تفسير سورة العنكبوت - ٥
درس صوتي · ٩٣:١٧
جارٍ تجهيز الصوت
انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها
إعدادات
اختصارات لوحة المفاتيح
محتوى الدرس
طالب: لا يجوز أن تكون خبرًا. الشيخ: لماذا؟ طالب: لأنه لا بد لها من مسوغ؛ في كونها خبرًا. الشيخ: هو العادة أنه يخبر.. الطالب: تقديم الخبر هنا لا مسوغ له. الشيخ: لا، المسوغ أنه يكون الحصر. طالب: الحصر لو كان جَارًّا ومجرُورًا، أو ظرفًا. الشيخ: لا مطلقًا، لا، تقديم ما حقُّه التأخير يفيد الحصر هذه قاعدة عندهم. طالب: يا شيخ، هل من دواعي تقديم الخبر هذه المسألة؟ الشيخ: عامَّة، عند البلاغيين عامَّة، تقْدِيم ما حقه التأخير. طالب:
وَنَحْوُ: عِنْدِي دِرْهَمٌ وَلِي وَطَـــرْ
مُلتـــــــــــزَمٌ فِيـــــــهِ تَقَـــــــــدُّمُ الخَبَـــــــــــرْ
الشيخ: وجوب التقديم غير مسألة جواز التقديم؛ يعني هنا نقول: (النارُ مأواكم) يصلح في غير القرآن، إنَّما قُلْنَا: بِجَوَاز أن يكون مأَوْاكم خبرًا مُقَدَّمًا؛ لأنّ الأصل أن يخبَر عن الأعيان، لا بالأعيان، تقول: زيد قائم. فتخبِر عن زيد بأنَّه قائم، فهنا نُخْبِر عن النار بأنَّها مأوى، هذا الأصل. الأصل أنَّه يُخْبَر عن الأعيان، لا بالأعيان، والنار عيْن فيجُوز فيها الوجهان لا شكّ، وغدا هذا يكون حلًّا وَسَطًا. لا نقول: إنه لا يجوز أن تكون مَأْوَاكُمُمبتدأ، ولا نقول: إنه لا يجوز أن تكون خبرًا. طالب: ليست ظرفًا (...). الشيخ: ما هو بلازم، أصل تقديم الخبر وإن لم يكن ظرفًا جائز، تقول: قائمٌ زيد، ما فيه مانع. طالب: الإخبار عن الأعيان بالظَّرْف مثلًا هل هو ممنوع؟ الشيخ: لا، لا، هذه مسألة ثانية، إنَّما التقديم والتأخير، سواء هذا ولَّا هذا، تقول: قائمٌ زيدٌ (قائم) خبر مقدم، و(زيد) مبتدأ مُؤخَر، ما فِيه مانع. قوله: فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ [العنكبوت: ٢٦]، ويش تقول، لِمَاذَا عُدّي بـ(اللام) هنا؟ وهل يُعَدَّى بغير (اللام)؟ من يعرف؟ طالب: نعم، عدى بـ(الفاء)، (اللام) طبعًا من التصديق والاستسلام. الشيخ: والاتِّبَاع. الطالب: و(الباء) للتصديق. الشيخ: والطُّمَأْنِينَة بالشيء، وهل يمكن أن نقول: إنَّ الحرفين يتناوبان؟ طالب: لا يمكن. الشيخ: ليش؟ طالب: لا بد أن تقول: آمنت بالله (...). الشيخ: ما تقول آمنت لله، طيب في غيرِ الله هل يجوز: آمنْتُ به ولَه. طالب: يجوز. الشيخ: ويش الدليل؟ طالب: الدليل قوله تعالى في قصة فِرْعون (...): قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ [الأعراف: ١٢٣]، هذه فِي سورة الأعراف، وفي سُورة الشعراء: قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ [الشعراء: ٤٩]. الشيخ: آمنتم له، وآمنتم به، لكن لَمَّا كان الإيمان بالله ما هو مُجَرَّد اتباع لا بد يكون رضا وطمأنينة، ما صَحَّ أن نقول: آمنت لله، طيب يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ [التوبة: ٦١]، جمَعَ بينهم يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ، لوط ما منزِلَتُه مِن إبراهيم؟ منزلة لوط من إبراهيم؟ طالب: يقول المؤلف: إنَّه (ابن أخيه). الشيخ: أنَّه ابن أخيه، عزَوْتَه للمؤلف؛ لأنك غير مقتنع به؟ طالب: إي نعم. الشيخ: وأيش تراه؟ طالب: (...). الشيخ: إي نعم، المعروف أنَّه ابن أخيه، هذا المعروف، وبناءً على هذا المعروف يُشْكِل قوله: وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ [العنكبوت: ٢٧] فإن لوطًا نبِي، والجواب؟ طالب: يقال: إن كون النبوة في ذريته من بعده.. الشيخ: من بعد أيش؟ الطالب: من بعد موت إبراهيم. الشيخ: أو من بعد مُهَاجَرِه. طالب: أو من بعد مُهَاجَره. الشيخ: من بعد مُهَاجَره؛ لأن لوطا آمَن قبل أن يُهاجر إبراهِيم، فيصير جَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَبعد أن هاجر. وهذا أقرب من قولِ بعضهم: إن هذا مسْتَثْنى، فيصير جَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَما عدا لوطًا؛ فإنَّه ليس من ذريته. طالب: آية الأنعام، جعل لوطًا من ظاهر السياق يحتمل أنه من نوح، أو من إبراهيم، قال به بعض المفسرين، ما يشمل هذا؟ الشيخ: على ما قال المؤرخون: إنه ابن أخيه؟ الطالب: نعم. الشيخ: والله هنا حل الإشكال، لكن نحن نقول بناءً على هذا القول، أمَّا إذا ثبت أنه مِن ذرية إبراهيم فلا إشْكَال، ولكنه ليس مِن ذريته؛ لأن إبراهيم معروف أنَّه ما له إلا إسماعيل وإسحاق، هذا معروف. طالب: وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا [الأنعام: ٨٤]. الشيخ: يعقوب هذا ابن ابنه. طالب: معروف، كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَإلى آخر الآية [الأنعام: ٨٤]. الشيخ: دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٥) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ [الأنعام: ٨٤ - ٨٦]، هذه الآية ظاهرها -مثلما قال إبراهيم- أنَّه مِن ذرية إبراهيم، لكن المعروف ما دام أنه موجود في عهده أن إبراهيم ما له إلا إسماعيل وإسحاق، هذا المعروف، إسماعيل هو الأوَّل، وإسحاق هو الثاني فيكون على هذا قوله: لوط مِن ذرية نوح، وليس مِن ذرية إبراهيم. طالب: ما قال المؤرخ من بعد إبراهيم. الشيخ: لا، الذرية معروفة أنها النسل. طالب: (...) بس أقول الإشكال هذا ما يقال: إن ذرية إبراهيم (...). الشيخ: في الآية اللي معنا هو هذا، لكنَّنا نقول: إن لوطًا ليس مِن ذريته، إذا كان ليس من ذريته فيكون وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَلكن لوط كان قبل أن يُهَاجِر، وقبل أن تكون النبوة في ذريته. مِن فوائد الآية: -نبدأ الآن فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ- من فوائد الآية أنَّ لوطًا عليه الصلاة والسلام كان مِن أتباع إبراهيم مع أنه نبِيّ؛ لقوله: فَآمَنَ لَهُ لُوطٌمع أنه نبي. ومِن فوائدها: فضيلَة إبراهيم عليه الصلاة والسلام بالمهاجَرة؛ فإنَّ الهجرة مِن أفضَل الأعمَال؛ لأنَّ الإنسان يَدَعُ فيها المألُوف مِن الأهل، والوطن بل مِن الوطن لِيُقِيم دين الله. ومِن فوائدها: الإشَارة إلى الإخلاص؛ في قوله: مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي. ومِن فوائدها: إثباتُ اسمين من أسماء الله: وهما العزيز، والحكيم، وإثباتُ ما تضَمَّنَاه مِن الصِّفَة؛ لأنَّ كلّ اسم مِن أسماء الله فهو متضَمِّن لِصَفَة، وليس كلُّ صِفَة متضمنة لاسم؛ يعني: كل اسم هو متضمن لصفة، ولا عكس. بمعنى: أنَّه لا يُشْتَقُّ مِن الصفات أسماءٌ لله، لكن أسماء الله كلّها متضمنة للصفات، فمثلًا مِن صفات الله سبحانه وتعالى المكْر بمن يستَحِقُّ المكْر، فلا نسمِّيه بالماكر. ومنها من أسمائه أنه عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ [آل عمران: ٤]، ذُو انْتِقَامٍهذا صفة فلا نسميه المنتقم كما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، وإن كان ظاهِر كلام ابن القيم في البدائع إثباتُ اسم المنتقم، وقال: إنه من الأسماء المزدوجة؛ التي ما تُذكر مفردة، ما يُقال: المنتقم فقط، بل يقال: العفو المنتقم. إذن إثبات ما تضمنه اسم العزيز مِن الصفة ما هي؟ العِزَّة؛ وهي كما قال أهل العلم: ثلاثة أقسام. والحكيم ما هي الصفة التي تضمنها؟ الحِكْمَة، والحُكْم، وقد سبق شرحه. طالب: (...) اسم الجبار. الشيخ: الجبار في القرآن. طالب: بس (...) المنتقم الجبار. الشيخ: لا المنتقم العفو، نعم، مع أنه ما فيه اسم المنتقم أبدًا، ما صح. طالب: نقول: رد على الجبرية، آمَنَ لَهُ لُوطٌنسب الإيمان إلى لوط. الشيخ: إي نعم، أنت ما شاء الله ترد على الجبرية والقدرية. فيه أيضًا: الرد على القول بالجبر؛ لقوله: فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ، وفي قوله: إِنِّي مُهَاجِرٌأيضًا، فإنَّ الهجرة مِن الأفعال، وهو نسبَها إلى نفسِه، والحمد لله الردّ على الجبرية واضِح، المشكلة عندنا الآن في مسألة القدرية هي التي عند كثِير مِن أهلِ الجهل، قد يمِيلُون إلى مذهب القدرية؛ لأنَّهم يرون أنَّ الإنسان مستقل بعمل، بحرية فربما ينكِرون القدر، الجبرية ما يحتاج إلى الانتماء إلى مذهبهم أو الاحتجاج به إلَّا أهل المعاصي والكَسَل، يحتَجُّون بمذهب الجبرية ، أهل المعاصي أكثرهم، لكن أهل الصَّنَائع والحِرَف وما أشبه ذلك هم إلى القدرية أمْيَل. لكن أهل الحق الذين يأخذون بكل دليل لا يوافقون هؤلاء، ولا هؤلاء. طالب: (...) القدرية عند الطاعات (...). الشيخ: نعم، إي نعم. ومِن فوائدها: إثباتُ الحكْمَةِ، حكمة الله عز وجل، إثبات حكمة الله؛ مأخُوذة مِن الْحَكِيمُ. والإيمان بالحكمة يستلْزِم التسليم التام للقَضَاء والقدَر، ولِلشرع أيضًا. إذا آمنت بحكمة الله لزم من هذا الاستسلام التام للقضاء والقدر، أيش بعد؟ وللشرع؛ لأنَّك إذا عَلِمت أن ما هنا شيء يفعله الله عز وجل أو يشرعه الله إلا لِحكمة؛ فإنَّك لا شك ترضَى بهذا وتقْتَنِع. ولهذا أحيانًا يقول لك القائل: ما الحكمة من وجوب كذا، ما الحكمة مِن تحريم كذا؟ ويش نقول؟ نقول: الحكمة؛ لأنَّه شَرْعُ الله، ولهذا عائشة لما قيل لها: ما بال الحائض تقضِي الصوم، ولا تقضي الصلاة؟ ويش اللي استدَلَّت به؟ قالت: كان يصِيبنا ذلك، فنُؤْمَر بقضاء الصوم، ولا نؤمَر بقضاء الصلاة ، فهذه مِن الحكمة. طالب: بالنسبة للأنبياء، هل يجوز عليهم قبل النبوة ما يخالف الإيمان؛ قوله تعالى: فَآمَنَ لَهُ لُوطٌدل على.. الشيخ: إي، لا ما يدل على..؛ لأن بعض المفسرين قال: آمن له مع إيمانِه مِن قبل، و(اللام) هذه تدل على الاتباع. والأنبياء قبل النُبُوَّة معصُومون مما يخلُّ بالشرف والمروءة، كالزنا واللواط والسرقة، وما أشبه ذلك. وأمَّا عن الشرك فلا أعلم أنَّهم وقَعُوا فيه أبدًا، وإن كانوا يعيشون في بيئَةٍ مشركة، فالنبي عليه الصلاة والسلام ما عبدَ الأصنام أبدًا. طالب: (...). الشيخ: وأيش أول الآية؟ طالب: أول الآية أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا. الشيخ: قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ (٨٨) قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا [الأعراف: ٨٨، ٨٩]، ما أدري ما نقدر نجزم بهذا، تحتاج إلى مراجعة إن شاء الله.
نبدَأ الدرس الجديد الآن وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ [العنكبوت: ٢٧]. يُستفَاد مِن الآية هذه: أن الذرية التي يمُنُّ الله بها على العبد أنَّها مِن مِنَحِ الله عز وجل؛ لقوله: وَوَهَبْنَا لَهُ. ومِن فوائدها: أنَّ ابنَ الابنِ ابنٌ؛ لأنَّ يعقوب ابن ابن إبراهيم وجعلَه الله تعالى موهوبًا لإبراهيم، ويدل لذلك قول الرسول عليه الصلاة والسلام في الحسن بن علي بن أبي طالب: «إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ» ، والعلَماء أجمَعوا في باب الميراث: أنَّ ابْن الابن بمنزلَة الابن عند فقْدِه. هل يؤخذ من ذلك: أنَّ أبَ الأبِ أبٌ؟ لأن هذا هو قياس الطرد. وقلنا: إذا كان ابنُ الابن ابنًا لزِمَ أن يكون أبُ الأبِ أبًا. ولهذا يروى عن ابن عباس رضي الله عنهما أنَّه قال في زيد بن ثابت، ماذا قال له؟ أَلَا يَتَّقِي اللَّهَ زَيْدٌ يجعل ابنَ الابن ابنًا، ولا يجعل أبَ الأبِ أبًا ، وهذا هو الصحيح، أنَّه إذا كان ابنُ الابن ابنًا فإنَّ أب الأب أب هذا هو الصحيح، فيكون -على هذا- فيه دليل على سقوط الإخوة بالجد في باب الميراث. ومِن فوائد الآية، بل مُنَاقشة فيها، لِمَاذا ذكر الله تعالى أن يعقُوب موهوبٌ لإبراهيم؟ قال المفسرون: لأنه ولد في حياتِه، وأقرَّ الله عينه به وهو حيّ؛ كما قال الله تعالى عن امرأته: فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ [هود: ٧١]، وهبنا له إسحاق ويعقوب. ومن فوائد الآية: فضيلة إبراهيم، وبركته؛ مِن قوله: وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ [العنكبوت: ٢٧]، وهذا هو النسل المبارك أن يكون في ذُرِّية الإنسان مَن يعطِيه الله سبحانه وتعالى النبوة والكتاب. النبوة بعد محمد صلى الله عليه وسلم متعذِّرَة مستحِيلة لكن الكتاب ممكِن، اللي هو العِلْم، نعم العلم ربما يجعَل الله سبحانه وتعالى في ذرية الإنسان بركَة في العلْم ونشرِه، ومن ذلك قصة عبد الله بن أبي طلحة حيث دعَا النبي عليه الصلاة والسلام أن يُبَارِك الله لأبي طلحة في ليلته مع أهله ، يقولون: إنه صار لعبد الله هذا عشرة مِن الأولاد كلهم يحفظُون القرآن. وحفظ القرآن عند السلف ما هو بالأمر الهين، ليس كما هو عندنا الآن، الإنسان يحفظ القرآن، ولكنه لا يظهر عليه أثرُه، عند السلف إذا حفظ الإنسان القرآن ظهَر عليه أثرُه بالسَّمْت، والآداب، والأخلاق، والأعمال الصالحة. ومِن فوائد هذه الآية.. طالب: (...) الأربعة. الشيخ: لا، لا، عامّ، هذا اللي إحنا فهمنا، أقول هذه الكتب المفهومة قد يكون هناك كتب على رسل ما بُيِّنَت لنا. من فوائد الآية: إثبات الجزاء؛ لقوله: وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا، وأنَّه قد يُعَجَّل للإنسان، إثبات الجزاء هذه واحدة، والثانية هو أنَّه قد يعجَّل للإنسان، تعجيل الجزاء للإنسان في الحقيقة لا يُعَدّ حرمانًا له مِن أجرِ الآخرة؛ ولهذا قال: وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ، وتعجِيل الثواب للإنسان في الدنيا مِن نعمَة الله على العبد؛ لأنَّ الإنسان يرَى أثرَ عمله، فينشَط على العمل، فيُعْتَبَر هذا مِن نعمة الله على العبد أن يُرِيَه أثرَ عمله سواءٌ كانت هذه الإراءة في أشياء خارجِيَّة، أو في أشياء في نفْس الإنسان، وفي باطنِه، مِن ذلك مثلًا، مِن ثواب الأعمال الصالحة؛ أن يجِد الإنسان في قلبِه السرور، والنور، والارتياح إلى العمل الصالح هذه لا شك أنَّها مِن الثواب العاجل. ومنها من الأشياء الخارجية: أن تُرَى له مَرَائِي سارة؛ كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأنَّ «ذَلِكَ عَاجِلُ بُشْرَى الْمُؤْمِنِ» «الرُّؤْيَا الصَّالِحَة يَرَاهَا الرَّجُلُ أَوْ تُرَى لَهُ» ، قال النبي عليه الصلاة والسلام: إنها من عاجل بشرى المؤمن لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ [يونس: ٦٤]. إذن يستفاد مِن هذه الآية: تعجيل الثواب في الدنيا. وينبني على هذه الفائدة فائدة أخرى: أنَّ تعجِيل الثواب في الدنيا مِن نعمة الله على العبد؛ لما فيه مِن تنشيط الإنسان على العمل، واستمراره فيه. ومِن فوائد الآية: أنَّ وصْفَ الصلاح، وهو أعمُّ مِن وصف النبوة يجُوز أن يُوصَفَ به النبي؛ يعني: أنَّه يجوز الوصف بالمعنى الأعم دون الأخَصّ؛ لقوله: وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ، والأنبياء في ليلة المعراج يقولون للرسول صلى الله عليه وسلم: مرحبًا بالأخ الصالح، والنبي الصالح . ومِن فوائِد الآية الكريمة: الثناء على إبراهيم، مؤُكدًا بـ(إنَّ)، و(اللام)؛ وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ. طالب: (...) أن الأولاد الأصل نعمة على العبد (...). الشيخ: مِن أين تؤخذ؟ مِن قولِه: وَوَهَبْنَا لَهُإحنا ذكرْنا أنَّها مِنْحَة، وعَطِيَّة مِن الله لكن في الحقيقة هذه المنحة قد تكون مِحنَة، إذا أضاعَ الإنسان حقَّ اللهِ فيهم فإنَّهم يكونون محنةً عليه، إنَّما إذا قام الإنسان بما يجب لله في أولاده فهم مِنْحَة بلا ريب. طالب: حتى لو ما اهتدوا؟ الشيخ: إي نعم؛ لأنَّه يُؤْجَر على تربيتِهم، وتوجِيههم، ثم إن صلحوا، والغالب -والله أعلم- أنَّهم يصلَحون، ولو في المستقبل. طالب: في حديث أن امرأة كانت تكشّف، وقالت للرسول صلى الله عليه وسلم: ادع الله لي.. الشيخ: إي نعم، التي كانت تُصْرع، فقال: «إِنْ شِئْتِ صَبَرْتِ، وَلَكِ الْجَنَّةُ، وَإِن شِئْتِ دَعَوْتُ اللَّهَ لَكِ» ما فيه إشكال. الطالب: لأنها يعني.. الشيخ: الرسول عليه الصلاة والسلام فَهِم من هذه المرأة أنَّ عندها نوعًا من الجزع؛ فلهذا وطَّنَها على أن تصبر، والصبْر درجة عالِية ما تُنَال بمجرَّد أني صبَرْت، فهذا هو السبب أنَّ الرسول قال: «إِنْ شِئْتِ صَبَرْتِ، وَلَكِ الْجَنَّةُ».
تفسير الآيات (٢٨-٣٤)
قال: ({وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَئِنَّكُمْ} [العنكبوت: ٢٨]). (لوطًا) قال المؤلف: (واذكر لوطًا)، فعليه يكون مفعولًا لِفِعْل محذوف. والأمر بذِكْر هؤلاء الفضَلاء مِن الأنْبِيَاء ليس لِمُجَرَّد الثناء عليهم، وإعلاء رتبتِهم بين الناس، ولكن لِهذا الغرض، ولغرضٍ آخر وهو الاقتداءُ بهم، واتِّبَاعهم، والصبر كما صبرُوا. ({وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَئِنَّكُمْ} بتحقيق الهمزتين، وتسهيل الثانية، وإدخالِ ألف بينهما على الوجهين في الموضعين). {إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَئِنَّكُمْ} قوله: (بتحقيق) إلى آخره؛ هذه قراءات، تحقيق الهمزتين، تقول: {أَئِنَّكُمْ} هذا التحقيق. الثاني يقول: (تسهيل الثانية): {أَاِنَّكُمْ} سهلَة، خليها بين الياء والهمزة. (إدخال ألف بينهما على الوجهين): {ءَائِنَّكُمْ} هذا على التحقيق، وعلى التسهيل: {آاِنَّكُمْ} سهل. وقوله: (في الموضعين)، وين الموضعين؟ في قوله: أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ، {إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَئِنَّكُمْ}. هذه القصة كغيرها من القصص ترِد في القرآن الكريم على وجوه متَنَوِّعة فكيف نجمَع بينها وهي قصةٌ واحدة؟ نقول في الجمع: إن كان مما يمكن أن يتكَرَّر فإنَّها تكون قد تكرَّرَت على الوجهين. وإن كان مما لا يُمْكن فإنَّ الله تعالى يحكِيها بالمعنى، تارةً كذا وتارةً كذا، لوط عليه الصلاة والسلام قال في هذه الآية يقول الله عز وجل إنه قال: {أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ}. طالب: إِنَّكُمْ}. الشيخ: اللي عندي: {إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَئِنَّكُمْ}، المصحف: إِنَّكُمْ} لكن المفسر (...) همزة، ما ذَكَر إلا أيش؟ طالب: همزة واحدة. الشيخ: عندنا بهمزتَين، اقرأ التفسير: {وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَئِنَّكُمْ} بتحقيق الهمزتين. طالب: لكن (...) المصحف. الشيخ: المصحف أصلًا طابعينه على القراءة. طالب: عندنا التفسير يقول: {لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ} ثم قال: بتحقيق الهمزتين. الشيخ: هي غلط؛ لأن التفسير اللي بالهامش منقُول مِن الأصل، والأصل على قراءَةٍ واحدة. طالب: بس ما أشار المفسر إلى القراءة هذه (...). الشيخ: يعني قصدك أن المفسر، صحيح المفسر ما أشار إليها، كان ينْبَغي أن يُشير إليها. أقول: مثلًا تجدون هنا في قصة لوط، قال: {أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ} في آية أخرى: أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ [النمل: ٥٤]، أو أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ [الأعراف: ٨٠]، هذا اختلاف، أليس كذلك؟ كيف نجمع بينهما؟ نجمع بينهما بالوجه الأول، بسِيط؛ وهو تعدُّد القَوْل، فمرة يقول لهم كذا، ومرة يقول كذا، وهذا لا إشكال فيه. في قصة فرعون: قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ [الشعراء: ٣٤]، وفي سورة الأعراف: قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ [الأعراف: ١٠٩]، كيف نجمَع؟ نقول: كلّهم قالوا هذا وهذا، فإذا أمكن التعدُّد -سواءٌ من القائل أو بالقَول- حُمِل عليه، إذا لم يمكن؛ فإنه يكون مِن باب نقلِه بالمعنى، والله سبحانه وتعالى يتكلَّم به في كل موضع بما يناسِب، وبما تقتضِيه البلاغة، {أَئِنَّكُمْ}. طالب: أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ [النمل: ٥٤]، أليس المراد القرية. الشيخ: لا، دعنا من الاستفهام، الكلام على اختلاف اللفظ، هنا قال: {أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ}، وهناك قال: أَتَأْتُونَ. والاستفهام في كل موضعٍ للتوبيخ، والتقرير. قال: {أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ}. (اللام) في قوله: لَتَأْتُونَ(لام) التوكيد، و(تأتون) بمعنى: تَجيئون، وقوله: الْفَاحِشَةَ(أل) هنا هل هي لاستغراق الجنس، أو للعهد؟
الطلبة: للعهد. الشيخ: يعني الفاحشة المعلومَة لديكم، ودخلت عليها (أل) لِعظمِها، وقُبْحِها، ولهذا جاءت في هذا المكان الفاحشة، وفي بابِ الزنا قال الله سبحانه وتعالى: وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً [الإسراء: ٣٢]، وفي نكاح المحارم: إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا [النساء: ٢٢]، فهذه ثلاث تعبيرات في اللواط، وصفَه الله بالفاحشة فيما نقله عن لوط، وفي باب الزنا قال: إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً، وفي نكاح المحارم قال: فَاحِشَةً وَمَقْتًا، إذن نكاح المحارم أعظم مِن الزنا أو لا؟ لأنَّه وُصِف بوصفين سيئين الفاحشة، والمقْت، واللواط أقبحُ منهما مِن حيث الوصف؛ فإنَّه الفاحشة التي تُسْتفْحَش عند جميع الناس. قال: (الْفَاحِشَةَ، أي: أدبار الرجال) -أعوذ بالله- أدبارُ الرجال، هذا لا شك أنه فاحشة، كلٌّ يستفحشه، كلُّ ذي عقل سليم، فإنه يستفحشه، أما من نُكِسَ قلبه فلا تستَغْرِب إذا قال: إنه ليس بفاحشة، كما أنَّ الذين يعبدون الأصنام يرون أنَّ ذلك منقَبَة وحسنَة هذا أيضًا نفس الشيء، هم -والعياذ بالله- يستحسنون هذا الأمر، ومِن عَجَبٍ أنَّ الواحد منهم يأتِي الذَّكَر في حال شبابه، وهذا المأْتِيُّ إذا كبِر أتَى غيرَه، فيكون فاعلًا مفعولًا به. قال: (مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ)، الاستفهام في قوله: {أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ} للإنكار، والتوبيخ، وأُكِّد هذا الإنكار باللام. (مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ)، (ما) نافية، ومِنْ أَحَدٍفاعل (سبق)، لكنَّه بزيادة حرْف الجَر للتوكيد، أي: ما سبقَكم بها أحدٌ، وقوله: (بها) هل نقول: إنَّ (الباء) هنا بمعنى (على)، ما سبقكم عليها؟ لا أقول: (الباء) على معناها، أي: إنَّكم لم تُسْبَقوا بها، بخلَاف: لم تسبقَوا عليها، لو قال: عليها لكان هذا فيمن أدركَ زمانهم، وكانوا هم أسبق إلى هذا منهم. أمَّا إذا قال: مَن سبقكم بها؛ فهذا يقتَضِي السَّبْق في الزمن، وقوله: مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ، قال المؤلف: (الإنس والجِن). الإِنْس لا شكّ فيهم، والجن؟ طالب: نعم. طالب آخر: ظاهرُها العالمين، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة: ٢] عامة. الشيخ: لا، المشكل لو أخَذْنا بالعموم قلنا: بعد والملائِكة، على كل حَال يجُوز أن تكُون الْعَالَمِينَعامًّا أُرِيدَ به الخاصّ، أي مِن بني آدم، ويجوز أن تكون عامَّة إلا فيما يُخَصِّصُه العقْل، كما ذكرْتُم عن الملائكة. ونقول: يشمل الجن والإنس، والبهائم؟ طالب: البهائم لا غير مكلفة. الشيخ: ما هي مِن العالمين؟ طالب: من العالمين بس غير مكلفة، ثم البهائم ما تأتي إلا.. الشيخ: على كل حال.. طالب: ما تأتي، الذكر ما يأتي الذكر إلا ما عدا الحمير. الشيخ: لا، ما ندرِي على كل حال ما ندري مثله في البهائم، ولكنَّ الجواب مثل ما قلتم: إنَّها غير مكلَّفَة، الكلام على المكلفين. طيب هذا في قوله: مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ، يريد زِيادَة التشنيع عليهم؛ يعني: أنتُم الذين سنَنْتُم هذه الطريقَة، «وَمَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا» ، كأنَّه يقول لهم: لو كنتم قد سُبِقْتُم بهذه الفاحشة لكان لكم نوْعٌ مِن العذر، لكنَّكم ما سُبِقْتُم بها فأنتُم القُدْوة فيها، والعياذ بالله. أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ، هذه الجُمْلة كالتقرير لِمَا سبق في الجملَة السابقة، والتفصِيل لها قال: أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ، وظاهر الآية الكريمة أنَّه حتى الكبير -والعياذ بالله- يأتُونه. والذكر إذا بلغ سُمِّي رجلًا أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ، وهذا فيه كِنَاية عن الجماع؛ لأنَّ القرآن يكني، بل هو حتى في اللغة العربية، يُكني عما يُسْتَقبح ذكرُه بما يدُلُّ عليه، أفهمتم؟ فيقال: مثلًا قال الله تعالى: فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ [البقرة: ٢٢٣]، فعبَّر عن الجماع بالإتيان، وهنا عبَّر عنه أيضًا بالإتيان. ثانيًا: وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ(السَّبِيل) الطَّرِيق، وقطعُهم الطريق له صِفَتَان: الصفة الأولى: قطع الطريق المعروف؛ وهو أن يتعرَّضُوا للناس بالسَّلْب، والنَّهب، والقَتْل، ويُسمَّى عندنَا في اللغة العامية: الحَنْشَلَة. هذه واحِدة. الثاني: قطْعُ الطريق: أنكم تَسَبَّبُون لِعدم سلوك الطرق بما تفعلُون بأهلِها، ولهذا قال: (طريق المارَّة بفعلِكم الفاحشة بمن يَمر بكم، فتركَ الناس الممَرَّ بكم)، هذا أيضًا قَطْع طريق إذا مرَّ أحد -والعياذ بالله- مِن الطريق تعرَّضُوا له بالفاحشة، ما هو بأخذ المال والقتل والسلب والنهب، لكن يفعلون الفاحشة به، إذن تنقَطِع السبل، أليس كذلك؟ الطلبة: بلى. الشيخ: تنقَطِع السبل، هذه واحدة، بل هاتان خصلَتَان. الثالثة: (وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ)، نادِيكم، أي: مُتَحَدَّثِكُم، فالنادي، والمُنْتَدَى، والنَّدِيّ كلها أسماء لِمكان الحديث والاجتماع بين الناس، تَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ: فعلَ الفاحِشَة بعضُكم ببعض. قوله: الْمُنْكَرَالمؤلف فسَّره بِـ(فعْل الفاحشة)، وعلى هذا يكون فيه تكرَار، والأصح أنَّ المنكر أعمّ مِن فعل الفاحشة، وهو كل ما يُنْكَر عُرْفًا أو شَرْعًا، ذكروا مِن ذلك أنهم يتلاكزون؛ يعني بعضهم يلكِز بعضا مع عجيزته، وذكروا مِن ذلك أنهم يتضَارطون، الضَّرطة المعروفة، وذكروا مِن ذلك أيضًا أنَّهم يَحِلُّون أزِرَّتهم؛ يعني: يدلّعون، لكن هذه مُنْكرة؟ طلبة: لا؛ لأنها وردت في السنة. الشيخ: هذه ما هي منكرة، ولّا بعضهم ذكر هذا، قال: ومنها أنهم يحلون أزرة القباء، فالمهم أن نُبْقِي الآية على ما هي عليه، المنكر كل ما يُنْكَر عُرْفًا أو شرعًا. وكذلك الحذف بالحصى، وما أشبه ذلك. وأنا عندي: أنّه عام في كل شيء حتى أيضًا في الكلام اللي يتضَمَّن السخرية والاستهزاء، وما أشبه ذلك، هذا منكر، هل وُجِد في هذه الأمة ما يشبه ذلك؟ نقول: نعم وجد، فإنَّ في هذه الأمة مَن عَمِلَ عَمَلَ قوم لوط، وفي هذه الأمة مَن إذا سَأَلْت عن مُجتمعاتهم وجدتهم يفعلون مثل فعل لوط، مِنها السخرية، والاستهزاء، واللَّغَط، واللهو، وغير ذلك، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ» . طالب: مثل فَرْقَعَة الأصابع والمهارشة بين الكلاب؛ يعني هذا مِن فعلهم ولّا لا؟ الشيخ: هم ذكروا المهارشة بين بالكلاب وبين الدِّيَكة. الطالب: وفرقعة الأصابع؟ الشيخ: وفرقعة الأصابع، ما أدري، يمكِن فرقَعَة الأصابع على غير المعروف، يمكن يتجمعون، ويقول أحدهم: يلَّا (...). الطالب: (...).
الشيخ: قوله تعالى: وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ [العنكبوت: ٢٨]، إلى آخرِه. يُستَفَاد مِن هذا: رفْعُ ذِكْر هؤلاء الدُّعاة إلى الله؛ لأن قوله: (اُذْكُر) يعني: اذْكُره في موضِع الثناء، رفْعُ ذكر الدعاة إلى الله عز وجل مِن الأنبياء وغيرهم، ولِهذا قال الله تعالى في القرآن في قصة مريم: وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ [مريم: ١٦]. ومِن فوائد الآية: فضيلة لوط عليه الصلاة والسلام. ومِن فوائدها أيضَّا: التَّرْكِيز على الأمر الذي انغَمَس فيه الناس، وإن كان غيرُه أولى منه، لوط الآن ما رَكَّز على التوحيد في هذه القصة، ولّا مَا مِن رسول إلَّا يدعو إلى التوحيد، لكن رَكَّز على هذا العمل السائد بين الناس. ينبنِي عليه فائدة: وهي أنَّ بعضَ الناس إذا رأَى بعض الدعاة يُنكِر شيئا معيَّنًا انغمس الناس فيه قال: الناس أشد مِن هذا، ليش تتكلم على هذا، الناس في الفخ أكبَر مِن العصفور؛ يعني: عندما تكلمت عن الملاهي، أو عن الميْسِر، أو عن الرِّبا، لا يتكلم هذا، فيه ناس ما يصلُّون، ليش ما تتكلم على هذا الشيء؟ فنقول: لا مانع أن يُرَكِّز الدعاة على ما انغمَس فيه الناس، ولو كان غيرُه مما لم ينغمِسوا فيه أهَمّ منه؛ لأنَّ المقصود علاج هذا الداء الذي استَشْرى في الناس. ومِن فوائد الآية: فُحْش اللِّواط -والعياذ بالله- وهو إتيانُ الذكر الذَّكر، ولا ريبَ أنَّه مِن أعظم الفواحش. وفي الآية الكريمة هنا ما ذَكَرَ حدَّه، وكذلك السنة ما فيها أحاديث صحيحَة صريحة في هذا الأمر في حَدِّ اللوطي، ولذلك اخْتَلَف فيه أهل العلم على ثلاثة أقوال: القول الأول: أنَّ حدَّه القتْل بكل حال؛ يعني: سواء كان الفاعل والمفعول به محصنًا أم غيرَ مُحصَن، وتعرفون المحصن مَن هو؟ هو الذي تزوَّج، وجامَعَ في نكاح صحيح. وقال بعض العلماء، وهو القول الثاني: إن حدَّه كحد الزاني؛ يعني: أنه إذا كان مُحصنًا رُجِم، وإن كان غير محصَن فإنه يُجْلَد ويُغَرَّب. وقال بعضُ أهل العلم: إنَّه لا حدّ فيه، وإنه يُكتَفَى بالرَّادِع النَّفْسي، وما كان خبيثًا في النفوس فإنَّه لا يكون عليه حد يُكتَفَى فيه بالرادِع، مثل البَولِ، البولُ أخْبَث مِن الخَمْر، والخَمْر فيه حدّ، والبول فيه حدّ؟ ما فيه حد؛ لأنَّ النفوس تَنْفُر منه وتستَقْذِرُه، فاكْتُفِي بالرادِع الطبيعِيّ عن الرادع التأدِيبي، هذه ثلاثة أقوال: أمَّا القول الأول؛ فاستدَلُّوا بالحديث الذي جَاء في هذا المعنى، وهو قول النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ» ، وهو حديثٌ أدنَى أحواله أن يكونَ حسنًا، ثم إنَّ الصحابة -رضي الله عنهم- أجمعوا على قتْل اللوطي الفاعل والمفعولِ به، إلا أنهم اختلَفُوا كيف يُقْتَل؟ فقال بعضهم: إنَّه يُحْرَق بالنار، وقال بعضهم: إنَّه يُرجَم بالحجارة، وقال آخرون: يُلْقَى مِن أعلى مكانٍ في البلد، وهذا الذي اختارَه شيخ الإسلام -رحمه الله- على أنَّه يُقْتَل الفاعل والمفعول به؛ للحديث والآثار عَن الصحابة رضي الله عنهم، وللمعنى والقياس الصحيح؛ لأنَّ هذه الفاحشة -والعياذ بالله- ما يُمكن التحَرُّز منها، فإذا لم يكُن لها رادع قوِيّ استشْرَت في الناس -والعياذ بالله- وغلبَتْ، هذه واحدة. ولأنها قتْلٌ للمعنى والرجولة، فإنَّ الإنسان يكون بمنزِلَة المرأة، حتى إن بعضَهم -والعياذ بالله- المبتلَى بهذا الأمر يتجمَّل ويتمكيج.
(...) على المجتمع كله، وهذا الذي اختاره شيخ الإسلام هو الحق، ولا يمكن أن يَسْلَم الناس إلا بهذا الأمر. أمَّا القول الثاني: أنَّ حَدَّه حَدُّ الزاني؛ فهو المشهور مِن مذهب الإمام أحمَد، وقالوا في ذلك: إنَّ الحديث عندهم ما تقُوم به الحجة؛ بمعنى أنَّه ما يصِل إلى درجةٍ يُسْتَبَاح بها دَمُ المسلم. إذن هو فاحِشَة بنَصِّ القرآن؛ فيجِب أن يُلْحَقَ بالفَاحِشَة بنصّ القرآن، الفاحِشة ما هي اللي بنصّ القرآن؟ الزِّنا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً [الإسراء: ٣٢]، وعليه يكون هذا طريقُه طريق الزنا، فيُرْجَم المحصَن، ويُجْلَد غيرُه ويُغَرَّب. أمَّا القول الثالث: فإنه حُكِي عن أبي حنيفة -رحمه الله- ولكنَّه قولٌ ضعيف جدًّا، وكونُه مُسْتقذرًا، لا تألفُه الطباع هذا حقيقة بالنسبة للطباع السليمة، لكن بالنسْبَة للطبَاع المهينة تألفُه، ولَّا لا؟ تألفُه، هؤلاء أُمَّة قوْم لوط كُلُّهم على هذا الأمر، فكيف أنّا نقول: اللي يُسْتقْذَر في الطِّباَع السليمة لا يُردَع بالتعذيب؟ فهذا القول ضعِيف جدًّا، ولولا أنّه قِيل ما حكَيْنَاه لكنه ضعيف للغاية. طالب: مذهب يأخذون بآثار الصحابة، فكيف نعمل بآثار الصحابة في هذه المسألة.. الشيخ: أنت تعرِف أنَّ المذهب إذا قيل: مَذهب الإمام أحمد، فالمراد بالمذهب: الاصطلاح، ما هو بمذهب هذا الشخص، أحيانًا يكون مذهب الإمام الشخصي خَلاف المذهب الاصطلاحي، فلذلك ما يمكن ننسبه إلى الإمام أحمد اصطلاحًا. طالب: (...) المسألة الرابعة (...). الشيخ: تعزيرًا يعني؟ هم ها دول اللي يقولون: ما فيه حدّ، ما هم يقولون: إنهم يُتركون مرة يُعَزَّرون، حتى اللي يشرب البول والغائط يُعزَّر. طالب: لا، بما يراه السلطان أصلح؛ يعني ممكن يحده بالقتل أو يحده بالزنا أو يحده.. الشيخ: ما ندري عنه، هل أنَّهم يرون اللي يرون أنه يكفي الردع الطبيعي، أنهم يرون أنَّ التعزِير يصِل إلى حدِّ القتل ولَّا لا؟ لأنَّ وُصول التعزِير إلى حدّ القتل ما هو بمجمع عليه، ليس مجمعًا عليه. طالب: شيخ، (...). الشيخ: في عقوبة (...) بيجينا إن شاء الله في القرآن قريبًا، طيب المهم الآن انتهَينا مِن الفائدة هذه، وهي قوله: إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ [العنكبوت: ٢٨]. ومِن فوائد الآية: أنَّه ينبغي ذِكْرُ ما يُنَفِّرُ عن العمل السيئ؛ لقولِه: مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ [العنكبوت: ٢٨] ما وجهُ كونه منفرًا؟ طالب: (...) ما لهم قدوة. الشيخ: وأيضًا؟ طالب: أول من ابتدعوه. الشيخ: وآثام مَن بعدهم تكونُ عليهم. فهم ما لهم قدوة حتى يُعْذَرُون بها، وكذلك آثام مَن بعدَهم تكون عليهم، مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ [العنكبوت: ٢٨]. طالب: هل أخبرهم أن (...). الشيخ: هذا معرُوف بالشرع، نحن نتكلّم عن الفائدة هذه ما بالنسبة لهم هم، أنَّه ينبغي ذِكْرُ ما ينفر عن العمل السيئ، فمثلًا نقول: لهؤلاء القوم كون أصناف العمل عملًا جديدًا، نقول: هذا ما سُبِقْتَم عليه؛ لِنُوَبِّخَهم على أنه لا قدوة لهم، ونحذِّرهم أن يُقتدى بهم. مِن فوائد الآية أيضًا: تأكيد الأَمر المنكَر، بما يقتَضِيه الأُسلوب في اللغة العربية؛ لقولِه: إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ [العنكبوت: ٢٨]، فإن (إنَّ) للتوكيد، و(اللام) للتوكيد، طيب فيه هنا سؤال: كيف يُؤَكِّد هذا الأمر، مع أنَّهم معترفُون به؟ طالب: التأكيد هنا للاستنكار (...). الشيخ: الهمزة هي اللي للتوبيخ، والإنكار. لكن كلامُنا على التأكيد، والمعرُوف في علم البلاغة أنَّه ما يؤكد إلا إذا كان منكِرًا، أو مُتَرَدِّدًا. طالب: قلنا: إن الصحيح (...) مراعاة لحال المخاطب، وذلك لأهمية (...).. الشيخ: لِأهَمِّيَّة الخبر، مراعَاةُ حال المخاطب أن يُجعَل غيرُ المنكر كالمنْكِر، فإنَّ ممارسَتهم لهذا الفعل، ويش يقتضِي؟ أنهم ينكِرُون كونَه فاحشة، ولَّا لا؟ حالهم تقتَضِي أنَّهم يستَبِيحُون ذلك، ولا يرُونه منكرًا، ونظِيرُ هذا قوله تعالى: ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ [المؤمنون: ١٥] (إن) و(اللام) مؤكَّدَة الموت، هو فيه الشك؟ أسألكم؟ الطلبة: ما فيه شك. الشيخ: ما فيه شك، لكن قال ذلك مِن أجل أنَّ فِعْل هؤلاء المشركين فعل المنكِر للموت؛ لأن مَن أَقَرَّ بالموت فلا بد أن يسْتَعِدَّ له. فهؤلاء الذين قيل لهم: أئنكم لتأتون الفاحشة كونهم يمارِسُونها، ولا يبالون بها، ويرونَها أمرًا سائغًا، كالمنكِرين لكونها فاحشة. طالب: ما يقال: إن هذا رد على من قال: نَمُوتُ وَنَحْيَا [المؤمنون: ٣٧]. الشيخ: لا، لا؛ لِأن الله ساقَها ما هو في مقابله، ذكر ابتداء الخلق وانتهاءه؛ ولهذا قال: ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ [المؤمنون: ١٥، ١٦]. ثم قال تعالى: إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنكَرَإلى آخره [العنكبوت:٢٩]. في هذا دليل على أنَّ الدَّاعِيَة ينبغي أن يَذْكُر جَمِيع الأوصَاف السَّيِّئَة التي عليها المدْعُوّ؛ ليكون ذلك أبلغَ في توبيخِه، وردعه؛ لأنه ذكر عدة أوصاف. ومِنها مِن فوائد الآية: ما كان عليه قوم لوط مِن الشرّ، والفساد غير الفاحشة التي هي غير اللواط، وهي قَطْع السبيل، وإتيان المنكَر في نادِيهم. طالب: شيخ، نمسك الفائدة التي ذكرت أن الداعية ينبغي أن يذكر جميع الأوصاف، ما نقول بدل الداعية: الآمِر بالمعروف والناهي عن المنكر؛ لأن اللي يدعو شخصا ويتقرب إليه ينفره إذا دعاه، يقول: (...). الشيخ: لا، هو يدعو لأجل أن ينفِّرَهم مِن هذا الشيء، ويمكن نقول: هذه تراعى بعد أحوال الشخص المدعو؛ لأنَّ الرُّسُل عليهم الصلاة والسلام دُعَاة، وهم أيضًا آمِرون بالمعروف وناهُون عن المنكر. طالب: قلنا (...) كيفية قتله؟ الشيخ: كيفيَّة قتلِه؛ الذي نرى أنَّه يرجع إلى رأي الإمام بما يراه أنكَى وأبلغ، إذا رأى -ما دام كله ورَد عن الصحابة- الإحراق، وإلْقَاؤه مِن على شاهِق، والرَّجْم، ينظر ما هو أنكى وأبلَغ في الرَّدع فيفْعَله. طالب: لا يعذِّب إلا الله بالنار. الشيخ: إي نعم، هذا ما هو مُشْكِل؛ لأنَّ التعذيب بالنار إذا قُصِد به مجرد الإيلام، إما إذا قُصِد به مصلحة أخرى، فهذا الله عز وجل قال للذي أحرَق قرية النمل، وقد قرصَتْه نملة قال: هَلَّا نَمْلَة واحدة ، فالمقصود بالتعذيب هو أنَّ الإنسان يجعَل هذا بس لمجرَّد إيلامِه بالإحْرَاق، لا لِمصلحة أخرى ملاحظة، ولهذا أبو بكر -رضي الله عنه- هو مِن جملة مَن رُوي عنه أنَّه أحرقهم. طالب: قد أنكر ابن عباس على علي؟ الشيخ: أنكر على علي لأنه ربما أنه يمكن القضاء عليهم بغير هذه الطريقة. طالب: ما يقال عنها (...) شريعة من قبلنا (...) إلا واحدة. الشيخ: إي، لكن ذكَره الرسول مُقِرًّا له، ثم فِعْل أبي بكر، والصحابة ما أنكروا عليه. ثم قال: أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ [العنكبوت: ٢٩]، فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ [العنكبوت: ٢٩] شوف -والعياذ بالله- بعد هذا التوجيه، والإرشاد، والإنكار عليهم كان هذا الجواب جواب المستكبر المتحدي: فَمَا كَانَ جَوَابَ(جوابَ) بالنصب على أنها خبر (كان) مقدِّما. وإِلَّا أَنْ قَالُوا(أَنْ قَالُوا) اسمُها مؤخر؛ يعني: إلا قولهم إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ؛ لأنَّه توعَّدَهم بالعذاب. فقالوا: ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ، (ائْتِ) فعل أمر، والمراد به هنا: التَّعْجِيز، والتَّحَدِّي؛ يعني: نتَحَدَّاك أن تأتي بالعذاب الذي وعدتنا به. (بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَإن كنت مِن الصادقين في استقْبَاحِ ذلك، وأنَّ العذاب نازل بفاعلِيه). وهذه الجملة الشرطية أين جوابُها؟ جوابها قيل: إنّها لا تحتاج في مثل هذا التركيب إلى جواب لِلعلم به مِمّا سبق. وقيل: إنَّه محذوف دلَّ عليه ما سبق. والأصح الأول، وهو الذي اختارَه ابنُ القيم -رحمه الله- وقال: إنَّه إذا كَان في الكلام ما يدُلّ على المحذوف، فلا حاجَة إلى تقديره؛ لأن تقديرَه نوع من العَبَث. وقولهم له: إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَأبلَغ مِن قولِه: إن كنت صادقًا؛ لأنَّ كل إنسان يحِبّ أن يكون مِن الصادقين، لكن لو قال: إن كنت صادقًا؛ لكان المعنى: صادقًا في هذه المسْأَلَة بخصوصها. أمَّا مِنَ الصَّادِقِينَأي: الموصوفين بالصدق، وهذا أشدُّ في التحدِّي، فكأنَّهم يقولون: إنَّك مِن عِدَاد الكاذبين، ولست مِن عِدَاد الصادقين، فإن كنت من عدادهم فَأْتِنَا بما تَعِدُنَا. ماذا كان جَوَابُ لوط؟ جوابُه: أن لَجَأَ إلى الله عز وجل فـقَالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ [العنكبوت: ٣٠]، (ربِّ) هذه منادى، حُذِفَت منها ياء النداء، ولّا منصُوبة، ولَّا مبنية؟ طالب: مبنية. طالب آخر: منصوب. الشيخ: هذا منصُوب؛ لأنَّ أصلَها رَبِّي بالياء، وحُذِفت الياء تخفيفًا، ولهذا أظنُّها عندكم مكسورة ما هي (ربُّ)، (ربِّ)، فيكون منصوبًا. طالب: حصر إن كنت صادقًا فيما تدعيه أن هذا فاحشة قوله: إن كنت صادقًا في رسالتك على الجمهور. الشيخ: لا، هو الأقرَب، لكن كلام المؤلف ما فيه مانع، إنَّما الأقرب إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَفي وعيدك إيَّانا؛ لأنهم هم قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَفيما توعدتنا به قَالَ رِبِّ انْصُرْنِي(رَبِّ) هنا منادى، وحُذفِت ياءُ النداء تخفيفًا، ولِلبداءةِ باسم اللهِ سبحانَه وتعالى، انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِاعلَم: أنّ مادّة نَصَر تتعدَّى أحيانًا بِـ(من)، وأحيانًا تتعدى بـ(على). فإن تعَدَّت بـ(من) فمعناها المنع؛ كما في قوله تعالى: وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ [الأنبياء: ٧٧] نصرْنَاه مِنهم أي: منعْنَاه منهم. وإن تعدَّت بـ(علَى) صار معنَاها: الظُّهُور والغَلَبَة.
وأحيانًا ما تتَعَدَّى بـ(من) ولا بـ(على)، فتشمَل المعنَيَيْن؛ كما في قوله تعالى: وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ [الصافات: ١١٦] نصرْنَاهم ما قال: (من)، ولا (على). فلَها ثلاث استعمالات الآن:
تارَةً تتعَدَّى بـ(مِن)، وتارة تتعدى بـ(عَلَى)، وتَارَةً تأتِي مطلقةً. إذا تعدَّت بـ(من) فمعناها: المنْع، والإِنْجَاء. وإذا تعدَّت بـ(على) فمعناها: الغلبة، والظُّهُور. وإن أُطْلِقَتْ شَمِلَت الأمرَين، وهو كثير في القرآن، هذا وهذا وهذا؛ قال الله تعالى: وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ [الصافات: ١٧١ - ١٧٣]. وقال تعالى: إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ [غافر:٥١] وأمثلَتُها كثيرة. هنا قال: رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِمِن أي الأنواع الثلاثة؟ الظهور، والغلبة. (انصرْنِي بتحقِيق قولي في إنزال العذاب عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَالعَاصِين بإتيان الرجال؛ فاستجَاب الله دعاءَه). وقوله: انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَذِكرُ حال المدْعُوِّ عليهم مِن باب التَّوَسُّل؛ لأنَّ كُل وصفٍ يسْتَوْجِب الإجابة، فإنه يُعتبَرُ وسِيلَةً. وقد ذكرْنا فيما سبق: أنَّ التوسل إلى الله عز وجل أنواع:
مِنها: التوسل بذِكْرِ حال الداعي؛ كما في قوله تعالى عن موسى: رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ [القصص:٢٤]. وهُنَا بحَالِ المدْعُوِّ عليه؛ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَفإنَّ إفسادَهم يقتَضِي إهلَاكَهُم، والذُلّ، والغَلَبَة، والظُّهُور عليهم، وقوله: الْمُفْسِدِينَبأي شيء هم مفسدون؟ يقول المؤلف: (العاصِين)، وهذا تفسِير لِلشيء بسببِه؛ لأنَّ المعصية سببُ الفساد؛ قال الله تعالى: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ [الروم:٤١]، ولا شك أنَّ فعلَ قومِ لوط أنه مِن أعظم الفساد في الأرض. طالب: إيه الدليل على (...). الشيخ: هذا تبغي تجينا إن شاء الله تعالى في الفوائد، إنَّما الدرس الأول ما فيه إلا الشَّرْح، والدرس الثاني إن شاء الله في الفوائد. طالب: إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ [محمد: ٧] مِن أيِّ الأقسام (...) بمعنى المنع، أو بمعنى العلو، أو (...)؟ الشيخ: الظاهر أنَّه يشمل الثلاثة؛ يعني يشمل إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ؛ يعني: تمنَعوا دِينَه مِن الاعتِدَاء عليه، وكذلك تنصُرُوه بمحَاوَلَة إعلَاء هذا الدين، وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ [الأنفال: ٣٩] هذا المَنْع، وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِهذا الظُّهُور، قال: قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ. (وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ [العنكبوت: ٣١]). (لَمَّا) هذِه مِن أدَوَات الشَّرْط الجازِمَة، ولَّا غَيْر الجَازِمَة؟ طالب: جَازِمَة تَجْزِم الفعل. الشيخ: الله أكبر، مِن أدَوَاتِ الشَّرْطِ غير الجازِمَة هي تجزِم الفعل إذا كانَت لِلنَّفْي، ما هُو لِلشَّرط؛ كَمَا في قوله تعالى: بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ [ص: ٨] أي: لم يَذُوقُوا، لكنَّهم العذابُ قَرِيب منهم؛ لأنَّها هي تَنفِي الفعل لكن تدُلّ على تَوَقُّعِه. وهذا مِن الفرُوق بينها، وبين (لم). المهم أنها ما تجزم إلا إذا كانَت لِلنفي، أمَّا إذا كانت شَرْطِيَّة، فإنَّها لا تجزم مِثل (إذا)، و(لو)، وغيرها. أين جواب الشرط في قوله: وَلَمَّا جَاءَتْ؟ قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ. وقوله: وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى. (الباء) هنا: لِلمُصَاحَبَة أَيْ: مُصْطَحِبِين لِلبشرى. و(البُشرى) بمعنى: البَشَارَة؛ والبَشَارة: هي الإخبار بما يَسُر، وقد تُطْلَق على الإِخْبار بما يسُوء؛ مثل قوله تعالى: فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [آل عمران: ٢١].
واستعمالُها فيما يسُوء: قِيل: إنَّه مِن باب التهَكُّم بالمبَشَّر؛ ولكنَّه ضعيف. ولكن وجه كونِه بَشَارة هو أنه يُؤَثِّر على مَن؟ على بَشرة المخاطب به، كما يُؤَثِّر الخبر السارّ قال: بِالْبُشْرَىقال المؤلف: (بإسحاق، ويعقوب بعدَه). ما هو الدليل على أنَّ المراد بالبُشرى خُصُوص هذه المسألة؟ طالب: فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ [هود: ٧١]. الشيخ: إي نعم، ولهذا لا نقُول: إنَّ المرَاد بالبُشْرَى هنا البُشْرَى بالولَدَيْن، وبالعقاب؛ لأنَّ ظَاهِر الآية يُنَافِي أن يكُون العِقَاب مِمَّا بُشِّر به إبراهيم. طالب: فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى [هود: ٧٤] البُشْرَى معْهُودة قبل ذلك. الشيخ: (قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ). هذه الجملة مُؤَكَّدة إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ.
و(مُهْلِكُو) خبر (إن)، وحذفت النون من أجل الإضافة. (أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِأي: قرية لُوط). وقولُه: (هذه) الإشارة للتعيين، وكأنَّ القرية قريبَة مِن إبراهيم عليه الصلاة والسلام، ولهذا أشارُوا إليها باسم الإشارة. والقرية: تُطْلَقُ على مكان القوم، ومساكِنِهم، وتُطلَق على نفس القوم الساكنين. يعني: تُطْلق على هذه، وهذه؛ كما جاء في القرآن العظيم، مُرادًا به هذا وهذا، والذي يُعَيِّنُ أحدَ المعنيين السياق. فمثلُ قوله تعالى: أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا [البقرة: ٢٥٩] ما المراد بالقرية؟ طالب: المكان. الشيخ: مكَان القوم. ومثل قوله تعالى: فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ [الحج: ٤٥] المراد: أهلها. وعلى هذا فيكون قوله تعالى: وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف: ٨٢] ليس فيه مجَاز، بل المرَاد أهلُها؛ لأنَّ السؤال لا يتَوَجَّه إلا إلى عاقل يدرك، ويجيب، هنا يقول: إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِما المراد بالقرية هنا؟ طالب: المكَان. الشيخ: المكَان؛ لأنَّه قال: أهل هذه القرية. والقرية ليست كالمفْهُوم العُرْفي هنا في عُرْفِنا أنَّها اسم للبلد الصغير، بل القرية في اللغة العربية تشْمَل حتى أكبَر المدن فمكَّة سَمَّاهَا الله قرية، وما هو أعظم مِن مكة سماهُ الله قرية وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلا نَاصِرَ لَهُمْ [محمد: ١٣]، فعلى هذا إذا سُمِّيَت بلدك بالقرية تجزع وتصيح ولَّا لا؟ حسب العرف نعم أجزع، أمَّا لو كان اللي بيخاطبني أناس أهل لغة عربية يفهمون ما (...). ولذلك عندنا الآن يُقَال: المُدُن أيش بعد؟ والقرى، ويقال: المدِينة، وما يتْبَعُها مِن القرى. أي نعم. نقول: (أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِأي: قرية لوط إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ)، أخبَرُوا وعللوا، فقالُوا: إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِوعلَّلُوا هذا الإهلاك بقولهم: إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ. قال المؤلف: (كافرين). فالظُّلم هنا: ظُلْمُ كُفرٍ مع أنَّ الظلم قد يكون كفرًا، وقد يكون غير كُفر، أفهمتم؟ مِن كون الظلم كفرًا؛ قوله تعالى: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان: ١٣]، وقوله: وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ [البقرة: ٢٥٤]. ومِن كون الظُّلْم غير كفر؛ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ [آل عمران: ١٣٥] هذه في سياق صفة مَن؟ طلبة: المؤمنين. الشيخ: المتَّقِين. فإذن الظلم تارةً يُرادُ به الكفر، وتارةً يراد به: ما دُونَه، والذي يُعَيِّنُ المراد هو السياق. ولهذا في الحقيقة قد يُشكِل على بعض الناس إنكَارُ شيخِ الإسلام، وابنِ القيم أن يكون في اللغة العربية مجَازٌ . وقالوا: هذا غير معقول؛ لأنَّ اللغة العربية مملوءة بالمجاز. لكن مَن تدبَّر أنَّ الألفاظ ما يتَحَدَّد معنَاها إلَّا بالسياق، وأنَّ السياق هو الذي يحدد المعنى عرَف وجْهَ كلام شيخ الإسلام -رحمه الله- وابن القيم وغيرهم. والناس في هذه المسألة كما ذكرنا لكم سابقًا على ثلاثة أقوال: قول إنَّه ما فيه مجاز في اللغة العربية أبدًا. والقول الثاني: فيه مجاز في اللغة العربية، لكن لا مجاز في القرآن خاصَّة. والقول الثالث: فيه مجاز في القرآن، وفي اللغة العربية حتى إن بعض العلماء مِن علماء اللغة -نسِيت اسمه- قال: إن كل اللغة كلها مجاز، كل اللغة مجاز. فإنَّك إذا قلت: قلتُ قولًا، فإن (قولًا) نعربها على أنها مفعول به، والمفعول به لا بد أن يكون شيئًا يُرَى حتى يقع عليه الفعل، والقول ما هو بيُرى فيكون: (قلت قولًا) مجاز، ويصرِفُون كل الكلام يقولون: كله مجاز ما في اللغة شيء حقيقة -أعوذ بالله- هذا مبالغة إي نعم فالصَّواب في هذه المسألة ما اختَاره شيخ الإسلام وأنَّ الكلمات ليس لها معنَى ذاتِيّ خُلِقَتْ له، بل ما يتحَدَّد معناها إلا بالسياق. طالب: لكن يا شيخ ليس من الأمور الهامة مثل مسائل العقيدة (...).
الشيخ: فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ [العنكبوت: ٢٩]، يستفاد مِن هذه الآية نحن ذكرْنا فوائد أَوَّل الآية؟ طالب: لا. الشيخ: يُستفاد مِن هَذِه الجُمْلَة فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوابَيان عُتُوِّ هؤلاء القوم، واستكبارهم. ومِن فوائدِها أيضًا: الدّلالة على أنَّ لوطًا قد حذَّرَهم مِن عَذَاب الله؛ لِقَوْلِهم: ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ. مِن فوائدها: أنَّه ينبغي للداعية أن يدْعُو مُبَشِّرًا ومُنْذِرًا، ولا يقول: إني إذَا أنذرت نفَّرت؛ لأنَّ الإنذار قد يكون لا بد منه. ومن فوائدها: أنَّ مُجَرَّد الإيمان بالله، لا يُدخِل الإنسان في الإيمان فإنَّ هؤلاء كانوا مُقِرِّين بالله؛ لقولهم: بِعَذَابِ اللَّهِوليس مجرد كون الإنسان يُؤْمن بأنَّ للخليقة ربًّا مُدَبِّرًا لا يدخلُه هذا في الإيمان. ومِن فوائد الآية: إِنْ كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَفيها فوائد؟ نعَم. مِن فوائدها: أنَّهم مكذِّبُون لَه؛ لأنَّه قال: إِنْ كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَفهو أشد، نعم؟ طالب: أقول يدل على أنهم مؤمنون بالله (...) بعذاب الله (...). الشيخ: لا، يدُل على هذا، هذا هو الأصل، ولَّا ربما نقول: إنهم قالوا هكذا تنزلًّا معه؛ يعني بناءً على قولِك، لكن الأصل أن الكلام على ظاهره. طالب: ما يؤخذ منها أنه لا يسمى الإنسان من جملة الصادقين حتى لا يحدث منه فلتة كذب؟ الشيخ: كيف؟ طالب: أن من يحدث منه أدنى فلتة كذب فلا يكون في عداد الصادقين. الشيخ: إي: هذا هو اللي إحنا ذكرْنا أمس إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَأبلَغ؛ لأنَّ الصدق وصف ينْطَبِق على الإنسان إذَا اتَّصَف به دائمًا. طالب: شيخ، ما يستفاد من الآية أن قول (...) يكون كقوله باللسان: فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا(...). الشيخ: لا، لا. نعم قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ. يستفاد مِن هذه الآية الكريمة: ضَرُورة الإنسان مهما علَت منزِلَته إلى ربِّه. ثانيًا: إثبات ما يستلزمُه الدعاء، ودُعَاء الله يستلْزِم أُمُورًا لعلَّنا نعدُّها معكم، دُعاء الله يستَلْزِم ثُبُوت علمه؛ لأنَّ مَن لا يعلَم لا يُدْعَى، ولا يستطيع أن يأتِي بما دُعِي. ويستلزم أيضًا: إثبات السمع، أليس كذلك؟ طلبة: بلى. الشيخ: يستلزم كذلك: إثبَات القُدْرَة؛ لأنَّ مَن لا يَقْدِر ما يُدْعَى، لو رأَيْت شخصًا زَمِنًا، أو أَشَلّ، قلت: ساعدني جزاك الله خيرًا على حَمْل هذه الحَمُولَة على رأسي، يمكن؟ طالب: لا.
الشيخ: تستلْزِم أيضًا الرَّحْمة، ولَّا لا؟ لأنَّ مَن لا يَرحَم لا يُدْعَى، بل يُخشَى منه، أيش بعد؟ طالب: الكرم. الشيخ: وتستلزم الكَرَم؛ لأنَّ مَن ليس بكريم لا يُؤَمَّل، فلا يُدْعَى. طالب: ما يدخل في الرحمة؟ الشيخ: لا هو أخَصّ من الرحمة. الرَّحيم قد يكون رحيمًا بحيث لا يُؤذِي، لكن ما يصير عنده كرَم، ونعم لا شَكَّ أن الكرم مِن الرَّحمة، إنما هو أخصّ. طالب: والبصَر، ما يستلزم؟ الشيخ: لا ما يستلزم البصر. طالب: لماذا؟ الشيخ: لماذا يستَلْزِم؟ طالب: كيف يجيب، وهو لا يرى. الشيخ: كيف؟ طالب: يعني قد يكون موجود مثلًا هنا أو في شرق الأرض أو غربها. الشيخ: دعنا ما نمثل بالله عز وجل؛ لأن العمى مُمتَنِع عليه، لكن لو أنَّك دعَوْت أعمَى أن يُسَاعِدك ساعَدك، لكن لو دعوتَه يقرأ لك الخط: اقرأ لي ها الخط، ما أجاب، فهو ليس مِن لازِم إجابَةِ الدعاء البصر، قد تكون إجابة بدون البَصَر. طالب: تستلزم يا شيخ الوجود. الشيخ: إي نعم، هذه معروفة، صح. طالب: القُرْب. الشيخ: القُرْب يستَلْزِم هذا؟ الطلبة: لا يستلزم هذا. الشيخ: صحِيح الله ذَكر أنه إذا دُعِي فهو قريب، لكنَّه ما يستلْزِم، لولا أنَّ الله أخبرَنا بهذا ما أثبتْنا هذا، لولا أنَّه أخبرَنا بأنَّه قريب لمن دعَاه ما أثبتنا القرب بمُجَرَّد أنه يُدْعى. طالب: تستلزم القوة أيضًا (...). الشيخ: لا ما هو في كل مكان. طالب: (...). الشيخ: قادر، قلنا: قادر، القدرة ذكرناها.
طالب: القدرة غير القوة. الشيخ: غيرها، نعم، وهو كذلك، لكن القُوَّة في مقابلة خصم وعدو في هذا المكان، ربما يسْتَلْزِم القوة، لكن نحن نريد ما يستلزِمُه الدعاء مطلقًا. طيب على كل حال يكفي هذا اللي إحنا ذكرنا، وربما يظهَر للإنسان عند التأمل أكثر مِن ذلك. مِن فوائد هذه الآية: أنَّ اللواط مِن الإفساد في الأرض؛ لقولِه: عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ. ومِن فوائد الآية: ظُهُور التَّبَرُّؤِ منهم؛ أنَّ لوطًا تبرَّأ، تؤخذ مِن قوله: عَلَى الْقَوْمِ، ولم يقل: على قومي، مع أنه في الأول يضاف إليه وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِفَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِلكن هُو عليه الصلاة والسلام قال: عَلَى الْقَوْمِ، ولم يُضِفْهم إلى نفسِه، وهذا ظاهرٌ منه التبرؤ. ومن فوائد الآية: في قوله: رَبِّ انْصُرْنِيأنه ينبغي للداعي أن يبدَأَ باسْم الله، ويحذِف يَاء النداء، وإلَّا يصلُح أن تقول: يا ربّ، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «يمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ: يَا رَبِّ يَا رَبِّ» . ثم قال سبحانه وتعالى: وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ [العنكبوت:٣١]. طالب: الدعاء على القوم إذا (...). الشيخ: نعم، صح، يستفاد منها أيضًا -وهذه فائدة مهمة- يُستفَادُ منه جوازُ الدعاء على القوم إذا أُيِس مِن صلاحِهم، وتمرَّدُوا تمردًا بالغًا، ولهذا لَمَّا قالوا: ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِتحدَّوه، قال: رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ. وأيضا: نوح عليه الصلاة والسلام قال: رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا [نوح:٢٦] والنبي عليه الصلاة والسلام قال: «اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ» ، ولكن الرسول عليه الصلاة والسلام قَيد؛ لأن سني يوسف كم؟ سبع سنوات، مع أنَّ قولَه: رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَهو ظاهِر في الدعاء عليهم؟ طالب: لا يلزم، هو دعا بأن يُنصَر. الشيخ: عليهم، لكنَّه إذا تأمَّلنا الآية، وجدْنا أنه يقصِد النَّصْرَ عليهم بما تحَدَّوه به، وهو قولهم: ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ، ولّا مجرد قوله: انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ، ما تدُلّ على أنَّه دعا عليهم، لكنه لَمَّا كانوا قالوا: ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِفهذا هو النصر عليهم، قالوا: إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ، فالنصر عليهم أن يظهَر صدقُه فيما توعَّدَهم به. وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ [العنكبوت:٣١]. في هذه الآية دليل على أنَّ الله أجاب دُعاء لُوط، مِن أين نأخذه؟ مِن قول الرسل: إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ. ومن فوائدها: إثبات أنَّ الملائكة رسل؛ لقولِه: وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا، وفي القرآن في سورة فاطر: جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا [فاطر: ١]، وهل المراد أنَّ كل ملك فهو رَسُول، أو أنَّ منهم رسلًا؟ الظاهر هذا؛ لأنَّ مِن الملائكة مَن هو قائِم، راكِعٌ لله، ساجد، ومنهم: مَن يرْسِلُهم الله. ومن فوائد الآية: أنَّ الرسول يُطلَق على البشر والملَك، بخِلَاف النَّبِي؛ فإنَّه لا يُطْلَق إلَّا على البشر فيكُون الرسول أعمّ مِن حيث متعلقه؛ يعني: يكون للبشر ولِلمَلَك، وفي القرآن الكريم قال الله عز وجل عنه: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ [التكوير: ١٩، ٢٠]، وفي الآية الثانية: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ [الحاقة: ٤٠، ٤١]، فالرسول الأوّل في (سورة التكوير) جبريل، والثاني مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم. ومن فوائد الآية: أنَّ مِن طبيعة البشر الفرَح بالولَد مِن أين تؤخذ؟ بِالْبُشْرَى [العنكبوت: ٣١]. ومِن فوائدها: أنَّ الفرَحَ بالولد لا يُنافِي كَمال المرتبة، أليس كذلك؟ فإِبْراهيم عليه الصلاة والسلام مِن الكُمَّل مِن الرسل، ومع ذلك استَبْشَر بالأولاد، وفَرِحَ بهم، فلا يُقال: إنَّ الفرح بالأولاد يُنافي الكَمَال. ومِن فوائد الآية: إثبات أنَّ الملائكة أجسام، وليسوا أرواحًا، أو عقولًا كما ادَّعاه بعضهم. فكيف نقول: إنَّهم أرواح، وعُقُول، وهم لهم أجنِحَة، ويأتُون، ويذهبون، ويقُولون، وجبريل رآه النبي صلى الله عليه وسلم ولَه ست مئة جناح قد سَدَّ الأفق ، ولكن هذه الأجْسَام ليست كأجْسَام بني آدم؛ فإنَّ فيها مِن الخِفَّة، والقُوَّة ما ليس لِبني آدم، والله سبحانه وتعالى قد يجعَلُهم على صُوَرٍ غير الصورة الأصلية مثلما جاء جبريل بصورة دحْية الكلْبي، وبصورة رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر إلى آخرِه. كذلك الجن، قال بعض الناس: إنهم -الذين يقرون بهم بَعد؛ لأن مِن الناس مَن أنكر الجن، وإنكَارُ الجنِّ كفرٌ بلا ريب، ومِن الناس مَن أقَرَّ بالجن، لكن قال: إنهم- أرواح، وليسوا أجسامًا، وهذا أيضًا خطَأ، والصحيح أنَّهم أجسَام، المتعين؛ لأنَّهم يأكلُون كما ثبَت في الحديث: «لَكُمْ كُلُّ عَظْمٍ ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، تَجِدُونَهُ أَوْفَرَ مَا يَكُونُ لَحْمًا» . إذن مِن هذه الآية نستفِيد: أنَّ الملائكة أجسام، وليسوا مجرد أرواحٍ ومعانٍ وعقول. طالب: (...) مشتملة نورانية، ممكن يقال ولّا لا؟ الشيخ: ما نقول: نورانية، لا.
طالب: ولا الجن يقال: أجسام نيرانية؟ الشيخ: نيرانية ما نقولها، صحيح أنَهم خُلِقُوا مِن النار، وخُلقوا مِن نور؛ الملائكة، لكن ما نقول، ما ندري قد يُخلق الإنسان مِن النور ولا يكون مُشِعًّا، فالإنسان خُلق من طين، ومع ذلك (...) ولا (...) ولَّا لا؟ ما يلزم. طالب: كيفية السجود. الشيخ: سجود أيش؟ طالب: سجود الملائكة. الشيخ: ما هي معنا. ومِن فوائد الآية: أنَّ إبراهيم عليه الصلاة والسلام أعظَم مَنْزِلَة من لوط؛ ولهذا جاءت الملائكة إليه أولًّا، وأخبرُوه بأنّهم مهلكو أهل هذه القرية. ومن فوائد الآية أيضًا: أنَّ الهلاك في الأصل إذَا جاء يَشْمَل الصَّالِح، وغير الصالح؛ لقوله: قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا [العنكبوت: ٣٢]، فلولا أنَّه يَشْمَل الجميع ما نَبَّهَهُم على هذا، بل إنَّ الله تعالى ذكر ما يدُلّ على ذلك صريحًا: قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ (٩٣) رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [المؤمنون: ٩٣، ٩٤]، ما هي عندكم. طلبة: في الآية الثانية. الشيخ: إذن مِن فوائد الآية أنَّ الملائكة عليهم الصلاة والسلام لَمَّا أخبَرُوا بأنَّهم سيهلكوا هذه القرية بَيَّنُوا السّبب مِن أجل أن يطْمَئِنَّ إبراهيم في قولهم: إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ. ومِن فوائدها: جوازُ إضافة الحكم إلى سببِه؛ لقوله: إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ؛ لأنَّ الذي يُهْلِكُهُم حقيقة الله؛ كما قال تعالى: فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ [الحج: ٤٥] لكن إضَافَةُ الشيء إلى سببِه إذا كان معلومًا شرعًا، أو حِسًّا (...)