تفسير سورة الفرقان - ٤
درس صوتي · ٩١:٣٣
جارٍ تجهيز الصوت
انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها
إعدادات
اختصارات لوحة المفاتيح
محتوى الدرس
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. فيما مر من الآيات السابقة دليل على أنه يجب على المرء أن يختار لنفسه الأصحاب، أهل العلم والدين. من أين يؤخذ؟ طالب: لقوله.. الشيخ: إي، لقوله: يَا وَيْلَتَى. الطالب: لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا [الفرقان: ٢٨]. الشيخ: نعم. طيب، أحسنت. وفيه دليل أيضًا على أن الشيطان يأمر الإنسان بالشر ثم يخذله في أحوج ما يكون إليه؟ طالب: (...) يوم القيامة. الشيخ: من الآيات. طالب: قوله تعالى: وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا [الفرقان: ٢٩]. الشيخ: وَكَانَ الشَّيْطَانُ؟ الطالب: لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا. الشيخ: طيب، زين، هل تحفظ مثالًا لخذلان الشيطان لأصحابه في الدنيا؟ طالب: وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ [الأنفال: ٤٨]. الشيخ: نعم. الطالب: وكل هذا يوم (...). الشيخ: أحسنت. وتحفظ مثالًا من خذلانه لهم في الآخرة؟ طالب: قوله تعالى: (...). الشيخ: لا، نريد الشيطان. طالب: كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ [الحشر: ١٦]. الشيخ: لا، هذه ربما تكون في الدنيا وفي الآخرة، ما هي بصريحة في الآخرة. طالب: وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ. الشيخ: مَا أَنَا؟ الطالب: مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ. الشيخ: أحسنت، وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ [إبراهيم: ٢٢]. طيب، إخبار الله تعالى عن الشيطان بأنه خذول لبني آدم أو للإنسان، ما الغرض منه؟ طالب: التحذير من توليه والانصياع لما يوسوس للإنسان به بترك ما أمره الله أو فعل ما نهى الله عنه. الشيخ: أحسنت، بارك الله فيك، التحذير. إذا قال قائل: ما هي العلامة على أن هذا من أوامر الشيطان أو من غيره؟ هل هناك علامة تدل على أن هذا من أوامر الشيطان أو ليس من أوامره؟ طالب: (...). الشيخ: يأمره بالشر؟
الطالب: (...). الشيخ: يعني في الشيء، يعني يبين هذا يعني، آية من القرآن تبين ويش يأمره به الشيطان؟ أحد منكم يعرف؟ نعم؟ طالب: (...). الشيخ: الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ [البقرة: ٢٦٨]، والذي قلت: وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٦٨) إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ [البقرة: ١٦٨، ١٦٩]، ومثل قوله: الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ [البقرة: ٢٦٨]، فقوله: يَعِدُكُمُ الْفَقْرَهذا مثال للتفريط في الأوامر، متى يعد الفقر؟ عندما يريد الإنسان أن يبذل المال، يقول له: لا تبذل المال، تفتقر. نعم، وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِالمنكر. قول الله تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ [الفرقان: ٣١]، ويش الغرض من هذه الجملة؟ طالب: تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم. الشيخ: نعم. الطالب: و.. الشيخ: تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم. الطالب: ليعتبر فيما مضى (...). الشيخ: نعم، كون الرسول عليه الصلاة والسلام يحتاج إلى التسلية يدل على؟ كون الرسول يحتاج إلى التسلية ويش يدل عليه؟ طالب: يدل على (...). الشيخ: إي. طالب: يدل على أن (...). الشيخ: يعني الرسول صلى الله عليه وسلم يحتاج إلى أن الله يسليه بما سبقه من أحوال الرسل. طالب: أنه بشر من البشر ينتابه ما ينتاب البشر. الشيخ: أحسنت، يدل على أن الرسول عليه الصلاة والسلام بشر ينتابه ما ينتاب البشر من الحزن والأسى، فيحتاج إلى التسلية، وأنه من دون الرسول من باب أولى، عندما يأتي إنسان مثلًا من دعاة الخير ويشكو إلينا ما أصابه من الناس، نقول له: انظر مثلًا إلى فلان وانظر إلى فلان وانظر إلى فلان وانظر إلى فلان، ولا يقال: إن هذا قصور في حقه، هذا أمر لا بد منه، الطبيعة البشرية تقتضي أن الأمر يهون على النفس إذا كان أصاب الغيرَ مثل ما أصابك. قوله تعالى: وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا [الفرقان: ٣١]، مناسبة وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًالذكر أن الله جعل لكل نبي عدوًّا من المجرمين؟
طالب: (...). الشيخ: ما يكفي هذا، هذا لا يكفي. طالب: (...)، وهو النصير سبحانه وتعالى رغم قتال المشركين للمؤمنين. الشيخ: تمام، يعني هؤلاء المجرمون يحاولون القضاء على الرسالة أو النبوة بواحد من أمرين: إما بإضلال الناس وصدهم عما جاءت به الرسل، وإما بقتالهم وإهلاكهم، يعتدون على الناس بالقتال، فقال الله تعالى: وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًافي مقابلة أيش؟ محاولة الإضلال، ووَنَصِيرًافي مقابلة محاولة القضاء على النبوة، على الأنبياء وأممهم. هذه العداوة التي تكون للأنبياء، هل تكون لورثتهم؟ طالب: نعم. الشيخ: كيف ذلك؟ الطالب: لأنهم يدعون لما يدعو له النبي. الشيخ: لأنهم يدعون لما يدعو له النبي، ونحن نعلم أن هذه العداوة ليست شخصية، وإنما هي معنوية بسبب النبوة. كذا؟
الطالب: نعم. الشيخ: طيب، ما هو دليلنا يا أخ على أنها ليست عداوة شخصية؟ طالب: (...)؟ الشيخ: إي، يعني أن عداوة الأمم المكذبين للرسل ليست لأشخاص الرسل، بل لما جاءوا به من حق؟ الطالب: (...). الشيخ: أحسنت؛ لأن قريشًا ليست تعادي الرسول صلى الله عليه وسلم قبل أن يُبعث، بل هي ترى أنه من أشد الرجال أمانة وصدقًا. طالب: (...). الشيخ: طيب، ما يخالف. الطالب: قول أصحاب شعيب أو قوم شعيب: إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ [هود: ٨٧]، وقول أصحاب صالح: قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا [هود: ٦٢]. الشيخ: إي نعم. الطالب: (...). الشيخ: أحسنت، هذه أيضًا مما يدل بالنسبة لما سبق من الرسل.
تفسير الآيات (٣٢-٣٤)
٠٠:٠٨:٥٦
قال الله تبارك وتعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَاهَلَّا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً [الفرقان: ٣٢] كالتوراة والإنجيل والزَّبور). وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا، هذا من جملة الشبه التي أوردها المكذبون للرسول صلى الله عليه وسلم، قالوا: الكتب السابقة تنزل على الأنبياء جملة واحدة، مثل: التوراة والإنجيل والزبور، وكذلك غيرهم، تنزل جملة واحدة لا مفرقة، فقال هؤلاء: لو كان محمد – صلى الله عليه وسلم – صادقًا وأنه نبي من الأنبياء، لكان شأنه شأن الأنبياء السابقين ينزل عليه القرآن جملة واحدة، وأتوا بـ(لولا) الدالة على التحضيض، يعني معناه: أنه كان ينبغي أو يجب أن ينزل عليه القرآن جملة واحدة -على زعمهم- كما نزل على الأنبياء السابقين. وهنا: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا، لا شك أنهم قريش؛ لأنه يتحدث عن أمر وقع، ولا يمكن أن تكون عامة لجميع الكفار، يعني ما يمكن تكون عامة لكفار الأمم السابقين، لكن ربما يكون هذا القول موروثًا عن قريش ويقوله من يقوله بعدهم تمويهًا وتضليلًا للناس. وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً [الفرقان: ٣٢]. كلمة نُزِّلَوكلمة جُمْلَةً، قد يفهم منهما التعارض؛ لأن المعروف أنه إذا كانت بالتشديد نُزِّلَفهي لما ينزل شيئًا فشيئًا، وإذا كانت (أنزل) فهي لما نزل جملة واحدة. وهنا قالوا: لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً، وكان مقتضى ما أشرنا إليه أن يقولوا: لولا أنزل عليه القرآن؟ فقيل: إن (أنزل) و(نزل) يتناوبان، كما تقول: خبَّرني وأخبرني، خبرني وأخبرني معناهما واحد، وإن كون (نزل) لما ينزل شيئًا فشيئًا و(أنزل) لما ينزل جملة واحدة، هذا ليس من مدلول اللفظ بذاته، ولكنه مما يعينه السياق والقرائن والحال. وعلى هذا فلا فرق بينهما، ويكون المراد بـنُزِّلَهنا ويش المراد بها؟ (أنزل) ولكن نابت عنها. ويحتمل أن يكون: نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةًأنهم قالوه على حكاية ما ينزل، ثم اقترحوا أن يكون جُمْلَةًنُزِّلَحسب الواقع؛ لأن الواقع أن القرآن ينزل على الرسول صلى الله عليه وسلم متفرقًا، ينزل متفرقًا، فكأنهم قالوا: هلا كان تنزيله الذي الآن ينزل شيئًا فشيئًا جملة واحدة، فيكون التنزيل هنا باقيًا على القاعدة، وهو لما ينزل شيئًا فشيئًا، ويريدون بذلك أن يقولوا، كأنهم يقولون: هذا التنزيل الذي كان صفة للوحي الذي ينزل على محمد صلى الله عليه وسلم لولا كان هذا التنزيل جملة واحدة. فأمامنا الآن جوابان: الجواب الأول: أن (نزّل) و(أنزل) يتناوبان، ويعين المعنى السياقُ والقرائن. ثانيًا: أنهما لا يتناوبان، ولكل واحدة منهما معنى، لكنهم قالوا: نُزِّلَباعتبار واقع الأمر، فإن الوحي كان ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم شيئًا فشيئًا، فكأنهم قالوا: لولا كان هذا التنزيل جملة واحدة. هذه الشبهة قد تكون شبهة في بادئ الأمر، يعني: لماذا لم يكن الوحي النازل عليه كالوحي النازل على من قبله؟ هذا قد يكون شبهة في بادئ الأمر، ولكنه في الواقع ليس بشبهة، بل هو حجة؛ ولهذا أجاب الله عنه بقوله: (قال تعالى: نزَّلناه كَذَلِكَأي: متفرِّقًا لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَنُقَوِّي قلبك وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا [الفرقان: ٣٢] أي: أتينا به شيئًا بعد شيء بتمهُّلٍ وَتُؤَدَة لِتيسير فهمه وحفظه). كَذَلِكَيعني: ينبغي أن تقف عند التلاوة على قوله: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً [الفرقان: ٣٢]، تقف لأنه إلى هنا انتهى كلام الكفار، ثم تبتدئ فتقول: كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ؛ لأن هذا الأخير من كلام الله، فيجب الفصل بينه وبين كلام الكفار؛ لأنه جواب عن الشبهة. وقوله: كَذَلِكَمفعول لفعل محذوف، مفعول مطلق، يعني: أنزلناه مثل ذلك التنزيل. واللام في قوله: لِنُثَبِّتَللتعليل، وهي متعلقة بالفعل المحذوف، يعني: أنزلناه لأجل التثبيت. والتثبيت معناه: التقوية والإقرار، يعني ليست مجرد تقوية؛ لأنك تقول: ثبت الشيء بمعنى: أقررته، لا يتزعزع ولا يتحرك، ومنه قوله تعالى: وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُتميل إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا [الإسراء: ٧٤]، فالتثبيت بمعنى التقوية، ويش بعد؟ والإقرار، يعني أنه يقرره ويجعله مستقرًّا. فقلب الرسول عليه الصلاة والسلام بهذا التنزيل يتقوى ويثبت ويستقر ما يتزعزع. وقوله: لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَكيفية التثبيت هنا من وجهين: أولًا: أنه إذا نزل عليه فترة بعد فترة، استقر فؤاده وعرف استمرار رسالته. وانظروا إلى حال النبي عليه الصلاة والسلام عند فترة الوحي ماذا كان يصنع؟ كان يخرج إلى الجبال حتى يوشك أن يتردى من الجبال؛ لأنه فقد ما كان أحس به أولًا، فهذا تثبيت، يثبت قلب الرسول بأنه رسول وأن رسالته لم تنقطع. هذا وجه. وجه آخر: أنه يثبت قلب الرسول عليه الصلاة والسلام، كلما أورد عليه شبهة نزل القرآن مجيبًا عليها، وهذا بلا شك تثبيت ولَّا لا؟ طالب: بلى. الشيخ: إذن يكون التثبيت هنا من ناحيتين: تثبيته على أنه رسول، وتثبيت آخر لدفع الشبهات التي تورد عليه. وهذا الأمر الأول ضربنا له مثلًا، أيش هو؟ بفترة الوحي. والأمر الثاني نضرب له مثلًا بهذه الآية: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً، جاء الجواب: كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ، وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍإلى آخره [الإسراء: ٩٠، ٩١]، وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ [العنكبوت: ٥٠، ٥١]. فهذا وغيره كثير يكون من جملة تثبيت قلب الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأنه إذا كان الإنسان يُمَدُّ بما يدافع عنه خصمه، فإن ذلك من أقوى ما يكون من التثبيت. وهنا بين الله الحكمة بأنه تثبيت فؤاد الرسول عليه الصلاة والسلام، وفي آية قال: وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا [الإسراء: ١٠٦]، فبين حكمة أخرى وهي أن يقرأه النبي صلى الله عليه وسلم على الناس على مكث ليكون أسهل لحفظه وأوعى لفهمه. أفهمتم؟ فما هي الحكمة في أن الله سبحانه وتعالى اختار في هذا الموضع أن يقول: لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ [الفرقان: ٣٢]، وهناك قال: لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ؟ الحكمة في هذا ظاهرة؛ لأنه هنا جوابًا لشبهة أوردت عليه، فناسب أن يبين الحكمة فيما يختص بالنبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنكم تعرفون أن البشر بشر يمكن يتأثر بما يورَد عليه من الشبهات؛ كما قال تعالى: وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا [الإسراء: ٧٤]، مفهوم؟ وقوله تعالى: وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا [الفرقان: ٣٢]، يقول المؤلف: (أَتَيْنَا بِهِ شَيْئًا بَعْد شَيْء)، وعلى هذا يكون هو معنى التنزيل، الترتيل بمعنى التنزيل. وعندي أن الترتيل أخص، يعني أن المعنى: جعلناه مرتلًا، يعني معناه: بعضه يعقب بعضًا، وكل آية منه منفصلة عن الأخرى. فكأن هذه الآيات كأنها مراحل للمسافر، والمسافر إذا كان له مراحل في سفره يهون عليه سفره، وتنقض هذه المراحل تعب سفره، لكن إذا كان دائمًا في مسير واحد يشق عليه. وكون النفس ترتاح للقرآن بسبب هذه الآيات والترتيل أمر معلوم، وتجزئة القرآن أيضًا لهذا السبب، كونه أجزاء لهذا السبب؛ لأجل أن يقطع الإنسان القرآن مرحلة مرحلة، فيهون عليه ويقوى في قراءته. وكذلك أيضًا جعله سورًا، كل سورة مستقلة عن الأخرى، هذا أيضًا من أسباب تنشيط القارئ واستمراره في قراءته. إذن ترتيل القرآن بالآيات والسور، هذا مما يفيد القارئ ويكسبه نشاطًا وقوة على القرآن حفظًا وفهمًا. وكذلك أيضًا من فوائد الترتيل أيضًا عملًا، من فوائد الترتيل أن العمل يأتي للناس شيئًا فشيئًا، ما ظنكم لو أن القرآن الكريم نزل جملة واحدة هكذا على الناس بجميع أحكامه؟ هل يستوعب الناس هذه الأحكام ويقومون بها ولَّا لا؟ ما يمكن، هذا صعب جدًّا، وليس من طريق التربية أو التنشئة، ولكن بحكمة الله سبحانه وتعالى كما هو شأن الله في كل شيء من الأمور القدرية والأمور الشرعية أنه ينشئها تنشئة، حتى الأمور الكونية تنشأ تنشئة، الجنين في بطن أمه كم يبقى؟ يبقى مدة، في بني آدم تسعة شهور، وغيرها من الدواب بحسبه. المهم أنه لا بد من تنشئة. الليل والنهار يأتي دفعة واحدة؟ طالب: لا. الشيخ: شيئًا فشيئًا، وهكذا الشرائع أيضًا تأتي إلى الناس شيئًا فشيئًا، لا سيما هذه الأمة، وإن كانت الأمم السابقة نزلت جملة واحدة، وهذا من الآصار والأغلال التي كانت عليهم؛ أن شرعهم ينزل جملة واحدة ويُلزمون به دفعة واحدة، لكن هذه الأمة من رحمة الله بها أنه رتل القرآن ترتيلًا حتى ينشئهم على الإسلام وعلى شريعة الله تنشئة شيئًا فشيئًا. طالب: طيب، ما وجه يعني الاستدلال، ماذا يريدون أن (...) النبي صلى الله عليه وسلم إذا قال محمد أن القرآن لم ينزل جملة، فما هو العيب؟ الشيخ: لا، العيب أنه ليس برسول؛ لأنه لو كان رسولًا لكان مثل غيره، ينزل عليه القرآن جملة، مثلما نزل على من سبقه جملة. الطالب: هذا هو؟ الشيخ: نعم إي، هذا هو، هي شبهة في الحقيقة، ما هي بحجة، هي شبهة يريدون التمويه بها، وإلا فليس هذا إطلاقًا بشيء يمنع من صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يأتي بالوحي شيئًا فشيئًا، لكن هم يقولون هذا، بالإضافة إلى ما سبق في سورة النحل، حيث قالوا: إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ [النحل: ١٠٣]، فهو عندهم إذا أضفت هذا إلى ما سبق كأنهم يقولون: هو يلقن القرآن تلقينًا، وإلا لنزل عليه جملة واحدة كغيره من الأنبياء. طالب: (...)؟ الشيخ: أيش لون؟ الطالب: اعتراف بأن القرآن يعني: منزل من الله سبحانه وتعالى؟ الشيخ: لا، ما اعترفوا. الطالب: يقولون: لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً [الفرقان: ٣٢]؟ الشيخ: إي، على حسب دعواهم. الطالب: على حسب دعواهم. الشيخ: إي، حيث يقولون: إنه نازل من عند الله، طيب (...) نزل عليك من الله جملة واحدة إن كنت صادقًا. طالب: (...)؟ الشيخ: أيهم؟ الطالب: كونه مثلًا مرة يدعون أنه يعلمه بشر، ومرة يدعون أنه ينزل عليه من السماء (...)؟ الشيخ: لا أصل (...)، هذا سؤال عبد الله. الطالب: إي. الشيخ: ليس إقرارًا منهم بالإنزال، لكن يقولون: هذا الذي يقول: إنه نزل عليه القرآن من الله (...) نزل عليه جملة واحدة. إي نعم، ما يقرون بهذا. الطالب: يقرون مثلًا (...). الشيخ: لا، ما فيه تناقض، أن هذا كلام ساحر يسحر الناس. قال الله تعالى: (وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍفي إبطال أمرك إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّالدافع له وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا [الفرقان: ٣٣] بيانًا). هذا من تثبيت قلب الرسول عليه الصلاة والسلام. وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ [الفرقان: ٣٣]، المراد بالمثل هنا الصفة؛ كما قال تعالى: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ [محمد: ١٥]. والمثل كما تعرفون يطلق على الشبه، مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا [البقرة: ١٧]، ويطلق على الصفة أو الوصف العظيم العجيب: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ [محمد: ١٥]، ويطلق على المثل المعروف بين الأدباء: وهو القول السائر الذي يراد به تشبيه الحال الواقع بما سبق أو ما أشبه ذلك. المراد بالمثل هنا الصفة، يعني: ولا يأتونك بصفة من القول، يريدون بها إبطال دعوتك إلا جئناك بالحق، إذن فهم يأتون بباطل ولَّا بحق؟ بباطل؛ لأنه قابل قولهم بالحق، فهذا دليل أيضًا على أن كل شبهة يحتج بها المكذبون للرسول صلى الله عليه وسلم فهي باطل، ولكن هذا الباطل باطل في ذاته، قد يظهر لبعض الناس بطلانه، وقد يخفى على بعض الناس بطلانه، وهذا من الفتن؛ فتنة الشبهة، يعني ليس كل ما كان باطلًا معلومًا لكل أحد، أليس كذلك؟ ولهذا أنت أحيانًا وأنت شخص واحد ينجلي لك الأمر واضحًا في بعض الحالات ويلتبس عليك في بعض الحالات حسب ما يكون قلبك صافيًا مطمئنًّا أو غير ذلك، ومن ثم نهي عن القضاء في حال الغضب، وعن (...) في حال الغضب، وفي حال الحر المزعج والبرد المؤلم وما أشبه ذلك؛ لأن الإنسان تحول هذه الأمور بينه وبين العلم بالحق أو إرادة الحق؛ لأنه عند الغضب يشتبه عليك الحق، أو ربما لا تريد الحق، تريد أن تنفذ غضبك فيمن غضبت عليه مثلًا. فالحاصل يا جماعة الآن نقول: كل شبهة يوردها الكفار في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام وفيما بعده فهي باطل، وما جاء أحد بباطل في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام إلا جاء الله بالحق. وقوله: وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا، يقول المؤلف في تَفْسِيرًا: (بيانًا)، وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًاأي: بيانًا. كيف وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا؟! يعني كلامهم الآن ما دام باطلًا فهل فيه بيان؟ الجواب: نعم؛ لأنهم يأتون بكلام جيد في فصاحته، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا» . لكن بيانهم هذا وفصاحتهم وسحرهم اللفظي يأتي الله تعالى بما هو أحسن منه. وهنا (أحسن) على بابها ولَّا من باب مقابلة الخصم؟ طالب: من باب مقابلة الخصم. طالب: على بابها. الشيخ: على بابها؛ لأنهم عندهم بيان وإيضاح للأمور وإيراد للشبه، وهم في غاية ما يكون من الفصاحة، ولهذا ما تحدى الله أحدًا في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام بمثل ما تحداهم بالقرآن. إذن فـ(أحسن) هنا على بابها، يعني أنهم يأتون بكلام حسن جدًّا وبين وواضح، ولكننا نأتيك بما هو أحسن وأبين وأوضح، وفي هذا من مدافعة الله تعالى عن رسوله صلى الله عليه وسلم ما فيه. الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ [الفرقان: ٣٤]، يقول الشارح أو المفسر: (هُمُ الَّذِينَ يُحْشَرُونَ [الفرقان: ٣٤])، فجعل الَّذِينَخبر مبتدأ محذوف. طالب: (...)؟ الشيخ: (وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا [الفرقان: ٣٣] بَيَانًا)؟ الطالب: نعم. الشيخ: لا، (هُمُ الَّذِينَ [الفرقان: ٣٤]). الطالب: (...)؟ الشيخ: نعم؟ طالب: (...) (بيان هم الَّذِينَ). الشيخ: إي، لا، عندي أنا: (هم الَّذِينَ يُحْشَرُونَ). طالب: أمسح اللام؟ الشيخ: إي، امسح اللام. طيب، (هُمُ الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ [الفرقان: ٣٤])، يعني هؤلاء الذين كذبوك وعارضوا ما جئت به (هُمُ الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْأَيْ يُسَاقُونَ إِلَى جَهَنَّمَ [الفرقان: ٣٤]). ولو قال المؤلف: يُحْشَرُونَبمعنى: يجمعون؛ لأن الحشر بمعنى الجمع، يعني يبعثون – والعياذ بالله – يوم القيامة عَلَى وُجُوهِهِمْ [الفرقان: ٣٤]. لكن كأنه لما عدي بقوله: إِلَى جَهَنَّمَ [الفرقان: ٣٤] صار مضمنًّا لمعنى السوق، بمعنى يساقون، ولكنه لا مانع أن نقول: يحشرون ويساقون؛ لأن الفعل إذا ضُمن معنى فعل آخر ليس معناه أنه يسلب دلالته التي يدل عليها لفظه، بل يضاف إليه معنى آخر، فمثلًا: يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ [الإنسان: ٦]، قلنا: إن يَشْرَبُمضمن معنى يروى، يروى بها، وليس معنى ذلك أنه سلب معنى الشرب؛ لأنه لا ري إلا بعد الشرب. واضح؟ كذلك أيضًا لا سوق إلى جهنم إلا بعد الحشر اللي هو الجمع. وقوله: (هُمُ الَّذِينَ [الفرقان: ٣٤]) على رأي المؤلف، تكون (الذين) خبرًا لمبتدأ محذوف، ويكون أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًاحالًا، جملة حالية، أو أنها مبتدأ وخبر مستأنف. ويحتمل أن تكون الَّذِينَمبتدأ وأُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًاالجملة خبر المبتدأ، فتكون من باب المبتدأ المخبر عنه بجملة.
وقوله: يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ [الفرقان: ٣٤] كيف يمشون على وجوههم؟ نقول كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الَّذِي أَمْشَاهُ فِي الدُّنْيَا عَلَى رِجْلَيْهِ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُمْشِيَهُ فِي الْآخِرَةِ عَلَى وَجْهِهِ» ، أليس كذلك؟ ليس ببعيد. وإذا كان المتكبرون يحشَرون يوم القيامة أمثال الذر يطؤهم الناس بأقدامهم ، فالله على كل شيء قدير، إنسان بشر يمكن هو من أكبر الناس جثة في الدنيا وهو متكبر، إذا كان يوم القيامة يحشر أمثال الذر، والله تعالى على كل شيء قدير. وهذا مثال مما سبقت الإشارة إليه، بأن أحوال الآخرة لا تقاس بأحوال الدنيا. طيب، إذا قيل: ما وجه العقوبة بحشرهم على وجوههم؟ طالب: (...). الشيخ: لا. طالب: (...). الشيخ: نعم، كيف؟ الطالب: لأن شبههم عادة (...)، فناسب أن يحشروا على وجوههم. الشيخ: طيب، ثانيًا. طالب: إهانة لهم (...). الشيخ: إهانة لهم؛ لأن الوجه أشرف الأعضاء، فإذا جعل هو محل الوطء فهذا إهانة. طيب، لكن ما هي الحكمة من ذلك؟ هو لا شك أن فيه إهانة وعذابًا؟ طالب: لأنهم تكبروا على الحق (...) الإنسان وجهه (...). الشيخ: إي، مثل كلام سليمان. طيب، وغير؟ طالب: لأنهم قلبوا الحقائق. الشيخ: إي، فقلبوا. الطالب: فقلبوا. الشيخ: طيب، كل هذه يعني وجوه محتملة. عندي بعدُ زيادة احتمال. طالب: لأن (...). الشيخ: إي نعم، هذا ما قاله عبد الله، ولما كانوا ينطقون بألسنتهم وهي في وجوههم صار العذاب عليها. طيب، فيه أيضًا الإنسان يقبل على الشيء بوجهه ويعرض عنه بوجهه، فلما كان الوجه محل الإعراض والإقبال وهم قد أعرضوا، صار العذاب عليهم، كل هذه المعاني مناسبة، والله أعلم عاد بما أراد، وقد تكون كل هذه المعاني مقصودة. طالب: مع أن الوجه هو (...). الشيخ: لا، ما هو بعلى كل حال، لا، فيه مواطن أشد إحساسًا من الوجه. على كل حال، هذه المعاني التي ذكرتم، هذه يمكن أن تكون كلها من أسباب أنهم يحشرون على وجوههم. (أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًاهو جهنم وَأَضَلُّ سَبِيلًا [الفرقان: ٣٤] أخطأ طريقا من غيرهم، وهو كفرهم). شَرٌّ مَكَانًا، يعني منزلة، وهي جهنم. منين شَرٌّ مَكَانًا؟ من كل أحد؛ لأنه ما ذكر المفضل عليه، وعدم ذكر المفضل عليه يفيد العموم، يعني شَرٌّ مَكَانًامن جميع الأمكنة ومن كل أحد. وَأَضَلُّ سَبِيلًايعني: طريقًا عن الصواب، منين؟ طالب: من كل أحد. الشيخ: من كل أحد. فهؤلاء الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَوالعياذ بالله، هم شر الناس منزلة، وهم أضل الناس طريقًا. وقوله: إِلَى جَهَنَّمَ، جهنم هذه اسم من أسماء النار، وأصلها من الجهمة، والنون فيها زائدة، وعلى هذا فوزنها: فَعَنَّل؛ لأن النون زائدة. وسميت بهذا الاسم لأنها بعيدة القعر سوداء اللون، سوداء اللون بعيدة القعر، وهذا هو الجهمة والظلمة، نعوذ بالله منها. أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا [الفرقان: ٣٤]. طيب، يستفاد من هذه الآية الكريمة: أولًا: حرص الكفار على إبطال ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وإيراد الشبه عليه، من قوله: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً [الفرقان: ٣٢]، فإن هذه ليست حجة وإنما هي شبهة. وفيه أيضًا دليل على عناية الله برسوله صلى الله عليه وسلم. طالب: برده على هؤلاء. الشيخ: بماذا؟ برده على هؤلاء. وفيه دليل على إثبات الحكمة في أفعال الله؟ الطالب: لِنُثَبِّتَ [الفرقان: ٣٢]. الشيخ: لِنُثَبِّتَ؛ لأن اللام للتعليل، والتعليل هو الحكمة، ففيه رد على طائفة من طوائف البدع، فمن هي هذه الطائفة؟ طالب: الأشعرية. الشيخ: لا، الأشعرية ما أدري عنهم، لكن اللي أدري عنهم. الطالب: نفوا (...). طالب: الجهمية. الشيخ: إي نعم، لكن أصل هذا القول عند الجهمية المجبرة، عند المجبرة، يرون أن أفعال الله سبحانه وتعالى غير معللة، وأنه سبحانه وتعالى يخلق ويشرع، يخلق الخلائق أو الخلق ويشرع الشرائع لمجرد المشيئة لا لحكمة، ويستدلون بقوله تعالى: لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ [الأنبياء: ٢٣]، ولكن أنى لهم ذلك من هذه الآية؟! إذن، هذه الآيات تفيد بيان الحكمة من إنزال القرآن مفرقة، وأن أفعال الله تعالى معللة ومقرونة بالحكمة. طيب، هذه الحكمة التي تكون لأفعال الله سبحانه وتعالى سواء كانت شرعية أو غير شرعية، هي معلومة ولَّا غير معلومة؟ منها ما هو معلوم ومنها ما هو مجهول لنا، ولكنها معلومة عند الله. وفي هذا دليل على أن من الحكمة في إنزال القرآن تثبيت قلب الرسول عليه الصلاة والسلام، سواء كان ذلك تثبيتًا في تقرير الرسالة. أيش بعد؟ طالب: (...) في رد الشبه. الشيخ: إي، أو تثبيتًا في رد الشبه التي تعرض عليه. وفي الآية دليل على أن كل ذي باطل نجد جواب باطله من القرآن، أو إن شئتم فقولوا ما هو أعم: نجد بيان باطله من الوحي المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم. منين نأخذه؟ وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا [الفرقان: ٣٣]، ما من شبهة إلى يومنا هذا ترد إلا وفي كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ما يدحضها، ولكن كما تعرفون ليس كل أحد يدرك ذلك، ولَّا لا؟ نعم، ليس كل أحد يدرك ذلك، فالسيف سيف في يد إنسان لا يغني شيئًا ولا ينفعه كالعصا أو أقل، وفي يد إنسان هو سيف بتار يضرب به ويقتل به. هكذا أيضًا الوحي المنزل على الرسول عليه الصلاة والسلام، ما كل أحد يعلمه، ولا كل أحد يستطيع إقامة الحجة منه، ولكن فضل الله يؤتيه من يشاء. ولهذا سئل علي رضي الله عنه: هل عهد إليكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء؟ فقال: لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، إلا فهمًا يؤتيه الله تعالى أحدًا في القرآن وما في هذه الصحيفة؛ العقل وفكاك الأسير وألا يقتل مسلم بكافر .
فالحاصل أن الله سبحانه وتعالى يؤتي فضله من يشاء بالنسبة لفهم القرآن، وكم من آية تمر بشخص يستنبط منها عدة مسائل، وآخر لا يستطيع أن (...)، نعم، أن الإمام الشافعي رحمه الله استضاف الإمام أحمد ذات ليلة، فقدم إليه العشاء، الإمام أحمد قدم له العشاء، فأكل العشاء كله، كل العشاء اللي جابه أكله، ثم نام، اضطجع على فراشه ولم يقم لصلاة الليل، ثم قام إلى الفجر ولم يطلب وَضوءًا! فقالت إحدى بنات الإمام أحمد لأبيها: هذا الشافعي الذي كنت تقول عنه كيت وكيت، ما رأيناه عمل، وما رأيناه أيضًا اقتصر على ثلث لطعامه! فقال: آتيكم بالخبر، فسأل الشافعيَّ رحمه الله أولًا: لماذا أكل كل الطعام؟ فأجاب قال: إني لا أرى أحدًا في هذا البلد أحل طعامًا من الإمام أحمد، فأحببت أن يمتلئ بطني من هذا الطعام الحلال. هذه واحدة؛ إذن له غرض، والشبع أحيانًا جائز ولَّا لا؟ طالب: جائز. الشيخ: جائز، أبو هريرة شرب اللبن، وقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «اشْرَبْ»، فقال: والذي بعثك بالحق لا أجد له مساغًا . ولكننا نحن نحدث أنفسنا بالحديث عند كل أكلة، كل أكلة نقول مثلما قال أبو هريرة! هذا عارض، والعوارض كثيرة. وسأله: لماذا لم يقم الليل؟ فقال: إني كنت أتدبر قول النبي صلى الله عليه وسلم: «يَا أَبَا عُمَيْرٍ، مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ؟» ، وإني استنبطت من الحديث ألف فائدة. وأما كوني أصلي بدون وضوء الفجر، فأنا ما نمت، أتدبر هذا الحديث. فالحاصل أن الناس يختلفون في فهم الكتاب والسنة واستنباط الأحكام من الكتاب والسنة؛ ولهذا تجد بعض الناس يجيب لك الآية ويسوق فوائدها، يمكن يحصل خمسًا، عشر فوائد، حسب ما في الآية، وآخر بدل خمس خمسين، وفضل الله يؤتيه من يشاء. (...) إي نعم، لكن عاد ما أظنه أخذه من لفظ الحديث فقط، الله أعلم أنه كلما رأى فائدة جر حديثًا آخر يدل عليها ثم استنبط منها. (...) لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً [الفرقان: ٣٢]. طالب: (...) يقول: لماذا أنزل عليه القرآن جملة واحدة؟ الشيخ: كيف إتيان الشبهة؟ الطالب: لأن الأمم السابقة كانت. الشيخ: الرسل. الطالب: الرسل السابقون كانت تنزل عليهم الكتب دون (...). الشيخ: أحسنت، لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً. طيب، هذا التعبير نُزِّلَ، مع أن المعروف أن نُزِّلَلما ينزل شيئًا فشيئًا، وهنا قال: نُزِّل جملةً، فكيف يصح أو كيف يكون التوفيق بين نُزِّلَوجُمْلَةً؟ طالب: (...). الشيخ: تأتي بمعنى (أنزل). الطالب: (...). الشيخ: يعني (نزل) و(أنزل) معناهما واحد، مثل، نظيره من الأفعال أن المضعف يكون بمعنى المهموز، من عنده خبر؟ الطالب: (احمرَّ) و(احتَمَر). الشيخ: لا، سبحان الله أنت جبت نصف الجواب، من عنده خبر؟ طالب: (أخبره). الشيخ: (أخبر) و(خبَّر). طيب، زين، هذا وجه، الوجه الثاني؟ طالب: الوجه الثاني أن (...)، أي: هذا التنزيل لو نزل يكون جملة. الشيخ: يعني باعتبار؟ الطالب: باعتبار (...). الشيخ: إي، الواقع يعني؟ باعتبار الواقع وجملة باعتبار المطلوب. طيب، هل أجاب الله عن هذه الشبهة؟ طالب: نعم. الشيخ: نعم، بماذا؟ الطالب: بقوله تعالى: لِنُثَبِّتَ [الفرقان: ٣٢]. الشيخ: أجاب الله تعالى بأنه أنزله كذلك ليثبت فؤاد النبي صلى الله عليه وسلم، تمام. تثبيت الفؤاد بماذا؟ طالب: بما ينزل عليه من (...). الشيخ: إي نعم، لكن كيفيتها؟ أو وجهه؟ طالب: بأحد أمرين. الشيخ: إي نعم. الطالب: إما (...) ترد عليه. الشيخ: إي. الطالب: والأمر الثاني (...). الشيخ: إي، تثبيت الفؤاد من وجهين؛ أولًا؟ الطالب: (...).
الشيخ: نعم. الطالب: الثاني (...). الشيخ: تطمين الرسول عليه الصلاة والسلام باستمرار الرسالة، مثلما كان عليه الصلاة والسلام لما فتر الوحي كان حزن شديدًا وصار يخرج إلى الجبال يترقب هذا الوحي. في هذه الآية بين الله أن الحكمة من إنزاله مفرقًا التثبيت، وقد ذكر في آية أخرى فائدة ثانية، نقول: ذكر الله أن الفائدة من النزول مفرقًا التثبيت، في آية أخرى ذكر فائدة أخرى؟ طالب: (...)؟ الشيخ: نعم (...). الطالب: لأن هذا في مقابل سؤالهم عن سبب نزوله. الشيخ: لا. الطالب: أو معارضة القرآن بأنه نزل مفرقًا. الشيخ: في مقابلة إيراد شبهة عن النبي عليه الصلاة والسلام قد تؤثر عليه، نعم، فجاء بيان الحكمة هذه وللتثبيت. طالب: أن يكون المعنى فَرَقْنَاهُ [الإسراء: ١٠٦] (...)؛ هذه العلة. الشيخ: إي نعم. في هذه الآيات الكريمة ذكرنا أن فيها ردًّا على طائفة من أهل البدع، ينكرون شيئًا من أعظم صفات الله، وهي، ما هي التي ينكرون من صفات الله؟ طالب: الوجه. الشيخ: ينكرون أي شيء؟ طالب: إثبات الحكمة من الله تعالى (...). الشيخ: ينكرون الحكمة، وفي الآية رد عليهم، بماذا؟ الطالب: كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ [الفرقان: ٣٢]. الشيخ: لا، يعني أريد أن تبين لي الكلمة اللي فيها الرد، ما هو بكل الآية؟ الطالب: كَذَلِكَ. الشيخ: لا. الطالب: اللام من لِنُثَبِّتَ. الشيخ: اللام للتعليل، لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ، والتعليل معناه الحكمة. طيب، بين الله سبحانه وتعالى أن المكذبين للرسول صلى الله عليه وسلم، أن أي شبهة يوردونها ولو كانت بأعظم بيان فإن الله تعالى يقابلها بما هو أشد وأعظم. طالب: (...) ذلك من قوله تعالى: وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا [الفرقان: ٣٣]. الشيخ: أيش بمعنى: بِمَثَلٍ؟ الطالب: بِمَثَلٍأي: بالصورة يعني من الشبه التي (...). الشيخ: إي، بصفة من القول يريدون بها إبطال ما جئت به إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا، إي نعم. فيما سبق ما يدل على إثبات البعث؟ طالب: الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ. الشيخ: إي، الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ [الفرقان: ٣٤].
تفسير الآيات (٣٥-٤٤)
٠٠:٥٢:٢٥
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا [الفرقان: ٣٥]. هذه الجملة وَلَقَدْ آتَيْنَافيها مؤكدات، عددها؟ طالب: اللام و(قد) والواو. الشيخ: لا، الواو حرف عطف. الطالب: اللام و(قد). طالب: والقسم؟ الشيخ: والقسم؛ لأن اللام موطئة للقسم، والتقدير: والله لقد. والتأكيد في القرآن سببه أحد أمرين: إما أن يكون في مقابلة إنكار المنكر، وإما أن يكون لأهمية الموضوع، وإما للأمرين جميعًا. يكون الأمر مهمًّا، ويكون هناك منكر له، فيؤكد الله سبحانه وتعالى ذلك الأمر. فهنا إيتاء موسى الكتاب؛ هذا أمر واقع ولا ينكر، لكن لأهمية الموضوع أكده الله سبحانه وتعالى ليعرض للرسول عليه الصلاة والسلام صورًا من تكذيب السابقين، حتى يكون ذلك أبلغ في تسليته. ففيما سبق يقول الله عز وجل: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ [الفرقان: ٣١]، وهذا قول مجمل، ولَّا لا؟ طالب: نعم. الشيخ: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا [الفرقان: ٣١]، ثم شرع هنا لتفصيل ذلك وبيان ما وقع على سبيل التعيين. (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ [الفرقان: ٣٥] التوراة)، و(آتيناه) بمعنى: أعطيناه إياه، أنزلها الله تعالى عليه مكتوبة بألواح، هذا معنى الإيتاء. (وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا [الفرقان: ٣٥] معينًا). طالب: يا شيخ، (...)؟ الشيخ: إي نعم، ألواح مكتوب فيها التوراة. الطالب: يعني على شكل ألواح (...). الشيخ: جاء بها موسى من الله، ما هي تنزل من السماء. الطالب: لا، هو (...). الشيخ: أنزلها الله على موسى فجاء بها إلى قومه (...) بالأعراف مبسوطة. وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا. أَخَاهُمن أبيه وأمه ولَّا من أمه؟ طالب: من أمة بس. الشيخ: كم أبيه وأمه، وأما قوله: يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي [طه: ٩٤]، فهذا من باب التلطف والتعطف؛ لأن الأم أشد حنانًا من الأب، وإلا فهو أخوه من أبيه وأمه. (هَارُونَ وَزِيرًا [الفرقان: ٣٥] معينًا) من الأزر، وهو القوة (...). طالب: (...)؟ الشيخ: مسألة أيش؟ الطالب: القرابة. الشيخ: القرابة؟ الطالب: إي. الشيخ: أنه شقيقه؟ الطالب: إي. الشيخ: إي نعم، شيء ثابت. وقوله: وَزِيرًامن الأزر، وهو العون، يعني أنه كان وزيرًا، أي: معينًا له؛ وذلك بطلب من موسى، كما قال الله تعالى: هَارُونَ أَخِي (٣٠) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي [طه: ٣٠ - ٣٢]. ويقال: إنه لا يوجد أحد من الإخوة أشد منة وفضلًا من موسى على هارون؛ لأنه طلب أن يكون رسولًا، والرسالة أعلى المقامات التي يتوصل إليها البشر. (فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَاأي: القِبْط فرعون وقومه، فذَهَبَا إليهم بالرسالة فكذبوهما فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا [الفرقان: ٣٦] أهلكناهم إهلاكًا). اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا، في كلمة كَذَّبُواإشكال، وهي أنه يقتضي أن التكذيب سابق للرسالة: اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا، فكيف يكونون مكذبين مع أنهم لم يصل إليهم رسول؟ والجواب: أن الفعل الماضي هنا بمعنى المستقبل، بمعنى: الذين يكذبون بآياتنا؛ لأن الآيات ما بعد وصلت إليهم. طالب: (...). الشيخ: لحظة يا أخي. فالمعنى: الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَاأي: يكذبون بها في المستقبل. أو يقال: كذبوا بآياتنا بحسب علم الله تبارك وتعالى، يعني: قدرنا أنهم يكذبون. ويحتمل وجهًا ثالثًا، لكنه احتمال ما فيه ما يؤيده: أنهم قد أرسل إليهم رسول فكذبوه، وهذا يؤيده قول المؤمن من آل فرعون: وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا [غافر: ٣٤]، فإذا قيل: إن يوسف سابق جدًّا على موسى ولم ندر هل أدركه فرعون أم لم يدركه؟ فيقال: لعل آثار رسالته قد بقيت؛ ولهذا خاطبهم (...) وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُولم ينكروا، ما قالوا: ما جاءنا، فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِيعني: إلى الآن. فصارت عندنا الوجوه كم؟ الوجوه ثلاثة: إما أن الماضي هنا بمعنى المضارع. طالب: (...) استعماله بمعنى المضارع. الشيخ: هذا كثير في اللغة العربية ما يحضرني الآن وربما يأتي. وإما أن يكون: كذبوا في علم الله، حسب علم الله سبحانه وتعالى وتقديره. وإما أن يكون بحسب الرسالة السابقة اللي هي رسالة يوسف. الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا [الفرقان: ٣٦]. وقوله: بِآيَاتِنَا، المراد بالآيات هنا الكونية ولَّا الشرعية؟ طالب: الشرعية. طالب آخر: كلاهما. الشيخ: الظاهر أنه ممكن يشمل؛ لأن آيات الله سبحانه وتعالى كما تعرفون آيات شرعية وآيات كونية، فما تعلق بالخلق والتقدير فهو آيات كونية؛ لأن في انتظامه ودقته وصنعه ما يدل على حكمة صانعه وقدرته. وما يتعلق بالوحي فهو آيات شرعية؛ لأن إصلاح هذا الوحي بمن نزل إليه على حسب ما شرع، هذا من الآيات العظيمة الدالة على أنه من عند الله: وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا [النساء: ٨٢]، نعم؟ طالب: (...)؟ الشيخ: نعم، طيب، زين. اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا [الفرقان: ٣٦]، اذهبا إليهم فدمرناهم. كلنا يعرف أن في الآية تقديرًا، ويش التقدير؟ فذهبا إليهما فكذبوهما فدمرناهم تدميرًا. وإنما يتعين هذا التقدير لأنه لا يمكن التدمير بمجرد ذهاب الرسول إليهم، لا بد من تكذيب، فإن الله تعالى لن يهلك أحدًا إلا بذنب. وقوله: تَدْمِيرًامصدر يراد به التعظيم، يعني تدميرًا عظيمًا. ولا شك أن التدمير الذي وقع لفرعون وقومه أنه من أعظم التدمير؛ لأن الله يقول: كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٢٦) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ [الدخان: ٢٥ - ٢٧]. هذا النعيم العظيم الذي كان فيه قوم فرعون إذا جاء من بعده الهلاك ماذا يكون وقع الهلاك فيهم؟ يكون شديدًا؛ لأن الهلاك إذا وقع للبائس فهو أهون مما إذا وقع للناعم، أهون بكثير؛ ولهذا وصف الله هذا التدمير بقوله: تَدْمِيرًا، يعني عظيمًا بالغًا. وهذا التدمير لا ينافي ما أشار إليه الأخ من أن الله تعالى أنجى فرعون ببدنه، يعني لا بروحه؛ فإن روحه هلكت مع من هلك، لكنه أنجاه ببدنه ليكون آية لبني إسرائيل علامة على أنه هلك؛ لأن الرجل قد أرعبهم وأرهبهم، فلا يطمئنون تمام الطمأنينة حتى يشاهدوا جثته ميتة، وبذلك يكون آية علامة على أنه ما بقي له بقية. طيب، هل في هذا تأييد لما يتسلى به الرسول عليه الصلاة والسلام؟ الجواب: نعم فيه؛ لأن فرعون من أعظم الناس عتوًّا وتكبرًا، ومع ذلك أهلكه الله تعالى إهلاكًا بالغًا هو وقومه، فهكذا أيضًا تكون العاقبة للرسول صلى الله عليه وسلم مثلما كانت العاقبة لموسى وقومه. هذه قصة، وَقَوْمَ نُوحٍ [الفرقان: ٣٧]. طالب: (...)؟ الشيخ: إي نعم، يعرفونها إما من قبل نزول القرآن أو من بعده؛ لأنهم يعرفون أن القرآن في أنفسهم حق. طيب، بدأ بذكر موسى (...) مع أنه متأخر بالنسبة إلى قوم نوح، ما هي الحكمة من ذلك؟ طالب: أقرب عهدًا (...). الشيخ: لأنه أقرب عهدًا من قوم نوح. الطالب: (...). الشيخ: يعني أقرب عهدًا وأشد عتوًّا. وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْإلى آخره [الفرقان: ٣٧]. طالب: (...). الشيخ: وهي؟ الطالب: مراعاة (...). الشيخ: لا، الإشكال لماذا بدأ بموسى قبل نوح وهو بعده؟ طيب، وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَفيه إشكال من حيث الإعراب، وهو أنه نصب وَقَوْمَ نُوحٍ، وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ، مع أنها لم يسبقها عامل يقتضي النصب؟ طالب: (...). الشيخ: واذكر قوم نوح؟ إي، ذكره الشارح. لكن أنا بالحقيقة ذهب وهمي إلى شيء آخر غير تقدير الشارح، وإلا لو كنت رأيته ما سألتكم. في الحقيقة أن الناصب لها موجود، ما هو مقدر، وهو قوله: أَغْرَقْنَاهُمْ، فهو من باب الاشتغال. ولكن لماذا نصب مع أن الراجح في ظاهر القول الرفع؟ نقول: لأنه عطف على جملة فعلية، وإذا كان معطوفًا على جملة فعلية فتقدير الفعل أولى من المبتدأ؛ لأجل أن تتناسب الجملتان: يعطف فعلًا على فعل، يعني: فدمرناهم تدميرًا وأغرقنا قوم نوح لما كذبوا الرسل، وأغرقنا قوم نوح، (...) فدمرناهم وأغرقنا قوم نوح. المهم الآن على رأي المؤلف منصوب بتقدير (وَاذْكُرْ قَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ [الفرقان: ٣٧])، ولكننا نقول: لا نحتاج إلى تقدير، والمسألة من باب الاشتغال، والاشتغال معروف عندكم أظن؟ طالب: نعم. الشيخ: هذا الاشتغال مثل (...) تجري فيه الأحكام الخمسة، والاشتغال أيضًا تجري فيه الأحكام الخمسة، أحيانًا يجب الرفع، وأحيانًا يجب النصب، وأحيانًا يترجح النصب، وأحيانًا يترجح الرفع، وأحيانًا يتساوى الأمران، تجري فيه الأحكام الخمسة. أحكام النحو ما هي أقسام (...) في الشرع. في مثل هذا التركيب ويش يترجح؟ يترجح النصب؛ لأنه معطوف على جملة فعلية، وإذا عطف على جملة فعلية فالأرجح النصب؛ لأجل أن يقدر الفعل ليكون مناسبًا لما عطف عليه. (وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ [الفرقان: ٣٧] بتكذيبهم نوحًا لطول لبثه فيهم، فكأنه رسل، أو لأن تكذيبه تكذيب لباقي الرسل لاشتراكهم في المجيء بالتوحيد). المؤلف خلى الآية الكريمة على وجه جواب لإشكال. لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ، ومعلوم أن نوحًا عليه الصلاة والسلام هو أول الرسل: إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ [النساء: ١٦٣]، وكذلك أيضًا من حيث الشفاعة «كُنْت أَوَّلَ رَسُولٍ بَعَثَهُ اللهُ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ» .
فإذا كان أول الرسل فكيف الجواب عن قوله تعالى: كَذَّبُوا الرُّسُلَ، مع أنه ما سبقه رسول ولا جاء معه رسول؟ أجاب المؤلف بواحد من أمرين: إما أنه لطول مكثه في قومه صار كأنه رسل كثيرون؛ لأنه لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا، وهذه المدة تستوعب رسلًا كثيرين، فكأنه لطول المكث صار متعددًا. هذا واحد. الجواب الثاني: (أو لأن تكذيبه تكذيب لباقي الرسل لاشتراكهم في المجيء بالتوحيد)، فيكون هذا من باب الجنس؛ لأن من كذب رسولًا فكأنما كذب جميع الرسل؛ لأنه -كما أسلفنا- أعداء الرسل لا يعادونهم لشخصهم، وإنما يعادونهم لما يدعون إليه وما جاءوا به، وهذا جنس، فيكون تكذيبهم لرسول تكذيبًا لجميع الرسل، وهذا أقرب، ولذلك من كذب رسولًا واحدًا فهو مكذب لجميع الرسل، وبهذا نعرف أن اليهود الآن مكذبون لموسى، وأن النصارى الذين يزعمون أنهم متبعون لعيسى مكذبون لعيسى، لماذا؟ لأنهم مكذبون للرسول صلى الله عليه وسلم، فهم مكذبون حتى لأنبيائهم. وبهذا نعرف أيضًا أن ما اشتهر بين الناس الآن من تسمية النصارى بالمسيحيين أنه خطأ، وأنه لا ينبغي أن نسميهم بالمسيحيين؛ لأن المسيح منهم بريء، ولا يجوز أن ينسبوا إليه ولا إلى دينهم، وإنما يقال لهم ما قاله الله فيهم وهو النصارى، وما زال المسلمون في كتبهم يسمونهم بهذا الاسم؛ بالنصارى، إلى أن استعمروا البلاد الإسلامية فأدخلوا على المسلمين هذا التعبير تلطيفًا وتنويهًا لتصطبغ ملتهم بالوصف الشرعي وهو المسيحية.
ونحن نقول: نشهد الله على أن المسيح عليه الصلاة والسلام منهم بريء، وأنهم كافرون به كما هم كافرون بمحمد صلى الله عليه وسلم، بل إنهم في الحقيقة كافرون به، لا من حيث العموم والجنس، بل من حيث التعيين؛ لأن الله تعالى يقول عن عيسى: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ [الصف: ٦]، يخاطب من؟ بني إسرائيل، ويبشرهم بهذا الرسول، وهل يمكن أن يبشر أحد بما لا يتصل به؟ لا يمكن. إذا كان يبشرهم برسول يأتي للعرب ويحاربهم ويقاتلهم، هل هذه بشارة؟ أبدًا، البشارة بِرَسُولٍ يَأْتِيإليهم لينقذهم من الضلال، ومحمد صلى الله عليه وسلم لما جاء إلى هذه الأمة هل صار يحارب النصارى ولَّا لا؟ نعم يحاربهم، وأوجب الله عليه محاربتهم ومحاربة اليهود ومحاربة جميع الكفار. هل يمكن أن يكون عيسى مبشرًا للنصارى بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُليقاتلهم؟ لا يمكن. وبهذا نعرف أنهم كذبوا عيسى على التعيين، لا على جنس الرسالة كما أسلفنا أولًا. طالب: (...)؟ الشيخ: ما يعلمون بهذا؟ الطالب: إي (...). الشيخ: إي نعم، لكن هذه البشارة موجودة في أصل الكتاب، ولا أظنها تحرف، لا بد أن تكون باقية؛ لأنه مبشر لهم، ولا يبشر إلا من تتصل إليه البشارة، فالظاهر أنه ما جرى عليه التحريف لأنها باقية. الطالب: (...) من المعنى يعني؟ الشيخ: المعنى أو بعض الأمور، كتموها أو ما أشبه ذلك، ولهذا اليهود لما أنهم أرادوا ألا يطبقوا الحد في التوراة ما راحوا يزيلونها من التوراة، هي باقية لكن يحاولون أن يكتموها عن الناس كما هو معروف. طالب: موجودة يا شيخ هذه. الشيخ: وهي؟ الطالب: البشارة (...) على التعيين، هذه موجودة. الشيخ: موجودة الآن (...). الطالب: إي، (...) أثبت وجودها وذكرها بنصها (...). الشيخ: بالسريانية. الطالب: إي نعم، بالسريانية باسم (...). الشيخ: وأظن (...) عنده شيء من هذا. طالب: نعم. الشيخ: أنا عندي أن ذلك لا بد أن يكون؛ لأنه قال: وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ [الصف: ٦]، لا بد أن يكون هذا موجودًا، لم يجر عليه التحريف؛ لأنه إنما يبشر بالرسول من كان في وقت الرسول، وهذا معناه أنه سيبقى، وكما قال الأخ.. طالب: (...). الشيخ: إي نعم، هذا مما يؤيد ما قلنا، لكن نفس البشارة تدل عليه؛ لأن الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ [البقرة: ١٢١] يؤيد وليس نصًّا في الموضوع، قد يكون المراد أوائلهم قبل التحريف، لكن الظاهر أن المراد الأوائل والأواخر. طالب: (...) للعقل يا شيخ، ما هم قالوا: والله هذا النبي الذي أرسل (...)؟ الشيخ: إي نعم، أظنه (...) في وفد نجران. الطالب: إي، في وفد نجران. الشيخ: نعم. طيب، على كل حال الآن، يعني (...)، والكلام ويش على؟ على لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ [الفرقان: ٣٧]، فهو جمع مع أنهم ما كذبوا إلا نوحًا؟ والجواب على ذلك من أحد وجهين: إما أنه لطول مكثه كأنه رسل، وإما أنه لما كذبوا هذا الرسول من أجل الرسالة صاروا مكذبين لجميع الرسل. الذي حصل أَغْرَقْنَاهُمْجواب لَمَّا، وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ [الفرقان: ٣٧]، وقصتهم معروفة، حتى إن الله تعالى أغرق من قوم نوح ابنه: فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي [هود: ٤٥]، فقال الله له: إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ [هود: ٤٦]؛ لأنه كافر وأنت مؤمن. (وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِبعدهم آيَةًعِبرة وَأَعْتَدْنَافي الآخرة لِلظَّالِمِينَالكافرين عَذَابًا أَلِيمًا [الفرقان: ٣٧]). يقول: (أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِبعدهم آيَةًعبرة). كيف كانوا عبرة؛ لأن الآية لا بد أن تكون معلومة، فكيف كان ذلك؟ طالب: لأن الله سبحانه وتعالى أنزل ذلك في كتب الرسل. الشيخ: أيش لون؟ الطالب: أنزلها للرسل الذين أتوا بعد نوح. الشيخ: إي، يعني عن طريق الإخبار؟ الطالب: الإخبار إي. الشيخ: عن طريق الإخبار، زين. طالب: وإما أن نوحًا عليه السلام لم (...). الشيخ: إي، رجعت إلى ما قال الأخ، يعني عن طريق الخبر. ما فيه شيء عن طريق حسي معلوم؟ طالب: (...). الشيخ: طيب، عن طريق الخبر، سواء كان عن طريق الوحي ولَّا عن طريق النقل بين الناس. طالب: (...). الشيخ: إي، الظاهر أنه مثلما قال إبراهيم. الطالب: أو مثلًا (...) الفلك. الشيخ: إي، الفلك، لما قال: وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (١٣) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ (١٤) وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ [القمر: ١٣ - ١٥]، فالفلك أول من صنعها نوح فبقيت آية إلى يومنا هذا ولكنها تطورت بحسب الزمن. (وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةًبعدهم وَأَعْتَدْنَافي الآخرة لِلظَّالِمِينَالكافرين عَذَابًا أَلِيمًا [الفرقان: ٣٧]). لِلظَّالِمِينَهذا إظهار في موضع الإضمار؛ لأن مقتضى السياق أن يقول: وأعتدنا لهم، كما قال الله تعالى: مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا [نوح: ٢٥]. ولكن الإظهار هنا له فائدة، بل فوائد، نعم، نعدها؟ طالب: (...) فيدور الحكم على دوران الـ... الشيخ: (...) العموم؟
الطالب: لأنه قال الله سبحانه وتعالى: وَقَوْمَ نُوحٍ(...) ولكن لما قال: وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ [الفرقان: ٣٧] ما شابههم من الظالمين فلهم هذا العذاب. الشيخ: يعم كل ظالم. الطالب: كل ظالم. الشيخ: زين، تمام. ثانيًا؟ الطالب: ثانيًا (...) بوصف زائد وهو وصف الظلم. الشيخ: نعم، هم ينطبق عليهم هذا الوصف، إي نعم. طالب: التنبيه على (...). الشيخ: كيف التنبيه؟ الطالب: لأن السياق كان يتكلم على الماضي ثم يعني تكلم على الحاضر، فهذا يدل على الأهمية. الشيخ: أي أهمية؟ تغيير السياق تقصد؟ الطالب: نعم. الشيخ: تغيير السياق يبدو للمخاطب، يعني مثل الكتاب: وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ [المائدة: ١٢]، ولم يقل: وبعث. الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة: ٢ - ٤]. طالب: إِيَّاكَ نَعْبُدُ. الشيخ: إِيَّاكَ نَعْبُدُ [الفاتحة: ٥]، ما قال: إياه نعبد، قال: إِيَّاكَ نَعْبُدُ. كذا؟ طيب، هذه فائدة جديدة ما كنا نذكرها. طالب: (...)؟ الشيخ: يعني التعليل، يعني كأنه أعد لهم عذابًا أليمًا لأنهم ظالمون. الطالب: ظالمون. الشيخ: كذا؟ الطالب: إي نعم. الشيخ: طيب، تعليل الحكم. فصارت الفوائد الآن ثلاثة؛ أولًا: إرادة الشمول والعموم؛ ليشملهم هم وغيرهم، حتى الظالمون من قريش يدخلون في هذا. والثاني: وصف هؤلاء بالظلم. والثالث: التعليل، يعني أعد لهم العذاب الأليم لأنهم ظالمون. والرابع: التنبيه، تنبيه المخاطب؛ لأن تغير السياق يوجب انتباه المخاطب. وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا [الفرقان: ٣٧]، فعيل بمعنى مُفعِل، يعني: مؤلم. وهذا الألم الذي في عذاب جهنم والعياذ بالله أو في عذاب الآخرة يشمل الألم البدني والألم القلبي، فالألم البدني يحصل بنوع العذاب، والألم القلبي يحصل بما يقارب عذابهم من التوبيخ؛ لأنهم يوبخون ويقرعون بإتيان الرسل، وهذا من أشد ما يكون من العذاب القلبي. (وَاذكر عَادًاقوم هود {وَثَمُودًا} [الفرقان: ٣٨] قوم صالح). عندكم بالتنوين؟ أنا عندي بالتنوين: ({وَعَادًا وَثَمُودًا}). طالب: لا، (وَعَادًا وَثَمُودَ). الشيخ: بدون تنوين؟ أنا عندي بالتنوين. طالب: ثمود؟ الشيخ: إي. الطالب: لا. الشيخ: ({وَعَادًا وَثَمُودًا} قوم صالح وَأَصْحَابَ الرَّسِّاسم بئر، ونبيهم قيل: شعيب، وقيل غيره، كانوا قعودًا حولها فانهارت بهم وبمنازلهم، وَقُرُونًاأقوامًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا [الفرقان: ٣٨] أي: بين عاد وأصحاب الرَّسِّ). وَعَادًا وَثَمُودَ، يقول المؤلف: إنها على تقدير: اذكر؛ لأنه ما ذُكر فعل بحيث يحال العمل عليه. وَعَادًاقوم هود، وكانوا بالأحقاف في جنوب الجزيرة العربية، وكانوا ذوي قوة وشدة، حتى إنهم قالوا: مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً، فقال الله تعالى مجيبًا لهم: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْشوف الَّذِي خَلَقَهُمْلها فائدة؛ لأنهم مخلوقون ضعفاء: أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً [فصلت: ١٥]. وبماذا أهلكوا؟ أهلكوا بألطف الأشياء وهي الريح، ريح دمرتهم: تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْالأحقاف: ٢٥]. وَثَمُودَالفرقان: ٣٨]، وفيها قراءتان: {وَثَمُودًا} كالتي عندي، وَثَمُودَبدون تنوين. فعلى قراءة التنوين يكون غير ملاحظ فيها اسم القبيلة، يعني ما فيها التأنيث. وعلى قراءة عدم التنوين وَثَمُودَمنعت من الصرف للعلمية والتأنيث؛ لأن مثل هذه، أسماء القبائل كلها (...)، يعني يجوز أن تمنعها من الصرف باعتبار اسم القبيلة، ويجوز ألا تمنعها إذا لم يكن فيها مسوغ (...). طيب، {وَثَمُودًا} قوم صالح، كذبوا صالحًا وعقروا الناقة التي جعلها الله تعالى آية، وأخيرًا أهلكوا بماذا؟ طالب: بالصاعقة. الشيخ: لا، بصيحة ورجفة، صيح بهم مع الرجفة فماتوا والعياذ بالله، كانوا كهشيم المحتظر: إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ [القمر: ٣١]، وفي آية أخرى: فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ [الأعراف: ٧٨]. وأصحاب الرس وإن شاء الله يأتي الكلام عليها.. طالب: شيخ، صالح عربي؟ الشيخ: إي نعم، الظاهر أنه عربي. الطالب: وهود؟ الشيخ: وهود أيضًا، لكنه ما هو من العرب المستعربة اللي هم بنو إسماعيل؛ من العرب العاربة. طالب: (...)؟ الشيخ: والله ما أعرفه، لكنه حتى (...) تدل على أنها عربية. الطالب: يعني (...)؟ الشيخ: أنا (...) شعيب ما أدري عنهم إلا من هذا الحديث. الطالب: ذكر (...). الشيخ: ما أدري عنهم الحقيقة، أما هود (...) عرب عاربة. طالب: أصل الأسماء (...) الأنبياء، يعني هل ما أحد (...)؟ الشيخ: بإعرابها؟ الطالب: يعني بتعريبها (...)؟ الشيخ: إي. وأنت تعرف أن الأعلام قد تكون أسماء جامدة ما لها اشتقاق، نعم، ربما تكون ما لها اشتقاق. الطالب: (...)؟ الشيخ: إي، ولكن فيما يبدو لي والله أعلم أن أسماء الأنبياء في الغالب لها معان، لكن ما أعرف عنها شيئًا. طالب: بس هي أفضل من عبد الله وعبد الرحمن يعني؟ الشيخ: نعم؟ الطالب: أسماء الأنبياء. الشيخ: لا، أفضل الأسماء (...) لا، وإلا «أحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن» . (...) أنه جعل لكل نبي عدوًّا من المجرمين تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم وإنذارًا لقومه، وأنه بين أقوامًا على التعيين ليكون ذلك أبلغ؛ لأن التعيين كضرب المثل. وممن عين؟ طالب: شعيب. الشيخ: قبل؟ طالب: قوم لوط. الشيخ: قبل؟ أول من بدأ الله به قوم موسى، ثم بعد ذلك نوح، وبعد ذلك عاد وثمود. هذا كله ذكرناه، وذكرنا أن الله سبحانه وتعالى أهلك فرعون المكذب للرسول عليه الصلاة والسلام بالغرق بأي مكان؟ في البحر الأحمر أغرق، وأن الحكمة من إغراقه بالماء أنه افتخر بالماء هو حيث قال لقومه: وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي [الزخرف: ٥١]، فافتخر بالماء فأهلكه الله تعالى بما افتخر به. وقوم نوح أهلكوا بالغرق العام الذي هو من آيات الله، حيث فجر الله الأرض عيونًا وفتح أبواب السماء بماء منهمر. وأما عاد فأهلكوا بأي شيء؟ بالريح، والحكمة من ذلك هي أنهم كانوا يفتخرون بالقوة، يقولون: مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً [فصلت: ١٥]، فأهلكهم الله تعالى بالأشياء اللطيفة التي ليست بشيء؛ ليتبين للناس أن الإنسان مهما كان من القوة فإنه ضعيف أمام قدرة الله عز وجل. ثمود أهلكوا بأي شيء؟ طالب: بالرجفة مع الصيحة. الشيخ: بالرجفة مع الصيحة، فإن الله رجف بهم وصاح بهم جبريل حتى تقطعت قلوبهم في أجوافهم وكانوا كهشيم المحتظر. ثم الصيحة أيضًا ليست كصفارات الإنذار تتكرر ولعل أحدًا يدخل في الملاجئ، بل هي صيحة واحدة فقط: إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ [القمر: ٣١]، يعني مثل هشيم الإحظار، ومعروف هشيم الإحظار أنه متفتت بالٍ. كل هذا الحكمة منه أمران، هما الحكمة من ذكر هؤلاء الرسل وما جرى لقومهم؟ طالب: (...). الشيخ: لا، غيره؟
الطالب: وإنذار للكفار. الشيخ: وإنذار لكفار قريش. التسلية للرسول عليه الصلاة والسلام، والإنذار لهؤلاء المكذبين له أن يصيبهم ما أصاب من قبلهم، نعم، ولهذا قال شعيب لقومه: وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ [هود: ٨٩]. ثم قال: وَأَصْحَابَ الرَّسِّ [الفرقان: ٣٨]. الرس: اسم للبئر، وقيل: للبئر غير المطوية؛ إما للبئر مطلقًا أو لبئر غير مطوية. ولم يبين الله سبحانه وتعالى من أصحاب الرس؛ ولذلك اختلف المفسرون فيهم اختلافًا كثيرًا، فقيل: إنهم – كما قال المؤلف – قوم شعيب، ولكن هذا ليس بصحيح. وقيل: إنهم من قوم ثمود، وليسوا قوم ثمود. وعلى هذا فيكون عطفهم على ثمود من باب عطف البعض على الكل، نعم. وليسوا هم ثمود أصحاب البئر، يعني بئر الناقة؛ لأن ثمود معروفة، يعني: مستقلون، وهلاكهم معروف، وجوابهم لرسولهم معروف، والأصل في العطف أي شيء؟ التغاير. وقيل: إن أصحاب الرس -ورجحه ابن جرير- هم أصحاب الأخدود الذين ذكر الله تعالى في سورة البروج. ولكن الأولى التوقف في تعيينهم؛ لأن الله تعالى لم يعينهم، ولكننا نعلم أن هؤلاء القوم كانوا معلومين للعرب حين نزول القرآن؛ لأن الله سبحانه وتعالى لم يكن ليضرب لهم المثل في قوم لا يعرفون ما جرى عليهم. وإنما..