ظانًّا أنَّه يبطش به لما قال له {يَامُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ} [القصص: ١٩]). قوله: (قَالَالمستغيث)، جعل الفاعل في قَالَالمستغيث، وهذا يُبعده أمران: أمرٌ معنويٌّ، وأمرٌ لفظيٌّ. أمَّا الأمر اللفظي؛ فإنَّ قَالَضميرها يعود إلى أقرب مذكور، وأقرب مذكور ما هو؟ القبطي؛ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا. والثاني أنه قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِيوالله يقول: فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا، فنحن نفسر الإرادة الثانية بالإرادة الأولى؛ لأن القبطي هو الذي قال: أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ. فإذا قال قائل: هذا يُبعده أنَّ القبطي لا علم له بذلك، من أين علِم؟ قلنا: إنه استنتج ذلك من قوله للإسرائيلي: إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ، وقصة القتل اشتهرت في المدينة وبانت، وصار الناس يتحدثون عنها، فهذا القبطي عرف أنَّ الإسرائيلي عدوٌّ له، أليس كذلك؟ وهذا لامَه -موسى- قال: إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ، فاستنتج من ذلك أنَّ الذي قَتل القبطيَّ بالأمس هو موسى، فقال: أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ. وهذا القول هو الراجح من قولَيِ المفسرين، والمفسرون لهم في ذلك قولان: أحدهما: أنَّ الذي قال ذلك الإسرائيليُّ، مع أنَّ موسى تهيَّأ للبطش بالقبطي، لكن هو ظنَّ أنه سيبطش به حين قال: إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ. والقول الثاني الذي ذكرناه: أنَّ القائل هو القبطي، ويُرجِّح ذلك أنه لَمَّا قال: إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌوقد عُلِم أن الإسرائيليِّين أعداء للأقباط، عَلِم بأنَّ موسى عليه الصلاة والسلام هو الذي .. أو استنتج من هذه القصة أنه هو الذي قتل القبطيَّ بالأمس، فلهذا قال: أتريد أنْ تقتلني لأني قبطيٌّ مثلما قتلتَ نفسًا بالأمس. طالب: (...) إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ؟ الشيخ: أيش؟ الطالب: لما قال له موسى: إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ(...)؟ الشيخ: إي، لكن ما قال: القبطي، قال: أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي(...). الطالب: (...) إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌفاستنتج القبطيُّ أنه قتل القبطيَّ الآخَر (...). الشيخ: نعم، هو بيستنتج هذا، لكن لما تهيأ موسى للقتل وهذا قد استصرخه، علِم أن اللي يقتله موسى، وأن هذا استصرخه بالأمس فحصل القتل. طالب: ما يحتمل أن الذي أخبره الإسرائيلي؟ الشيخ: أخبر مَن؟ الطالب: يمكن لَمَّا أخبر قبل ما يأتي، أو لَمَّا رأى موسى قال: إنه سيقتلك كما قتل نفسًا بالأمس بسببي. الشيخ: على كل حالٍ هذا ما هو موجود في القرآن أنَّ الإسرائيلي أخبر القبطي بأنَّ موسى سيقتله أو تهدَّده بذلك، هذا ما هو موجود، لكن الذي يمكن هو الاستنباط. الطالب: طيب، ما يلزم منه أنه قتل. الشيخ: لا، هو لما قال: إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌعَلِم أن هناك شيئًا سابقًا، اللي هو القبطي، عَلِم أن هناك شيئًا سابقًا لهذا الإسرائيلي، والقضية مشتهرة، والمعروف بالعداوة للأقباط هم الإسرائيليون، وكون هذا الإسرائيلي يستغيث بموسى وموسى يتهيَّأ للقتل، استنتج القبطي من ذلك أنَّ الذي قَتل الرجلَ القبطي بالأمس هو موسى، لأنَّ القضية مشابِهة لقضية اليوم. الطالب: شيخ، لا مناسبة بين قوله: إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌوأنَّه تهيَّأ ليقتله؛ لأنَّ مقتضى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌألَّا يُجيبه إلى الإغاثة واستغاثته. الشيخ: هو على كل حالٍ من شِيعته، فهو لامَه وإنْ كان يُعينه، كما يجري الآن؛ الآن لو تشوف أحدًا من أقاربك أو من أصحابك عمل مشكلة ثم عملها في اليوم الثاني تلومه ومع ذلك تنصره، يلومه إذَن وينصره، ما يمنع هذا، فيلومه وينصره، ولهذا جاء مَن يقول: هذا الولد أشقانا، أتعبَنَا. وهو يروح مثلًا للسلطات يشفع له، وهو يلومه أو يعيبه. طالب: (...)؟ الشيخ: إي نعم. الطالب: ما هما؟ الشيخ: الأمر الأول: أن الضمير يعود على أقرب مذكور. هذه قاعدة في اللغة العربية؛ فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ، قَالَمَن أُرِيدَ أن يُبطَش به: أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ. والأمر الثاني في قوله: أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِيأنَّ الرجل قال: أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ، والله يقول: فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا؛ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَهو قال: أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي، فإرادة القتل ما توجَّهت للإسرائيلي أصلًا، فالقرآن يدلُّ على أن إرادة القتل توجَّهت إلى مَن؟ إلى القبطي، فقال القبطي هذا الكلام: أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ. قال: إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ [القصص: ١٩]. قال: (إِنْما). ويش معنى (إِنْما)؟ يعني أنَّ (إِنْ) بمعنى (ما)، فهي نافية. وقوله: تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِالجبار معناه: المتعاظم المترفِّع على غيره، وهو من أسماء الله سبحانه وتعالى، ويُوصَف به غيره، ولكنَّه من أسماء الله له ثلاثة معانٍ، الجبار من أسماء الله سبحانه وتعالى له ثلاثة معانٍ: أحدها: المتعاظم وذو القوة والبطش. والثاني: بالعكس، الجبَّار الذي يَجبر الكسير ويرحمه ويعطف عليه. والثالث: يقول ابن القيم في النونية:

وَلَهُ مُسَمًّى ثَالِثٌ وَهُوَ الْعُلُوُّ

فَلَيْسَ يَدْنُو مِنْهُ مِنْ إِنْسَانِ

مِنْ قَوْلِهِمْ (جَبَّارَةٌ) لِلنَّخْلَةِ الْـ

عُلْيَا....................

فـ(جَبَّار) بمعنى: ذو ارتفاع، ومنه قولهم: نخلةٌ جبَّارة؛ يعني طويلة مرتفعة. لكن إذا جاءت في صفات غير الله فإنها للذَّمِّ؛ قال الله تعالى: كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ [غافر: ٣٥]. إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ. هذه التهمة إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ، من أين استند إليها؟ طالب: مِن قَتْله بالأمس. الشيخ: مِن قَتْله بالأمس وإرادة قَتْله اليوم. ثانيًا: وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَأخذها أيضًا من قَتْله بالأمس وسيَقتُل اليوم. والمصلِح عادةً لا يعتدي على أحد المتخاصمَينِ، ماذا يصنع؟ يحاول الإصلاح بينهما، فهو يقول: إنَّك بإرادتك القتلَ وقد قتلتَ بالأمس معناه أنَّك تريد أن تكون جبارًا ولا تريد الإصلاح؛ إذْ إنَّ مَن يريد الإصلاح يسعى بالإصلاح بين الناس، ما هو بيسعى يستعدي على أحدهم دون الآخر. وهذا الذي قاله هل ينطبق حقًّا على موسى؟ لا، ما ينطبق عليه؛ لأن موسى عليه الصلاة والسلام ما أراد إلا الإصلاح، ولكنَّه -هذا الرجل- ظنَّ أنه لا يريد إلا الجبروت والاعتداء على مَن كان من غير شيعته. ({وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ} [القصص: ١٩] فسمع القبطيُّ ذلك فعَلِم أنَّ القاتل موسى فانطلق إلى فرعون فأخبره بذلك فأمر فرعون الذبَّاحين بقتل موسى فأخذوا في الطريق إليه). هذا الذي فسره بناء على ما اختاره مِن أنَّ الذي قال: أَتُرِيدُهو الإسرائيلي، أمَّا على القول الثاني فإنَّ القبطيَّ لَمَّا رأى أنَّ موسى يريد أن يقتله واستنتج أنه قاتلٌ بالأمس ذهبَ؛ ترك المخاصمةَ وذهب إلى آل فرعون وأخبرهم، وإذا أخبرهم فسوف ينتقمون لأنفسهم، أرسلوا من يطلب موسى .. أو لم يرسلوا ولكن جعلوا يتشاورون كما هو ظاهر كلام الرجل، وعليه فلا نجزم بأنهم أرسَلوا إلى موسى مَن يذبحه؛ لأن الرجل الذي جاء وهو ناصحٌ لم يقُل: إن الملأ أرسلوا مَن يذبحك، ولكن قال: إنَّهم يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ [القصص: ٢٠]؛ يعني: يتشاورون فيما بينهم ماذا يصنعون.

وهنا يقول: (وَجَاءَ رَجُلٌهو مؤمن آل فرعون). وهذا التأويل الذي قاله المؤلف لا يُجزَم به؛ لأن الله تعالى نكَّره ولم يقل: إنه مؤمن، بينما هو في قصة مؤمن آل فرعون قال: وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ [غافر: ٢٨]، ولكنَّ هذا الرجل لا شك أنَّ عنده عطفٌ على موسى ورحمةً به، فلهذا جاء يخبره. وقوله: وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ [القصص: ٢٠]، وفي سورة (يس) في قصة أخرى: وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ [يس: ٢٠]، فما هي الحكمة في أنه قُدِّم في هذه الآية رَجُلٌ [القصص: ٢٠] وأُخِّر في قصة المرسلين؟ لأنَّ قصة المرسلين؛ الاهتمام بكون هذا الرجل بعيدًا عن الرُّسُل وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِليؤكِّد صحَّة ما جاؤوا به أَبْلغ، أمَّا هنا فهو خبر، هذا الذي جاء به الرجل خبرٌ من الأخبار، فاعتماده على رَجُلٌأبْلغ من كون الرجل جاء من الأقصى أو من الأدنى، فلهذا قُدِّم لفظ الرجولة على وصْف المكان فقال: وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ. وقوله (وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِآخِرها) يعني أبعدها، أبعدها منين؟ من مكان موسى. قال: (يَسْعَىيُسرع في مشيه من طريقٍ أقرب من طريقهم). هذا بناء على أنَّ الذبَّاحين خرجوا ليذبحوا موسى، ولكنْ ليس بلازم. وقوله: يَسْعَىمحلُّها من الإعراب؟ طالب: صفة لـرَجُلٌ. الشيخ: أو حال. طالب: رَجُلٌنكرة. الشيخ: يجوز أن تكون صفةً ويجوز أن تكون حالًا؛ أمَّا جواز أن تكون صفةً فلأنَّ رَجُلٌمُنَكَّر، وأمَّا جواز أن تكون حالًا فلأنَّ هذه النكرة وُصِفتْ بقوله: مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ. ومعنى يَسْعَىأي: (يُسرع في مشيه) كما قال المؤلف، وهذا الإسراع هل هو كما زعم أنه جاء من طريقٍ قريبٍ لئلَّا يُدركوا موسى فيقتلوه، أو أنه خاف أنهم بهذا الائتمار يُنفِّذون ما ائتمروا عليه؟ هذا هو الأقرب. (قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَمن قوم فرعون يَأْتَمِرُونَ بِكَيتشاورون فيك لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ [القصص: ٢٠]). قَالَ يَا مُوسَىنداؤه بهذا يدلُّ على أنَّ هذا الرجل كان له معرفةٌ بموسى، ولهذا ناداه باسمه. في قصة مؤمن آل فرعون: وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا [غافر: ٢٨] ما قال: أتقتلون موسى؛ لأن المقام يقتضي ألَّا يُبين أن له اتِّصالًا به ومعرفة، لو قال: أتقتلون موسى، لَقالوا: هذا الرجل يعرف موسى، فأخذوه. ولكنَّه قال: أَتَقْتُلُونَ رَجُلًاكأنَّه لا يعرفه، ولكن يعرف ما جاء به من الدعوة الصحيحة السليمة. أمَّا هنا فإنَّ الرجل يعرف موسى، ولهذا قال: يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ، وأكَّد له الخبر في قوله: إِنَّ الْمَلَأَمع أن موسى كان خالي الذهن من ذلك لأن الأمر مهمٌّ، وقد ذكرنا فيما سبق أنَّ الأسباب التي تقتضي تأكيد الجملة الخبرية ليست هي حالَ المخاطَب فقط، ولكنَّها حال المخاطَب وحال الْمُخْبَر عنه؛ إذا كان مُهِمًّا فإنه يُؤكَّد. قال: (فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَفي الأمر بالخروج). فَاخْرُجْمنين؟ (من المدينة) مثلما قال المؤلف، وقوله: (إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَفي الأمر بالخروج)، بل في الأمر بالخروج وفي مجيئه إليه أيضًا وإخباره بذلك، وأن الذي يأتمرون بشأنه ليس عامة الناس، بل الذين يأتمرون هم الملأ والكبراء الذين يُنفِّذون ما ائتمروا به؛ لأنه لو كان من عامَّة الناس يتشاورون في هذا ما كان له أهمية، ولكن الكبراء هم الذين يأتمرون.


تفسير الآية (٢٣)

٠٠:٣٩:٠٠

(...) ويستفاد منها أيضًا: أنه لا ينبغي أن يحكم على الأمور إلا بعد معرفة الأسباب، ما ينبغي للمرء أن يحكم على الأمور إلا بعد معرفة الأسباب. من أين نأخذها؟ أنَّه ما حَكَم على المرأتين بأيِّ حكْمٍ إلا بعد أن قال: مَا خَطْبُكُمَا [القصص: ٢٣] يعني: تَذودان غَنَمكما عن السقي، ولم يحكم بأيِّ حكْمٍ على هذا الأمر، فسألهما. ويستفاد منه: (...).


تفسير الآية (٢٤-٢٨)

٠٠:٤٠:١٤

{فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} [القصص: ٢٤]. قوله: فَسَقَى لَهُمَا، ما معناه؟ طالب: فَسَقَى لَهُمَاأي: هو الذي جلب لهما الماءَ من البئر لأغنامهما. الشيخ: لأغنامهما، نعم، إذَن لَهُمَاأي: من أجْلهما، وليس معناه أنه سقى المرأتين، لكن سقى غَنَمهما من أجْلهما، فاللام هنا للتعليل وليست للتعدية. قوله: إِلَى الظِّلِّ، ما المراد بـالظِّلِّ؟ طالب: هو أن يقف بشجرةٍ أو يقف (...). الشيخ: أو بالجبل أو أكمةٍ. الطالب: الراجح أنه على (...). الشيخ: (...)، نعم. وقوله: إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ، لماذا لم تتعدَّ بـ(إلى)، والله يقول: يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ [فاطر: ١٥]؟ طالب: لأن (...). الشيخ: إي نعم، يعني لو أضيفَ الفقر إلى الله؟ الطالب: عُدِّي بـ(إلى). الشيخ: عُدِّى بـ(إلى)، وإذا أضيفَ إلى الشيء المحتاج إليه عُدِّي؟ الطالب: باللام. الشيخ: باللام، (...) فقيرٌ للمال، ولا تقل: فقيرٌ إليه؛ لأن المال ليس مبلغ (...) المفتقِرين، وإنما فيه زوال فقرهم، وأمَّا الله سبحانه وتعالى فهو (...). قوله: مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ، لماذا خَيْرٍبالجر ونُعِت بالرفع، ليش؟ طالب: (...). الشيخ: ليس نعتًا له؟ الطالب: نعم. الشيخ: ولكنه؟ الطالب: وصْف لموسى. الشيخ: وصْف موسى. لكنه أيش محله من الإعراب؟ الطالب: خبر. الشيخ: خبر أيِّ شيء؟ الطالب: (إنَّ). الشيخ: خبر (إنَّ). قوله: فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ [القصص: ٢٥]، ماذا تَمْشِيمن الإعراب؟ طالب: (...). الشيخ:

وَلَسْتُ بِنَحْوِيٍّ يَلُوكُ لِسَانَهُ

وَلَكِنْ سَلِيقِيٌّ أَقُولُ فَأُعْرِبُ

من يعرف؟ طالب: في موضع نصب على الحال. الشيخ: منين؟ فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ. الطالب: (...) من (جاءته). الشيخ: الفعل (...). الطالب: إِحْدَاهُمَا. الشيخ: إي، من إِحْدَاهُمَا. طيب، وقوله: عَلَى اسْتِحْيَاءٍ؟ طالب: (...) عَلَى اسْتِحْيَاءٍ، تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ. الشيخ: تَمْشِي، وقوله: عَلَى اسْتِحْيَاءٍأيش محله من الإعراب؟ الطالب: حال (...). الشيخ: حال من أي؟ الطالب: حال من.. الشيخ: فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ؟ الطالب: (...). الشيخ: لا، (...) ما هي جملة حال، الحال تأتي من الفاعل، ومن المفعول به، ومن (...). الطالب: تأتي. الشيخ: (...). الطالب: (...). الشيخ: لا، من يعرف؟ طالب: من (...). الشيخ: لا. طالب: من فاعل تَمْشِي. الشيخ: نعم، من فاعل تَمْشِي، يعني من الضمير المستتر في تَمْشِي؛ تمشي حال كونها على استحياء. طيب، أيهما التي جاءت، الكبيرة ولَّا الصغيرة؟ طالب: إِحْدَاهُمَا. الشيخ: القرآن ما بَيَّن، إِحْدَاهُمَاالكبيرة أو الصغيرة، الله أعلم، نعم.


يستفاد من الآية الكريمة أولًا: بيان (...) رأفة نبيِّ الله موسى بهاتين القاصرتين؛ لقوله: فَسَقَى لَهُمَا [القصص: ٢٤]. ثانيًا يُستفاد منها: توقي الأمور الضارة (...). (...) الاقتصار في الدعاء على ذِكر حال الداعي بدون طلب. من أين تؤخذ؟ (...) إيجاز الاقتصار في الدعاء على ذِكر حال الداعي فقط؛ من قوله: رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ [القصص: ٢٤]. وفيها أيضًا .. طالب: (...). الشيخ: ما يخالف، هذا دعاء (...). الطالب: (...). الشيخ: إي، (...) كبير ووحيد وخائف. الطالب: (...). الشيخ: سأل الله أن يسُدَّ فقره ويزيل حاجته. وفيها أيضًا من فوائدها: أنَّه ينبغي تصدير الدعاء بذِكْر الرَّبِّ، ربوبيَّة؛ لقوله: رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ، وقد ذكرنا أمس أنَّ هذا هو أكثر ما يُصدَّر به الدعاء -أي: وصْف الربوبية- لأن بالربوبية يكون الخلْق والتقدير للإنسان. ويستفاد من هذه الآية أيضًا: حاجة الإنسان إلى ربِّه تبارك وتعالى وأنَّه في غاية ما يكون من الضرورة إلى الخير النازل إليه من الله. ويستفاد منها: علوُّ الله. أو لا؟ لقوله: لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ؛ فإنه لا يكون الإنزال من الشيء إلا إذا كان عاليًا، فهو سبحانه وتعالى عالٍ بذاته وصفاته، فعلوُّه نوعان: علوُّ ذاتٍ، وعلوُّ صفةٍ. ولا يلزم من إثبات علوِّ الذات التجسيمُ كما يقوله المعطِّلون، ولا أنَّ المكان يحيط به كما قالوه أيضًا مُتوصِّلين بذلك إلى إنكار علوِّه؛ لأن هؤلاء المعطِّلة يتوصَّلون إلى تعطيله بمثْل هذا الكلمات؛ لأن إثبات هذا يستوجب (...)، من الأمور التي ليست بلازمة، لكنْ هم يرونها بعقولهم لازمةً فيُلزمون بها غيرهم ثم يتوصَّلون بها إلى أيش؟ إلى إنكار الصفات التي وَصَف الله بها نفسَه ووَصَفه بها رسوله صلى الله عليه وسلم. ثم قال: فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ [القصص: ٢٥]. يستفاد من هذا أولًا: بيانُ الوقار الذي جعله الله لموسى، هذه كانت جاءت إليه على استحياءٍ تعظيمًا له؛ لأنه كلَّما كان الإنسانُ أشدَّ وقارًا كان الحياءُ منه أكثر، ولذلك الرجلُ الذي ليس بوَقور تجد الناس لا يستحيون منه ولا يُبالون به، يتفوَّهون عنده بالكلام الذي لا يليق، ويفعلون عنده ما لا يليق لأنه ليس وقورًا، ولهذا يقال: احتَشِم تُحْتَشَم. ومنه أيضًا: بيانُ كمالِ خُلُق هاتين المرأتين؛ حيث جاءت تمشي، وليست تُسرع وتهرول، بل تمشي بهدوء، وهذا دليلٌ على كمال أدبها، وكذلك كونه على استحياءٍ فهو أيضًا من كمال الأدب. وفي قولها: إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ [القصص: ٢٥] أيضًا كمالُ أدبٍ؛ حيث نسبت الدعوةَ إلى مَن؟ إلى الأب دون نفسها، وهو أيضًا من كمال الذكاء؛ لأنَّ نسبة الدعوة إلى الأب أقربُ إلى إجابة موسى للدعوة؛ حيث يكون الداعي له رجلًا، وقد وصفتْه من قبل بأنه شيخٌ كبيرٌ، فيكون توجيه الدعوة منه إلى موسى أقرب إلى الإيجاب. وفيه أيضًا: دليلٌ على ذكائها من وجهٍ ثانٍ؛ لقولها: لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا [القصص: ٢٥]، لو قالت: إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَولم تقل: (...)، من أجْل أن يوجَّه إليه تهمة، أو من أجْل أن (...) أو ما أشبه ذلك، لكنها قالت: لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَاليطمئنَّ، وليكون أدعى إلى إجابة الدعوة. ويستفاد من الآية أيضًا: أنه ينبغي للإنسان كمالُ الأدب في الأساليب وإزالةُ الوحشة؛ لقوله: إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا، فإنَّ في هذا إزالة الوحشة، وأنَّه ينبغي للإنسان أن يُزيل الوحشة عن المخاطَب، لا سيَّما في المكان الذي يقتضي الوحشة. فهمتم؟ وكما ينبغي أن يكون ذلك في اللفظ ينبغي أن يكون ذلك في الحال -في حال المرء- بحيث يقابل غيره بالبِشْر والسَّماحة وطلاقة الوجه، ولهذا كان من أوصاف النبي عليه الصلاة والسلام أنه كان دائم البِشْر كثير التبسُّم، وضدُّ ذلك أيش؟ العبوس والتقطيب وعدم الانشراح؛ فإنَّ هذا يوجب لغيرك أن يَنْفر منك، وكذلك أيضًا يوجب ألَّا يأنس بك أحد، حتى لو جلس عندك ما يأنس، لكن إذا رآك الإنسانُ .. ففضْل الله يؤتيه من يشاء، هذا الأمر قد يكون بالتكسُّب وقد يكون غريزة؛ فإنَّ من الناس مَن يَهَبُه الله سبحانه وتعالى مثْل هذه الخصلة الطيبة، ومن الناس مَن يُحرَم منها، ومن الناس مَن يحاول أن يتخلَّق بها، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام لأَشَجِّ عبد القيس: «إِنَّ فِيكَ خَصْلَتَينِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ: الْحِلْمُ وَالْأَنَاةُ». (...)، قال: يا رسول الله، أَخُلُقينِ تخلَّقتُ بهما أمْ جَبَلني الله عليهما؟ فقال: «بَلْ جَبَلَكَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا» . فهذا يؤخذ منه أنَّ مثْل هذه الأخلاق تكون بالتخلُّق وتكون بالجِبِلَّة، وأيهما أَثْبت؟ طالب: الجِبِلَّة أَثْبت. الشيخ: الجِبِلَّة أَثْبت، ولهذا قال رسول الله: «بَلْ جَبَلَكَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا»؛ لأنَّ التخلُّق قد ينسى الإنسان أحيانًا، ينساه ولا يتخلق ويكون على جبلته (...)، لكن الجِبِلَّة لا شك أنها أَكْمل، إنما من الممكن الإنسان بالتعوُّد والتخلُّق على الشيء يكون ذلك خُلُقًا له. طالب: (...)؟ الشيخ: إي، ما يصلح، وإلا الجِبِلَّة أكمل، أنه (...) أتخلَّق بالأخلاق الفاضلة (...)، هذه جِبِلَّة، وإلا الآن (...)، وكم من أناسٍ تغيَّرت طِباعُهم وحسنتْ أخلاقُهم بما مَنَّ الله به عليهم.


قال: (عَلَى اسْتِحْيَاءٍأي: واضعةً كُمَّ دِرعها على وجهها حياءً منه). هذا ذكره ابن كثير عن عمر رضي الله عنه وقال: إن إسناده صحيح ، ومثل هذا عن عمر قد يكون على سبيل التوقُّع؛ أنَّه توقَّع منها رضي الله عنه أنَّ درعها على وجهها، لكن في الآية ليس ذلك بوارد. كُم الدرع على الوجه، أيش هو الدرع؟ الدرع الذي يسمونه الناس (...)؛ لأنه مثل الدرع الذي يلبس في الحرب، لكن كيف واضعة كمَّها على وجهها؟ معنى ذلك أنه كذلك؟! إي نعم هكذا، (...) كذا، حياءً منه.

طالب: (...). الشيخ: لا، هي ذات الأكمام الواسعة، هذا ما يسمى درعًا، عند النساء لازم تكون واسعة جدًّا، ما يسمى درعًا (...). طيب، قالت: إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ، أنا عندي إشكال في أَبِي، المعروف أنَّ الأسماء الخمسة تُنصب بالألف، هل هنا منصوبة بالألف في قولها: إِنَّ أَبِي؟ طالب: إي نعم. الشيخ: كيف؟ الطالب: الله أعلم. الشيخ: الله أعلم. طالب: (...). الشيخ: إي، طيب، الدليل من كلام ابن مالك أنه يُشترط ألَّا تضاف إلى ياء المتكلم. الطالب: ما لم تُضَفْ أو (...). الشيخ: (...). طالب: قوله:

وَشَرْطُ ذَا الْإِعْرَابِ أَنْ يُضَفْنَ لَا

لِلْيَا كَجَا أَخُو أَبِيكَ ذَا اعْتِلَا

الشيخ: إي نعم.

وَشَرْطُ ذَا الْإِعْرَابِ أَنْ يُضَفْنَ لَا

لِلْيَا كَجَا أَخُو أَبِيكَ ذَا اعْتِلَا

فهنا مضافة إلى الياء، ولهذا نقول: أَبِياسم (إنَّ) منصوب بفتحة مقدَّرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحلِّ بحركة المناسبة، فهمتم يا جماعة؟ أما كلام العوام يقول: قال أبوي، فهذا عامِّي، من الكلام العامِّي، ما هو بالعربية. طيب، إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَاللام للتعليل؛ يعني: يدعوك لهذا الغرض، ومعنى (يجزيك) يكافئك، (...) المكافأة؛ من: جَزَى يَجْزِي. وقوله: أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا [القصص: ٢٥]، مفعولٌ ثانٍ لـ(يجزي)، ينال أجرَه أو عِوضَه، فالأجر هو العِوَض المأخوذ في مقابلة عمل. وقوله: مَا سَقَيْتَ لَنَاأي: لأجْلنا، ومَافي قوله: مَا سَقَيْتَشرطية؟ طالب: ليست شرطية. الشيخ: ليست شرطية. موصولة؟ طالب: (...). الشيخ: ليست موصولة أيضًا، (...). طالب: مصدرية. الشيخ: نعم، مصدرية؛ يعني: ليجزيك أجر سَقْيِك. ولا تصلح: ليجزيك أجر الذي سقيتَ؛ لأنه إنما يريد أجر الذي سَقَى ولَّا أجر السَّقْي؟ أجر السَّقْي، وعلى هذا فـمَامصدرية، لو قال: أجر الذي سقيتَ، لصار أجر الغَنَم، وهي لا تريد أن يعطيه أجر الغنم، إنما تريد أنَّ والدها يجزيه أجر سَقْيه للغنم، فيتعيَّن أن تكون هنا مصدرية. واللام في قوله: لَنَاهي مثلها في قوله: فَسَقَى لَهُمَاأي إنها للتعليل وليست للتعدية. (فأجابها) أجابها موسى؛ يعني أجاب دعوة أبيها (منكِرًا في نفسه أخْذ الأُجرة). يعني: أجابها وهو مضمرٌ أنه مو بآخذ الأجرة. منين علمنا هذا؟ قالوا: نعلم بأنَّ موسى فعل ذلك لله، ومَن فعل شيئًا لله ما يمكن يأخذ عليه أجرًا في الدنيا. ولكن هذا لا يتعيَّن أو لا يُعيِّن أن يكون موسى يأخذ أجرًا، فإننا لو قيل لنا: هل تشهدون بأن موسى في تلك الحال عندما أجاب الدعوة قد أضمَر في نفسه أنه ما هو بآخذ الأُجرة؟ تشهدون ولَّا لا؟ طالب: لا. الشيخ: ما نشهد، ما ندري، قد يكون موسى عليه الصلاة والسلام يأخذ الأجرة لأنه محتاجٌ فيأخذها لسدِّ حاجته، وقد لا يأخذها تكرُّمًا منه؛ إمَّا أنه ممنوعٌ أن الإنسان يأخذ أجرًا مقدَّمًا على ما يفعله لله، ثم لو كُوفِئ به فإنه لا مانع أن يأخذه، لو كُوفِئ به مكافأةً فإنه لا مانع أن يأخذ، بل إنَّ الرسول عليه الصلاة والسلام لَمَّا بعث عمر عاملًا على الصدقة وأعطاه، قال: أعطِهِ أفقرَ منِّي، فقال: «مَا جَاءَكَ مِنْ هَذَا الْمَالِ وَأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ وَلَا سَائِلٍ فَخُذْهُ» ، ومعلومٌ أنَّ عمر لم يكن يتطلَّع إلى أخذ عمالةٍ؛ بدليل أنه قال: أعطِهِ أفقرَ منِّي، ورغم ذلك قال الرسول: «خُذْهُ»، فالإنسان الذي يعمل عملًا لله إذا كُوفِئ عليه ما يَبطل أجره ما دامتْ نِيَّتُه في الأصل خالصةً لله. إذَنْ فدعوى أنَّ موسى كان منكِرًا في نفسه أخْذَ الأُجرة ليس عليها دليل، وليس لنا الحقُّ أن نتكلَّم بهذا (...). (كأنَّها قصدتْ المكافأة إنْ كان ممن يريدها، فمشتْ بين يديه). (كأنَّها) المؤلف (...)، يعني أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَامعروفٌ أنَّ الأجر لا يكون إلا بعقد إجارة. وهل وقع بين موسى وبين المرأتين عقد إجارة على أن يسقي لهما؟ طالب: لا، ما وقع. الشيخ: لا، لكن يقول: (كأنَّها قصدتْ المكافأة إنْ كان ممن يريدها)، فسَمَّت هذه المكافأة سَمَّتها أجرًا. (فمشتْ بين يديه، فجعلتْ الرِّيح تضرب ثوبَها فتكشف ساقيها، فقال لها: امشي خلفي ودُلِّيني على الطريق). نقول: حكاية هذه القصة ما لها أَثَر، وهي قوله: (فمشتْ بين يديه)، لكن هم يأتون بها توطئةً لقولها: إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ [القصص: ٢٦]، فقد سبق أنه نَزَع الصخرة العظيمة اللي ما يحملها إلا عشرة. طالب: هو قوي. الشيخ: لأجل القوة، وهنا لأجل الأمانة. (ففعلتْ، إلى أنْ جاءَ أباها وهو شُعَيْبٌ عليه السلام وعنده عَشاء، فقال له: اجلس فتعشَّ. قال: أخاف أنْ يكون عِوَضًا مما سقيتُ لهما، وإنَّا أهل بيتٍ لا نطلب على عملِ خيرٍ عِوَضًا. قال: لا، عادتي وعادة آبائي نقري الضيفَ ونُطعم الطعامَ. فأكل وأخبره بحاله). كل هذا لا دليل عليه، ما فيه دليل، والذي عليه الدليل أنَّ موسى صلى الله عليه وسلم أجاب الدعوة ومشى حتى وصل إلى الأب، وهذا يكفينا أن نعتقد ما دلَّ عليه القرآن من هذه القصة، أمَّا أن نأتي بشيءٍ لا ذِكْر له في الآية فلا. يقول: فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ [القصص: ٢٥]. الفاعل في جَاءَهُمَن؟ موسى. وَقَصَّ عَلَيْهِأي: موسى. الْقَصَصَ(...) بمعنى المقصوص؛ لأن القَصص مصدر (...)؛ قال الله تعالى: فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا [الكهف: ٦٤] أي: يقُصَّان الأثر قَصَصًا. والقصص هو اللي يُقَص؛ لأنه يُقص المقصوص، وعلى هذا فهو مصدر بمعنى اسم المفعول، والمصدر بمعنى اسم المفعول يأتي كثيرًا؛ كقوله: وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ [الطلاق: ٦]؛ أُولَاتِ حَمْلٍأي: محمول. وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» ، مع أنَّ الآية (...) لأنه وصْف للمرأة. على كل حال هنا الْقَصَصَنقول: مصدرٌ بمعنى المقصوص. لماذا لا نجعله مصدرًا بمعناه الحقيقي؟ لأنَّ القصص فعلُ القاصِّ وليس هو شيئًا يُخبَر عنه، وإنما الذي يُخبَر عنه ويُقَصُّ هو الشيء المقصوص؛ يعني القضية أو القصة أو ما أشبه ذلك، هذا الذي يُقَصُّ. ما هو القصص الذي قَصَّ عليه؟ قال: (من قتْلِهِ القبطيَّ، وقصْدِهم قَتْله، وخوفِهِ من فرعون). قصَّ عليه قضيَّته كلها؛ بأنَّه كان في مصر مثلًا، وأنَّه حصل كذا وكذا من قَتْل القبطي، وأنَّ رجلًا جاءه فنصحه أن يخرج وأنَّه خرج، ولهذا قال: الْقَصَصَ. قَالَ لَا تَخَفْهذه قَالَجواب (لَمَّا)؛ فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ ... قَالَأي: صاحب مدين لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [القصص: ٢٥]. لَا تَخَفْاللام هنا ناهية، والمراد به (...) النهي، ولَّا المراد به تطمين هذا الرجل؟ تطمينه، وعلى هذا فيكون قوله: نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَتأكيدًا للجملة في المعنى، تأكيدًا للجملة في كل (...)؛ أي: لا خوف عليك لأنك نجوتَ من القوم الظالمين. وسبحان الله العظيم! جاء كلام هذا الرجل مطابقًا لسؤال موسى؛ موسى خرج منها خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ، فجاء الجواب هنا من هذا الرجل: لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ، لَا تَخَفْإجابةٌ لقوله: خَائِفًا يَتَرَقَّبُ، نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَإجابةٌ لقوله: نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ، فكان جواب هذا الرجل مطابقًا لسؤال موسى، وهكذا تكون إجابة الله تعالى للمضطرِّ مطابقةً تمامًا لسؤاله. (إذْ لا سلطان لفرعون على مَدْين) وهذا هو الظاهر أنَّه يُطَمئنه بأنه نجا من القوم الظالمين؛ لأن سلطان فرعون وينه الآن؟ إنما هو في مصر وما حولها، أمَّا مَدْين فإنه لا سلطان لفرعون عليها؛ إذْ لو كان له سلطانٌ عليها ما نجا منهم، ما نجا من القوم الظالمين.

طالب: (...). الشيخ: (...) قريبة من مصر، تقدَّم في كلام المؤلف أنها على ثمانية أيام من مصر. الطالب: (...)؟ الشيخ: يمكن يكون، ولكن في الحدود، الحدود كما تعرفون ما هو بالشيء القليل، يحتاج إلى (...) مملكتان ليس بينهما إلا خط وهْمي. قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ(قَالَتْ إِحْدَاهُمَا [القصص: ٢٦] وهي المرسَلة، الكُبرى أو الصُّغرى). يعني ما ندري الكبرى أو الصغرى القائلة، الله يقول: قَالَتْ إِحْدَاهُمَا، وأمَّا كونها المرسَلة فهو بناءٌ على ما سبق من أنها جعلت تمشي أمامه وجعلت الريح تكشف عن ساقيها، فقال: كوني خلفي، فعرفت بذلك أن الرجُل أمينٌ، هذا السبب في قوله: (وهي المرسَلة)، ولكني أسألكم الآن: هل يتعيَّن أن تكون القائلة هي المرسَلة أو الباقية؟ طالب: لا يتعيَّن. الشيخ: لا يتعيَّن هذا ولا هذا، قد تكون المرسَلة وقد تكون الباقية، المهم أننا حسبُنا أن نُبهِم ما أبهمه الله. قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ [القصص: ٢٦] يَا أَبَتِ، كيف يَا أَبَتِ؟ تقول: يا أبي، أو التاء للتأنيث لأنها مؤنثة؟ طالب: (...). الشيخ: يجوز إبدال الياء بالتاء، يجوز إبدالها بالتاء فيقال: (أبتِ) بدل (أبي). قالت: يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُهنا أي: اجعلْه أجيرًا عندك. وهذا الأمر ليس بمعناه الحقيقي، ليس لطلب الفعل على وجه الفعل؛ لأن البنت ما يمكن أن تأمر أباها أمرًا، ولكنه؟ طالب: للدعاء. الشيخ: للدعاء! طالب: (...).

الشيخ: الدعاء، ما يصلح أن تقول: للدعاء، ولا للالتماس؛ لأن الالتماس يقولون: من النظير لنظيره. طالب: للترجِّي. الشيخ: ولكن .. نعم للترجِّي أو للسؤال، للسؤال؛ لأن الدعاء ما ينبغي أن يقال إلا في جانب الله سبحانه وتعالى. طالب: (...)؟ الشيخ: لا، ما تأمره (...). طالب: حتى (...)؟ الشيخ: لا، ما يتعيَّن، هل فيه دليل أنهم (...)؟ ما فيه دليل، لكن الغالب أنه ما يتعيَّن، وإلا ربما (...). (اسْتَأْجِرْهُاتَّخِذْه أجيرًا يرعى غَنَمنا، أي: بَدَلنا). (...)، والثاني: أنَّ الرجل قويٌّ وأمينٌ ونحن في طمأنينة منه، وكذلك نحن في طمأنينة من أنه سوف يسقي لنا سقيًا كاملًا لقُوَّته. اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ [القصص: ٢٦] (أي: استأجِرْه لقُوَّته وأمانته). قالت: اسْتَأْجِرْهُهذا الحكم، وإِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَهذا التعليل؛ يعني: استأجِرْه لأنه قويٌّ أمينٌ، لكنها أتت بالتعليل على سبيل القاعدة العامة، لو قالت: استأجِرْه إنَّه قويٌّ أمينٌ، صار هذا تعليلًا لمسألةٍ خاصةٍ وهي استئجار موسى، لكنَّها أتت بهذه العِلَّة منطويةً تحت قاعدةٍ عامةٍ وهي: إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَسواء موسى ولَّا غيره، مَن؟ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ، وهذان الوصفان هما رُكنان في كلِّ عمل، فكلُّ عملٍ لا بدَّ فيه من هذين الأمرين، ما يكون إلا بهما، وهما: القوة والأمانة، فبالقوة يكون الفعل، وبالأمانة يكون تمام الفعل، وأمَّا مَن ليس قويًّا لا يفعل، ومن ليس أمينًا لا يُتمِّم الفعل وقد لا يفعله أصلًا، ولذلك إذا كان الإنسان قويًّا أمينًا حصل به تمام الفعل. طيب، في غير المستأجَر؟ يعني هذا خاص بالإجارة أنَّنا نتطلب القويَّ الأمين أمْ في جميع الأعمال؟ طالب: في جميع الأعمال. الشيخ: إي نعم، في جميع الأعمال؛ لو وكَّلنا شخصًا على بيعٍ فخيرُ مَن نوكِّل مَن؟ القوي الأمين، أمَّرنا شخصًا على قريةٍ فخير من نُؤمِّر القوي الأمين، ولَّينا شخصًا على قضاء بلدٍ فخير مَن نولِّي على القضاء القوي الأمين، ولهذا قال الجنِّيُّ لَمَّا قال لسليمان: أنا آتيك بعرش ملكة سبأٍ قبل أن تقوم من مقامك قال: وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ [النمل: ٣٩]، لَقَوِيٌّ أَمِينٌ، وهذا ما هو بأجير، هذا ليس بأجير. المهمُّ أنَّ القوة والأمانة شرطانِ أساسيانِ في كل عملٍ، مَن ليس قويًّا لا يُمكن أن يفعل، ومَن ليس أمينًا لا يؤتَمن ولا يُكمِّل الفعل ولا يتمِّمه. إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ، وموسى قويٌّ أمينٌ. (فسألها عنهما فأخبرتْه بما تقدَّم من رَفْع حَجَر البئر ومن قوله لها: امشي خلفي، وزيادة أنها لَمَّا جاءته وعَلِم بها صوَّب رأسَه فلم يرفعه، فرغب في إنكاحه). قوله: (فسألها) أي: أبوها. (عنهما) أي: عن القوة والأمانة؛ منين عرفتِ أنَّ الرجل قويٌّ أمينٌ؟ فذكرتْ له؛ (أخبرتْه بما تقدَّم من رَفْع حَجَر البئر) رَفَع حجرَ البئر، وعادةً لا يرفعه إلا عشرة أنفس، وهذا دليلٌ على قوَّته. كانت تمشي أمامه والريح تكشف ساقيها فقال: كوني ورائي، وهذا دليلٌ على أمانته. كذلك أيضًا -زيادة من الأمانة- أنَّه لَمَّا علم بها موسى (صوَّب رأسه) أي نَزَّله (فلم يرفعه)، وهذا من الأمانة. لكن نحن لا نحتاج إلى هذه الثلاث القضايا، بل هما عرفتَا أنه قويٌّ لنَزْعه الدلوَ وسَقْيِه لهما، وأنَّه أمينٌ بحيث إنه سقى سقيًا تامًّا ولم يأخذ شيئًا من الغنم، وهذا يدلُّ على أمانته؛ فالأمانة والقوة أُخِذتَا من سَقْيه، ولا يلزم أن نصطنع شيئًا لأجْل أننا نُثبت لكونه قويًّا أمينًا، ما حاجة لهذا الاصطناع، فالإنسان يُعرف بقوَّته من نَزْعه الدلو، الإنسان (...)، وكونه أيضًا يسقي سقيًا كاملًا يَدَع الغنم حتى تروَى يدلُّ على أنَّه أمين؛ لأنَّ غير الأمين ما يسقي سقيًا كاملًا، ينزع (...) دَلْوًا أو دَلْوين، لكن (أمين) هو الذي يأتي بالشيء على وجهه، فهذا وجه معرفتهما لقوَّته وأمانته. طالب: شيخ، الفرق بين (...)؟ الشيخ: إي، لأن اللي حصل لموسى مع المرأتين ما حصل إلا أنه سقى لهما ثم تولَّى إلى الظل. الطالب: قد يقال: إنه عرف (...) من طريق آخر (...). الشيخ: ما ذُكر لنا، الأصل عدم وجود ما لم يُفعل، الأصل عدمه، نستنبط من القصة فقط، أمَّا مثلًا (...) ما تتعين هذه، الإنسان يأتي بكلامه على ظاهره، والاحتمال الوارد لا يقبل. الطالب: طيب، هل يتعين (...)؟ الشيخ: وهذا الذي حصل، ما اتَّفقتا مع موسى إلا بالسقي (...). قال: (فرغب في إنكاحه). طالب: (...). الشيخ: هذه مشورة، من باب المشورة عليه، (...)، وفيه فائدتان: أولًا (...) وأنه قوي وأمين، والثاني (...) بدلأ من انهم يروحوا يزاحموا الرجال و يتعبوا (...). طالب: (...). الشيخ: (...). طالب: (...). الشيخ: واضح، لما يعرف الإنسان رجل واحد يسقي لك الغنم هذا (...). الطالب: (...). الشيخ: (...) حقه، فإذا عُلِم أنها أعطته حقه عُلِم أنه قوي وأنه أمين، إنسان استُؤجر (...)، ما لم يعرف أن الإنسان الذي يؤدي ما عمل على وجه التمام إلا أمين. وليس هذا (...) الإجارة، حتى لو تبرع لك إنسان، قد يجي واحد تلقاه يتبرع لك (...). طالب: يعني (...). الشيخ: ربما يكون هذا، لكن بس الشيء اللي ما هو موجود في القرآن، (...) الذي نعتقده (...)، لكن في هذه كثيرًا ما تقع، قد (...). طالب: ولكن لا تقع (...). الشيخ: لا، هذه الفكرة غلط (...). طالب: قد (...). الشيخ: نعم، على أن الأمانة (...).


(...) نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [القصص: ٢٥] أظن هذا مبتدأ المناقشة والفوائد. طالب: (...). الشيخ: نعم، قوله: وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ، الْقَصَصَما هو موقعه في الإعراب؟ الطالب: مصدرٌ بمعنى المقصوص. الشيخ: بمعنى المقصوص. وهي تصح مصدرًا على حقيقته؟ مَن يعرف؟ طالب: (...). الشيخ: القَصص فعل؛ قصصتُ على فلانٍ قَصَصًا؛ يعني: فعلتُ ذلك. فالفعل ما هو يُقَصُّ، فإنَّ الذي يُقَصُّ المفعول؛ الأخبار المقصوصة. أمَّا من حيث الإعراب فإنَّ محلَّه مفعولٌ به؛ مفعولٌ لـ(قَصَّ). قوله: نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ، ما معنى نَجَوْتَ؟ طالب: (...). الشيخ: النجاة من الشيء أيش معناها؟ الطالب: (...). الشيخ: إي، يعني الخلاص منه. طيب، ثم إنَّ هذه الجملة مطابقةٌ لسؤال موسى ولحاله أيضًا، تدري ذلك؟ طالب: لأنه دعا الله سبحانه وتعالى وكان خائفًا يترقَّب: رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ. الشيخ: نعم، فأبدل الله الخوف؟ الطالب: فأبدل الله الخوف بالأمن. الشيخ: بقوله: لَا تَخَفْ [القصص: ٢٥]. الطالب: لَا تَخَفْ. الشيخ: طيب. الطالب: وقوله: نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَمطابق لما سأله. الشيخ: لما سأله؛ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ. لماذا قال له: إنك نجوتَ من القوم الظالمين؟ طالب: لأن (...). الشيخ: قوله: إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ [القصص: ٢٦]، أيش محلها مما قبلها في المعنى؟ طالب: تعليلية. الشيخ: تعليلية؛ كأنها تقول: استأجِره فإنَّه قويٌّ أمينٌ. طيب، هذان الوصفان هما الوصفان الأساسيان في الأعمال. أو لا؟ لأنَّ ضدَّ القوة الضعف، والضعيف ما يستطيع يعمل، وضدَّ الأمانة الخيانة، والخائن لا يُتمِّم العمل، كذا؟ وهذان الوصفان أساسيَّان في كل ولاية؛ في الخلافة، والإمارة، والإدارة، والوكالة، والوصيَّة، وغير ذلك، كل ولاية لازم فيها من الأمرين: القوة والأمانة. طالب: (...)؟ الشيخ: القوة في العمل؛ فالعمل الذي يقتضي طاقةً جسميَّةً لا بدَّ أن يكون قويَّ الجسم، والعمل الذي يقتضي طاقةً فكريةً كالأعمال الحسابية وما أشبهها لا بدَّ أن يكون قويًّا في ذلك، فالمراد القوة في العمل حسب طبيعة العمل.


نرجع الآن إلى فوائد الآيات. فمن فوائد الآيات .. ذكرنا أدب هاتين المرأتين، وذلك بالحياء، (...) ولَّا ما ذكرناها؟ كمال أدب المرأتين؟ طالب: إي، ذكرناها. الشيخ: وذكرنا كمالَ ذكائهما أيضًا من وجوهٍ ثلاثة. قوله: فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [القصص: ٢٥]. يُستفاد من الآية: أنَّ قصَّ الأخبارِ لا يُعتبر شِكاية؛ لو قصصتَ على إنسانٍ ما جرى عليك من المصائب فإنَّه لا يُعتبر ذلك من الشكاية إليه، ولهذا يُقال: إخبارٌ .. المريض يقول مثلًا لمن سأله عن حاله: إخبارٌ لا شكوى. والفرق بينهما: أن الشكوى تتضمَّن طلب إزالة الشيء والتضجُّر منه، التضجُّر من الشيء وطلب إزالته، وأمَّا الخبر فإنه مُجرد عن ذلك، مُجرَّد إخبار عن أمرٍ وقع. طالب: (...)؟ الشيخ: لا ما أعرف (...). وفيه أيضًا: دليل.. الطالب: (...). الشيخ: (...) الإنسان الذي أخبر عن حاله (...) وكذا وكذا وكذا، ما هو طيِّب. الطالب: (...). الشيخ: إن تعلق بالغير يُنظر؛ إذا كان مظلومًا فالله يقول: لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ [النساء: ١٤٨]، ولا يمكن دفع ظُلم الظالم إلا بذكر ظُلمه ولو كان يكره ذلك. الطالب: لكن في (...). الشيخ: يُنظَر، المهمُّ أن الكلام على أنَّ الإنسان إذا أَخبر عمَّا يقع عليه -نحن نتكلم بهذا- فإنَّه لا يُعتبر ذلك شكاية، حتى في الأمور المكروهة التي جرتْ عليه فإنه لا يُعتبر ذلك من الشكاية؛ لذلك قصَّ الخبر. وفيه أيضًا: دليل على فقه صاحب مدين؛ حيث طمأنه مع ذكر السبب فقال: لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ؛ لأن قوله: لَا تَخَفْيفيد طمأنينة الرجل، ونَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَيفيد العِلَّة في ذلك، لو قال: لَا تَخَفْولم يقل: نَجَوْتَفقد يظن الظانُّ أنه أراد أن يُهَوِّن عليه الأمر وإن كان فيه احتمال ألَّا ينجو منه، فإذا قال: نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَصار هذا بيانًا للحكم مع العِلَّة. وفيه: دليلٌ على أنَّ آل فرعون معروفون بالظلم عند الناس في ذلك الوقت؛ لقوله: نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ. وفيه أيضًا: دليلٌ على أنَّ جنود الظالم ظَلَمة؛ لأنه ما قال: نجوتَ من الظالم، قال: مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ، وهو كذلك؛ فإنَّ جنود الظالم ظَلَمة، ولهذا لو أمرك..