تفسير سورة العنكبوت - ٩
درس صوتي · ٩٢:٣٦
جارٍ تجهيز الصوت
انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها
إعدادات
اختصارات لوحة المفاتيح
محتوى الدرس
وقوله: وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَليجازيَكم به، هذه الجملة خبرية لكن لها معنى عظيم، ليس المقصود من هذه الجملة أن نعرف، أو أن نعلم بأن الله يعلم ما نصنع، ولكن المقصود منها: التحذير من أن نصنع ما يخالف شريعتنا وقوعًا في النهي أو تركًا للأمر. وقوله تعالى: يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَمَااسم موصول دال على العموم يشمل؟ طالب: كل ما نصنع. الشيخ: كل ما نصنع من قول أو فعل، فيما يتعلق بحقه، وفيما يتعلق بحق عباده. يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَقال: (ليجازيكم به) هذه النتيجة واضحة، متى تكون المجازاة عليه؟ طالب:في الدنيا. الشيخ: في الدينا ويوم القيامة، والمجازاة عليه، أي: على ما نصنع، قد تكون شرعية بفعل العبد، وقد تكون كونية بفعل الله، المجازاة عليه شرعية بفعل العبد، مثل الحدود، فإن الحدود عقوبة شرعية ولّا كونية؟ طالب: شرعية. الشيخ: شرعية بفعل العبد، هو المأمور بفعلها، وتكون كونية قدرية بفعل الله كما لو أصيب الإنسان بأمراض، وتلف أموال، وما أشبه ذلك. طالب: قد يكون ما يقع للإنسان من أمراض (...) عقوبة الله؟ الشيخ: هو قد يكون عقوبة، وقد يكون ابتلاءً وامتحانًا، كما قال الله تعالى: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ [البقرة: ١٥٥] فيكون اختبارًا، وقد يكون عقوبة لقوله تعالى: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ [الشورى: ٣٠]، فالإنسان قد يبتلى عقوبة على سيئة أو امتحانًا. المصائب التي تأتي الرسول صلى الله عليه وسلم هذه من باب؟ من باب الامتحان، حتى يصل الإنسان إلى درجة الكمال؛ لأن الصبر كما تعرفون منزلة عالية عظيمة في الدين وإِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [الزمر: ١٠]، لكن الصبر بدون مصبور عليه ما يمكن، لا بد من أشياء تَرد على الإنسان من قضاء الله يصبر عليها. طالب: يقول تعالى: وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً [الأنبياء: ٣٥]، هذا داخل في ذلك. الشيخ: داخل في ذلك. طالب: ما المراد بالفتنة؟ الشيخ: الفتنة بالنسبة للخير فتنة الشكر، وبالنسبة للشر فتنة الصبر. طالب: في قوله تعالى: إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ [العنكبوت: ٤٥] ذكرت أولًا أنه يحتمل الوقوع من الرسول صلى الله عليه وسلم في الفحشاء أو المنكر؟ الشيخ: لا، ما يحتمل. طالب: ما يحتمل؟ الشيخ: لا، ما يحتمل (...). قال الله تعالى: اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَإلى آخره [العنكبوت: ٤٥]. الأمر في قوله: اتْلُموجَّه لمن؟ طالب: للرسول صلى الله عليه وسلم. الشيخ: ولا يصلح أن يكون موجَّهًا لكل من يصح خطابه؟ طالب: هو منزل عليه، ولكن هو للأمة من بعده. الشيخ: لا، قصدي هل لا يصح أن نجعله موجَّهًا لكل من يتأتَّى خطابه؟ طالب: لا، لأن هذا لا يتأتى (...) إِلَيْكَ. الشيخ: حتى إِلَيْكَدائمًا تأتي. طالب: لكل من يتأتى خطابه، يعني من المسلمين ولا من البشر عامة؟ من المسلمين؟ الشيخ: من المسلمين، هل يصح هذا ولّا ما يصح؟ طالب: إي، لو كان من المسلمين ما يصح؛ لأن هو يعني.. الشيخ: مر علينا؟ علمناها. طالب: لم يصح أن يكون عامًّا. الشيخ: لماذا؟ طالب: لأنه قال: مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ، وغيره لم يوح إليه. الشيخ: وغيره لم يوح إليه، صح. طالب: وَأَقِمِ الصَّلَاةَ. الشيخ: ما يخالفه، له أيضًا، الأمر الموجه للرسول عليه الصلاة والسلام خاصة، هل يكون له ولغيره؟ طالب: أحيانًا يكون له، وأحيانًا يكون له ولغيره. الشيخ: أحسنت، في مثل هذه الآية. طالب: هذه مشتركة. الشيخ: له ولغيره، نعم. ما هو الدليل على أن الخطاب الموجَّه له له ولغيره؟ طالب: قوله تعالى: اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ. الشيخ: لا، (...) له. طالب: قوله: وَأَقِمِ الصَّلَاةَ. الشيخ: لا. طالب: إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى. الشيخ: لا، هو الدليل منفصل، ما هو من الآية. طالب: ليس من الآية؟ الشيخ: لا. طالب: ممكن قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ [التحريم: ١]، ثم قال: قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ [التحريم: ٢]، كذلك يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ [الطلاق: ١]. الشيخ: لا، أنا قصدي إذا كان الخطاب خاصًّا للرسول صلى الله عليه وسلم وواضح أنه خاص له هو ينقسم إلى قسمين؛ قسم ما يتعدى الحكم إلى غيره، وقسم يتعدى الحكم إلى غيره بدليل قوله تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي [آل عمران: ٣١]، وقوله: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب: ٢١]. أما مثل اللي ذكرت، ومثل يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَفالخطاب له، والمراد له وللأمة، بدليل أنه قال: إِذَا طَلَّقْتُمُوقَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ، ومثل هذه الآية اللي ذكرت يكون الخطاب فيها مشتركًا بمقتضى دلالة اللفظ، لا بمقتضى التأسي به. فصار الآن الخطاب الموجه للرسول عليه الصلاة والسلام ثلاثة أقسام: قسم يدل الدليل بمقتضى اللفظ الخاص على أنه له ولغيره، مثل؟ طالب: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ. الشيخ: إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَقال: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ، ثم قال: إِذَا طَلَّقْتُمُ، ومثل: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُثم قال: قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ. وقسم آخر يختص به ولا يتعداه إلى غيره عملًا ما هو بمقتضى اللفظ، مثل: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ [الشرح: ١ - ٤] هذا كله خاصٌّ بالرسول عليه الصلاة والسلام لا يتعداه إلى غيره. والثالث: ما يكون خاصًّا به بمقتضى الخطاب لكن يتناول غيره بمقتضى التأسي بدليل منفصل، مثل: هذه الآية؛ فإن الرسول أُمر به لكن حقيقة نحن أيضًا يجب علينا أن نتلو ما أوحاه الله إلى نبيه وأن نقيم الصلاة. قوله: اتْلُهذه فعل أمر مبنيٌّ على الضم، وما عهدنا أن فعل الأمر يُبْنَى على الضم، فكيف تجيب عنها؟ طالب: مبني على حذف الواو. الشيخ: على حذف الواو، صح، أصلها: (تلا يتلو) بالواو؛ ففعل الأمر يقولون: مقتطع من الفعل المضارع، فعل الأمر يقولون: هو فعل مضارع مجذوم، لكن احذف منه حرف المضارعة، وهذه قاعدة مفيدة لكم، أن فعل الأمر فعل مضارع مجذوم حذف منه حرف المضارعة. فمثلًا: إذا قال لك قائل: صغ الأمر من (خاف)، أيش تقول؟ طالب: (خِف). الشيخ: (خِف) خطأ. طالب: (خَف). الشيخ: (خَف) أيش الدليل؟ هات فعل مضارعٍ مجذوم واحذف منه ياء المضارعة، تقول: (لم يَخِف) ولا (لم يَخَف)؟ طالب: (لم يَخَف). الشيخ: (لم يخَف)، احذف الياء؟ طالب: (خَف). الشيخ: (خَف)، صُغْ فعل أمر من (نام). طالب: (نَم). الشيخ: (نَم) ولّا (نِم)؟ طالب: (نَم). الشيخ: (نَم)، الدليل: أن فعل المضارع المجزوم تقول فيه: (لم ينَم)، ما تقول: (لم ينِم)، احذف ياء المضارعة فيكون (نَم) فهمتم؟ هذه قاعدة تفيد الإنسان في مثل هذه الأشياء التي تخفى؛ لأنَّ كثيرًا من الطلبة إذا قلت له: صُغْ الأمر من (خاف) يقول؟ طالب: (خِف). الشيخ: (خِف)، وواحد يقول: (خُف). طالب: يشدد الفاء؟ الشيخ: لا، ما يشدد، لكن يضم الخاء، خُف. طالب: (نِم)، نون كسر. الشيخ: (نِم)؟! طالب: لماذا يا شيخ؟ الشيخ: لا، (نِمّ)، بتشديد الميم، من النميمة، مشددة الميم، (نَمَّ يَنِمُّ نِمّ). قوله تعالى: اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَهذه التلاوة لفظية ولَّا لفظية ومعنوية؟ طالب: كلها. الشيخ: كلها، تلاوة لفظية مثل أيش؟ طالب: مثل: قراءة القرآن. الشيخ: قراءة القرآن، والمعنوية؟ طالب: التطبيق. الشيخ: إي نعم، التطبيق يعني: الاتباع. قوله تعالى: مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَهذا العطف، من عطف؟ طالب: الخاص على العام. الشيخ: الخاص على العام؛ لأن من جملة ما أوحي إليه إقامة الصلاة. قوله: إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِالمراد بالنهي هنا؟ حقيقته؟ طالب: إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِإي نعم. الشيخ: تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِهي أو المراد بالنهي حقيقته؟ طالب: لا، ليس على حقيقته. الشيخ: ولّا المنع، تمنع عن الفحشاء. طالب: وإنما هي تمنع عن الفحشاء. الشيخ: المراد المنع؟ طالب: لأنه يعني قد.. الشيخ: لا، ما سألنا عن التعريف، أولًا خلينا نشوف الحُكْم، هل المراد بالنهي هنا المنع ولّا حقيقة النهي؟ طالب: حقيقة النهي. الشيخ: يعني الواحد إذا صلى يسمع الصلاة تقول له: لا تزنِ، لا تسرق. طالب: بل المنع. الشيخ: المراد المنع؟ طالب: إي نعم، أن الصلاة تمنع عن الفحشاء والمنكر. الشيخ: حالَ تَلَبُّسِه بها، أو حتى بعد فراغه منها؟ طالب: حتى بعد الفراغ منها. الشيخ: حتى بعد الفراغ. ما الحكمة في التعبير بالنهي دون المنع؟ طالب: حتى تشمل حتى ولو كان الإنسان خارج الصلاة، ما بعد الصلاة، تشمل ذلك. الشيخ: ذكرنا معنى غير هذا، هل منكم يستحضر؟ طالب: النهي أشدُّ. الشيخ: النهي أشد من المنع. طالب: إي نعم، النهي أشد من المنع. الشيخ: لأنها توجد في القلب كراهة لهذا الشيء ونفورًا منه، ومجرد المنع لا يقتضى ذلك، عرفتم ولّا لا؟ يعني: قد أمنع إنسانًا عن معصية، لكنه يبقى قلبه معلقًا بها غير كاره لها، لكن في النهي يوجب النفور، فالصلاة تُوجب المنع من المعاصي أو الفحشاء والمنكر، وتُوجب أيضًا كراهتَها والنفورَ منها، كأن داعيًا في قلبك ينهاك عن هذا الشيء. سؤال: هل هذه الآية مطابقة للواقع ولّا لا؟ طالب: مطابقة. الشيخ: مطابقة للواقع؟ طالب: في الغالب؛ لأنه.. الشيخ: غالبًا. طالب: لأن الصلاة تقتضي (...) الصلاة (...). الشيخ: إي، لكن الآن كلمة غالبًا تقتضي واحد وخمسين في المئة، ثم يَرِد علينا إشكال؛ أن الآية عامة ما هي أغلبية، والسؤال الآن هل هو مطابق للواقع ولّا لا؟ طالب: تقصد بالنسبة (...). الشيخ: أنا أقصد مطابقة الواقع؛ يعني واقع الناس الآن، هل صلاتهم تنهاهم عن الفحشاء والمنكر؟ طالب: جزء من الصلاة، يخشعوا (...). الشيخ: إي؟ طالب: الإنسان اللي يصلي الصلاة يعني بأركانها.. الشيخ: معروف هذا، نحن نؤمن بذلك: بأنه إذا صلى الإنسان صلاة تامة على الوجه المطلوب أنها تنهاه، يجب علينا أن نؤمن بذلك لأنه خبر الله. السؤال الآن: هل هو مطابق للواقع ولّا لا؟ طالب: لا، ما هو مطابق. الشيخ: ليس مطابقًا في أكثر الناس، إذن صلاتنا فيها خلل ولّا لا؟ طالب: إي نعم. الشيخ: صلاتنا فيها خلل، إذا كان قلبك لا يتغير عند خروجك من الصلاة، فاعلم أن الصلاة ناقصة؛ لأن هذا خَبَرُ من يعلم السرَّ وأخفى وهو الله عز وجل، وصدق، أصدق القول، واضح؟ ولهذا جاء عن بعض السلف: «مَنْ لَمْ تَنْهَهُ صَلَاتُه عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ لَمْ يَزْدَدْ مِنَ اللَّهِ إِلَّا بُعْدًا» والعياذ بالله. ما الحكمة من أنها تنهى عن الفحشاء والمنكر؟ طالب: لأنها صلة بالله، والإنسان إذا اتصل بالله عظَّم نهيه وعظَّم أمره. الشيخ: أحسنت، يَعْظُم شأنُ الله في نفسه عندما يكون متصلًا بالله عز وجل، ثم هو أيضًا عندما يريد أن يفعل الفحشاء والمنكر، يتذكر الساعة التي كان فيها متصلًا بالله عز وجل، فينهاه، وأنا قلت لكم حين التفسير: إن بعض الناس قد يصلي مرة من المرات صلاة حسب الحال تامة، فيجد طعم هذه الصلاة في قلبه إلى ما شاء الله، إلى مدة طويلة، وهو يتذكر لذاذة هذه المناجاة، وحسنها، وتنهاه عن الفحشاء والمنكر. قوله تعالى: وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ. أولًا: إعراب هذه الجملة؟ لست من أهل الإعراب؟ طالب: (...)؟ الشيخ: إعرابها. طالب: ها. الشيخ: اللام وكلها. طالب: وَلَذِكْرُ اللَّهِمرفوع. الشيخ: اللام قبل. طالب: لام (ذكر)؟ الشيخ: نعم. طالب: (ذكر): مبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الضمة، و(ذكر) مضاف، واسم (الله): مضاف إليه مجرور، (أكبر): خبر المبتدأ. الشيخ: خبر المبتدأ، أحسنت. الإضافة هنا من إضافة المصدر إلى فاعله أو إلى مفعوله؟ طالب: إلى مفعوله. الشيخ: إلى مفعوله. طالب: لا، إضافة إلى فاعله. الشيخ: إلى فاعله؟! اجزم. طالب: إلى فاعله. الشيخ: ما الفرق بين التقديرين؟ طالب: الفرق: أن هذا اسم الله على القرآن، وذكر الله.. الشيخ: هذا على أي التقديرين؟ طالب: على أن المضاف إلى فاعله. الشيخ: نعم. طالب: أما إذا كان مفعوله فهو ذكر الله للناس، أي: ما يذكرون به الله على التقدير الثاني. الشيخ: زين، يعني: أنت تقول: يصلح لهذا ولهذا؟ طالب: لا، هو على تقدير.. الشيخ: إضافته إلى الفاعل. طالب: إلى فاعله. الشيخ: ما تقولون أنتم؟ ما تقولون في الأمرين في الإضافة إلى الفاعل والمفعول، وفي التقدير اللي قاله؟ طالب: هو هنا قال: هي إضافة إلى المفعول. الشيخ: إضافة للمفعول؟ طالب: لأنه ذكر الصلاة.. الشيخ: ويش المعنى على تقدير إضافته للمفعول؟ طالب: المانع. الشيخ: ويش المعنى على هذا التقدير؟ طالب: المعنى: أن من يذكر الله عز وجل، هذا يكون من أعظم الأشياء، أو ينهاه عن كثير من الأشياء.. الشيخ: يعني ذكرَك اللهَ أكبر وأعظم من النهي عن الفحشاء والمنكر. طالب: نعم. الشيخ: كذا؟ طالب: النهي عن الفحشاء والمنكر؟! الشيخ: إي؛ لأنه قال: إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر. طالب: (...) القرآن، (...) يعني. الشيخ: مضاف إلى المفعول، والمعنى إذن: ولذكرك الله أكبرُ من النهي عن الفحشاء والمنكر، يعني ما في الصلاة من ذكر الله أعظم من الفحشاء والمنكر، أو على سبيل العموم كما اختاره المؤلف. على تقدير أنها مضاف للفاعل، ويش المعنى؟ طالب: (...) فقط مضاف إلى المفعول. الشيخ: المفعول فقط؟ طالب: إي. الشيخ: نعم. طالب: ذكر الله جل وعلا للإنسان في الملأ الأعلى. الشيخ: إي، أعظم.. طالب: أعظم من فعله حتى إذا (...). الشيخ: إي، أعظم من فعله. لأن الشأن أن يذكرك الله لا أن تذكر الله، كما في قوله: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [آل عمران: ٣١] ما قال: فاتبعوني تحبوا الله، قال: يُحْبِبْكُمُ؛ إذ إن الشأن في محبة الله للإنسان؛ فعلى هذا يكون المعنى ولذكر الله لكم حين تصلون؛ لأن المصلي ذاكر لله بلا شك أو لا؟ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ [الجمعة: ٩]، والمراد بالذكر هنا: الخطبة والصلاة. فعلى هذا يكون المعنى ولذكر الله إياكم في الصلاة أعظم مما يحصل لكم أنتم بالصلاة من النهي عن الفحشاء والمنكر، ألا يمكن أن نقول: إنها صالحة لهذا وهذا؟ فلتكن لهذا ولهذا؟ ما بينهم تضاد، نحن قلنا في القاعدة في التفسير: إذا كانت الآية محتملة لمعنيين لا يناقض أحدهما الآخر حُمِلَت على المعنيين، فإن كان أحدهما يناقض الآخر، ماذا نصنع؟ يؤخذ بالراجح؛ لأنه ما يمكن تحتمل الآية معنيين متناقضين، ولكن يؤخذ بالراجح. طالب: من باب الجزاء. الشيخ: إي، هو من باب الجزاء، كما ثبت في الحديث القدسي: «مَنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَمَنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَأٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَأٍ خَيْرٍ مِنْهُ» . طالب: كل واو مستأنفة؟ الشيخ: إي نعم، هي قد تكون مستأنفة على الاحتمالين. قوله: وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ، أَكْبَرُ، أين المفضل عليه؟ طالب: النهي عن الفحشاء. الشيخ: إي نعم، النهي عن الفحشاء والمنكر، وإن شئنا قلنا: حُذِفَ المفضَّلُ عليه للعموم. طالب: شيخ، قد يقول قائل: يعني: المتكلم يقصد معنى واحدًا. الشيخ: نعم، هو المتكلم يقصد معنى واحدًا، ولكن ما دام كلامه محتملًا للوجهين بدون تناقض، ما الذي يعلمنا أنه لم يرد إلا واحدًا؟ فهذا كلام الله عز وجل، وكلام الله سبحانه وتعالى واسع المعنى، فما دام اللفظ صالحًا للوجهين بدون تناقض بينهما فهو ما يمكن أن نقول: إنه لم يُرِد إلا هذا. قوله تعالى: وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَهذه الآية جملة خبرية، الجملة الخبرية تفيد علم الله بما نصنع، فما الغرض منها؟ هل الغرض منها الترغيب أو الترهيب؟ طالب: الترهيب. الشيخ: الترغيب؟ طالب: الترهيب. الشيخ: الترهيب؟ يعني يعلم ما نصنع ويجازينا عليه؟ ما الذي أدراك أنه للترهيب فقط. طالب: (...). الشيخ: أنت تقول: للترهيب، ما الذي أدراك؟ طالب: (...) الآية. الشيخ: ويش الآية. طالب: (...). طالب آخر: للترغيب والترهيب. الشيخ: للترغيب والترهيب، هذا رأيان، أيهما أصح؟ طالب: الصحيح أنها للترهيب. الشيخ: للترهيب؟ طالب: إي نعم. الشيخ: ويش الدليل؟ طالب: لأنها دالة على المراقبة، فإذا عرف أن الله يراقبه.. الشيخ: خاف منه. طالب: صار عنده شيء من الخوف. الشيخ: وإذا عرف أن الله يعلم ما يصنع، ولا يضيع عليه، ما يرغب في الطاعة؟ طالب: هذا ضعيف في هذه الآية. طالب آخر: للترغيب والترهيب، يعني يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَفيجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته. الشيخ: هي للترغيب وللترهيب، وهي للترغيب هنا قد تكون أقرب؛ لأن ما قبلها أمر وليس بنهي، لو كان نهيًا لكانت للترهيب أقرب؛ لا تزن، فإن الله يعلم ما تصنع، هذا ترهيب، اعمل صالحًا؛ فإن الله يعلم ما تصنع، ويش الواضح؟ الترغيب، لكن مع ذلك نقول: هي لهما جميعًا؛ لأنها تشمل ترغيب فعل الأمر، والترهيب من مخالفته وعصيانه. الحقيقة أننا طولنا في هذه المناقشة كأنها درس كامل، لكن ما في بأس، لأننا نود أن الإنسان ينفتح له ما ينفتح من معرفة القرآن وأسراره بقدر المستطاع. طالب: الدليل على أن الخطاب يعم الرسول وغيره. الشيخ: أيهم؟ طالب: أسألك عن الدليل، أن الخطاب يعم الرسول وسائر الأمة؟ الشيخ: إي نعم. طالب: ما الدليل؟ الشيخ: أن الخطاب الموجه للرسول له وللأمة، الدليل: من يعرف؟ طالب: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ [آل عمران: ٣١]. الشيخ: إي. طالب: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب: ٢١]. الشيخ: لا، هذا -الحقيقة- دليل على وجوب التأسي به، لكن الدليل على أن الخطاب الموجه له ما لم يدل دليل على أنه له وللأمة قوله تعالى: وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ [الأحزاب: ٥٠] يدلنا على أنه لولا قوله: خَالِصَةًلكان الحكم له ولغيره، فدل هذا على أن الحكم عند الإطلاق الموجه للرسول صلى الله عليه وسلم له وللأمة. ويدلك على هذا أيضًا آية أخرى وهي قوله تعالى: لما ذَكَر أن الله أحل له امرأة زيد بن حارثة ويش قال؟ قال: لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ [الأحزاب: ٣٧]. وَإِذْاقرأ الآية: وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا [الأحزاب: ٣٧]، الحكم الآن لمن؟ الطلبة: للرسول صلى الله عليه وسلم. الشيخ: للرسول صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك علل بعلة عامة فقال: لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، ما قال: عليك، عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا، فهذا دليل على أن الخطاب الموجه له يكون له وللأمة، واضح؟ طالب: شيخ، ونستفيد أيضًا في الآية الأولى دلالة على المقصود أيضًا؟ الشيخ: أيُّها؟ طالب: لأنه صَدَّر بقوله: إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ [الأحزاب: ٥٠]؟ الشيخ: أقول فيها دليل، وهذا أيضًا تؤيده. طالب: نقول مثلًا: جعل الخطاب المفرد للرسول، ثم قال حُكْمَ المرأة خَالِصَةً لَكَ [الأحزاب: ٥٠].. الشيخ: دليل على أن الخطاب الموجه له، له وللأمة. أنا يهمني من طالب العلم ليس أن يحفظ المسائل؛ حفظ المسائل بسيط، أعتقد أن المسجل أقوى منا حفظًا للمسائل، ولّا لا؟ (...) ما فيش شيء، لو تُعْطِي المسجل ألف مسألة وتجيئه عقب عشرين سنة، يعطيك إياه ولّا لا؟ يعطيك إياه، لكن المهم من طالب العلم أن يفهم، ففي الفهم فهم الدلالة، الدلالة من القرآن ومن السنة أيضًا، هذه يفتح الله بها على الإنسان عِلمًا كثيرًا، يمكن ما يدركه أحد؛ ولهذا قال علي بن أبي طالب لما سئل: هل عهد إليكم النبي صلى الله عليه وسلم بشيء؟ قال: لا، إلا ما في هذه الصحيفة، أو فَهْمًا يُؤْتِيه الله تعالى أحدًا في القرآن . شوف أو فهمًا، ولا شك أن عند علي بن أبي طالب رضي الله عنه من الفَهْمِ في القرآن شيئًا كثيرًا. فالمهم أنا أحب من طالب العلم أن يكون حريصًا على الفهم؛ قال النبي عليه الصلاة والسلام: «رُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ» ، فالحفظ بمنزلة الصَّيْدَلة، الصيدلي عنده الأدوية كلها، لكن الفهم والتفريع والاستنباط هذا بمنزلة الطبيب، يستطيع يوجه الأدوية وينتفع بها، الصيدلي يحفظها لك، لكن الطبيب هو الذي ينتفع وينفع، فأنا أهم شيء عندي من طالب العلم في تفسير القرآن، وكذلك في السنة، هو الفهم والاستنباط والتفريع، وأظن مر علينا أن دلالة اللفظ على معناه تكون على ثلاثة أوجه، أو لا؟ مطابقة وتضمن والتزام. المطابقة والتضمن أمرهما بسيط، أدنى طالب علم يمكن يعرفهم. لكن التزام هذا هو المهم، وهو الذي يتفرع عليه مسائل ما يحصيها إلا الله. دلالة الالتزام إذا وُفِّقَ الإنسان لها ينال خيرًا كثيرًا في هذه المسألة.
قال الله تعالى: وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [العنكبوت: ٤٦]. لَا تُجَادِلُوا: الخطاب هنا للأمة جميعًا، وهو نهي. وقوله: تُجَادِلُواما هي المجادلة؟ المجادلة: مُنازَعة الخصم لأمرين؛ للظهور عليه، وإبطال حجته، هذه هي المجادلة، تنازع خَصْمَك من أجل أن تَعْلُوَ عليه، وتظهر عليه، وتُبْطِل حجته، مأخوذة من فَتْل الرأس؛ لأن الجَدل الذي هو فتل الحبل، ويش المقصود به؟ إحكامه وتقويته، كأن المنازع يريد أن يُقَوِّي حجته على خصمه، وإننا في اللغة العامية نُسَمِّي قرون المرأة (جدايل)؛ لأنها تفتله وتقويه. وقوله: لَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِيعني: الذين أوتوه، وأهل الشيء يراد به من أوتيه وإن لم يعمل به، ويراد به من أوتيه، وعمل به، ومحل الثناء الثاني ولّا الأول؟ الطلبة: الثاني. الشيخ: محل الثناء الثاني، فأهل القرآن مَنْ هم؟ الذين حَفِظُوه فقط تلاوةً، أو حفظوه وعَمِلُوا به؟ الطالب: حَفِظوه وعَمِلوا به. الشيخ: نعم، كلهم يقال لهم: (أهل)، فالأولون أهل والآخرون أهل، لكن حقيقة الأمر أن الثناء والمدح على من كانوا أَهْلُه تلاوة وعملًا، فأهل الكتاب هم الذين أوتوه، إن عملوا به صاروا أهلًا حقًّا، وإن لم يعملوا لم يكونوا أهلًا حقًّا. وقوله: أَهْلَ الْكِتَابِالمراد بالكتاب هنا الجنس، وإلا فهما كتابان: التوراة والإنجيل، التوراة لمن؟ لليهود، والإنجيل؟ للنصارى. وقوله: إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُهذا الاستثناء مفرغ، مفرغ من عموم الأحوال، يعني: في أي حالة من الأحوال لا تجادلوهم إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، وهذا كقوله تعالى: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل: ١٢٥]. وقوله: إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُبِالَّتِيلم يقل: بالذي، قال: بِالَّتِي، و(التي) كما نعرف جميعًا مؤنث ولّا مذكر؟ الطلبة: مؤنث. الشيخ: مؤنث، أي: إلا بالطريقة التي هي أحسن؛ لأن المجادلة ما هي كلمة تُلْقَى، بل هي طرق؛ ولذلك عندهم في علم الأدب والمناظرة عندهم للمناظرة طرق، طرق يتمكن بها الإنسان من الوصول إلى إقناع الخصم وإقامة الحجة عليه؛ ولهذا قال: بِالَّتِيأي: بالطريقة التي هِيَ أَحْسَنُ. وقوله: بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُعندنا المجادلة بـ(هي أحسن) ما يخالف. الَّتِي هِيَ أَحْسَنُهنا أتى باسم التفضيل مطلقًا؛ ليعم الحسن في سياق الأدلة مثلًا، وسياق المجادلة، والحُسن أيضًا في كيفية هذه المجادلة، لأنه لا بد من الأمرين: لا بد من حسن الطريق، بمعنى: أن نأتي بأقرب الطرق لإقناع الخصم، ولا بد أيضًا من كيفية وضع هذه الطريقة، أو إلقاء هذه الطريقة، كيفية إلقائها، نضرب مثلًا للأمرين؛ إنسان عنده قوة في المناظرة، وإيراد الحجج لكنه إذا جاء يجادل يقول: أنت بليد، أنت حمار ما تعرف، القضية كذا وكذا وكذا، أنا –الحقيقة- مخطئ أني أجادل مثل هذا الحمار، هذه أحسن ولّا لا؟ الطلبة: لا، والله، ليست أحسن. الشيخ: ليست أحسن، وإن كان عَرْض الطريق جيدًا، لكن هذا، كيفية إلقاء هذه الطريق ليس بجيد. إنسان آخر لَيِّن الكلام مهذب، لكن ما يحسن يناظر، ما يحسن أن يناظر، هذا أيضًا ليس داخلًا في قوله: بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ. انظر إلى إبراهيم عليه الصلاة والسلام لما حاجَّه الرجل في ربه: قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ [البقرة: ٢٥٨] ما راح ينازعه إبراهيم يقول: أنت ما تُحيي ولا تُميت، أنت إنما تبقي الحياة، أو تفعل السبب الذي يكون به الموت؛ لأن حقيقة الأمر الإنسان ما هو بيحيي ولا يميت، لكنه يفعل السبب الذي به يموت أو يَسْتَبْقِي حياةً مِن غيره، أليس كذلك؟ ما راح ينازعه هذه المنازعه؛ لأنها قد تطول، أتى له بدليل آخر، ما يقدر ينفلت منه؛ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ [البقرة: ٢٥٨] بسيطة دي، يقدر؟ طالب: لا. الشيخ: ولهذا قال: فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ، ما استطاع أن يتخلص من هذا الإيراد أبدًا. هذه أيضًا من الأحسن في المناظرة: أنك إذا رأيت أنك بسلوكك هذه الطريق ينفتح عليك باب المعارضة تسلك الطريق الآخر، قد يقول الإنسان في نفسه: أنا ما وُدِّي أنهزم، وُدِّي أُثبت هذه الحجة التي أَدْلَيْتُ بها، قد يقول الإنسان في نفسه: أنا أحب أن أبقى على الحجة التي أدليت بها ولا أورد أخرى؛ لأني أخشى أن يكون ذلك انهزامًا، أليس هذا واردًا؟ هذا وارد، قد يصير الإنسان يُدْلِي بحجة يبدأ يُنازِع فيها لأجل الحقيقة ويثبتها، وذاك يفتح عليه أبواب النقض، بدلًا من هذا ما دام عندك حجة واضحة تُبْطِل بها قول خصمك، فإن المقصود ما هو؟ المقصود –بالذات- من المجادلة المقصود الأول ما هو؟ طالب: إظهار الحقيقة. الشيخ: إبطال حجة الغير المنازِع، فما دام عندي حجة أعرف أنه ما يستطيع أن يُنازِع بها، أترك الذي أتيتُ به أولًا، أقول: دعنا من كذا وافعل كذا، وما تقول في كذا؟ دعنا من كذا، فما تقول في كذا؟ لأن هذا يفتح لك أولًا: إفحام الخصم بسرعة، وثانيًا: لئلا يكون بالمنازعة في الحجة الأولى يظهر عليك؛ لأن الإنسان قد يكون كما تعرفون، قد يكون عند الخصم استعداد في المناظرة في مسألة من المسائل، وعنده لها دليل واضح، ثم عند المجادلة يغلبك، بينما يكون عندك أنت ما هو أقوى منه، لكن لو سلكت طريقًا آخر وصلت إلى مقصودك، فالمهم أننا نقول: في المجادلة التي هي أحسن يشمل أي شيء؟ طالب: الطريقة. الشيخ: الطريقة التي بها تَنْدَفع حجة الخصم، وتقوم عليه الحجة، ويشمل كذلك: كيفية إلقاء هذه الحجة في المجادلة، فهو شامل لهذا وهذا. وقوله: إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ. عندنا (أَحْسَن)، و(حَسَن)، شوف في المجادلة مع أن الإنسان عند المجادلة تجده وُدّه بس الشيء الذي يغيظ الخصم، ومع ذلك أمر الله بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ؛ لأن المقصود الوصول إلى الحق لا مجرد الغلبة، الذي يقصد بمجادلته مجرد الغلبة لا لله، ولكن لنفسه هذا في الحقيقة خاسر وإن نجح، نعم مَنْ قصد الظهور والغلبة على خصمه لله؛ لأنه يعتقد أن الحق معه فيريد أن يعلو هذا الحق، فهذا لا شك أنه حسن ولا يلام عليه المرء، لكن أعلى منه من قصد أيش؟ طالب: إظهار الحق. الشيخ: إظهار الحق بقطع النظر عن كون ذلك انتصارًا لنفسه أو لا. فالمراتب إذن ثلاثة عند المناظرة؛ مِن الناس مَن يُناظِر من أجل ظهوره هو وغلبته فقط، هذا خاسر، وهذا معناه أنه سيناظر على قوله وإن كان باطلًا. ومن الناس مَنْ يناظر ويريد الغَلَبة أو الانتصار لنفسه؛ لأن قوله يرى أنه الحق، فهذه مرتبة الإنسان فيها سالم وناج. المرتبة الثالثة أعلاها أن يقصد بذلك إظهار الحق بقطع النظر عن كونه انتصر أو ما انتصر، ما يهمه، ولذلك مثلًا قد يرى من نفسه أنه في هذا المكان أَنْقَص مرتبة، ولكنه لا يهمه أن يكون ناقص المرتبة؛ لأنه يريد ظهور الحق، فهذا لا شك أنه أعلى المراتب. وقوله تعالى: إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ(كالدعاء إلى الله بآياته، والتنبيه على حججه)؛ الدعاء إلى الله بآياته، أَيُّ الآيات الشرعية والكونية؛ لأن الله تعالى يُقِيم الحجة بهما جميعًا، قال الله تعالى: فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ [الفرقان: ٥٢] بالقرآن جِهَادًا كَبِيرًا، فالمجادلة بالآيات الكونية وبالآيات الشرعية. الآيات الشرعية صحيح أنها حق للمجادَلَة بها، كيف أجادل بالآيات الشرعية؟ أُبِيِّن ما في الشريعة، ما في شريعة الله من الحكم والأسرار؛ فإن هذه الشريعة إذا بانت حِكَمها وأسرارها لكل ذي عقل تبين له أنها هي الحق، وكذلك أيضًا أبين ما في آيات الله الشرعية من الالتئام والانتظام وعدم الاختلاف وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا، هذه المجادلة بالآيات أيش؟ طالب: الشرعية. الشيخ: الشرعية، المجادلة بالآيات الكونية أن أُرِيهم آيات الله الكونية، وأقول: مَنْ فَعَل كذا؟ من فعل كذا؟ قال الله تعالى: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ [الطور: ٣٥، ٣٦]. هذه الآيات اللي في الطور مناظرة بالآيات الكونية والشرعية، أو لا؟ أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ (٣٦) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ (٣٧) أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ [الطور: ٣٥ - ٣٨] أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٣) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ [الطور: ٣٣، ٣٤] ها الأخيرة هذه بالآيات؟ الطلبة: الشرعية. الشيخ: الشرعية، والأولى بالآيات؟ طالب: الكونية. الشيخ: الكونية، فتجادل المعاند بالآيات الكونية وتُبَيِّن له، ومن ذلك أيضًا مناظرة إبراهيم عليه الصلاة والسلام للذي حَاجَّه في ربه؛ فإنه ناظره بالآيات الكونية. وقوله: (والتنبيه على حُجَجِه) (حُجَج): الحُجَج جمع حجة وهي الدليل، الدليل المقنع والمفحم للخصم.
(...) حجة لكنها في الواقع شبهة وليست بحجة وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ [الشورى: ١٦]، احتج من ينكر صفات الله عز وجل على اختلاف مشاربهم، هل هي الصفات الخبرية أو الفعلية أو كل الصفات، احتجوا بشبهة؛ قالوا: إثبات هذه الصفات يستلزم التشبيه؛ لأنا لا نعقل في الخارج من يوصف بهذه الصفة إلا المخلوق، فيقتضي أن يكون الله تعالى مشابهًا للخلق، إذن يجب الإنكار، فهمتم؟ تَرى هذه غالب حجة أهل التعطيل كلهم على اختلاف مشاربهم يقولون: ما نشاهد في الخارج، وقولهم: (في الخارج) يعني: في الواقع، احترازًا من الفرض الذهني، الفرض الذهني قد يَفْرِض أشياءً لا وجود لها ولّا لا؟ يمكن الآن ذهنك يصور شخصًا مثلًا له آذان طويلة، الأذن طول المنارة، والإصبع عشرة مِلِّي، ولّا لا؟ لكن هو موجود؟ قد لا يكون موجودًا، يفرض مثلًا كلية عامة اسمها الحيوانية، يدخل فيها الإنسان والبعير والحصان وما أشبه ذلك، كلية عامة، هل لها وجود في الذهن؟ في الذهن نعم، لكن في الخارج الواقع لا. المهم أنهم يقولون: لا نجد في الخارج -أي: في الواقع- شيئًا متصفًا بهذا إلا المخلوق، فيجب أن ننفي عنه هذه الصفات. غلاة الجهمية قالوا أيضًا -والأسماء ينفوها-: لا تثبتون أبدًا إلا فاعلًا وقادرًا فقط، غلاة الجهمية يقولون: ما يمكن نثبت ولا الأسماء، حتى الله ما نسمِّيه السميع ولا العليم ولا الغفور ولا الرحيم؛ لأن هذه الأسماء للمخلوق ما نسمي الله بها، نسميه فاعلًا وقادرًا فقط. طالب: (...). الشيخ: لا؛ لأنهم جبرية، جبرية يرون الإنسان ما يفعل بنفسه ولا يقدر على الفعل، قالوا: فلما انتفت صفة الفعل والقدرة في الإنسان، قلنا: ما يخالف، الله فاعل قادر أما غير ذلك لا، ما نثبت له ذلك. طالب: إرادة. الشيخ: الإنسان ما له إرادة عندهم؛ ولهذا يجب أنهم يثبتوا الإرادة، مع أنهم هم ذكروا (إلا الفاعل والقادر)، لكن يجب أن يثبتوا الإرادة حقيقة، لأنهم عندهم الإنسان ما يريد. فالحاصل أني أقول: هل هذه حجة ولَا شُبْهة؟ هذه شبهة في الواقع، ولا أسهل من إبطالها في الحقيقة؛ لأن إن يقولوا: أنتم الآن تشاهدون مخلوقات بعضها تتفق مع بعض في الأسماء أو لا؟ الجمل له يد وله رجل، والحصان له يد ورجل، والدرة لها يد ورجل، والإنسان له يد ورجل، متشابهة؟ طلبة: لا. الشيخ: ما هي متشابهة، فإذا انتفى التشابه في المخلوقات، مع أنها كلها حادثة، ومخلوقة، فانتفاء التشابه بين الخالق والمخلوق من باب أولى وأقطع وأظهر وأبين. فالحاصل أني أقول: قول المؤلف: (على حججه) المراد بها: البراهين الصادقة والأدلة القاطعة، وليس كل حجة مقبولة إلا عدا الحجة من الله ورسوله مقبولة بكل حال، والله الموفق. طالب: يا شيخ (...). الشيخ: تقدم أن أهل الكتاب يراد بهم؟ طلبة: اليهود والنصارى. الشيخ: اليهود والنصارى، وإضافة الأهل إلى الكتاب تشمل من أوتوه فعملوا به ومن أوتوه ولم يعملوا به، لكن أهل الكتاب حقًّا هم الذين أوتوه وعملوا به. وقوله: إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [العنكبوت: ٤٦] تقدم أنه يراد به الطريق المثلى التي يُتوصَّل بها إلى إفحام الخصم، وكذلك صفة هذه المجادَلة والمنازَعة، فتشمل الأداء والصيغة، أليس كذلك؟ طالب: بلى. الشيخ: يعني: أنه يُسلك أقرب الطرق إلى إفحام الخصم، وأقواها في إقناعه، وإقامة الحجة عليه، وكذلك أَحْسَنُمن حيث الصيغة والكلام؛ فلا يكون بعنف ولا تعنت وما أشبه ذلك، فيشمل الآن: الطريقة التي تحصل بها المجادلة، أيش بعد؟ طالب: الصيغة. الشيخ: الصيغة، وكيفية ذلك؛ لأن هذا أقرب إلى إقناعه، لأن العنف والشدة والمشاتمة والمسابة لا تُحِقُّ حقًّا ولا تبطل باطلًا، بل هي في الحقيقة مدعاة للسخرية من الغير، والنفور من المجادلة، وهذه ينبغي أن يتفطن لها الإنسان؛ لأن بعض الناس إذا أراد أن يفحم خصمه تجده ينفعل ويشتد ويخاصم ويسُبُّ، هذا في الحقيقة خطأ، وهذه قد يستعملها بعض أهل العلم، وممن أراه يستعملها ابن حزم في المحلى؛ عندما يتكلم مع محاجَّة غيره تجده يَسُبُّ ويشتم، لا سيما على أهل الرأي أبي حنيفة وأصحابه، وهذا ليس من الأمور الحسنة، ما ينبغي. وقوله تعالى: إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْهذا مستثنى من قوله: أَهْلَ الْكِتَابِ، إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا، وهذا الاستثناء هل يجب فيه النصب؟ أو يجوز فيه النصب والبدل؟ طالب: يجوز فيه الأمران (...). الشيخ: لماذا؟ طالب: لأنه مسبوق بنفي. الشيخ: بنهي. طالب: بنهي يعني. الشيخ: إي، وهو بمعنى النفي. قال ابن مالك.. طالب:
مَا اسْتَثْنَــــتِ الَّا مَــعْ تَمَـــامٍ يَنْتَصِــــــبْ
...........................
الشيخ:
..............................
وَبَعْدَ نَفْيٍ أَوْ كَنَفْيٍ انْتَخِــــــــــبْ
إِتْبَاعَ مَا اتَّصَـــــلَ................
..........................
قال: إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْبأن حاربوا وأبوا أن يُقِرُّوا بالجزية، فجادلوهم بالسيف حتى يسلموا أو يعطوا الجزية. تقدم أيضًا الكلام على قول المؤلف: (المجادلة بآيات الله)، والتنبيه إلى (على حججه)، وقلنا: إن المجادلة بالآيات تشمل الآيات الكونية والشرعية. وقوله: إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْقال: (بأن حاربوا وأبوا أن يقروا بالجزية، فجادلوهم بالسيف حتى يسلموا أو يعطوا الجزية) هؤلاء هم الذين ظلموا، ولعل الآية أعم مما قال المؤلف، ويكون المراد بالذين ظلموا: الذين كابروا وعاندوا ولم يرضخوا للحق الذي تَبَيَّن، فهؤلاء لا يجادلون بالتي هي أحسن؛ لأنه تبيَّن عنادهم، ولكن هل الآية تدل على مُتَارَكَتِهم وأنهم يُتركون؟ أم أن الآية تدل على أنهم يجادلون بالتي هي أسوأ؟ اختلف كلام المفسرين في هذه المسألة؛ فمنهم من قال: إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْفاتركوهم ولا تجادلوهم؛ لأنه لا فائدة من جدالهم ما دام قد ظهر عنادهم وظلمهم فلا فائدة. ومنهم من قال كما قال المؤلف: (إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ) يعني: فجالدوهم، لا تجادلوهم، جَالِدُوهم بالسيف حتى يسلموا أو يعطوا الجزية. وعندي: أن الآية تحتمل المعنيين جميعًا، وأنه ينبغي أن تُنَزَّل على الحالين وتُستعمل، كل حال بما يليق ويناسب، فإذا كان المقام يقتضي أن نجالدهم بالسيف حتى يسلموا أو يعطوا الجزية، فأما ذلك بأن يكون لدينا من القوة والقدرة ما نتمكن به من ذلك، وإذا لم يكن بنا القدرة وكانت المصلحة تقتضي مُتارَكَتَهم فإننا نتركهم، وهذا -والله أعلم- هو السرِّ في أن الله سبحانه وتعالى لم يذكر حكم هذا المستثنى صريحًا، ما قال: إلا الذين ظلموا منهم فجادلوهم بالتي هي أسوأ، ولا قال: إلا الذين ظلموا منهم فلا تجادلوهم إطلاقًا، بل جعل حكم هذا المستثنى صالحًا للأمرين. إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ(وَقُولُوالمن قَبِل الإقرار بالجزية إذا أخبروكم بشيء مما في كتبهم: آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ)، هذه من تهدئة الخصم عند المنازعة والمحاجة؛ لأن بعض الناس إذا نازع أو خاصم صار يَسُبُّ محل الحجة من خصمه، وهذا غلط. يعني مثلًا، افرض أنك تجادل إنسانًا في مسألة من الفقه فقال لك هذا المنازع: إنه قاله فلان في الكتاب الفلاني، بعض الناس يصبُّ جام السب والغضب على هذا الكتاب، وهذا خطأ، ما ينبغي هذا العمل؛ لأن هذه قضية عاجز، إنما هدئ باله وقرره، وإذا كان ما احتج به مما يُقْبَل فاقبله، وليس كل ما يقبل في شيء يقبل في جميع الأشياء. فهنا نقول لهؤلاء المجادلين من أهل الكتاب: آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَاوهو القرآن، وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْوهو التوراة إذا كانوا من اليهود، أو الإنجيل إذا كان من النصارى، فنحن لا ننكر ما أنزل إليكم، نقول: هو حق، لكن نؤمن أيضًا بما أنزل إلينا ونقول: إنه حق، وإذا آمنا بهذا وبهذا صار الحكم لأيهما؟ لِما نزل أخيرًا وهو القرآن؛ لأنه ناسخ. وحينئذ يكون في قولنا هذا أولًا: تهدئة لهم ولنفوسهم، وثانيًا: إلزام لهم بالإيمان بما أنزل إلينا؛ لأن الإنسان مهما كان، بشر، فإذا قيل له: أنا آمنت بما أُنزل إليك، فآمن بما أنزل إليّ، سيأخذه أيش؟ الخجل، والفشل، وربما يوافق، يقول: كيف هذا الرجل يؤمن بما أنزل إلي وما أنزل إليه، وأنا أكذب بما أنزل إليه؟ فيكون في هذا مصلحة من وجهين؛ أولًا: تهدئته، وثانيًا: إلزامه بالإيمان بما أنزل إليّ، كما أنني أنا مؤمن بما أنزل إليه، وهذه في الحقيقة من المجادلة بالتي هي أحسن. وقوله: آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَاقُولُوا آمَنَّاكلما جاء الأمر بالقول فالمراد به القول باللسان بعد الإقرار بالجنان؛ لأن مجرد القول باللسان لا يكون إيمانًا، كما قال الله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ [البقرة: ٨]، فالإيمان الذي لا يتطابق فيه القلب واللسان هذا ليس بإيمان، هذا نفاق والعياذ بالله، فلا بد من القول باللسان بعد الاعتراف بالجنان. وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْهذا من بلاغة القرآن، لم يقل: وما قلتم، أو وما جئتم به، قال: والذي أنزل إليكم، لماذا لم يُعَبِّر بالأول؟ لأن لديهم من التحريف والتبديل ما لا يمكن معه أن نقبل كل ما جاؤوا به، لكن نؤمن بأي شيء؟ طالب: بالمُنزَّل. الشيخ: بالمُنزَّل إليهم، أما بما جاؤوا به فهم قد حَرَّفوا وكذَّبوا؛ ولهذا جاء في الحديث الصحيح: «لَا تُصَدِّقُوهُمْ وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ، وَقُولُوا: آمنَّا» بهذا اللفظ في البخاري وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ، فنحن مؤمنون بالمنزَّل، لا بالمبدَّل، المبدَّل ما نؤمن به، إنما نؤمن بالمنزَّل. وصفة الإيمان بما أنزل إلينا هل هو كصفة الإيمان بما أنزل إليهم؟ لا؛ لأن إيماننا بما أنزل إلينا ملزِم بالاتباع، وإيماننا بما أنزل إليهم ليس ملزِمًا؛ فإذا وجد في شرعنا ما يخالف شرعهم، فالمتبَع شرعُنا، لكننا نؤمن بأن ما نزل إليهم من عند الله وأنه حق، وأنه يجب عليهم اتباعه في حال قيامه وعدم نسخه. وقوله: بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْمن أي أحد؟ من الله عز وجل؛ لأن جميع الكتب المنزلة على الأنبياء من الله. ثانيًا: وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌأي: معبودنا؛ لأن إله بمعنى مألوه، والمألوه بمعنى: المعبود، وهو يُطلَق على المعبود بحقٍّ، وعلى المعبود بغير حقٍّ، لكن الله وحده هو المعبود بحق، وما عداه فمعبود بالباطل؛ قال الله تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ [الحج: ٦٢]، إذن هذه الأصنام تسمى آلهة؟ الطلبة: نعم. الشيخ: تسمى آلهة، ولكن ألوهيتها باطلة شرعًا، ولهذا صح النفي في قوله: لا إله إلا الله، فهذا النفي لا يعني: إنه ما يوجد إله في الكون إلا الله، يوجد إله لكن إله باطل، ما عدا الله سبحانه وتعالى فألوهيته باطلة. طالب: شيخ، سبق أن قررنا هذا الأمر؛ أن هذه لا تستحق أن تُسمَّى آلهة (...). الشيخ: نعم، آلهة حقًّا يعني، سبق أنها ما تُسمَّى آلهة حقًّا، أما آلهة بالباطل فهي قد سمَّاها الله آلهة، والرسل أيضًا سَمَّوْها آلهة، فهي آلهة لكنها باطلة، ومن أجل بطلانها صح النفي في قول: لا إله إلا الله. طالب: لكن مثلًا على تقدير: لا إله إلا الله، نقول: بحقها. الشيخ: لا، نُقَدِّر: لا إله حق، خبر المبتدأ محذوف تقديره حق. طالب: يجوز أن نقول: لا إله موجود، ونجعل تقدير آلهة مجرد أسماء لا حقيقة لها. الشيخ: لا، ما يصح؛ لأننا لو قدَّرْنا هذا التقدير، هذا قدَّرَه بعضهم، وقال: التقدير لا إله موجود، لكن لو قلنا بهذا لاحتج المشركون علينا وقالوا: إذا كنتم تقولون هذه ليست آلهة إذن فلسنا بمشركين؛ لأنا ما عبدنا إلهًا، وهذا باطل. فالواجب أن نقدِّر: لا إله حق إلا الله، وهذا صريح القرآن، فالله تعالى سماها آلهة فقال: وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ [القصص: ٨٨]، فسماه إلهًا، وهذا ما فيه محاجة للمشركين حتى نقول: هذا من باب التنَزُّل مع الخصم، وقال إبراهيم لقومه: أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ [الصافات: ٨٦]، وقال الرجل الصالح لقومه الناصح: أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ [يس: ٢٣]، واتفق على ذلك الوحي المنزل من كلام الرسل وكلام الصالحين. قال: وَإِلَهُنَاإذن (إله) بمعنى: مألوه، والصيغة هذه: (إله بمعنى مفعول) كثيرة في اللغة العربية ومنها؟ طالب: غراس. الشيخ: الغراس، والبناء، والفراش وما أشبه ذلك. وقوله: وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌهذا في مخاطبة اليهود واضح، لكن في مخاطبة النصارى كيف يصح أن نقول: وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌوهم يعبدون المسيح، ويرونه إلهًا، ويقولون: إن الله ثالث ثلاثة؟ طالب: نَرُدُّ هذا الزعم، بقولنا هذا نرد على زعمهم ونثبت وحدانيته. الشيخ: معنى ذلك أننا ننكر أن يكون الإله متعددًا، ونلزمهم بذلك؛ لأن النصارى يقول الله عز وجل إنه يقول يوم القيامة لعيسى ابن مريم: أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ [المائدة: ١١٦] الله يعلم أنه ما قال هذا، لكن من أجل إبطال دعوى قومه وإلزامهم بالحجة، قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ [المائدة: ١١٦] مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ [المائدة: ١١٧]. وقوله: وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌهذا فيه أيضًا إلزام لهم بالقبول إذا كان الإله واحدًا ونزَّل الكتاب السابق ثم نزل الكتاب المهيمن اللاحق، فما الواجب علينا وعليكم؟ طالب: اتباع الله. الشيخ: اتباع هذا الذي نزل من عند الإله المتفق عليه بيننا وبينكم، مثل ما لو قال قائل -ولله المثل الأعلى، لكن على سبيل التقريب -: الملك واحد، أمرنا بأمر وأمركم بأمر، فالواجب علينا جميعًا ما دمنا نعترف بأنه هو الملك، على الجميع أيش الواجب؟ الطلبة: الطاعة. الشيخ: الطاعة، كلٌّ يطيعه فيما أُمر به، فأنتم أمرتم بشيء ثم نسخ هذا الأمر إلى هذا الأمر الثاني من إله واحد، فالواجب علينا جميعًا أن ننصاع تحت أمر هذا الإله الواحد. وقوله: وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ(نحن): أي وأنتم؟! طالب: نعم. الشيخ: لا، نحن وحدنا، وَنَحْنُ لَهُأي: لهذا الإله الواحد مُسْلِمُونَ، وتقديم المعمول يفيد؟ طالب: الحصر. الشيخ: الحصر، يعني: له لا لغيره مُسْلِمُونَ. والمراد بالإسلام هنا: الاستسلام ظاهرًا وباطنًا، والاستسلام ظاهرًا واضح؛ أن يقوم الإنسان بالأعمال الظاهرة كالصلاة والزكاة والصيام والحج، والاستسلام باطنًا: إخلاص النية لله عز وجل، قال الله تعالى: بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ [البقرة: ١١٢] إسلام الوجه: إسلام القصد، وَهُوَ مُحْسِنٌبالعمل الصالح، عمل الجوارح. فقوله: لَهُ مُسْلِمُونَالمراد به الاستسلام ظاهرًا وباطنًا؛ ولهذا فسر العلماء الاستسلام بأنه الاستسلام لله ظاهرًا وباطنًا. وقوله: وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ، يعني: وأما أنتم؟ طالب: وإذا حصر (...). الشيخ: إي فمعناه: أنكم لم تسلموا له، وإنما أسلمتم لأهوائكم، وهكذا يجب على كل مؤمن أن يكون مسلمًا لله وحده، مخلصًا له ظاهرًا وباطنًا. قال المؤلف: (مطيعون)، ففسر الإسلام: بالطاعة. والطاعة هي: موافقة الآمر أو الناهي بما يريد، يعني أنها فعل المأمور وترك المحظور على الوجه الذي قُصِد من الآمر أو الناهي. طالب: إذا أفردت الإسلام، تكون أعم من إذا (...)، في الظاهر والباطن إذا أفردت، وإذا (...). الشيخ: الإسلام والإيمان إذا أُفْرِد أحدهما شمل الآخر. فالإسلام عند ذكره وحده يشمل الإيمان، والإيمان عند ذكره وحده أيضًا يشمل الإسلام. وإذا قُرِنَا صار الإيمان في الباطن، والإسلام في الظاهر: قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ [الحجرات: ١٤]. قال الله تعالى: ({وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ} [العنكبوت: ٤٧]، القرآن كما أنزلنا إليهم التوراة وغيرها). وَكَذَلِكَهذه دائمًا تقع في القرآن، كثيرًا ما يعبر الله سبحانه وتعالى بها، وقد مر علينا إعرابها ولا أظنكم نسيتم ذلك، مَنْ يعرف؟ طالب: الكاف حرف جر، و(ذا): اسم إشارة (...) مبني على السكون. الشيخ: (اللام)؟ طالب: (اللام) لام البعد، والكاف كاف.. الشيخ: حرف خطاب. طالب: نعم. الشيخ: الظاهر أن جماعتنا لا يوافقون. طالب: أقول: الكاف: حرف جر. الشيخ: حرف جر. طالب: ذا: اسم إشارة. الشيخ: واللام،كَذَلِكَ. طالب آخر: الكاف اسم بمعنى: مثل. الشيخ: نعم. طالب: مضاف، و(ذا): مضاف إليه. الشيخ: ويش محله من الإعراب، اسم بمعنى (مثل)، ويش محله من الإعراب؟ طالب: مبتدأ. الشيخ: لا. طالب: منصوب على المفعولية المطلقة. الشيخ: صح، محله من الإعراب النصب على المفعولية المطلقة، التقدير: ومثل ذلك الإنزال أنزلنا إليك الكتاب، ومثل ذلك الإنزال أنزلنا إليك الكتاب. طالب: (...). الشيخ: لا، هم أعربوها على أنها مفعول مطلق؛ اسم بمعنى مثل مفعول مطلق لفعل محذوف، تقدير المفعول المطلق هذا: مثل ذلك الإنزال الذي نزل عليهم أنزلنا إليك الكتاب. ومثله كثير هذا في القرآن، مثل: وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ [النمل: ٣٤]: أي: ومثل ذلك الفعل يفعلون، وربما يكون أيضًا مثل الآية الأخيرة هذه قد يكون مفعولًا به مقدمًا. قال: وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ [العنكبوت: ٤٧] الخطاب في قوله: إِلَيْكَللنبي عليه الصلاة والسلام. وأَنْزَلْنَاأضافه الله إليه؛ لأنه كلامه. فالقرآن كلام الله لفظًا ومعنى، هذا الذي عليه أهل السنة والجماعة، وهو الذي دل عليه القرآن والسنة وإجماع الأئمة، وهو مخالف لقول الأشاعرة: إن القرآن كلام الله معنى لا لفظًا، وأن هذه الحروف مخلوقة خلقها الله سبحانه وتعالى لتكون حكاية أو عبارة عن كلامه، أما هي كلامه فلا، ويجعلون الكلام هو المعنى القائم بالنفس، والغريب أيضًا أنهم يقولون: إنه قديم؛ يعني: لا يتجدد، وأنه بمعنى واحد، وأن (قُل) مثل (هَل)، وأن الخبر مثل الأمر، وأن التوراة والإنجيل والقرآن وسائر ما يَتَكَلَّمُ الله به شيء واحد. وكل هذا تَصَوُّرُه كَافٍ بِرَدِّه، وهو في الحقيقة إنكار لكلام الله؛ ولهذا قال بعض المحققين منهم، قال: حقيقة أنه لا فرق بيننا وبين المعتزلة والجهمية؛ فإننا جميعًا متفقون على أن ما في دفتي المصحف مخلوق، لكن هم أشجع منهم، المعتزلة أشجع؛ يقولون: هو مخلوق لفظًا ومعنى، والأشعرية يقولون: مخلوق لفظًا لا معنى، وعلى كل حال هذا محل بحثه في علم العقائد. قال: أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ، الكتاب: القرآن، وسُمِّي كتابًا، في أيش مكتوب؟ طالب: اللوح المحفوظ. الشيخ: هذا واحد، بس؟ طالب: مكتوب في اللوح المحفوظ، والصحف التي في أيدي الملائكة، وفي المصاحف التي بين أيدي الناس. الشيخ: نعم، صح، مكتوب في اللوح المحفوظ، وفي الصحف التي بأيدي الملائكة، وفي المصاحف التي بأيدينا. وفي قوله: الْكِتَابَ(أل) هنا: ما أدري للجنس أو للعهد؟ طلبة: للأخير. الشيخ: للأخير، أَيُّ عهدٍ هو؟ طالب: العهد الذهني. الشيخ: العهد الذهني، أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِيعني؟ طالب: (...). الشيخ: بس، كأنه بعيد، يعني: بمعنى بعيد، بينهم آيات متعددة. قوله: فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِالفاء هذه للتفريع، تَفَرَّع عن إنزال الكتاب على الرسول عليه الصلاة والسلام أن انقسم الناس فيه إلى قسمين؛ قسم آتاهم الكتاب فآمنوا به، وقسم آخر لم يؤمن به. فقوله: فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِقال المؤلف: (الكتاب: التوراة كعبد الله بن سلام وغيره). ولكن هذا التفسير فيه شيء من الإشكال؛ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَبهذا القرآن، هل جميع الذين أوتوا الكتاب يؤمنون به؟ طالب: لا. الشيخ: لا، أكثرهم في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ما آمن به، لكن الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَإيتاءً كونيًّا وشرعيًّا، بمعنى أن الله آتاهم الكتاب وعملوا به، فهؤلاء الذين أوتوا الكتاب على وجه الكمال والإطلاق هم الذين آمنوا بالقرآن، مثل عبد الله بن سلام من اليهود، والنجاشي من أين؟ من النصارى، وسلمان الفارسي ما أوتي الكتاب لكنه آمن بالقرآن؛ لأنه تلقى العلم عن أهل الكتاب، فهؤلاء ثلاثة أصناف: اليهود، والنصارى، ومن تلقى عنهم، كلهم فتح الله عليهم فآمنوا بهذا القرآن. وقوله: آتَيْنَاهُمُبمعنى جئناهم. طالب: أعطيناهم. الشيخ: ما هي أعطيناهم، ويش الفرق بين (جئناهم) وبين (أعطيناهم)؟ من الرباعي بمعنى: أعطيناهم، ومن الثلاثي: بمعنى جئناهم. طالب: بالنسبة (...) لا يكون حكمًا عامًّا، يؤمنون بالكتاب (...) القرآن من حيث (...) لأنه ذكر.. الشيخ: الإيمان عند الإطلاق يشمل الإيمان الحقيقي، ما هو مجرد التصديق، فهم أيضًا ما صدقوا بالقرآن، أنكروه، غالبهم أنكر وكذب؛ ولهذا المؤلف مثّل بالذين أسلموا منهم كعبد الله بن سلام. وقوله: يُؤْمِنُونَ بِهِالجملة خبر مبتدأ، المبتدأ أين هو؟ طالب: الَّذِينَ. الشيخ: الَّذِينَ، (يُؤْمِنُونَ بِهِبالقرآن) ويصدقون، فأهل العلم منهم الراسخون فيه الذين يريدون الحق لا شك أنهم آمنوا بالقرآن واتبعوه ورَأَوْا أنه حق. أما على ما ذكره الأخ (عبد الرحمن) من التقدير بأن المعنى الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَأي: نُزِّل إليهم الكتاب، يُؤْمِنُونَ بِهِبمعنى: يعرفون أنه حق، يعرفون أنه حق ولكن لا يؤمنون به فهو خلاف ظاهر الآية، وإن كان المعنى من حيث هو يحتمل، لكن خلاف ظاهر الآية. طالب: وآخر الآية يدل على خلاف ذلك. الشيخ: إي نعم، فما دام أن الإيمان لا يطلق إلا الإيمان التصديق؛ ولهذا قال في آية أخرى: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ [البقرة: ١٤٦] هذا الجميع، وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [البقرة: ١٤٦]. قال: فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلَاءِ(أهل مكة) مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ. مِنْهذه للتبعيض، وعلامة (مِن) التبعيضية أن يحل محلها (بعض)، يعني: وبعض هؤلاء يؤمن به، والإشارة إلى هؤلاء يراد بها (مَن)؟ طالب: (...). الشيخ: لا. طالب: أهل مكة. الشيخ: أهل مكة؛ لأن هذه السورة مكية، فالمشار إليهم قريبون؛ إذ أنها نزلت قبل الهجرة، وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِشوف الفرق بين التعبيرين: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَوَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِكأن المؤمنين بذلك من قريش قلة، بعض يؤمن به. وقوله: مَنْ يُؤْمِنُ بِهِالإيمان كما سبق عند الإطلاق يراد به التصديق المستلزم للقبول والإذعان، وليس مجرد التصديق، الإيمان شرعًا يراد به التصديق المستلزم للقبول والإذعان، فمجرد التصديق ليس بإيمان، وإلا لكان أبو طالب مؤمنًا، ولكننا نقول: إنه لا بد أن يكون مستلزمًا للقبول؛ قبول ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، والإذعان: وهو الانقياد، أما بغير ذلك فليس بإيمان. طالب: قوله: وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِيعني: بالحاضر ولَّا المستقبل؟ الشيخ: لا، الحاضر؛ يعني: منهم الذي يؤمن به الآن يعني. وقوله: (وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَابعد ظهورها إِلَّا الْكَافِرُونَأي: اليهود، وظهر لهم أن القرآن حق، والجائي به محق، وجحدوا ذلك). وَمَا يَجْحَدُإِلَّا الْكَافِرُونَهذا استثناء؟ ويش يسمونه؟ طالب: مفرغ. الشيخ: مفرغ؛ أي أن العامل قبل الاستثناء مفرغ لما بعده، وعلى هذا فنعرب الْكَافِرُونَ؟ طالب: فاعل. الشيخ: فاعل لـيَجْحَدُ، وقوله: وما يجحد بهاالمعروف؟ طالب: بِآيَاتِنَا. الشيخ: بِآيَاتِنَانعم، المعروف أن الجحود يتعدى بنفسه، فيقال: جحد الشيء، لكنه هنا مُضَمَّن معنى الكفر، أي: وما يكفر بها جحودًا إِلَّا الْكَافِرُونَ، فإذا قال قائل: الكافرون، إذا قلتم: ما يكفر بها إلا الكافرون: صار تحصيلًا حاصلًا، أو لا؟! فنقول: ليس تحصيلًا حاصلًا؛ لأننا نقول: وما يجحد بهاأي: ما يكفر بها جحودًا، والكفر قد يكون جحودًا، وقد يكون استكبارًا، وهنا كفر الجحود. وقوله: بِآيَاتِنَاالشرعية أو الكونية؟ طالب: جميعًا. الشيخ: نعم، كلتاهما، الكونية والشرعية. فإن من الناس من جحد الآيات الكونية؛ جحد أن الله تعالى يُحْيِي الموتى، بل من الناس من جحد أن تكون هذه الخليقة لخالق، والآيات الشرعية الجحد بها كثير. وقوله: وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَمفهومهما أن غير الكافرين يُقِرُّون بها، وعلى هذا فنقول: كل مَنْ جَحَد شيئًا من آيات الله فإنه يستحق من الكفر بقدر ما جحد، إما كفرًا مطلقًا أو أقل. وقول المؤلف: (أي اليهود)، هذا من باب القصور، هذا قصور في التفسير؛ لأن قوله: الْكَافِرُونَأعم من اليهود؟ أو لا؟ أعم؛ لأن (أل) اسم موصول فيه. فيه (أل) اسم موصول؟! إي نعم، اسم موصول، قال ابن مالك:
وَصِفَـــــــــةٌ صَرِيحَـــــــــةٌ صِلَـــــــــــةُ (أَلْ)
........................
ولهذا كانت للعموم، يعني: ما يجحد إلا الكافر، وعليه فنقول: تشمل اليهود وغير اليهود، أليس الله تعالى قد قال عن فرعون وقومه: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ [النمل: ١٤]؟ وهل فرعون وقومه من اليهود؟ طالب: لا. الشيخ: لا، من الأقباط، وقبل أن يكون بنو إسرائيل يهودًا.
قال تعالى: (وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِأي القرآن مِنْ كِتَابٍ [العنكبوت: ٤٨]) أيش بعدها عندكم؟ طالب: وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ [العنكبوت: ٤٨]. الشيخ: لا، التفسير. طالب: (مِنْ قَبْلِهِأي: القرآن). الشيخ: مِنْ قَبْلِهِأي: القرآن، مِنْ كِتَابٍ؟ طالب: ما ذكر عليه شيئًا. الشيخ: ما ذكر عليه شيئًا مِنْ كِتَابٍ؟ طالب: (...) من كتاب الله. الشيخ: أنا عندي: (من كتاب الله)، ولكن ما يستقيم (من كتاب الله)، لأن لفظ القرآن منون، ولعلها (مِنْ كِتَابٍلله) عندكم (لله)؟ شوف النُّسَخ؟ طالب: (...). الشيخ: مِنْ كِتَابٍ؟ طالب:من كتاب إلى الله. الشيخ: شفها بها همزة ولّا لا؟ طالب: بألف. الشيخ: بألف هذه، هي الهمزة، على كل حال (كتاب الله) ما أبغاه؛ لأنه ما يتناسب مع السياق. طالب: ما قرأ لا كتاب الله ولا غير الله. الشيخ: إي. طالب: من بعد تنوين (...). الشيخ: لا ما يصح. طالب: (...). الشيخ: (...)، نشوف الآن. إذا قلنا: من كتاب لله، وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍلله؛ يعني: أنك ما قرأت كتبًا نازلة من قبل حتى تُتهم. وأما إذا حذفنا لله كما في بعض النسخ، فيكون المراد بالكتاب هنا: المكتوب، يعني: ما كنت تتلو مكتوبًا، سواء نازل من عند الله ولّا من عند غير الله، وأيهم أعمُّ؟ الطلبة: الأخير. الشيخ: الأخير، وعلى هذا فالذي يظهر -والله أعلم- زيادة الاسم (الله). وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍإذن تَتْلُوبمعنى تقرأ. وقوله: مِنْ كِتَابٍمِنْهذه حرف جر زائد وهو زائد، أو لا؟ زائد وهو زائد. طالب: زائد للتوكيد. الشيخ: إي، زائد لفظًا وزائد معنى. الشيخ: زائد لفظًا زائد معنى. طالب: تسمى حرف الصلة. الشيخ: لحظة، زائد ولّا لا؟ طالب: نعم. الشيخ: زائد لفظًا زائد معنى؛ زائد لفظًا واضح يعني: بمعنى أنه لو حذف لاستقام الكلام، لكنه زائد معنى أي: أنه زائد للمعنى يعني يزيد المعنى. التعبير المعروف أنه ممكن يكون زائد لفظًا لا معنى، هنا نقول: زائد لفظًا ومعنى، لكن فرق بين الزيادتين؛ فزائد لفظًا بمعنى أنه لو حذف لاستقام الكلام، وزائد معنى أي: أن فيه زيادة معنى، ويش زيادة المعنى؟ طالب: التوكيد. الشيخ: التوكيد. بقينا في أن التعبير بكلمة (زائد) وهو من القرآن؛ يرى بعض أهل العلم بعض المعربين أنه ما ينبغي إطلاق: زائد، لما يوهمه من الحشو، الحشو في القرآن، والقرآن ما فيه حشو، ولكن هذا الوهم يزول بما إذا قلنا: زائدٌ لفظًا لا معنى على التعبير بالمعروف، وإذا قلنا: إنه صلة ..