تجاوز إلى المحتوى

تفسير سورة العنكبوت - ٣

درس صوتي · ٩٣:٠٧

جارٍ تجهيز الصوت

انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها

إعدادات

اختصارات لوحة المفاتيح

Space أو K تشغيل وإيقاف ←→ خمس ثوانٍ JL خمس عشرة ثانية HomeEnd بداية ونهاية الدرس

محتوى الدرس

تفسير الآية (١٦)

مفعولٌ لفعل محذوف تقديره (...)، حذف العامل هو الاختصار وبيان الاهتمام بالمعمول، فهنا حُذِفَت (اذكر) اختصارًا واهتمام بالمعمول وهو إبراهيم لِيُبدَأَ به أولًّا، وإبراهيم عليه الصلاة والسلام كلنا يعرف أنه ثانِي أولي العزم مِن الرسل وأولُهم مَن؟ محمد صلى الله عليه وسلم ثم إبراهيم ثم موسى ثم نُوح وعيسى، اختلفوا أيُّهما أفضل، والأولى أن يقال: لِكُلٍّ مِنْهُما مَزِيَّة. أمَّا الثلاثة محمد ثم إبراهيم ثم موسى فهذا متفق عليه، هذا الترتِيب، وقد ابتلاه الله تعالى بأمرين؛ أحدهما في الدعوة إلى الله، والثاني في أعَزِّ محبوب إليه، أما في الدعوة إلى الله فإن الله ابتلاه بأن سَلَّط عليه قومَه لِيُحْرِقُوه، والنتيجة أنجاه الله مِن النار، وقال للنار: كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ [الأنبياء: ٦٩]. وأما الأمر الثاني فهو في أعزِّ الأشياء إليه وهو ابنُه حين بلغَ معه السعي وهو وحيدُه وأوَّلُ أولاده وهو إسماعيل على القول الصحيح؛ ابتلاه الله تعالى بأن أمرَه بذبحِه أمرَه بأن يذْبَحَه هو واستَسْلَم ووافق، واسْتَسْلم لِهذا الأمر، والقصة معروفة وأنجاه الله سبحانه وتعالى منه حين قال لَه: وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ [الصافات: ١٠٤ - ١٠٦] إلى آخره، وسُمِّي خليلًا اتخذه الله خليلًا بسبب هذا الأمر حيث قدَّم على محبَّةِ الله تعالى أحبَّ شيء إليه. وقد نبَّهْنا مِن قبل على أنَّ بعض الناس الجهَّال في الواقع يصِفُون النبي صلى الله عليه وسلم بأنه حبيب الله، وأنَّ إبراهيم خليل الله، وهذا خطأ، فإن محمدًا صلى الله عليه وسلم خليلُ الله أيضًا كما ثبتَ ذلك عنه ، والذي يقول: إنَّ محمدًا حبيب وإبراهيم خليل، قد تنقَّصَ النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنَّ درجة المحبة أدنى مِن درجة الخُلَّة. إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ [العنكبوت: ١٦] إِذْهذه ظرف وهي في موضع نصب على الحال أي حالَ كونِه قائلًا لقومه. وقوله: لِقَوْمِهِمَن القوم؟ القوم هم الجماعة الذين ينتسب إليهم الإنسان بنسب أو هدف، كلُّ مَن ينتسب إليه الإنسان بنسب فهم قومه، أو بهدف بأن يكون دعواهم واحدة وطريقُهم واحدة يسمى أيضًا قومًا، والمراد بقومه هنا مَن ينتسب إليهم قرابة لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُقال المؤلف: (خافُوا عقابه) اعْبُدُوا اللَّهَأصل العبادة مأخُوذَة مِن الذُّلّ، ومنه قولُهم طريقٌ مُعَبَّد أي مُذَلَّل؛ لأنَّ العبد يذل لمعبوده فالعبادة إذن التذلل لله عز وجل بفعلِ أوامره واجتناب نواهيه، وقد حدَّها شيخ الإسلام ابن تيمية بأنَّها: (اسم جامِع لكل ما يحبه الله ويرضاه مِن الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة)، وهذا حدٌّ لها في الواقع باعتِبار ميدان العبادة، أمَّا أصلها فإنه الذُّلّ؛ لأن هذا مقتضاها في اللغة أن يتذَلَّل الإنسان لله سبحانه وتعالى بطاعته فعلًا للأوامر وتركًا للنواهي، واعلم أنَّ العبادة تنقسم إلى قسمين: أولًا: الخضوع للأمْرِ الكوني وهذه عامَّة لِكُلِّ أحد كما في قوله تعالى: إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا [مريم: ٩٣] كُلُّ مَن في السماوات والأرض مِن مؤمن وكافر وبَرٍّ وفاجِر كلهم يأتون الله تعالى بهذا الوصف إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا، وهل مِن ذلك قوله تعالى: إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ [الحجر: ٤٢]؟ طالب: إن قلنا: إن الاستثناء متصل فهو منه، وإن قلنا: منقطع فليس منه. الشيخ: صح، فاهمين يا جماعة؟ احنا ذكرْنا العبودية تنقسم إلى قسمين: عامَّة وهي الخضُوع للأمر الكوني وهذه لا يُسْتَثْنَى منها أحد، كُلُ الناس كل الخلق خاضع لأمر الله الكوني أليس كذلك؟ هل أحد يقدر يرفع المرض أو الموت عن نفسه؟ لا، مثاله قوله تعالى: إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا، هل مِن هذا قوله تعالى: إِنَّ عِبَادِييُخاطِب إبليس: إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ. الجواب: إن جعلْنا الاستثناءَ متصلًا فالمراد بالعبودية: العامة، وإن جعلناه منقطعًا فالمراد بالعبودية: الخاصة. العبودية الخاصة: هي التذلل للأمر الشرعي التذلُّل لأمر الله الشرعي، ومنها قوله تعالى: وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا [الفرقان: ٦٣] هؤلاء تذللَّوا بأي شيء؟ بالأمر الشرعي، هنا في الآية الكريمة قال إبراهيم: اعْبُدُوا اللَّهَأيُّ الأمرين يريد؟ طالب: الشرعي. الشيخ: التعبُّد لله بالعبادة الشرعية. وقوله: وَاتَّقُوهُعطفًا على قوله: اعْبُدُوا اللَّهَ، والعطف كما قيل: يقتضِي المغايرة، ونحن ذكرنا أنَّ العبادَة التذُلَّل لله سبحانه وتعالى بالطاعة. والتقوى: اتخاذ وقايةٍ من عذابه بطاعتِه، هذه التقوى، أصلها مِن الوقاية فيَتَّقِي الإنسان عذابَ الله بطاعتِه، على هذين التفسيرين يكون عطف التقوى على العبادة مِن باب عطفِ الشيءِ على نفسه، والمعروف أنَّ بلاغة القرآن تأبى ذلك؛ يعني: تأبى أن يُعْطف الشيء على نفسه؛ لأنَّ ذلك مِن باب التكرار، فما هو الفرق الذي يكون به العطفُ مقتضيًا للمغايرة؟ يعني: إذا قلنا: التقوى اتخاذُ وقايةٍ مِن عذاب الله بطاعته، والعبادة التذلل لله تعالى بطاعته صار معناهما واحدًا، والعطفُ يقتضِي المغايَرَة فكيف يمكن أن نُفَسِّر العبادة بمعنًى يُغايِر معنى التقوى؟ نقول: هذا الجواب على هذا مِن أحد وجهين: إمَّا أن يُراد بالعبادة هنا في هذه الآية بالعبادة فعل الأوامر وبالتقوى تركُ النواهي، يعني أن تَتَّقِيَ المعاصي وأن تفعلَ الطاعات، وهذا الوجه؛ أعني أنَّه إذا كانت الكلمتان كل واحدة منهما تشمل معنى الأخرى عند الانفراد وتُغايِرُها عند الاجتماع هذا له أمثلة كثيرة مثل الفقير والمسكين هما شيء واحد عند الانفراد ويختلفان عند الاجتماع، البِرّ والتقوى هما شيءٌ واحد عند الانفراد وشيئان عند الاجتماع. هنا نقول: العبادة والتقوى هما شيء واحد عند الانفراد، وعند الاجتماع تُفَسَّر العبادة بفعل الأوامر والتقوى باجتناب النواهي هذه واحدة، أو نقول: الوجه الثاني: أن يُرادُ بالعبادة مطلَق الالتزام والتذلل والتقوى المراد بها اتقاء العمل المعيَّن؛ لأنَّه ليس كل مَن قام بمطلق العبادة يقوم بالتقوى؛ كثير من المسلمين الآن يعبدون الله لكن هل يتَّقُونه في كل شيء؟ لا، يفعلون أشياء كثيرة. هذا الصوم عندنا، الآن نصوم، لكن هل الصائم يتَّقِي الله عز وجل في كلِّ شيء بحيث يترك الكذب والغيبة والشتم والمحرَّم وقول الزور والعمل به؟ الجواب: ليس كلُّ صائم هكذا؛ وعلى هذا فنقول: المراد بالعبادة مطلق الالتزام والتذلل، وبالتقوى أن يتقِي الإنسان ربه في كل فرد أو في كل جنس مِن جنس المعاصي وأفرادها. وَاتَّقُوهُيقول المؤلف: (خافوا عقابه)، ولو أنَّ المؤلف فسر الآية بيما يطابق اللفظ لكان أولى؛ لو قال: اتقوا عقابَهُ لكان أولى. (ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْمما أنتم عليه مِن عبادة الأصنام) قال: ذَلِكُمْالمشار إليه العبادة والتقوى. قوله: وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ [العنكبوت: ١٦]. يُستفَادُ منها: فضيلة إبراهيم؛ حيث أمرَ قومه بما ذُكِر. ويستفاد منها أيضًا: أنه ينبغي ذِكْرُ الدعاة إلى الله سبحانه وتعالى بما يرفع مِن شأنِهم؛ لأنه قدَّرْنا (إبراهيم) مفعولًا لِفعلٍ محذوف تقديرُه: اذكر إبراهيم. ومِن فوائد الآية: وجوب عبادة الله وتقواه، مِن قوله: اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ؛ لأنَّ الأصل في الأمر (...). ومِن فوائد الآية: أنَّ خير ما يحصل عليه العبد عبادَةُ الله وتقْواه؛ لقوله: ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ. ومِن فوائدها أيضًا؛ مِن فوائد الآية: أنَّه لا يَعْقِل هذه الأشياء إلَّا أهل العلم، تُؤْخَذ مِنين، مِن أين تؤخذ؟ أنه ما يعقل الخيرِيَّة في العبادة والتقوى إلا أهلُ العلم؟ طالب: ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ. الشيخ: مِن كل الآية؟! الطالب: إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ. الشيخ: من قوله: إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ.

تفسير الآية (١٧)

ثم قال سبحانه وتعالى: إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [العنكبوت: ١٧]. مِن فوائد هذه الآية: أنَّ كل ما يُعْبَدُ مِن دون الله فإنه وثَنٌ لا ينفع ولا يأتي بالرزق. ومِن فوائدها: أنَّ تسميَّة هذه الأوثان بالآلهة كذِب؛ لقوله: وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا. ومِن فوائدها: أنَّه ينبغي لمن ذَكَر حكمًا أن يذكُرَ عِلَّتَه. طالب: (...)؟ الشيخ: من قوله: إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا. ومنها؛ مِن فوائدها: أنَّه ينبغي الاستدلال بالمحْسُوس على المعقول، مِن أين تؤخذ؟ طالب: لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا. الشيخ: إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًاهذا دليل محسوس، ووجْه الاستدلال بالمحسوس على المعقول أنَّ المحسوس ما يُنْكِرُه أحد، لكن المعقول قد لا يتصوره الإنسان فضْلًا عن كونه يُقِرُّ به، فإلزامُ الإنسان بالشيء المحسوس على المعقول هذه مِن طرق المناظرة والحُجَّة وإقامة الحجة والإلزام. ومن فوائد الآية: أنَّ الذي يجِب أن يُلْجَأَ إليه هو الله عز وجل، مِنين؟ مِن أين تُؤْخذ؟ فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ. ومِن فوائد الآية: أنَّه ذُكِرَ فيها سبَبُ الرزق وسبب بقاء الرزق؛ سبب وجوده وسبب بقائه. طالب: (...). الشيخ: أو نقول: اعْبُدُوا اللَّهَهذا سبب الرزق، وَاشْكُرُوا لَهُهذا سبب البقاء. ومنها، مِن فوائد الآية: وجوبُ شكر النعمة؛ لقولِه؟ طالب: وَاشْكُرُوا لَهُ. الشيخ: وَاشْكُرُوا لَهُ. هنا الفعل متعَدٍّ ولَّا لازم؟ وَاشْكُرُوا لَهُالفعل متعدٍّ ولّا لازم؟ طالب: مُتعدٍّ. الشيخ: متعدٍّ؟ هنا في الآية الكريمة في الآية لازم ولَّا متعدٍّ؟ طالب: (...). الشيخ: متعدٍّ؟ أين المفعول؟ طالب: (...). الشيخ: من يعرف الجواب؟ طالب: (...) وَاشْكُرُوا لَهُ(...). الشيخ: اشكروا نعمته مُخْلصين له، هذا على القول بأنها متعدية، أما على القول بأنَّها لازمة فإنَّ (شكر) تكون لازمة؛ تقول: شكرْتُه، ومتعدية تقول: شكرْتُ له، ويكون المفعول هي الهاء وليس المحذوف. ومِن فوائد الآية: إثبات البعث، مِنين نأخذه؟ طالب: إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ. الشيخ: إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ، وهذا يكون يومَ القيامة، إثباتُ البعث. ومنها: إثباتُ الجزاء على الأعمال، منين نأخذه؟ مِن قوله: إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ؛ لأنَّ الفائدة مِن هذا الإخبار بأنهم سيُبعثون ويجازَوْن، ليس مجرد بعث بدون جزاء، بل لا بد فيه مِن جزاء.

تفسير الآية (١٨)

ثم قال تعالى: وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ [العنكبوت: ١٨] يُسْتَفَادُ مِن هذه الآية: تهدِيدُ المكذبين للرسول صلى الله عليه وسلم؛ لقوله: فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ، وقد علِمُوا ما جرَى لهم، فعلى هذا يكون في ذلك تهدِيدٌ لهؤلاء المكَذِّبِين للرسول عليه الصلاة والسلام. ومن فوائدها أيضًا: أنَّ الرُّسُل يجِبُ عليهم الإبلاغ؛ لقولِه: وَمَا عَلَى الرَّسُولِعَلَىتفيدُ الوجوب قال الله تعالى: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ [آل عمران: ٩٧] يعني واجب، فـ (على) إذا قيل: على فلان كذا وكذا فإنها تفيد الوجوب؛ إذن يستفاد مِن الآية وجوب الإبلاغ على مَن؟ على الرسل. ومِن فوائدها: أنه لا يجِب عليهم هداية الخلق أو لا؟ ما عليهم إلا البلاغ، أما الهداية فإلى الله عز وجل، وكذلك الحساب على الله عز وجل فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ [الرعد: ٤٠]. ومِن فوائدها: وجوب الإبلاغ على أهل العلم، مِن أين تؤخذ؟ طالب: وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ. الشيخ: والعلماء ورثَةُ الأنبياء فيجِب عليهم الإبلاغ كما يجِبُ على الرسل. ومنها: أنَّ القرآن مُتَضَمِّنٌ لجميعِ الأحكام العقِيدِيَّة والعملية، وأنَّه أتَى بذلك على أكمَلِ وجْه وأبْيَنِه؛ لقوله: إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُلِكُلِّ ما أرسل به؛ لأَنَّه رسول فعليه البلاغ المبين لكل ما أرسل به، والنبي عليه الصلاة والسلام أرسل بعقائِد صحيحة سليمة وبأعمال قويمة وبأقوال مُسْتَقِيمَة. وعلى هذا فنَقُول مِن هذه الآية: نستَدِلُّ بهذه الآية على أنَّ جميع الشريعة بَيِّنَة مُكَمَّلَة واضِحَة، فنَرُدُّ به على جميع أهل البدع، كل أهل البدع نرُدُّ بذلك عليهم؛ لأنَّ أهل البدع يستلْزِمُ قولُهم ألَّا يكون النبي عليه الصلاة والسلام بَلَّغ البلاغ المبين. مثلًا الذين ينكرون حقيقة استواء الله على عرشه يقولون: معنى الاستواء الاستيلاء على العرش؛ هؤلاء تُكَذِّبُهُم هذه الآية لو كان المراد بالاستواء الاستيلاء لكان يأتي هذا المعنى ولو في آية واحدة، وكم آيات الاستواء في القرآن؟ سبْع آيات ما جاء ولا آية واحدة يقول الله فيها: استولى على العرش، فنقول: أنتم كاذبون تُكَذِّبكُم هذه الآية، وكذلك بقية الشبهات التي يحتَجُّ بها أهل التعطيل أو أهل التمثيلِ أيضًا، حتى أهلُ التمثيل الذين يقولون: إن الله استوى على عرشه حقيقَة لكن استواءه كاستواءِ المخلوق على المخْلُوق كاستواء الملِك على عرش المُلْك، وما أشبه ذلك. نقول: هؤلاء أيضًا يكذبهم قوله تعالى: وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ؛ لأنَّ الرسول بلَّغ البلاغ المبين، وقد أتانا من بيانِه قوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: ١١]. لو قال قائل: يوجد وقائع الآن تقع ما نرى لها ذكرًا في القرآن ولا في السنة فما هو الجواب على هذه الآية؟ أليس يجرِى وقائع وقعَت وتقع ليس لها ذكرٌ (...) ولا في السُّنَّة؟ طالب: (...). الشيخ: نعم، نقول: هي مُبَيَّنَة ببيان الجنس؛ يعني: ما هو بلازم أنَّ القرآن يأتي بكلِّ فرْد أو السنَّة تأتي بكل فرد؛ لأنَّ أفراد القضايا ما لها حصر، ما ظنكم لو أن الله سبحانه وتعالى ذكرَ في القرآن كلَّ قضية تأتي إلى يوم القيامة؟! كم يكون القرآن من مجلد؟ مجلدات ما لها حصر. لكنَّنا نقول: هذه الأفراد أفراد هذه المسائل موجودةٌ بأجناسها وعلَلِها وقواعِدِها؛ يعني: إما أن تكون بالقياس وإما أنَّها مسكوت عنها والسكوت في مقام البَيان بيان كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ عَفْوٌ» . المهم أنَّنا نقُول: ما مِن قضية تقع إلا وحُكمُها موجودٌ في القرآن أو السنة باعتبارها فردًا ولّا باعتبارها جنسًا؟ باعتبارها جِنسًا، فجِنس هذه القضية موجود في القرآن إمَّا بقاعدة عامة أو بقياس صحيح أو ما أشبه ذلك، لكن الخلل والنقص يأتي مِن واحدٍ مِن أمور: إمَّا قِلَّةٍ في العلم، يكون الإنسان ما عنده علم، والخلل هنا منين؟ مِن الإنسان، الإنسان ما أحاط بالسنَّة، القرآن يحيط به الإنسان، لكن السنة ما يمكن يحيط بها الإنسان، يُوجَد أحاديث تأتي على الإنسان ما كانَت تدُور في ذهنه. وإمِّا لقصُورٍ في الفهم يكون الإنسان عنده عِلْم لكنَّ فَهْمَه قاصِر، ولا يكون به نوم أيضًا مثل بعض الناس اللي ينامون في الدرس يكون عنده قصور في الفهم، ولاحظوا أن اختلاف الناس في الفهم أكثر وأعظَم مِن اختلافِهم في العلم، يوجد بعض الناس يستنبِط مِن دليلٍ واحد عدة مسائل، وآخر ما يستنبط إلا مسألة أو مسألتين. ثالثًا: مِن أسباب عدم الوصول أو عدم معرفة الحق مِن القرآن والسنة أن يكون عند الإنسان سوءُ قَصْد بحيث لا يُرِيدُ الحق والعياذ بالله، ما يريد إلا أن ينتصرَ قوله، فإن هذا -والعياذ بالله- يُحال بينه وبين الوصول إلى الصواب ومعرفة الحق لأنَّه لا يريده، هذه أسباب ثلاثة. السبب الرابع: المعاصي فإن المعاصي ذُلٌّ وظُلْمَة تُوجِب أن يُحال بين الإنسان وبين الوصول إلى الحق مِن كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، بل إنَّ المعاصي تُوجِبُ نسيان الموجود، كما تمنَعُ وُجُود المفقود قال الله تعالى: فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ [المائدة: ١٣]. إذن هذه أسباب أربعة كُلُّها تحُول بين الإنسان وبين الوصول إلى معرفة حكم الله الذي في الكتاب وفي السنة، أمَّا نفسُ الكتاب والسنة فإنها لا شك محيطةٌ بجميع القضايا إلى يوم القيامة؛ لأن هذا الكتاب إلى يوم القيامة. وأما قولُ مَن قال مِن أهل العلم وهو مِن أعجب ما يكون: إنَّ الكتاب والسنة ليس فيها إلا حكم القليل من القضايا، حتى إن بعضهم يزعم إنه ما في القرآن والسنة إلا نحو عُشْر القضايا، هذا خطأٌ عظيم؛ ولهذا قال الله تعالى في القرآن: وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ [النحل: ٨٩]. مِن فوائد الآية: أنَّ الرسل أفصَحُ الخلق، مِن أين تؤخذ؟ مِن قوله: إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُالْمُبِينُسواءٌ قلنا: إنَّ المبين بمعنى بَيِّن أو بمعنى مُظْهِر، والصواب أنَّها بمعنى مُظْهِر، أظُن انتهى؟ إلى هذا؟


تفسير الآية (١٩)

ثم قال الله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا [العنكبوت: ١٩] بالياء والتاء: ينظُرُوا، بالياء والتاء يعني: يَرَوْا، والثانية {تَرَوْا} فهما قراءتان سَبْعِيَّتان، الرؤية هنا فسَّرها المؤلف بمعنى النظر فهي رؤية عين أَوَلَمْ يَرَوْا، ويحتمل أن تكون رؤيةً قلبية أي: علمِيَّة بمعنى: أولم يعلموا، وننظر أيهما أولى مِن سياق الآية كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُيُبْدِئُيقول: (هو بضَمِّ أوله وقُرِئَ بفتحِه؛ مِن (بَدَأَ) و(أبدأ) بمعنًى أي يخلُقُهم ابتداءً). عندنا يُبْدِئُالآن فيها قراءَة سبعية وقراءة شاذة، القراءة السبعية يُبْدِئُمنين؟ الماضِي مِن يُبْدِئُأَبْدَأ رُباعِي. القراءة الشاذة يقول: بفتحِ أوَّله {يَبْدَأُ} منين؟ مِن (بَدَأَ)، كيف عرفنا أن هذه القراءة الشاذة؟ لأن اصطلاح المؤلف رحمه الله أنه إذا قال: قُرِئَ فهي شاذة، المؤلف يقول: (مِن (بدأ) و(أبدأ) هذا اللَّفّ والنَّشْر مُرَتب أو مُشَوَّش؟ مُشَوَّش يعني: لَه شُوشَة؟! أو مُشَوَّش يعني غير مُرَتب، شوف الآن (مِن بَدَأَ) هذا على أيِّ القراءَتِين؟ الشاذَّة هذه {يَبْدَأُ}، و(أبدأ) على القراءة السبعية التي هي يُبْدِئُ، والحقِيقَة أنَّ المؤلف لَيْتَه ما فعل هذا؛ لأنَّه قد لا يَفْهم الإنسان أن هذا مِن باب اللف والنشر المشوش ولا داعيَ إليه، لو قال المؤلف: مِن (أبدأ) و(بدأ) لكان أوضح للإنسان الطالب. وقوله: (بمعنًى) أيش معناه؟ يعني بمعنىً واحد يعني (بَدَأ) و(أبدأ) معناهما واحد؛ أي: يخلقُهم ابتداءً؛ يعني كيف يخلقهم سبحانه وتعالى ابتداءً. وقولُه: كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَالْخَلْقَهنا مصدر بمعنى اسم المفعول؛ أي: المخلُوق كيف يبدِئه ثم يُعِيدُه، والمصدَر يأتي بمعنى اسم المفعول كثيرًا في اللغة العربية، ومنه قوله تعالى: وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ [الطلاق: ٦] الحَمْل اللي في البطن بمعنى محْمُول، وقوله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» بمعنى: مَرْدُود. هنا (خَلْق) بمعنى مخلوق، ومثلُها قوله تعالى: هَذَا خَلْقُ اللَّهِ [لقمان: ١١] أي: مخلُوقُه. قوله: (كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّهو يُعِيدُهُأي: الخلق كما بدأهم) شوف المؤلف يقول: (أي: الخلق كما بدأهم) إشارة إلى أنَّ الخلق بمعنى المخلوق اللي يعم كل الناس. وقوله: (ثُمَّهو يُعِيدُهُ) قدَّر هو لِتكونَ الجملةُ استئنافِيَّةً، لماذا؟ لأنَّ إعادَةَ الخلق لا يمكن أن ينظُرُوا إليها متى تكون إعادة الخلق؟ يوم القيامة في المستقبل، لكن ابتداء الخلق يمكن ينظرون إليه هذا، مثلًا ننظر إلى مخلوقات الله عز وجل كيف تتوالد وكيف تتنامى وكيف تكبُر إلى آخرِه، نعرِفُه، لكن إعادةُ الخلق ما يمكن؛ فلهذا قدَّرَ المؤلف رحمه الله قولَه: (ثُمَّهو يُعِيدُهُ) لِئَلَّا يتوهَّمَ إنسانٌ أنَّها معطوفة على يُبْدِئُفلا يصِحُّ عطفُها على يُبْدِئُ؛ لأنه لو كانت معطوفة عليها لكان المعنى كيف يبْدئ الخلق ثم كيف يعيده، وهنا النظر لِكيفية الإعادة متعذرة. قوله سبحانه وتعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا، أنا ذكرْت لكم أنها يحتَمل أن تكون علمية والمؤلف مشى على أنها عَيْنِيَّة بالبصر، أيُّهما أشمل؟ طلبة: علمية. طلبة آخرون: قلبية. الشيخ: أيهما أشمل؟ الظاهِر أنَّ القلبية أشمَل؛ لأنها تَشْمَل ما رآه الإنسان بعينِه وما عَلِمَ به مِن غيره، أليس كذلك؟ فهي إذن أشمل. واعلم أنَّ الآية إذا احتملَتْ معنيين أحدُهما أشمل فالأولى حملُها على الأشمل؛ لأنَّ الأخصّ داخل فيه، بخلاف ما إذا حُمِلَتْ على الأخص فمعناها أنَّنا أخرجْنا بعضَ دلالتها، فعليه نقول: إنَّ الأولى أن نحملَها على الرؤية العلمية التي تحصُل بالبصَر وبالسمع أيضًا كما قال الله تعالى: جَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ [النحل: ٧٨] السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَطريق العلم، وَالْأَفْئِدَةَمحَلّ الوعي. وقوله: إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌيقول المؤلف: (إِنَّ ذَلِكَالمذكُورَ مِن الخلق الأول والثاني عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) أي: سهل، ابتداء الخلق سهْل على الله، واقْرَأ قولَ الله تعالى: إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [آل عمران: ٥٩] أمر سَهْل على الله. إعادَة الخَلْق أيضًا سَهْلَة؛ لقولِه: فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ [النازعات: ١٣] زجرَة واحدة فقط فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ [النازعات: ١٤]، وأعمّ مِن ذلك قوله تعالى: وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ [القمر: ٥٠] بدُون تأخُّر، واحِدَة، يأمُرُ الله الشيء فيكون مثل لَمْح البصر وهذا دليل على كمال قدرته جل وعلا. وقوله: إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌفي آيةٍ ثانية وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ [الروم: ٢٧] فإنَّنا نقول لهؤلاء المنكرين للبعث: هل تُقِرُّون بأنَّ الله خلقكم ابتداءً؟ ماذا يقولون؟ هم يَقُولُون: نعم -الكلام على المنكرين المقِرِّين بابتداء الخلق- وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [الزخرف: ٨٧]، مُقِرِّين بهذا الشيء، نقول لهم: أيُّما أهون الابتداء أو الإعادة؟ الجواب: الإعادة أهون، فكيف تقرون بالأصعب ثم تُنْكِرُون الأهْوَن، وأقول: بالأصعب، لا باعتبار ذلك منسوبًا إلى الله عز وجل لا باعتبار كونه منسوبًا إلى الله، ولكن لأنَّ الكُلّ يسير عليه، لكن نقول لهؤلاء: ما دام الابتداء أشَدّ وأشَقّ فالإعادة مِن باب أولى أن تقِرُّوا بها. لكن هم يقِرّون بالابتداء لأنهم ما يستطيعون إنكاره، ما يستطيعون يقولون: ما خلقنا الله، نحن الذين خلقْنا أنفسنا، الزوج هو الذي خلَقَ الولد في رحم الأم؛ هذا ما يمكن يقولونه، فلِهَذا احتَجَّ الله عليهم بالابتداء لِيقرُّوا بالإعادة، وقوله: إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌفكيف ينكرون الثاني؟

تفسير الآية (٢٠)

{قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ} [العنكبوت: ٢٠] هذه الآية مع التي قبلها ربما يظهَر منها الإشكال؛ لأنَّ الأُولى أَوَلَمْ يَرَوْاتقرِير لهم بأنَّهم يرون كيف يُبْدِئُ الله الخلق ثم يعيده، وهنا يقول: قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَفَيَقْتَضِي أنَّهم حتى الآن لم يعلَمُوا كيف بدأَ الله الخلق، نقول: الجواب على ذلك أنَّهم وإن كانوا يرَوْن كيف بدَأَ الله الخلق لكنَّهم قد ينكِرُونَه، فأمرَ الله تعالى نبيَّه أن يأمرَهم بالسيرِ في الأرض قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَامشُوا في الأرض، انظُروا مثلًا إلى الوحوش، انظروا إلى الحشرات، انظروا إلى مخْلُوقاتِ الله سبحانه وتعالى، كيف تَنْشَأُ هذه الأشياء؟ بدُون أن نرى لها خالقًا سوى الله عز وجل، فهذا مِن باب إلزامِهم ولا سيما إذا قلنا: إنَّ الرؤية الأولى علمية مِن باب إلزامهم بما يشاهدونَه في الأرض بعد أن يسيروا فيها. وقوله: قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِهل المراد السيْر بالبدن أو السير بالقلب أو هما؟ هما جميعًا؛ لأن الإنسان قد يسِير ببدنه ويطَّلِع على مخلوقات الله، وقد يسِير بقلبه فيقرَأُ ما كُتِبَ عن مخلوقات الله، أليس كذلك؟ ربما تقرَأ كتابًا عن الحيوانات أو غيرها وأنت في مكانك في حجرتك وتكون قد اطَّلعت على ما في مشارق الأرض ومغاربها ويكون السير حينئذ بالقلب، فهو شامل للأمرين جميعًا. ثم اعلم أيضًا أنَّ السير بالقدم لا ينفَع إذا لم يكن هناك سيْرٌ بالقلب واعتبار. لو أن الإنسان ماجَ فِجاجَ الأرض كلها وهو غافل ما استفاد مِن ذلك السير شيئًا، بل لا بد أن يكون هناك تَيَقُّظٌ واعتبار. طالب: (...). الشيخ: لا يعتبر سائرًا في الأرض بعلمه اللي هو محله وهو القلب، يصلُح هذا وهذا؛ لأن الآن لو نظرنا إلى السير في الأرض إلى واقعِه أيُّما أكثر بالقلْب أو بالقدم؟ بالقلب ما فيها إشكال، بل إنَّ السير بالقدم إذا لم يُقْصَد به الاعتِبار فإنَّه لا فائدةَ منه، فإذا قُصِدَ به الاعتبار عاد إلى كونه سيرًا بالقلب إلَّا أنه اجتمع السير بالقلب والقدم. فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَعندَنا انْظُرُوا كَيْفَوبالأول أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَومعلومٌ أن انْظُرُواويَرَوْاأنَّها أفعال متعدية فأين مفعولُها؟ طالب: (...). الشيخ: أين أبناءُ سيبويه؟! كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ؟ وكيف يُبْدِئُ الله الخلق؟ الفعْل قد لا يحتاج إلى مفعول، يا إخْوان، مُعَلَّق بالاستفهام إذا جاء الاستفهام فهو يُعَلق الفعل، مُعَلَّق بالاستفهام، مثلًا: أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ، قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَكلمة كَيْفَهنا في موضع نصب على الحال، وهي مُعَلِّقَةٌ الفعلَ عن العمل، وقد مَرَّ علينا هذا في ألفية ابن مالك في أي باب مِن أبواب النحو؟ طالب: في باب ظن. الشيخ: في باب ظن وأخواتها

..........................

وَالْتَزِمِ التَّعْلِيقَ قَبْلَ نَفْيِ (مَا)

وَ(إِنْ).....................

.......................

إلى آخره. (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَلِمَن كان قبلَكم وَأَماتَهم ) (...)

ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [العنكبوت: ٢٠]. ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُالأول أتي بالصيغة الفعلية، وهنا أتى بالجملة الاسمية لِيفيد تَقَرُّر هذا الأمر وتأكُّدَه. وقولُه: ثُمَّ اللَّهُاللَّهُهنا علمٌ على الباري جل وعلا، وأصلُها الإِلَه، وحُذِفَتِ الهمزة تخفيفًا لكثْرَة الاستعمال كما حُذِفَت مِن (الناس). والإله معناه المعبود بحقٍّ أو بغير حق أو لا؟ الإله معناه المعبود سواء بحقٍّ أو بغير حقٍّ، وعلى هذا فيكُون اللَّهُهنا هُو المعبود بحَقٍّ بدليل قوله: (لَا إله إلا الله) يعني: لا معبود حَقٌّ إلا الله سبحانه وتعالى؛ فعلى هذا نقول: اللَّهُعلمٌ على الباري جل وعلا وأصلُه الإله بمعنى المألُوه أي: المعبود، والأصل أنَّ الإله بمعنى المعبود بحقٍّ أو بباطل، ولكنَّها إذا قلت: لا إله إلا الله، فالمعنى لا إلَهَ حقٌّ؛ يعني: لا إله هو حق إلا الله عز وجل. يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَيقول: (مدًّا، وقَصْرًا مع سكون الشين) مدًّا كيف أنطِق بها؟ طالب: الناشئة. الشيخ: لا، {النَّشَاءَةَ} {ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشَاءَةَ الْآخِرَةَ}، وقصرًا مع سكون الشين النَّشْأَةَثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ. وقوله يُنْشِئُ النَّشْأَةَيحتَمِل أن تكون مصدرًا كما تقول: يضْرِبُ الضربة، ويحتمل أن تكون بمعنى اسم المفعول؛ أي: ينشئ المُنْشَأ الآخِر، والمعنى واحد؛ أنَّ الله سبحانه وتعالى يُنشِئ الخلق مَرَّةً ثانية. فإذا قال قائل: كيف نسمِّيه نشأة وهو إعادة؟ قلنا: الجواب على ذلك أنَّ هذه الإعادة تختلف عن سابقَتِها اختلافًا كثيرًا فهي بالنسبة إليها نشأة؛ لأَنَّ حياة الآخرة مِا هي مثل الحياة الدنيا؛ حياةُ الآخرة حياة أبدية، وحياة الدنيا حياةُ فناءٍ، ولذلك تجدُها ناقصة يُخلَق الإنسان مِن ضعف إلى قوة إلى ضَعْف، أما الإعادة فإنه يُخْلَقُ لِلا بد فلذلك سُمِّيَت نشأةً، وإن كانت هي إعادة؛ لِاختلاف الحالين. انظروا إلى الجنين في بطنِ أمه قال الله تعالى فيه بعد أن ذكَرَ أطواره: ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ [المؤمنون: ١٤]، وهل هو إنشاء ولا تَطْوِير؟ تطوِير لكنَّه لما كان التطوير الأخير اللي فيه نفْخ الروح يختلف عن الأول، في الأول هو في بطن أمه جَماد ثم تُنْفَخ فيه الروح فيكون نشْأَة جديدة غير الأولى فسُمِّيَ نشأة وإن كان تطويرًا مِن حال إلى حال.

({إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} ومِنْه البدء والإعادة). هذه الجملة تعليل لِما سبق مِن كونه ابتدأ الخلق ثم أعادَه؛ لأنَّ الله على كل شيء قدير. والقدرة هي وصفٌ يَتَمكَّنُ به الفاعل مِن الفعل بدُون عجْز، وهل هي القوة أو غيرها؟ غيرُ القوة، القُوَّة يقابِلُها الضعف، وهذه يقابلها العَجْز. ويظهَر ذلك بالمثال: لو أنا حمَلْتُ هذا الكتاب لكن بمشقة ماذا أُوصَف به؟ قادِر، ولكن لستُ قويًّا، وآخر أرادَ أن يحمل هذا الكتاب عَجِز عنه هذا عاجِز، والثالث أخذَه كأنَّه ريشة في يده هذا قادر قَوِيّ؛ فتَبَيَّن بهذا أنَّ القدرة غير القوة، كذلك أيضًا القدرة يُوصَف بها ذو الشعور ولا يُوصَفُ بها غيرُه، فهل أنت تقول للحديد: إنه قادر؟ لا، القوة يُوصَف بها ذُو الشعور وغيره، فتقول للحديد: قوي، وتقول للإنسان: قوي، والله سبحانه وتعالى موصُوف بالقُدْرة وموصوفٌ بالقوة إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات: ٥٨]. عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌعامٌّ مخصوص ولَّا لا؟ هذا على عُمُومه ما يُخصَّص بشيء، وقال صاحب الجلالين وهو السيوطي قال: (وخَصَّ العقلُ ذاتَه فليس عليها بقادِر) (خَصَّ العقلُ ذاتَه) يعني ذاتَ الله (فليس عليها بقادِر)، قال هذا في سورة المائدة: لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [المائدة: ١٢٠] قال: إنَّ العقل يُخَصِّص هذا العموم، ونحن نقول: لا يخصص هذا العموم مِن العقول إلا العقل الفاسد الذي يرَى امْتِناع قيامِ الأفعال الاختيارية بالله عز وجل، أمَّا العقل الصحيح السليم فهو يري أن الله يفعل ما شاء ينزل ويستوي على العرش، ويستوي إلى السماء ويضْحَك ويعْجَب وغير ذلك مِن الأفعال الاختيارية التي تليق بجلالِه سبحانه وتعالى. فقوله: (خصَّ العقلُ ذاتَه فليس عليها بقادر) هذا خطأٌ عظيم إذا كانَ ما يقدِر على نفسه كيف يقدِر على غيره؟ هذا مِن أكبر المحال ومِن أكبر الغلط. لكن لو قال قائل: لعل المؤلف يريد أنَّه لا يقدر على إفناء نفسه مثلًا أو على خلْق مُماثِلٍ له، قلنا: هذا ما تتعَلَّق به القدرة أصلًا. القدرة لا تتعلق أصلًا بالشيء المستحيل إطلاقًا فهو غيرُ داخلٍ في العموم مِن الأصل، فليس بمُخْرَج منه. هنا عبارة يقولها بعض الناس؛ يقول: إنَّه على ما يشاء قدير، ما رأيكم بهذا التعبير؟ هذا التعبير خطأ؛ لأَنَّ الله تعالى يقول: عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌكُلّ شيء، فهو قادر على ما يشاؤه وما لا يشاؤه، حتى الذي لا يشاؤه قادِرٌّ عليه فلو شاءه لفَعَلَه، ما هو بس على اللي يشاء فقط. ثم إنَّ هذه العبارة (على ما يشاء قدير) مخالفة لما جاء به القرآن؛ القرآن وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌوَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا [الأحزاب: ٢٧]. ثم إنَّ بعض أهل العلم يقولون: إنَّ هذه العبارة تُوحِي بمذهب المعتزلة الذين يقولون بأنَّ الإنسان مُسْتَقِلٌّ بعمله فقالوا: إنَّه إذا كان الإنسان مُستقِلًّا بعمله لا دخل لِمَشِيئَةِ الله فيه، فمعناه أنَّ الله عاجزٌ عن عمل الإنسان، وهذا خطير كما هو معروف، فالذي ينبغي أن نقول: إنه على كل شيء قدير على الإطلاق. فإذا قال قائل: ألا يَنْتَقِضُ علينا هذا بقوله تعالى: وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ [الشورى: ٢٩] قلنا: المشيئة هنا عائدة إلى أيش؟ على الجمع ولا على القدرة؟ على الجمع لا على القدرة، المعنى أنَّه إذا شاء أن يجمَعَهم جمعَهم بدون عجز سبحانه وتعالى فلا تُنافِي ما قلنا. يقولون: إن الشيطان جمع جنوده -أو هم اجتمعوا إليه- فقالوا له: إنَّك تفرَحُ بموتِ العالِم ولا تفرَح بموت العابد! قال: نعم، العابِد، إذا مات ما يهم، يموت عن نفسه، لكن العالم إذا مات يموت عن عالَم، وإذا بَقِي يُفسِد علينا الأمور. فالمراد بالعلماء الحقيقيين الذين يعمَلون ويدْعون، قال: يلَّا بروح أنا وياكم للعالم، أذهب أنا وأنتم إلى عالِم نسأَلُه وإلى عابد، يقولون: إنهم ذهبوا إلى العابد قالوا له: هل يقدِر الله أن يخلق مثل نفسِه؟ قال: نعم، يقدِر أن يخلق مثل نفسه، يقدر الله أن يخلق مثل نفسه، ويش الدليل؟ قال: لأن الله على كل شيء قدير. ماذا حصل لهذا الرجل؟ كفر، أيُّ إنسان يعتقد هذا الاعتقاد فهو كافِر، وهو أيضًا غير صحيح، مهما كان ما يمكن، لو لم يكن مِن الفَرْق -فرْق عظيم جدًّا- لكن لو لم يكن إلَّا أن هذا الإله -لو قُدِّر- مَخلوق، والإلهُ الحق غير مخلوق، وجاؤوا إلى العالم وقالوا له: هل يقدر الله أن يجعل حتى السماوات والأرض في بيضة واحدة؟ فقال: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس: ٨٢]، لو أراد ذلك لفعلَه . فتخلَّص، مع أنَّ الأخير يمكن يُنْكَر حسب ما يبدو للناس أكثَر مِن الأوَّل. والحاصل أنَّنا نقول: إن الإنسان إذا قرَأَ قولَه تعالى: إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌلا يجُوز أن يَقَعَ في نفسه استثناء شيء من هذا العموم، بل يكون على عمومه بدون تفصيل. (...) الاستدلال بالمبْدأ على المعاد كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ. ومن فوائدها: أنَّه ينبغي للمستَدِلّ أن يستَدِلَّ بالمُشاهَد على الغائب لِيقتَنِع بذلك الخَصم. ومن فوائد الآية: إثبات البعث؛ لقوله: ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ. ومنها: إثبات قدرة الله عز وجل؛ لقوله: إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. ومنها: عموم هذه القدرة، مِن أين يؤخذ العموم؟ طالب: عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. الشيخ: عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. ومنها: إثباتُ الأفعال الاختيارية لله عز وجل، فإنَّها مِن تمام قُدرته مثل أيش؟ كالمجيء والنزول والاستواء على العرش والضَّحِك والعَجَب وما أشبه ذلك. ومنها أيضًا، وهذه نبَّهْنَا عليها وليست داخلة في مضمون الآية، وهو خطأ مَن قال: (خَصَّ العقلُ ذاتَه فليس عليها بقادر). وهذا بَيَّنَّا أنه ليس بصحيح واضح؟ وقلنا: إنَّ هذا فيمن يُنكِرُون قيام الأفعال الاختيارية في الله عز وجل يقولُون: ما يقدر سبحانه وتعالى أن يفعَل، وهذا لا شك أنه يرد عليهم من الكتاب والسنة وإجماع السلف. طالب: العبارة؟ الشيخ: يقولون: (خَصَّ العَقلُ ذاتَه فليس عليها بقادر).

تفسير الآيات (٢١-٢٧)

ثم قال الله تعالى: يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ [العنكبوت: ٢١]؛ يعني: بعد البعث. ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَبعد هذا يُعذِّبُ مَن يشاء، ويجوز أن يكون يُعَذِّبُحتى في الدنيا؛ لأنَّ العذاب يكون في الدنيا ويكون في الآخرة، فالعقوبات التي رُتِّبت على الجرائم هذه مِن العذاب؛ لِقول النبي صلى الله عليه وسلم في المتلاعِنَيْن: «عَذَابُ الدُنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ» ، وكذلك ما يُصِيبُ الإنسان مِن المصائب في بدَنِه وأهلِه وماله هو أيضًا مِن العذاب وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ [الشورى: ٣٠]. وقوله: يُعَذِّبُجاءَت بالفعل المضارع الدالِّ على أنَّ هذا أمرٌ مِن أفعالِه مُستَمِرٌّ ليس أمرًا مضى وانقطع، كما أنه أيضًا يكون في الحاضر يكون أيضًا في المستقبل، ما هو العذاب؟ العذاب هو العقوبة أي يُعاقِب. وقوله: مَنْ يَشَاءُمَرَّ علينا كثيرًا بأنَّ الله سبحانه وتعالى إذا أضاف الفعل إلى المشيئة فإنَّه مقرون بالحكمة؛ لأنَّ الله سبحانه وتعالى لا يفعل شيئًا لمجرد المشيئة بل كُلُّ ما فعلَه فهو بمشيئَتِه المقرونة بحكمته، وهذا أمرٌ واضح فإنَّ مَن يعذِّب لا بد أن يكون قد أَتَى ما يَسْتَوْجِبُ التعذيب، وحينئِذٍ تكون الحكمَةُ في تعذِيبِه، وليس الله تعالى يُعذِّب مَن شاء بدون ذنب أبدًا؛ لأن حكمتَه تأبى ذلك ورحمتَه تأبى ذلك، خلافًا لِمَن قال:

وَجَـــــــــازَ لِلْـــمَوْلَى يُعَــــذِّبُ الْـــوَرَى

مِنْ غَيْرِ مَا ذَنْبٍ وَلَا جُرْمٍ جَرَى

ثم علل ذلك بقوله:

فَكُــــلُّ مَــــا مِنْــهُ تَعَــالَى يَجْمُـــــــــــــلُ

لِأَنَّـــــهُ عَـــــنْ فِعْلِـــــهِ لَا يُسْــــــــــــــــأَلُ

هذا ليس بصحيح، وهو إن جازَ عقلًا لكنَّه ممتَنِعٌ شرعًا؛ لأنَّ الله يقول في الحديث القدسي: «يَا عِبادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا» ، وقال تعالى في القرآن: وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا [طه: ١١٢] المهم أنَّ قوله: يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُقلت: إنه مقرون بأيش؟ بالحكمة إذن فلا يعذِّب إلا مَن يستحِقُّ التعذيب. وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُيَرْحَمُالرَّحْمَة صِفَة مِن صِفاتِ الله عز وجل، وهي تقْتَضِي الإنْعام والإحسان سَواءٌ كان الإحسان بإيجادِ محبوب أو بدفْعِ مكْرُوه، فإنَّ رحمةَ الله عز وجل تكون لِلإنسان إما بجلبِ ما ينفَعُه، وإمَّا بدفع ما يضرُّه. وقولُه: يَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُهو فعل مضارع مُشْتَقٌّ مِن الرحمة، والرحمة صفةٌ مِن صفاتِ الله عز وجل ثابِتَةٌ على وجهِ الحقيقة، مِن آثارِها أيش؟ الإنعام والإحسان أو إرادَةُ الإنعام والإحسان، وليسَت هي الإنعام أو الإحسان أو الإرادة، خِلافًا لِمَن قال بذلك، مِمَّن قال بذلك الأشاعرة، ومِن ورائهم المعَطِّلة المحضَة أشد وأشد فهم يقولون: إن الرحمة معناها إرادة الإنعام، وبعضهم يقول: أو الإنعام. والصواب خلاف ذلك؛ لأنَّ الإرادة ناشئةٌ عن الرحمة؛ يرحَم فيريد أن يُحسِن أو يُنعِم، وهذا الذي عليه مذهب أهل السنة والجماعة أنَّ الرحمة صفةٌ ثابتةٌ لله على وجه الحقيقة، وقالوا -الذين احتجُّوا بمنعها أن تكون حقيقية - قالوا: لأنَّ الرحمة خَوَرٌ وضَعْف في الراحم تجِد نفسه تنكَسِر حتى ترحَم. جوابنا على هذا بسيط أن نقول: فيه وجهان؛ أحدهما أن نمنَع أن يكون ذلك مِن باب الخَوَر والضعف فإننا نجِدُ الملوك الجبابرة قد يُرحَمُون، وهم ليس فيهم خوَرٌ ولا ضعف، وثانيًا: لو فُرِض أنَّ هذا المعنى لازمٌ للرحمة في الإنسان فليس بلازم بالنسبة لله كغيرِه من الصفات التي تثبت حقيقة للمخلوق وتثبت للخالق أيضًا، فإن اللوازم والعوارض التي تكون لصفة المخلوق لا يمكن أن تكون لِصِفَةِ الخالق؛ لِما بينهما من الفرق العظيم في الذات والصفات، فكما أنَّ الله سبحانه وتعالى لا شبيهَ له ولا مثيلَ له في ذاتِه، فكذلك لا شبيهَ له ولا مثيل له في صفاتِه.

وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَقال المؤلف رحمه الله: (يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُتعذيبَه وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُرحمته) كذا عندكم؟ (وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَتُرَدُّون) إِلَيْهِلا إلى غيره فتقدِيمُ المعمُول يفيد الحصر، فالانقلاب أو القَلْب إلى الله عز وجل ما نُقْلَب إلى غيره، وهذا عامٌّ ولَّا خاصّ؟ عامٌّ لكل أحد، مهما كان الناس إلى أين مرجِعُهم؟ إلى الله سبحانه وتعالى مهما فَرُّوا، فالقلَبُ يعني الرَدّ إلى الله سبحانه وتعالى، وإذا كان مَرَدُّنا إلى الله صار هو الحَكَم بيننا، هو الذي يحْكُم بين عباده فيما كانوا فيه يختلفون، ويحكم بين عبادِه فيما بينَه وبينَهم؛ لأن حُكْم الله في العباد يشمَل الحُكْم فيما بينه وبينهم، والحُكْم فيما يختلِفُون فيه؛ فالمؤمنون مع الكفار مُختَلفون فيحكُم الله بينهم يوم القيامة، وكذلك المُعْتَدُون مع المعتَدَى عليهم مختلفون فيحكم الله بينهم يوم القيامة. وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ [العنكبوت: ٢٢] وَمَا أَنْتُمْالخطاب إمَّا أن يكون للكافرين، وإما أن يكون لعموم الناس، فكونُه لعموم الناس أَوْلى؛ يعني: وما أنتم أيها الناس، وكونُه للمكذبين المعاندين أبلَغ لأنهم يظُنُّون أنهم أعجَزُوا الله. وقولُه: وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَأظنُّنا نعرف أن مَاهنا حجازية ولَّا نجدية؟ طالب: حجازية الشيخ: حجازية؛ لأنَّ القرآن بلغة الحجاز بل بلغة قريش، اسمُها أَنْتُمْالضمير، وخبرُها بِمُعْجِزِينَوالباء هنا زائدة للتوكيد قال ابن مالك:

وَبَعْدَ (مَا) وَ(لَيْسَ) جَرَّ البَا الْخَبَرْ

.........................

كيف نُعرِب مُعْجِزِينَ؟ طالب: الباء زائِدَة للتوكِيد، مُعْجِزِينَخبر مَامنصوب، وعلامة نصبِه ياءٌ مقدرة على الياء منع مِن ظهورها اشتغال المحل بحركَةِ حرف الجر الزائدة. الشيخ: بعلامة إعراب حرف الجر الزائد، ما هي حركة، هذا في الحقيقة مِن التكَلُّف المعروف حسب القواعد، يعني: لا بد أن نُعرِب هذا الإعراب حسب القواعد المعروفة في النحو، فالياء الموجودة الآن بِمُعْجِزِينَوأيش اللي جلَبَها؟ الباء، جلبتها الباء، وليس الخبر مع أنَّها في الحقيقة هي نفسُها علامة النصب. قوله تعالى: وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَهذه مِن (أعجَز) فهو متَعَدٍّ؛ لأنَّ (عَجَز) لازم و(أعجَز) متعَدٍّ، إذا كانت متعدِّية وهي اسم فاعل فتحتاجُ إلى مفعول، أين المفعول؟ قال المؤلف: (بمعجزِين ربَّكم عن إدْراكِكُم) فيكون المفعول محْذُوفًا تقديرُه بمعجزين ربكم أو بمعجزين الله مثلًا، ما فيه مانع، والمعجز هو مَن فعل ما يُعْجِزُ به غيرَه؛ ولهذا قال بعض أهل العلم عن آيات الرسل: إنها مُعْجِزات؛ لأنَّها تُعْجِز أعداء الرسل عن مُعارضَتِها. وقوله: فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِهذا الجار والمجرور حال مِن مُعْجِزِينَيعني: حالَ كونِكم في الأرض أو في السماء ما تُعْجِزُون الله سواءٌ كنتم في الأرض أو في السماء؛ ولهذا قال المؤلف: (لو كنتم فيها)؛ فيكون قوله: وَلَا فِي السَّمَاءِعلى سبيل التقْدِير وليس على سبيل الحقِيقَة؛ لأنَّ الناس في الأرض وليسُوا في السماء. وقيل: إنَّ هذا على سبِيل وَلَا فِي السَّمَاءِ(لو كنتم فيها)، لو كنتم على تقدير أنَّكم فيها ما تُعْجِزُون الله، وقيل: إنَّ المعنى على سبيل المبالغة؛ يعني: لا تُعجِزون الله سواء كنتم في أعماق الأرض أو في أجْواء السماء فإنَّكم لا تعجِزُون الله، فيكون المعنى لا تُعْجزُونه في أي مكان كنتم. وقيل: إنَّ قوله: وَلَا فِي السَّمَاءِيعني به أهل السماء، يعني: أنَّ الله لا يعجزه شيء في السماوات ولا في الأرض؛ فأهلُ السماء لا يعجزونه وأهل الأرض لا يعجزونه، فيكون هذا الوجه وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا مَن في السماء مُعْجِزٌ اللهَ، نعم على حَدِّ قول الشاعر حسان بن ثابت:

فَمَنْ يَهْجُو رَسُولَ اللَّهِ مِنْكُمْ

وَيَمْدَحُــــــــــــــهُ وَيَنْصُـــــــــــــرُهُ سَـــــــــــــــوَاءُ

أظنُّنا نعرف جميعًا أنَّ الأوَّل غير الثاني؛ لأنَّ اللي يهجُوه ما يمكن يمدحُه وينصره، فيكون على تقدير: ومَن يمدحه وينصرُه سواء، فهذه مثلها، على كل حال المعنى يظهر لي أنا أنَّه على معنى أنَّكم لا تعجزون الله في أيِّ مكان كنتم، سواءٌ كنتم في السماء أو في الأرض، وهذا وقتَ نزولِ القرآن لا يمكن أن يكون السماء حقيقة إلا أن يُراد بالسماء ما عَلا ولو على قِمَمِ الجبال، في وقتنا الآن يمكن أن يكُون الإنسان في السماء أي في العُلُوّ، ما هي السماء الدنيا، السماء الدنيا ما حَد يصِل إليها وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ [الأنبياء: ٣٢] حتى النبي عليه الصلاة والسلام وجبريل ما استطاعا أن يدخُلا هذه السماء إلَّا بعد الاستفتاح والاستئْذان.

وَمَا لَكُمْقال المؤلف في تفسيرِها الإجمالي: (أي لا تفوتونه) أي: لا تفوتون الله، بل إذا شاء أن يعذبكم أدرككَم، فإنَّ الله تعالى لا يفوتُه شيء وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا [فاطر: ٤٤]، واعلم أنَّ عقوبة الله عز وجل وإدراكَه للإنسان تارةً يكون بأمور حِسِّيَّة يُقَدِّرُ الله أسبابًا معلومة لنا نُشاهِدُها، وتارة يكون في أمور ما ندركُها نحن، تأتِيه العقوبة مِن الله بدون أيِّ سببٍ معلومٍ لنا. الآن مثلًا أسباب نصر الرسول عليه الصلاة والسلام أحيانًا تكون بأسباب غير معلومة، وأحيانًا تكون بأسباب معلومة، فمثلًا نصر الله تعالى للرسول عليه الصلاة والسلام في غزوة الخندق أسبابُها معلومة مشاهدة أرسل الله عليهم ريحًا وجنودًا لا نراها، الجنود التي لا نراها هي مِن الأمور التي غير معلومة إلَّا بالأخبار، بالشرع، لكن الريح التي أقلَقَتْهم وأكْفَأَت قدورهم وهدمت خيامَهم هذه محسُوسة معلومة، لكن الجنود التي لم نرَها لولا إخبار الله إيَّانا عنها ما كنا نعلَمُها، فالله عز وجل يدرك الإنسان إمَّا بأسباب معلومة تظهر للعِيان، وإمَّا بأسبابٍ خفِيَّة لا تظهر للعيان، ثم قد نعلمُها بطريق الوحي وقد لا نعلمها. (وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِأي غيرِه مِنْ وَلِيٍّيمنعُكُم منه وَلَا نَصِيرٍينصُرُكم مِن عذابه) مَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّما أدري عن مَاهنا هل هي نجدية ولَّا حجازية؟ طالب: نجدية. طالب: اتصل بالجار والمجرور لا يضر. الشيخ: لا، هذه اتفقت فيها اللغتان، وذلك لِعَدَم الترتيب وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ؛ لأنَّ مِنْ وَلِيٍّهو المبتدأ وَلِيٍّهو المبتدأ أليس كذلك؟ ولَكُمْهو الخبر، يعني: لا وليَّ لكم من دون الله. وقول المؤلف: (وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِأي غيره) صَح وعبَّرَ عن الغير بالدون لانحطاط رتبتِه. وقوله سبحانه وتعالى: مِنْ وَلِيٍّقال المؤلف: (يمنعكم منه وَلَا نَصِيرٍينصركم من عذابه) ولا أعلم إلا أنَّ النصر بمعنى المَنع والعون، لكن الصحيح أنَّ قوله: مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍأنَّ الوليَّ مَن يتولى الإنسان في جميع أحوالِه فينصرُه في مقابِل عدوِّه، ويأتي إليه بالخير ولو في غير مقابلة العدوِّ، فالوليُّ هو الأعمُّ هو الذي يتولَّاه في جلبِ الخير ودفْعِ الشرّ، والنصير: هو الذي يدْفَعُ عنك فقط قد لا يكون مِن أوليائِك لكن يدفَع عنك في الحال المعَيَّنَة التي تحتاج فيها إلى ناصِر، والنصرة تكون في دفع المكروه؛ فيكون الوليُّ هنا أعمَّ يعني: ما أحد يكون يتَوَلَّاكم فيجلب لكم الخير ويدفع عنكم الشر ولا أحد أيضًا ينصركم مِن دون الله فيمنعُ عنكم العقاب، وهذا أمرٌ واقع، فإنَّ بأس الله إذا نزَلَ بقومٍ ما يستطِيعُ أحدٌ أن يدفعَ عنهم هذا البأس ولا أن يمنَعَهُم منه. قال تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ [العنكبوت: ٢٣] أي: القرآن والبعْث أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِيالَّذِينَمبتدأ أين خبرُه؟ طالب: الجملة الاسمية. الشيخ: الجملة الاسمية في قولِه: أُولَئِكَ يَئِسُوافهذه الجملة كبرى وصغرى، وين الكبرى؟ يقولون: كبرى وصغرى؛ إذا كانت الجملة خبرًا يُسَمُّونها جملة صغرى، وإذا كانت مكونة مِن مبتدأ وخبر تُسمَّى كبرى، فعندنا الآن الَّذِينَ كَفَرُواإلى آخر الجملة نسمِّيها جملة كبرى. أُولَئِكَ يَئِسُواهذه جملة صغرى؛ لأنها جزءٌ مِن الجملة، أليس كذلك؟ توافقون على أنَّها جزء من الجملة أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِيهي جزءٌ من الجملة، كيف ذلك؟ طالب: لأنها خبر. الشيخ: لأنَّها خبر، هي مبتدأ وخبر لكنَّها خبر فهي جزءُ جملة، وأتى بالجملة الاسمية؛ للدلالة على الثبوت والاستقرار الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِجمعُ آيَة، والآيةُ في اللغة: العلامة، وآيات الله سبحانه وتعالى نوعان كونية وشرعية؛ فالكونية ما خلقَه سبحانه وتعالى في السماء والأرض فهي آياتٌ كونية لدلالَتِها على خالِقِها فهي دالَّةٌ على الخالق، وكلُّ شيء منها يدل على صِفَةٍ تُناسبه؛ لأن الآيات كلها على سبيل العموم تدُلُّ على الخالق كل آيةٍ منها تدلُّ على صفة معينة مِن صفاته، فإذا كانت الآيات عظيمة دلَّت على وُجُودِ الخالق وعلى قدرتِه وإذا ظهرَ فيها إحكامٌ وإتقان دلَّت على الحكمة وهكذا، المهم أنَّها آيات هي بعمومها دالة على وجود الخالق ثم كلُّ آية منها لها دلالةٌ خاصة تدلُّ عليه مِن هذه الصفات الخاصة، هذه الآيات الكونية مثل أيش؟ وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ [فصلت: ٣٧]، وشوف في سورة الروم عدَّة آيات ذكرَها الله عز وجل. النوع الثاني مِن الآيات: الآيات الشرعية وهي ما جاءَت به الشرائع، الآيات الكونية علامة على الله جدًّا واضحَة، الآيات الشرعية أيضًا علامَة على الله عز وجل، وعلى حكمَتِه، لِماذا؟ طالب: لأن الشرع (...). الشيخ: نعم؛ لأنَّه يعجز البشر عن أن يأتوا بمثلها الآيات الشرعية يعجَزُ البشر عن أن يأتوا بمثلِها؛ لأنها كلُّها إصلاح ودرءٌ للمفاسد كُلُّ الشرائع جاءَت بالإصلاح هذه فائدة، لكن الإصلاح يكونُ في كلِّ أمة بحسَبِها فالشِّدَّة على اليهود مناسِبة والتَّخْفِيف على النصارى مناسب، والجمعُ بينهما في هذه الأمة غايَةُ المناسبة، وإن كان هذا الدين مِن حيث هو يُسْر -دين الإسلام يُسْر ما فيه حرج- لكنه بالنسبة إلى دين النصارى، دين النصارى فيه أشياء كثيرة مُسامَح فيها؛ لأنَّ حالهم تناسب ذلك، ودين اليهود فيها غِلظة وشدة وآصار وأغلال حطَّها الله عنَّا بهذا النبي الكريم، فهذه الشرائع كلُّها آيات تدُلّ على كمال مَن شَرَعَها وسنَّها لعباده، ولكن النوع الأول من الآيات الإيمانُ به سهل والوصول إلى حقيقَتِه سهل، لكن الثاني هو الذي يَكُون فيه نوع مِن الصعوبة؛ لأنَّه ما يعرف كمال الشريعة ودلالَتَها على مَن شرَّعَها إلا مَن تعَمَّق فيها وعرَفَ الحِكَم والأسْرار التي تَتَضَمَّنُها هذه الأحكام، ولهذا ينبَغِي لنا التَّعَمُّق في مَعرفة حِكَمِ التشريع؛ يعني: كَونِي أعرف أنَّ هذا حلال وهذا حرام هذا قد يكون سهلًا، لكن كوني أعرف لَماذا حُرِّم أو لماذا حُلِّل هذا هو المهِم جدًّا، وهو الذي يتبين به كونُ الشرع مِن آياتِ الله عز وجل. وقوله: وَلِقَائِهِلقائه متى؟ يومَ القيامة يعني كذَّبُوا باللقاء اللازِم منه البعث؛ لأنَّ البعث لازِم مِن لوازم اللقاء، لا لقاءَ إلا ببعث، ولقاءُ الله عز وجل ثابت بالكتاب والسنة وإجماع المسلمين قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ [الانشقاق: ٦] يعني فأنت ملاقيه فيجازيك على هذا الكَدْح إمَّا خير وإمَّا شر. وقوله: وَلِقَائِهِيعني البعث؛ لأنَّ المنكرين للبعث يؤمنُون بلقاء الله؟ ما يؤمنون بلقاء الله؛ لأنَّهم يقولون: إنهم -والعياذ بالله- إذا كانوا عظامًا ورفاتًا ما يمكن يبعثون خلقًا جديدًا فكذَّبوا بهذا. يقول تعالى: أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِيهذا جزاؤُهم جزاءُ هذا التكْذيب اليأْس مِن رحمة الله، قال المؤلف: (أي جَنَّتِي) يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي(أي جَنَّتِي)، فَحَوَّلَها إلى الرَّحْمَة المخلُوقة لا إلى الرَّحْمَة التي هي صِفَةُ الله عز وجل؛ وذلك لأَنَّ الرَّحْمَة المضافَة إلى الله قد يُرادُ بها دارُ رَحْمَتِه فتكُونُ مخلُوقَةً كما في الحديث القدسي أنَّ الله قال للجنة: «أَنْتِ رَحْمَتِي أرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ» وتُطْلَق على الرحمة التي هي وصف الله عز وجل وحينئِذٍ تكون صفة مِن صفات الله غير مخلُوقة، ومنه قوله تعالى: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ [الأعراف: ١٥٦]، وقوله: رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا [غافر: ٧]، فما المراد بالرحمة في هذه الآية؟ هل المراد بها النوع الأول الرحمة المخلوقة التي هي مَوْضِعُ الرحمة، أو الرحمة التي هي صفتُه؟ الظاهر أنَّ المراد بها الرحمة التي هي صفته؛ لأنَّه إذا أُطْلِقت فالمراد بها الصفة، إذا أطلقَت الرحمة مُضافَةً إلى الله فالمراد بها الصفة، ما نحمِلها على أنها بمعنى موضِع الرحمة إلَّا إذا وُجِدَت قرينَة، إذا وجدت قرينة عمِلْنا بهذه القرينة وإلَّا فالأصل أنها صفة من صفات الله. إذن يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِيويش معناه؟ يَئِسُوا مِن أن أرحمَهم، وإذا لم يرحَمْهم الله ما دخلوا الجنة، كذا؟ هذا هو المعنى الصحيح للآية وما ذكره المؤلف فهو محتَمِل يعني ما نُنْكِر عليه إنكارًا شديدًا، لا؛ لأنَّ الرحمة كما تُطلَق على الصفة تطلق على موطِن الرحمة. وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [العنكبوت: ٢٣] هذه أيضًا -سبحان الله العظيم- جملتان كبرى وصغرى وَأُولَئِكَمبتدأ ولَهُمْ عَذَابٌمبتدأ وخبر، والجملة خَبر. كُلُّ هذا لِكَمال التهديد لهم، فهم حُرِمُوا مِن الخير ووقَعُوا في الشر، ولهذا قال: (لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌمُؤْلِم) وعَذَابٌأيش معناه؟ العذاب تقدَّم لنا قريبًا العقوبة، يعني: لهم عقوبة أليمة، أي: شديدة مُؤْلِمَة -والعياذ بالله- وذلك في النار، ولا حاجة إلى شرح ما في هذه النَّار مِن العذاب؛ لأنَّه معلوم. (قال الله تعالى في قصة إبراهيم: {فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ} [العنكبوت: ٢٤]) لأنَّ الجملة على رأي المؤلف معتَرِضَة، منين؟ من قوله: وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْإلى هذا، جملة معترِضَة، أفهمتم؟ هذا ما ذهب إليه المؤلف وابن جَرِير وأكثَرُ المفسرين، وقال بعض المفسرين: إنَّ الكلام كلَّه من كلام إبراهيم، وليس فيه شيء معترض، واختار هذا ابن كثير، وقال: إنَّه كله من كلام إبراهيم. طالب: يشكل. الشيخ: ويش وجْه الإشكال؟ الطالب: أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِيلو كان من كلام إبراهيم يُشكِل؛ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي، فالرحمة ليست لإبراهيم لكنها لله عز وجل. الشيخ: ولَّا معنى غير هذه؟ طالب: (...). الشيخ: أليس يجوز أن يقولَه النبي؟ لأنه حتى الرسول قالَه على رأي هؤلاء، يرون أنه من كلام الله يُخاطِب كفار قريش. طيب نشوف الآن أولًا وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ [العنكبوت: ١٨] هذه لو قال قائل: إن فيها إشكالًا نقول: ما فيه إشكال؛ لأن فيه أممًا سبَقُوا إبراهيم،كذا؟ وقوله: وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ..