تفسير سورة الطور
جارٍ تجهيز الصوت
انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها
إعدادات
اختصارات لوحة المفاتيح
محتوى الدرس
تفسير الآيات (١-٨)
٠٠:٠٠:٠٨
قال الله تبارك وتعالى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. البسملة آية من كتاب الله، نزلت في ابتداء كل سورة، إلا سورة براءة فإنها لم تنزل للفصل بينها وبين سورة الأنفال، ولهذا لم تُكْتَب في المصحف، وليست من السورة التي افْتُتِحَت بها، فهي ليست من الفاتحة، خلافًا لما نشاهده في المصاحف أنها حُسِبَت من الفاتحة باعتبار الترقيم، والصحيح أنها ليست من الفاتحة، وأن أول آية في سورة الفاتحة هي قول الله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، ويدل لهذا السنة القولية والعملية: أما القولية فما ثبت في الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم: أن الله قال: «قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ: فَإِذَا قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَقَالَ اللَّهُ: حَمِدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِقَالَ: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِقَالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُقَالَ: هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَقَالَ اللَّهُ: هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ» . وأما السنة العملية فهو أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان في صلاة الليل لا يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم ويجهر بالفاتحة، وهذا يدل على أنها ليست من الفاتحة، وهذا هو القول الراجح. يقول الله تبارك وتعالى: بسم الله الرحمن الرحيم وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (٢) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (٣) وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (٤) وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (٥) وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ [الطور: ١ - ٦] هذه أشياء أقسم الله بها: الأول: الطور؛ وهو الجبل الذي كلَّم الله عليه موسى بن عمران عليه الصلاة والسلام، فإن الله تعالى كلَّمه أول ما كلَّمه على جبل الطور، فكان لهذا الجبل من الشرف والفضل ما سبق به غيره من الجبال، ولهذا أطلق كثير من العلماء أنه -أي: جبل الطور- أفضل الجبال وأشرفها. وعلى هذا يكون أشرف وأفضل من جبل حِراء الذي ابتدأ فيه الوحي لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، هذا ظاهر إطلاق كثير من العلماء. ولكن في هذا الإطلاق نظر؛ لأن حِراء كُلم منه الرسول صلى الله عليه وسلم، لكن كلَّمه جبريل مرسلًا من عند الله، فمنه ابتدأت أفضل الرسالات على أفضل الرسل. وأيضًا: حِراء داخل الحرم المكي؛ لأنه من الحرم الذي لا يحل صيدُه، ولا يُقطع شجره، وبقعة الحرم أفضل البقاع، ويمكن أن يحمل إطلاق كثير من العلماء على هذا، فيقال: إلا جبل حِراء. وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (٢) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ [الطور: ٢، ٣] الكتاب المسطور في الرق، اختلف فيه العلماء، وهذا الخلاف ينبني على كلمة (رَق)، هل الرَّق كل ما يُكتب فيه من جلد وورق وعظم وحجر وغير ذلك، أو هو خاص بما يُكتب فيه من جلود ونحوها؟ إن قلنا بالأول صار المراد بالكتاب عدة أشياء؛ منها: اللوح المحفوظ، ومنها: الكتب التي بأيدي الملائكة، ومنها: القرآن الكريم، ومنها: التوراة، فيشمل عدة كتب، إذا قلنا: إن الرَّق هو كل ما يُكتب فيه. وإذا قلنا: إن الرَّق هو الورق وشبهه ما يكتب فيه عادة، فاللوح المحفوظ ليس معنا، فلا يدخل في هذا، وإنما المراد به إما التوراة، وإما القرآن. فالذين قالوا: إنه التوراة رجَّحوا قولهم بأنه قُرِن بـ(الطور)، وهو الذي كلم منه موسى عليه الصلاة والسلام، فكان الكتاب المسطور هو التوراة الذي جاء بها موسى. ومن قال: إن المراد به القرآن الكريم رجح ذلك بأن الله ذكر الطور الذي أوحي منه إلى موسى، والكتاب الذي هو القرآن أُوحِيَ إلى من؟ إلى محمد صلى الله عليه وسلم، فيكون الله تبارك وتعالى ذكر أشرف الرسالات في بني إسرائيل إيماء إليها بذكر الطور، وذكر أشرف الرسالات التي بعث بها من بني إسماعيل محمدًا صلى الله عليه وسلم، وعلى هذا فيتعين أن يكون المراد بالكتاب المسطور القرآن الكريم. فِي رَقٍّ مَنْشُورٍالرَّق هو ما يُكتب فيه من جلد ونحوه. وقيل: كل ما يُكْتَب عليه حتى الحجر؛ لأنهم كانوا من قبل يكتبون القرآن على الأحجار، وعلى ظهور العظام، وعلى عسب النخل؛ لأن الورق ليس موجودًا بكثرة. وقوله: مَنْشُورٍصفة لـكِتَابٍ، ويحتمل أن تكون صفة لـرَقٍّ، والمعنى واحد. والمراد بالمنشور؛ يعني المُفرَّق الذي يكون في أيدي كل قارئ، وهذا يصدق تمامًا على القرآن الكريم، فإنه -ولله الحمد- بين يدي كل قارئ، حتى الصغار من المسلمين يقرؤونه. وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِهذا هو ثالث ما أقسم الله به في هذه الآيات، وهو بيت في السماء السابعة يُقال له: الطراح أو الصراح لعلوه، هذا البيت يدخله كل يوم سبعون ألف ملك يتعبدون فيه، ثم لا يعودون إليه، فأخبروني بناء على هذا كم عدد الملائكة؟ لا يحصيهم إلا الله، من يحصي الأيام؟! ثم من يحصي سبعين ألفًا؟! كل يوم يدخلون هذا البيت المعمور ولا يعودون إليه. وقيل: إن المراد بالبيت المعمور بيت الله في الأرض، وهو الكعبة؛ لأنه معمور بالطائفين والعاكفين والقائمين والركع السجود، فهل يمكن أن تحمل الآية على المعنيين جميعًا؟ نحن نحب أن نذكر قاعدة في التفسير، وهي أن الآية إذا احتملت معنيين على السواء وليس بينهما منافاة وجب أن تُحْمَل على كلٍّ منهما؛ لأن المتكلم بها -وهو الله جلَّ وعلا- عالم بما تحتمله من المعاني، وإذا لم يبين أن المراد أحد المعاني فإنه يجب أن تحمل على كل ما تحتمله من المعاني الصحيحة، ما هي المعاني الباطلة. فلننظر الآن هل هناك منافاة بين أن يكون المقسم به الكعبة أو البيت المعمور في السماء؟ الذي يظهر أن لا مُنافاة؛ لأن كلا البيتين مُعظَّم، ذاك مُعظَّم في أهل السماء، وهذا مُعظَّم في أهل الأرض، ولا مانع. فالصواب أن الآية شاملة لهذا وهذا، إلا إذا وجدت قرينة ترجح أن المراد به البيت المعمور في السماء. وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِأقسم الله تعالى بالسقف المرفوع وهو السماء، قال الله تعالى: اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ [الرعد: ٢]، وقال تعالى: وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا [الأنبياء: ٣٢]، فالسماء سقف، والسماء مرفوعة. إذن فالسقف المرفوع هو السماء، وسماه الله سقفًا لأنه قد غمر جميع الأرض من جميع الجوانب كما يغمر السقف الحجرة من جميع الجوانب، وإنما أقسم الله تعالى بالسماء لما فيها من الآيات العظيمة من نجوم وشمس وقمر وإحكام وإتقان، قال الله عز وجل: فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (٣) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ [الملك: ٣، ٤]؛ يعني: مرة بعد مرة، يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ [الملك: ٤]، وأخبر أنه ليس في السماء من فروج، ليس فيها تشقق، ليس فيها عيب، ليس فيها تصدع، لا تُبْلى على طول المدة فهي جديرة بأن يقسِمَ الله بها. وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِكلمة (البحر) قيل: إن المراد به البحر الذي عليه عرش الرحمن عز وجل، كما قال تعالى: وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ [هود: ٧]. وقيل: المراد به البحر الذي في الأرض؛ لأنه مشاهد، المعلوم الذي فيه من آيات الله ما يبهر العقول. والصحيح أن المراد به بحر الأرض؛ لأن (أل) في الْبَحْرِللعهد الذهني؛ يعني: البحر المعهود الذي تعرفونه، فأقسم الله به لما فيه من آيات الله العظيمة؛ من أسماك، وأمواج، وغير هذا مما نعلمه وما لا نعلمه. ومن أعظم ما فيه من آيات الله ما أشار إليه تعالى في قوله: الْمَسْجُورِ؛ أي: الممنوع، ومنه سجر الكلب؛ يعني: في اللغة ليس المعنى هنا.. في اللغة يقال: سجرت الكلب؛ يعني: ربطته حتى لا يهرب، الْبَحْرِ الْمَسْجُورِالممنوع بقدرة من؟ بقدرة الله عز وجل. إننا نعلم جميعًا أن الأرض كُرويَّة، وهذا البحر لو نظرنا إليه بمقتضى الطبيعة لكان يفيض على الأرض؛ لأنه لا يوجد جدران تمنع، والأرض كروية مثل الكرة، فلو نظرنا إلى هذا البحر بمقتضى الطبيعة لقلنا: لا بد أن يفيض على الأرض فيغرقها، ولكن الله تبارك وتعالى أمسكه بقدرته سبحانه وتعالى، فهو مسجور؛ أي: ممنوع من أن يفيض على الأرض فيغرق أهلها، وهذه آية من آيات الله. صُبَّ فوق كرة من الكرات، صُبَّ فوقها ماءً. أين يذهب؟ يغمرها يمينًا وشمالًا، لكن هذا البحر لا يمكن أن يفيض على الأرض بقدرة الله سبحانه وتعالى، وانظر إلى الحكمة أحيانًا تأتي أيام المد والجزر نفس البحر يمتد امتدادًا عظيمًا لعدة أمتار وربما أميال، ثم ينحسر. من الذي مده، ولو شاء لبقي ممتدًا فتغرق الأرض؟ ومن الذي رده؟ هو الله، ولهذا كان هذا البحر جديرًا بأن يقسِمُ الله به. في البحر آيات عظيمة، يقال: إنه ما من شيء على البر من حيوان وأشجار إلا وله نظير في البحر، بل أزيد؛ لأن البحر بالنسبة لليابس يمثل حوالي سبعين في المئة كبير جدًّا، ففيه من الأشياء ما ليس في البر؛ يعني فيه إنسان سمكة على شكل إنسان، فيه على شكل ذئب، على شكل ضبع، على شكل حيَّة، على شكل عقرب، فيه أشياء ما نرى لها نظيرًا في البر، هذه من آيات الله عز وجل. وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِإذن أعظم آية في البحر هو أنه مسجور؛ أي: ممنوع من أن يفيض على الأرض فيغرق أهلها. وقيل: المراد بـالْمَسْجُورِالذي سيُسْجَرُ؛ أي: يوقد، كما قال الله تعالى: وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ [التكوير: ٦]؛ أي: أوقدت، فهذان قولان. الْبَحْرِ الْمَسْجُورِيعني القول الأول: الممنوع، الْبَحْرِ الْمَسْجُورِالذي سيُسْجَرُ؛ أي: يُوقَد، وهذا متى يكون؟ يوم القيامة، هذا الماء الذي نشاهده الآن، والذي لو سقطت فيه جمرة أو مَرَّ على جمرة لأطفأها، يوم القيامة يكون نارًا، يُسْجَرُ هذا الماء ويكون نارًا، هذا من آيات الله عزَّ وجل. هذان قولان: القول الأول: المسجور الممنوع من أن يفيض على الأرض فيغرق أهلها. المسجور: الذي سيُسْجَر؛ أي: يُوقَد، وذلك يوم القيامة. هل يمكن أن نقول: إن المراد به المعنيان جميعًا؟ نعم؛ لأنه لا مُنافاة بين هذا وهذا، فكلاهما من آيات الله عز وجل؛ يعني: أنه سواء قلنا: المسجور الممنوع من أن يفيض على الأرض، أو المسجورُ الذي سيُسْجَر؛ أي: يوقد، فكل ذلك من آيات الله. إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ [الطور: ٧] هذا هو جواب القسم، والجملة هنا مؤكدة بمؤكدين بل بثلاثة: القسم المتعدد؛ خمسة إقسامات، واللام في قوله: لَوَاقِعٌ، وإِنَّفي قوله: إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ، هذه الجملة مؤكدة بثلاثة مؤكداتٍ: بقسم بخمسة أشياء، وإذا كان قسمًا بخمسة أشياء صار كأنه أقسم عليها خمس مرات. والثاني: بـ(إنَّ). والثالث: باللام. إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ [الطور: ٧]؛ يعني: لا بد أن يقع عذاب الله الذي وعد به، هذه واللهِ جملةٌ عظيمة مؤثِّرة، لكنها لا تؤثر إلا على قلب لينٍ كلِين الزبد أو أشد. أما القلب القاسي فلا يهتم بها، تمر عليه وكأنها ثلجة، كان عمر رضي الله عنه إذا قرأ هذه الآية يمرض حتى يعاد، يمرض من شدة ما يقع على قلبه من التأثر حتى يُعادَ، إذا كان واقعًا وليس له دافع أليس الجدير بنا أن نخاف؟! بلى واللهِ، هذا هو الجدير. وقوله: إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ؛ يعني: لا بد أن يقع. ولكن هل هذا التأكيد بالنسبة لعذاب المؤمنين أو لعذاب الكافرين؟ لننظر، قال الله تعالى: سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (١) لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ (٢) مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ [المعارج: ١ - ٣]، ضُمَّ الآية هذه إلى الآية التي في الطور تجد أن قوله: إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (٧) مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ [الطور: ٧، ٨] على من؟ على الكافرين، فعذاب الله على الكافرين ليس له دافع، لا أحد يدفعه؛ لا قبل وقوعه ولا بعد وقوعه، ولهذا لا تنفعهم الشفاعة، فيُرْفَع عنهم العذاب. أما عذاب الله للمؤمن فإن الأصل أنه واقع، كل ذنبٍ توعد الله عليه بالعذاب فالأصل أنه واقع، لكنه مع ذلك قد يُرفع بفضلٍ من الله عز وجل؛ قد يرفع بالشفاعة، قد يرفع بأعمال صالحة تغمر الأعمال السيئة، ألم تر أن الله يقول: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء: ٤٨]، ألم تعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَمُوتُ فَيَقُومُ عَلَى جِنَازَتِهِ أَرْبَعُونَ رَجُلًا لَا يُشْرِكُونَ بِاللَّهِ شَيْئًا إِلَّا شَفَّعَهَمُ اللَّهُ فِيهِ» ، فيرتفع عنه العذاب. وعلى هذا نقول: عذاب الله واقع على الكافرين لا محالة، ولا دافع له، أما على عصاة المؤمنين فإن الأصل الوقوع، ما الذي يمنع وقد أنذر الله العباد وخوفهم وبيَّن لهم؟ لكن مع ذلك قد يرتفع بأسباب متعددة. مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ [الطور: ٨] (ما) نافية، و(دافع) مبتدأ مؤخَّر دخلت عليها (مِن) الزائدة للتوكيد؛ يعني: ما من أحد ولو عظُمَت منزلته وقوته يدفع عذاب الله عز وجل، أبدًا، لا يمنعه ولا يرفعه؛ لأن (دافع) هنا -يا إخوان- تشمل المنع والرفع؛ تشمل المنعَ قبل الوقوع والرفعَ بعد الوقوع، لا أحد يدفع عذاب الله، لا يمنعه أن ينزل ولا يرفعه إذا نزل، وإنما ذلك إلى الله وحده.
تفسير الآيات (٩-١١)
٠٠:١٧:١٠
{يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا (٩) وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا (١٠) فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ} [الطور: ٩ - ١١]. هذه الجملة بل هذه المفردة: يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًامتعلقة بقوله: إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ؛ يعني: أن العذاب يقع في ذلك اليوم يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا (٩) وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا (١٠) فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ. قوله: يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًاقد يظن الظان أن المصدر هنا مَوْرًالمجرد التوكيد، ولكنه ليس كذلك بل هو لبيان تعظيم هذا الموقف، والمور بمعنى الاضطراب؛ يعني: أن السماء تضطرب وتتشقق وتتفتح وتختلف عما هي اليوم عليه، كما قال تعالى: إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (١) وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (٢) وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (٤) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ [الانفطار: ١ - ٥]، ولا إنسان يتصور أو يعلم حقيقة ذلك اليوم، ولكننا نعلم المعنى بما أخبر الله به عنه، أما الحقيقة فهي شيء فوق ما نتصوره الآن. وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا [الطور: ١٠]؛ أي: تسير سيرًا عظيمًا، وذلك أن الجبال تكون هباء منثورًا، وتتطاير كما تتطاير الغيوم، وتسير سيرًا عظيمًا هائلًا؛ لشدة هول ذلك اليوم، وهذه الآية تدل على أن قول الله تبارك وتعالى في سورة النمل: وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ [النمل: ٨٨]، فإن هذه الآية هي نفس هذه الآية التي في الطور من حيث المعنى، فيكون قوله تبارك وتعالى: وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ؛ يعني: يوم القيامة ولا شكَّ. ومن فسَّرها بأن ذلك في الدنيا، وأنه دليل على أن الأرض تدور فقد حرَّف الكلم عن مواضعه، وقال على الله ما لا يعلم، وتفسير القرآن ليس بالأمر الهين؛ لأن تفسير القرآن يعني أنك تشهد على أن الله أراد به كذا وكذا، فلا بد أن يكون هناك دليل؛ إما من القرآن نفسه، وإما من السنة، وإما من تفسير الصحابة، أما أن يحول الإنسان القرآن على المعنى الذي يراه بعقله أو برأيه، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قَالَ فِي الْقُرَآنِ بِرَأْيِهِ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» . والمهم أن هذا التفسير، أعني أن قوله: وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِيُراد به في الدنيا تفسيرٌ باطلٌ، لا يجوز الاعتماد عليه ولا المعول عليه، أما كون الأرض تدور أو لا تدور، فهذا يُعلم من دليل آخر؛ إما بحسب الواقع، وإما بالقرآن، وإما بالسنة، ولا يجوز أبدًا أن نُحَمِّلَ القرآن معاني لا يدل عليها من أجل أن يؤيد نظرية أو أمرًا واقعًا، لكنه لا يدل عليه اللفظ؛ لأن هذا أمر خطير جدًّا. قال الله تعالى: فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ [الطور: ١١]، (ويل) كلمة وعيدٍ وتهديدٍ، وإن كان قد رُوِي أنها وادٍ في جهنم ، لكن الصواب أنها كلمة تهديد ووعيد. فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَالمكذبين لله ورسله، الجاحدين لما قامت الأدلة على ثبوته، فإنهم سيجدون في ذلك اليوم من العذاب والنكال ما لا يخطر لهم على بالٍ.
تفسير الآية (١٢)
٠٠:٢١:٠٠
{الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ} [الطور: ١٢] الَّذِينَ هُمْفي الدنيا، فِي خَوْضٍأي: في كلام باطل، يَلْعَبُونَ؛ أي: لا يقولون الجد، ولا يعملون بالجد، وإنما أعمالهم كلها لعب ولغوٌ، ولذلك تجد أعمارهم ليس بها بركةٌ، تمرُّ بهم الليالي والأيام لا يستفيدون شيئًا.
تفسير الآية (١٣)
٠٠:٢١:٢٥
{يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا} [الطور: ١٣]، هذه متعلقة بما سبق أيضًا، ويُدَعُّونَبمعنى: يدفعون بعنف وشدة، إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا؛ لأنهم -والعياذ بالله- تُمَثَّل لهم النار كأنها سراب؛ أي: كأنها حوض نهر وهم على أشد ما يكون من العطش، فيذهبون إليها سراعًا يريدون أن يشربوا منها حتى يزول عنهم العطش، فإذا بلغوها وإذا هي النار والعياذ بالله، فكأنهم -والله أعلم- يتوقفون لئلا يتساقطوا فيها، فيدعون إليها دعًّا؛ أي: يدفعون بعنف وشدة، فيتساقطون فيها، أجارنا الله وإياكم من ذلك.
تفسير الآية (١٤)
٠٠:٢٢:١٥
{يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (١٣) هَذِهِ النَّارُ}؛ يعني يقال لهم: هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَكانوا في الدنيا يقولون: لا بعث ولا جزاء، ولا عقوبة ولا نار، وإنما هي أرحام تدفع وأرض تبلعُ ولا بعث، فيقال: هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَفي الدنيا يُكذِّبون بها ويقولون: لا نار ولا بعث ولا جزاء، فيُوَبَّخون على هذا الإنكار يوم القيامة، وما أشد حسرتهم إذا وُبِّخُوا على أمرٍ كان في إمكانهم أن يتخلوا عنه ولكنهم الآن لا يستطيعون إلى ذلك سبيلًا. يقولون: يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الأنعام: ٢٧]، قال الله تعالى: بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ [الأنعام: ٢٨]؛ يعني حتى لو رُدُّوا إلى الدنيا عادوا وكذبوا، فلن يستقيموا على أمر الله، لكن يقولون هذا تمنيًا، ويقول العوام: التمني رأس مال المفاليس.
تفسير الآية (١٥)
٠٠:٢٣:٢٧
{أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ} [الطور: ١٥]؛ يعني: أفهذا الذي ترون اليوم سحرٌ كما كنتم تقولون ذلك في الدنيا، حيث يقولون: إن ما جاءت به الرسل سحر، ويصفون الرسول بأنه ساحر، فيقال: أسحر هذا أم أنتم لا تبصرون؟ يعني: لا تبصرون بعين البصيرة، بل أنتم عُميٌ عن الحق والعياذ بالله.
تفسير الآية (١٦)
٠٠:٢٣:٥٣
{اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [الطور: ١٦] اصْلَوْهَا؛ أي: احترقوا بها، والأمر هنا للإهانة، كقوله تعالى: ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩) إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ [الدخان: ٤٩، ٥٠]، فانظر إلى هؤلاء كيف تتهكَّم فيهم الملائكة وتُذِلُّهم وتخزيهم -والعياذ بالله- وتُهِينهم! اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ [الطور: ١٦]؛ يعني: أن الصبر وعدمه سواء عليكم، ومعنى هذا: أنه لن يفرج عنكم سواء صبرتم أمْ لم تصبروا، مع أنه في الدنيا إذا أصيب الإنسان بشيء وصبر فإنه يفرج عنه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا» . إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ؛ يعني: ما تُجْزَون إلا ما عملتموه، فلم تظلموا شيئًا.
تفسير الآية (١٧)
٠٠:٢٤:٥٦
ثم ذكر الله تعالى جزاء المؤمنين، فقال: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ [الطور: ١٧]، هذه الجملة خبرية مؤكدة بـ(إن). وأشرح لكم التوكيد؛ إذا قلت مثلًا: العلم نافع، هذه جملة خبرية خالية من التوكيد. فإذا قلت: إن العلم نافع، فهذه جملة خبرية مؤكدة بمؤكد واحدٍ وهو (إن). فإذا قلت: إن العلم لنافع، فهذه جملة خبرية مؤكدة بمؤكدين: (إن، واللام). فإذا قلت: والله إن العلم لنافع، فهذه جملة خبرية مؤكدة بثلاثة مؤكدات، وهي: (القسَم، وإن، واللام). والتوكيد أسلوب من أساليب اللغة العربية مستعمل عند العرب، وهذا القرآن نزل بلغة العرب، وإلا ففي الواقع أن خبر الله عز وجل لا يحتاج إلى توكيد؛ لأنه أصدق القول، فالرب عز وجل إذا أخبر بخبر فإنه لا يحتاج إلى أن يؤكَّد؛ لأن خبر الله صدق، لكن لما كان القرآن العظيم نزل بلسان عربي صار جاريًا على ما كان يعرفه العرب في لغتهم. وهنا أكد الله عز وجل هذه الجملة: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍبماذا؟ بـ(إن)؛ يعني: بمؤكد واحد. إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ. من هم المتقون؟ المتقون هم الذين قاموا بطاعة الله امتثالًا لأمره واجتنابًا لنهيه، هذه هي التقوى. إذن التقوى: طاعة الله بامتثال أمره واجتناب نهيه، فالذي يصلي امتثالًا لأمر الله نقول: هو متَّقٍ بصلاته، والذي يدَعُ الزنا نقول: هو متَّقٍ بترك الزنا. وإنما سمي ذلك تقوى؛ لأنه وقاية من عذاب الله، فإن الإنسان إذا قام بطاعة الله فقد اتخذ وقاية من عذاب الله عز وجل. هؤلاء المتقون يقول الله عز وجل: فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ، و(جنات) جمع جنة، وهي الدار التي أعدَّها الله تعالى للمتقين في الآخرة، بدليل قول الله تبارك وتعالى: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ [آل عمران: ١٣٣]. نحن قلنا: التي أعدها الله تعالى لعباده في الدار الآخرة. فهل يمكن أن تكون في الدنيا؟ نقول: أما بالنسبة لدخول الجنة التي هي الجنة، فهذا لا يمكن في الدنيا، أما بالنسبة لكون الإنسان يأتيه من نعيم الجنة ما يأتيه، فهذا يمكن، وذلك في القبر إذا سُئِل الإنسان عن ربه ودينه ونبيه، فأجاب بالصواب، فإنه يُفْرَش له فراش من الجنة، ويُفْتَح له باب إلى الجنة، ويُفْسَح له في قبره مَدَّ البصر. إذن (جنات) جمع أيش؟ وهي الدار التي أعدها الله للمتقين في الآخرة، وجمعها لأنها أنواع، ذكر الله في سورة الرحمن أربعة أنواع: وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ [الرحمن: ٤٦]، ثم قال: وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ [الرحمن: ٦٢] إذن هذه أربع، تختلف هذه الجنان الأربع فيما جاء في وصفهما في سورة الرحمن. يقول عز وجل: فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ [الطور: ١٧] (نعيم) أي: نعيم البدن ونعيم القلب، فهم في سرور دائم، وهم في صحة دائمة، وهم في حياة دائمة، فجميع أنواع النعيم كاملة لهم، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم منهم.
تفسير الآية (١٨)
٠٠:٢٩:٠٣
{فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ} [الطور: ١٨] فَاكِهِينَ، (الفاكه) هو المسرور، كما في قوله تعالى: وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ [المطففين: ٣١]؛ أي مسرورين، بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْأي: بما أعطاهم ربهم من النعيم، وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِفحصلوا على السلامة من الشرور بوقاية الجحيم، وعلى تمام السرور في جنات النعيم.
تفسير الآية (١٩)
٠٠:٢٩:٣٢
{كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [الطور: ١٩] (كلوا) نعربها على أنه أيش؟ على أنه فعل أمر، وهل هذا الأمر تكليف ولَّا تكريم؟ تكريم، فالأمر هنا للتكريم؛ أي: يقال لهم: كلوا واشربوا، كلوا من كل ما في الجنة من النعيم، وفيها من كل فاكهة زوجان، وفيها فاكهة ونخل ورمان، وفيها من كل النعيم. وَاشْرَبُوامما فيها من الأنهار. وأنهار الجنة ذكرها الله تعالى أربعة في سورة القتال، أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ [محمد: ١٥] معنى غَيْرِ آسِنٍأي: غير متغيَّر، المياه في الدنيا إذا لم يأتِها ما يمدها وبقيت راكدة لا بد أن تتغير فتكون آسنة، ماء الجنة لا يتغير غير آسن. وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُاللبن في الدنيا إذا بقِيَ يتغير ويفسد، لكن في الآخرة لا. وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَخمر الدنيا فيه رائحة كريهة، ثم فيه أنه يقلب العاقل إلى مجنون، فيه أيضا الصداع، فيه خراب المعدة، لكن في الجنة لا. أَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ، وقد قال الله تعالى في سورة الصافات: لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ [الصافات: ٤٧]. كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [الطور: ١٩] الهنيء هو الذي لا يكون له عاقبة سيئةٌ ولا تبعةٌ من تجاوز أو إسراف. بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ؛ أي: بسبب ما كنتم تعملون، فالباء هنا للسببية وليست الباء للعوض، أقول هذا لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ أَحَدٌ بِعَمَلِهِ» ، وهنا قال: كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ، فجعل الله تعالى ذلك بسبب العمل. فقال بعض العلماء: كيف يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ أَحَدٌ بِعَمَلِهِ»، مع أن الله يقول: بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ؟ والجواب على هذا الإشكال أن يقال: الباء تأتي للسببية وتأتي للبدلية؛ فإذا قيل: دخل الرجل الجنة بعمله، فالمعنى السببية، وإذا قيل: لن يدخل الجنة أحد بعمله، فالمعنى البدلية. وأضرب مثلًا يبين هذا: بعتك الثوب بدرهم، الباء للبدلية؛ لأن الدرهم صار عوضًا عن الثوب، هذه للبدلية. وإذا قلت: أدَّبت الولد بعبثه، هذه للسببية. إذن كلُّنا لن يدخل الجنة بعمله؛ لأن الله سبحانه وتعالى لو حاسبنا على عملنا ما قابل عملنا نعمة من نعم الله؛ نعمة واحدة. النفس الآن الذي هو من ضرورة الحياة، يخرج منك ويدخل بدون تعب وبدون مشقة، وكم ينفس الإنسان في الدقيقة؟ كثيرًا، لو أننا حُوسِبنا على أعمالنا بالمعاوضة والمبادلة لكانت نعمة واحدة تستوعب جميع العمل، أليس كذلك؟ ونحن الآن لا نحس بنعمة النفس، لكن لو أصيب أحد منا بكتم النفس لوجد أن النفس من أكبر نعم الله، لذلك نقول: إن الباء في قوله: بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَللسببية وليست للبدلية. وفي قوله: بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَشمول لكل العمل؛ عمل الجوارح والقلب واللسان. فالجوارح الأفعال كالركوع والسجود، والأقوال كالأذكار، والقلوب كالخوف والرجاء والتوكل، وما أشبه ذلك، فكل هذه تُسمَّى أعمالنا.
تفسير الآية (٢٠)
٠٠:٣٣:٣٧
ثم قال الله تعالى: مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ [الطور: ٢٠] مُتَّكِئِينَهذه حال؛ أي: حال كونهم متكئين، والمتكئ تدل هيئته على أنه في سرور وانشراح وطمأنينة؛ لأن الاتكاء يدل على ذلك. و(السرر) جمع سرير، وهي الكراسي الفخمة الْمُهيَّأة أحسن تهيئة للجالس عليها. مَصْفُوفَةٍ؛ أي: مصفوف بعضها إلى بعض، يصُفُّها الخدم والولدان. وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍأي: قَرَنَّاهم بحور عين، والحور جمع حوراء، والعين جمع عيناء، والأصل الحور والبياض، وأما العيناء فهي التي كانت جميلة العين في سوادها وبياضها، فهن حسان الوجوه حسان الأعين.
تفسير الآية (٢١)
٠٠:٣٤:٣٠
ثم قال عز وجل: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ [الطور: ٢١]، الذين آمنوا واتبعتهم الذرية بالإيمان، والذرية التي يكون إيمانها تبعًا هي الذرية الصغار، فيقول الله عز وجل: أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ؛ أي: جعلنا ذريتهم تلحقهم في درجاتهم. وأما الكبار الذين تزوجوا فهم مستقلون بأنفسهم في درجاتهم في الجنة لا يلحقون بآبائهم؛ لأن لهم ذرية فهم في مَقرِّهم، أما الذرية الصغار التابعون لآبائهم فإنهم يرقون إلى آبائهم، هذه الترقية لا تستلزم النقص من ثواب ودرجات الآباء، ولهذا قال: وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ، أَلَتْنَاهُمْيعني: نقصناهم؛ يعني أن ذريتهم تلحق بهم، ولا يقال: اخصم من درجات الآباء بقدر ما رفعت من درجات الذرية، بل يقول: وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ. كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌهذه قاعدة عامة في جميع العاملين أن كل واحد فإنه رهين بعمله لا ينقص منه شيء، أما الزيادة فهي فضل من الله تبارك وتعالى على من شاء من عباده.
تفسير الآية (٢٢)
٠٠:٣٥:٥٨
{وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ} [الطور: ٢٢]، أمدهم الله تعالى؛ أي أعطاهم عطاء مستمرًا إلى الأمد وإلى الأبد، بِفَاكِهَةٍوهي ما يتفكه به من المأكولات، وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ؛ أي: مما يشتهونه ويستلذونه، وقد بيَّن الله تبارك وتعالى نوع هذا اللحم بأنه لحم طير، وهو أشهى ما يكون من اللحم وأبرؤه وأمرؤه.
تفسير الآية (٢٣)
٠٠:٣٦:٣٢
{يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا} [الطور: ٢٣]؛ أي: أن أهل الجنة يتنازعون؛ ينازع بعضهم بعضًا على سبيل المداعبة وعلى سبيل الأنس والانشراح. كَأْسًا لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ [الطور: ٢٣]، والمراد بالكأس كأس الخمر، ومعنى لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌأنه لا يحصل بها ما يحصل من خمر الدنيا؛ فإن خمر الدنيا يحصل به السكر والهذيان، ولكن خمر الآخرة ليس فيه لغو ولا تأثيم؛ أي: لا يلغو بعضهم على بعض، ولا يتكلمون بالهذيان، ولا يعتدي بعضهم على بعض.
تفسير الآية (٢٤)
٠٠:٣٧:١٥
{وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ} [الطور: ٢٤]؛ أي: يتردد عليهم -أي: على أهل الجنة- وهم على سررهم متكئون ولدان مخلدون. يَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ؛ أي: غلمان مهيئون لهم في الخدمة التامة المريحة، كَأَنَّهُمْأي: الغلمان، لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ؛ أي: محفوظ عن الرياح والغبار وعن غير ذلك مما يفسده.
تفسير الآية (٢٥)
٠٠:٣٧:٤٤
يقول الله تبارك وتعالى: وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ [الطور: ٢٥]؛ يعني: صار بعضهم يُسائل بعضًا لكن على وجه الأدب، يتكلم معه وهو مقابل له لوجهه، فلا يُصعِّر خدَّه له ولا يستدبره، بل يتكلم معه بأدب ومقابلة تامة.
تفسير الآية (٢٦)
٠٠:٣٨:٠٦
{قَالُوا} [الطور: ٢٦]؛ أي: قال بعضهم لبعض، إِنَّا كُنَّا قَبْلُ؛ أي: في الدنيا، فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ؛ أي: خائفين من عذاب الله.
تفسير الآية (٢٧)
٠٠:٣٨:١٧
{فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ} [الطور: ٢٧] (مَنَّ) أي: أنعم علينا بنعمة عظيمة، وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ؛ أي: عذاب النار.
تفسير الآية (٢٨)
٠٠:٣٨:٢٨
{إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ} [الطور: ٢٨]؛ أي: قبل أن أصل إلى هذا المقر وذلك في الدنيا، نَدْعُوهُ؛ أي: نعبده ونسأله؛ لأن الدعاء يطلق على معنيين: على العبادة، وعلى السؤال. فمن إطلاقه على العبادة قول الله تبارك وتعالى: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ [غافر: ٦٠]. وأما دعاء بمعنى السؤال في قوله تعالى: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ [البقرة: ١٨٦]. فقولهم: إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُيشمل دعاء العبادة؛ كالصلاة والصدقة والصيام والحج وبر الوالدين وصلة الأرحام، كل هذا دعاء وإن كان هو عبادة. لكن لو سألت العابد: لماذا تعبد الله؟ لقال: أرجو رحمته وأخاف عذابه، فيكون هذا لهذه العبادة بمعنى الدعاء. كذلك ندعوه دعاء مسألة لا يسألون إلا الله ولا يلجئون إلا إلى الله؛ لأنهم يعلمون أنهم مفتقرون إليه، وأنه هو القادر على كل شيء. إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُالْبَرُّبمعنى: الواسع الإحسان والرحمة، ومن ذلك (البرية) للمكان الخالي من الأبنية، المعنى أنه جل وعلا واسع العطاء والإحسان والجود. الرَّحِيمُأي: ذو الرحمة البالغة، يرحم بها من يشاء من عباده تبارك وتعالى. ففي هذه الآيات: بيان نعيم أهل الجنة. وفيها أيضًا: لما ذكر عذاب أهل النار ذكر نعيم أهل الجنة؛ لأن هذا القرآن الكريم مثانٍ تُثَنَّى فيه المعاني، إذا ذكر فيه الخير ذكر فيه الشر، وإذا ذكر فيه نعيم المتقين ذكر فيه جحيم الكافرين وهكذا، حتى يكون الإنسان قارئ القرآن بين الخوف والرجاء، إن قرأ آيات النعيم رجا، إن قرأ آيات العذاب خاف، فيعبد الله تبارك وتعالى بهذا وهذا. نسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم من أهل الجنات، الناجين من الدركات، إنه على كل شيء قدير.
تفسير الآية (٢٩)
٠٠:٤٠:٤٤
{فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ} [الطور: ٢٩]، الخطاب للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، (ذكِّر) والمذكر محذوف، والتقدير: ذكِّر الناس، أو إن شئت فقل: ذكِّر من أُرسلت إليهم من الجن والإنس. فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍهذا نفي لما ادعاه المكذبون للرسول صلى الله عليه وسلم بأنه كاهن أو مجنون، قال الله تعالى: فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ؛ أي: بإنعام ربك عليك بما أنزل عليك من الوحي لست بكاهن ولا مجنون؛ والكاهن هو الذي يخبر عن المغيبات في المستقبل، وكانت الكهانة في الجاهلية مشهورة؛ يكون للإنسان رَئِيٌّ من الجن يصحبه ويخدمه، ثم يصعد الجني إلى السماء يستمع ما يقال في السماء، وينزل به على هذا الكاهن، فيكون هذا علم غيب عن أهل الأرض، لكن الكاهن يزيد عليه أشياء كثيرة يتخرصها، فإذا وقع ما سمعه من السماء صار عظيمًا في قومه؛ لأنه أخبر عن شيء مستقبل فوقع. فالكاهن إذن هو الذي يخبر عن المغيبات في المستقبل، فالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما جاء بالوحي ردَّه المشركون وكذَّبوه، وقالوا: إنما جاء به محمد من الكهانة؛ لأن الكهان يخبرون عن الشيء فيقع، ولأن الكهان أيضًا يأتون بكلام مسجوع يشبه القرآن، والقرآن كما تعلمون آيات مفصلة أتى بها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في كلام حمل بن النابغة الذي قال: يا رسول الله، كيف أغرم من لا شرب ولا أكل، ولا نطق ولا استهل، فمثل ذلك يُطَل؟! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا هُوَ مِنْ إِخْوَانِ الْكُهَّانِ» ، من أجل سجعه الذي سجع. المهم أنهم يقولون: إن محمدًا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إنه كاهن، فنفى الله ذلك، ثم قالوا: إنه مجنون يأتي بما لا يعرف، فكذَّبهم الله، فقال: فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ [الطور: ٢٩]، هذه الجملة منفية مؤكدة بالباء الزائدة إعرابًا، المفيدة معنًى. بِكَاهِنٍأصلها: فما أنت بنعمة ربك كاهنًا ولا مجنونًا، لكن زيدت الباء توكيدًا للنفي.
تفسير الآية (٣٠)
٠٠:٤٣:٢٦
ثم قال الله تعالى: أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ [الطور: ٣٠]؛ يعني: بل أيقولون، و(أَمْ) هذه تُسمَّى عند المعربين منقطعة، لا عاطفة؛ لأن (بل) تأتي عاطفة وتأتي منقطعة، فهنا منقطعة، والتقدير: بل أيقولون شاعر، والاستفهام هنا للتوبيخ والإنكار عليهم. وقوله: أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌالشاعر هو الذي يأتي بكلام مُقَفًّى، ويتضمن شعره أحيانًا حكمًا، ولهذا جاء في الحديث: «إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا، وَإِنَّ مِنَ الشِّعْرِ لَحِكْمَةً» ، فيقولون: إن محمدًا شاعرٌ. نَتَرَبَّصُ بِهِ؛ أي: ننتظر به، رَيْبَ الْمَنُونِ؛ أي: حوادث الدهر وقوارعه، فيهلك كما هلك الشعراء من قبله ولا يكون له أثرٌ. انظروا -والعياذ بالله- كيف يترقَّبون موت الرسول عليه الصلاة والسلام، يقولون: هذا شاعر من جنس الشعراء يهلك وينتهي أمره! وقوله: رَيْبَ الْمَنُونِقيل: إن المنون هو الدهر، وقيل: إن المنون هو الموت، وهما متلازمان، والمراد بذلك حوادث الدهر المهلكة المبيدة.
تفسير الآية (٣١)
٠٠:٤٤:٤٠
{قُلْ} في جوابهم تَرَبَّصُوا [الطور: ٣١]، والأمر هنا للتهديد والتحدي؛ أي: تربَّصوا بهذا الشاعر رَيب المنون، وانظروا هل يموت وتموت دعوته، أو أنكم أنتم تموتون وتموت معارضتكم؟ إذن تَرَبَّصُوافعل الأمر للتحدي والتهديد أيضًا. تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ؛ يعني: فأنا منتظر أيضًا، انتظروا أنتم وأنا أنتظر لمن تكون العاقبة، وصارت العاقبة -والحمد لله- للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ [الطور: ٣١].
تفسير الآية (٣٢)
٠٠:٤٥:٢٢
{أَمْ تَأْمُرُهُمْ} [الطور: ٣٢] (أم) هنا نقول: إنها منقطعة، و(أم) المنقطعة تقدر بـ(بل) والهمزة، المعنى: بل أتأمرهم، وهذا انتقال من الأول إلى الثاني. أتأمرهم أَحْلَامُهُمْ؛ أي: عقولهم بهذا، فيقولون: إنه مجنون، إنه كاهن، إنه شاعر، هل عقولهم تأمرهم بهذا؟ الجواب: أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ؛ أي: بل لا تأمرهم عقولهم بهذا، وكثير منهم يعلم أن محمدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم حق، لكن غلبتهم الكبرياء -والعياذ بالله- فأنكروا وكذبوا، ولهذا قال: أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ؛ أي: معتدون ظالمون، وأصل الطغيان مجاوزة الحد، كما في قوله تعالى: إِنَّا لَمَّا طَغَا الْمَاءُ [الحاقة: ١١]؛ أي: زاد وارتفع عن عادته، حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ.
تفسير الآية (٣٣)
٠٠:٤٦:٢٤
{أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ} [الطور: ٣٣] هذا أيضًا (...) آخر، و(أم) هنا منقطعة بمعنى: (بل) والهمزة، والمعنى: بل أيقولون تقوله؛ أي: اختلقه وكذب به، يعني قسمٌ منهم قالوا: محمد عليه الصلاة والسلام تقوَّل هذا القرآن واختلقه من عنده، وبعضهم يقولون: إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ [النحل: ١٠٣]. أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ؛ يعني: بل هم لا يؤمنون، ولو آمنوا لعلموا أن القرآن لا يمكن أن يتقوَّله بشر؛ لأن كلام الله عز وجل لا يشبهه أيُّ كلام.
تفسير الآية (٣٤)
٠٠:٤٧:٠٨
ثم تحداهم فقال: فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ [الطور: ٣٤]؛ يعني: إذا كنت أنت تقوَّلته فأنت مثلهم؛ بشر تتكلم كما يتكلمون، وتخطب كما يخطبون، وتقول كما يقولون، فإذا كنت متقوِّلًا له وهو من عندك فليأتوا بحديث مثله؛ لأن البشر يمكن أن يأتي بكلام يشبه كلام البشر الآخر، فإذا كان محمد صلى الله عليه وسلم تقوَّله فهاتوا مثله. فَلْيَأْتُواواللام هنا للأمر، والمقصود به التحدي والتعجيز، فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَوهذا غاية التحدي، عجزوا، ما استطاعوا أن يأتوا بحديث مثله مع أنهم أمراء البلاغة وسلاطين الفصاحة لكنهم عجزوا. فماذا يدل عجزهم عليه؟ يدل على أن القرآن ليس من كلام البشر بل هو من كلام الله عز وجل، ولهذا قال: فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ، ومع قوة المعارضة وقوة البلاغة والفصاحة عجزوا أن يأتوا بحديث مثله، ما استطاعوا، فدل ذلك على أن محمدًا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يتقوَّله، ولن يستطيع أن يأتي بمثله. وفي قوله: فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِكلمة (حديث) نكرةٌ، والنكرة تدل على الإطلاق، لكن جاء في آية أخرى أن الله قال: قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ [يونس: ٣٨]، أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ [هود: ١٣] وجاء في آية أخرى الإخبار بأنه لن يستطيع أحد أن يعارض القرآن، فقال تعالى: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ [الإسراء: ٨٨] حتى ولو تعاونوا؟ ولو تعاونوا. ولهذا قال: وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا [الإسراء: ٨٨]، تبيَّن الآن بطلان قولهم: إنه تقوله بماذا؟ أن الله تحداهم أن يأتوا بمثله ولكن عجزوا، فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ [الطور: ٣٤] أنك تقوَّلته؛ يعني: إن كانوا صادقين في دعواهم أنك تقوَّلته، فليأتوا بحديث مثله.
تفسير الآية (٣٥)
٠٠:٤٩:٢٥
ثم قال الله تعالى مستدلًّا بربوبيته على ألوهيته، قال: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ [الطور: ٣٥]، (أم) نقول فيها ما سبق بمعنى: بل والهمزة؛ بل أخلقوا من غير شيء، أي: من غير خالق أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ؟ والجواب: لا خُلِقوا من غير خالقٍ ولا هم الخالقون؛ أما كونهم لم يُخْلَقوا من غير خالق فلأن القاعدة العقلية الحسية التي أجمع عليها العقلاء: أن كل مُحْدَثٍ لا بد له من محدِث. هذه قاعدة اتفق عليها العقلاء، فإذا كان كل حادث لا بد له من مُحْدِثٍ، نظرنا في أنفسنا: نحن حادثون، أليس كذلك؟ قال الله تعالى: هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا [الإنسان: ١]، الواحد منا الذي له عشرون سنة، هو قبل اثنين وعشرين سنة ليس شيئًا مذكورًا، ولا يُعْرَف ولا يُدْرَى عنه، إذن نحن حادثون، كل حادث -يا إخوان- لا بد له من مُحْدِث، فهل أنتم خُلِقْتُم من غير محدِث؟ الجواب: لا، هذا جواب عقلي لا يُنْكَرُ. أم هم الخالقون لأنفسهم؟ الجواب: لا؛ لأنهم قبل أن يُوجَدُوا عدمٌ، وكيف يمكن للعدم أن يخلِق؟ لا يمكن هذا. فإذا تبين أنهم لم يُخْلَقوا من غير خالقٍ، وأنهم لم يخلِقوا أنفسهم؛ تعيَّن أن يكون لهم خالق قادر على إيجادهم. من هو؟ الله عز وجل، لا يستطيع أحدٌ منهم أن يقول: إن الذي خلقني أبي أو أمي، لا يستطيع أحد ذلك أن يقول هذا، فإذا لم يكن كذلك تعيَّن أن يكون لهم خالق وهو الله تبارك وتعالى، وإذا كان لهم خالق وهم مخلوقون مربوبون مُدبَّرون فالواجب أن يخضعوا لهذا الخالق وأن يعبدوه وحده، كما أنه هو الخالق وحده. هذه الآية سمعها جبير بن مطعم، وكان قد قدِمَ على المدينة وهو مشرك، قدِمَ إلى النبي صلى الله عليه وسلم في طلب الفداء لأسرى بدر، أظنه لا يخفى على كثير منكم أن بدرًا انتصر فيها النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه والحمد لله، ونصرهم نصرٌ لنا، قتلوا من قريشٍ سبعين رجلًا، وأسروا سبعين رجلًا وجاؤوا بهم إلى المدينة، وانقسموا إلى أقسام: منهم من أطلقه النبي عليه الصلاة والسلام ومَنَّ عليه، ومنهم من فداه بمال، ومنهم من فداه بأسير، إن كان هناك أسير لا أدري، ومنهم مَن فداه بتعليم أهل المدينة الكتابة. جبير بن مطعم أتى إلى النبي عليه الصلاة والسلام يطلب فداء أسرى بدر؛ لأنه من صميم قريش، والأسرى أيضًا من قريش، ويظهر لي -والله أعلم- أن جبيرًا سمع قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَوْ كَانَ الْمُطْعِمُ بْنُ عَدِيٍّ حَيًّا فَكَلَّمَنِي فِي هَؤُلَاءِ النَّتْنَى لَتَرَكْتُهُمْ لَهُ» . لأنكم تعرفون قصة جبير حين رجع النبي عليه الصلاة والسلام من الطائف أجاره، وصار يمشي معه من حين دخل مكة إلى أن وصل إلى الكعبة، وأمر أبناءه وهم متقلدو السيوف أن يقف كل واحد على ركن من أركان الكعبة؛ حتى لا يعتدي على الرسول أحد، فهو أحسن إلى النبي عليه الصلاة والسلام، أبوه. هذا الإحسان قال النبي عليه الصلاة والسلام، وهو أوفى الناس عليه الصلاة والسلام في كرمه، قال: «لَوْ كَانَ الْمُطْعِمُ بْنُ عَدِيٍّ حَيًّا فَكَلَّمَنِي فِي هَؤُلَاءِ النَّتْنَى». من هم النتنى؟ الأسرى، ووصفهم بأنهم نَتْنَى لأن المشركين نجس، والنتن هو الرائحة الكريهة، «فِي هَؤُلَاءِ النَّتْنَى لَتَرَكْتُهُمْ لَهُ». جبير ابنه، فلعله -والله أعلم- سمع بهذه المقالة، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يطلب فداء الأسرى، وكان الرسول عليه الصلاة والسلام يقرأ في المغرب بسورة الطور لما بلغ هذه الآية: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَقال جبير: كاد قلبي يطير ؛ لأن هذه حجة ملزمة لا يمكن أن يتخلص منها أحدٌ، قال: ووقر الإيمان في قلبي؛ معناه أنه دخل الإيمان في قلبه. سبحان الله! انظر تأثير القرآن الكريم مع أنه ما دعاه الرسول صلى الله عليه وسلم في تلك الساعة، لكن سمع هذه الآية العجيبة العظيمة فكاد قلبه يطير. أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ؟ الجواب بكل سهولة: لا، في الأمرين، لا خُلِقُوا من غير شيء، ولا هم الخالقون، بل لهم خالق وهو الله سبحانه وتعالى، ولا أحد يمكن أن ينكر هاتين المقدمتين، كلاهما حجة قطعية تدمغ كل كافر؛ لأنه إذا قال: نعم وله خالق خلقه، قلنا: إذن لماذا لا تعبده؛ لأنك عبدٌ له مملوكٌ له؟
تفسير الآية (٣٦)
٠٠:٥٤:٤٦
{أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} [الطور: ٣٦] انتقل من الأدنى إلى الأعلى، خلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس، انتقل من الأدنى إلى الأعلى، أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ؟ الجواب: لا؛ لأن (أمْ) هنا مثل سابقاتها، بل أخلقوا السماوات والأرض؟ والجواب: لا، حتى هم يُقِرُّون بهذا وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ [الزخرف: ٩]، يُقرُّون بهذا لكن مع ذلك ما يعترفون بالرسالة، ولهذا قال: بَلْ لَا يُوقِنُونَ [الطور: ٣٦]؛ يعني: ليس عندهم إيقان في خلق السماوات والأرض أن الذي خلقهم هو الله؛ لأنه لو كان عندهم يقين لحملهم هذا اليقين على تصديق النبي صلى الله عليه وسلم والإقرار برسالته. هذه الإلزامات العظيمة التي ألزم الله بها قريشًا، كل هذا من أجل إقامة الحجة عليهم، ولو شاء سبحانه وتعالى لعاقبهم بدون أن تكون هذه المجادلة أو هذه المناقشة.
تفسير الآية (٣٧)
٠٠:٥٥:٤٦
{أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ} [الطور: ٣٧]، (أم) هنا بمعنى بل والهمزةِ؛ يعني: بل أعندهم خزائن رزق الله عز وجل حتى يمنعوا من شاؤوا ويعطوا من شاؤوا؟ والجواب: لا، ليس عندهم ذلك ولا يملكون شيئًا من ذلك، بل الذي يملك الرزق عطاء ومنعًا هو الله تبارك وتعالى، ولما نفى أن يكون عندهم خزائن الله قال: أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ؛ يعني: بل أهم الذين لهم السيطرة والغلبة والسلطان والكلمة؟ والجواب: لا، فإذا لم يكن لهم شيء من هذا صاروا مربوبين، وصاروا أذلاء أمام قوة الله عز وجل.
تفسير الآية (٣٨)
٠٠:٥٦:٣٧
ثم قال تعالى: أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ [الطور: ٣٨]؛ يعني: بل ألهم سلم (...) سلم يصعدون فيه إلى السماء يستمعون ما يقال في السماء؟ الجواب: لا، فإنِ ادَّعوا ذلك فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ؛ أي: بحُجة بينة ظاهرة على أنه استمع ما يقال في السماء. والجواب: لن يجدوا إلى ذلك سبيلًا. اللهم إلا الكهنة الذين لهم رِئِيٌّ من الجن، يستمع إلى ما يقال في السماء ثم يكذب مئة كذبة عما سمع، فيصدق بتلك الكلمة التي سمعها من السماء.
تفسير الآية (٣٩)
٠٠:٥٧:٢١
ثم قال تعالى: أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ [الطور: ٣٩]، وهذا أيضًا بمعنى (بل) والاستفهام الذي للتوبيخ والإنكار؛ يعني: أيكون لله البنات ولهم البنون؟! لأنهم ادعوا أن جنود الله تعالى بنات، وأن لهم البنين، ومعلوم أن من له البنين غالب على من له البنات؛ لأن جنده رجال ذكور أقوى وأحزم وأقدم من النساء، وقد جعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثًا كما قال الله تعالى عنهم ذلك، قال: أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ [الزخرف: ١٩]؛ يعني: لم يشهدوا خلقهم حتى يقولوا: إنهم بنات، سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ؛ أي: شهادتهم هذه التي هي زور وكذب وَيُسْأَلونَ. المهم أن هؤلاء المكذِّبين للرسول عليه الصلاة والسلام من قريش قالوا: لهم البنون وللهِ البنات، قال الله تعالى: وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ [النحل: ٥٧] والذي يشتهونه (...) بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا(...) مملوء غيظًا وغمًّا من سوء ما بشر به (...).
تفسير الآية (٤٠)
٠٠:٥٨:٣٧
{أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ} [الطور: ٤٠]؛ يعني: بل أتسألهم أجرًا، والاستفهام هنا للنفي، كل استفهام هنا للنفي والتوبيخ؛ يعني: هل أنت يا محمد حين دعوتهم إلى الله عز وجل، هل أنت تقول: أعطوني أجرًا مثقلًا كبيرًا لا يستطيعونه حتى يردوك؟ والجواب: لا، قال الله تعالى: قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ [ص: ٨٦]، فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يقل لأي واحد: أعطني أجرًا على دعوتي إياك، بل هو صلى الله عليه وسلم يبذل المال ليؤلف القلوب، كما أعطى المؤلفة قلوبهم من الأموال شيئًا عظيمًا، وليس يطلُبُ من أحد أيَّ عوض على ما جاء به من الرسالة. استدل بعض أهل العلم على أنه لا يجوز للإنسان أن يأخذ أجرًا على تعليم العلم، بمعنى: مؤاجرة، تقول للإنسان: لا أعلمك إلا بكذا وكذا. لكن هذا فيه نظر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللَّهِ» .
تفسير الآية (٤١)
٠٠:٥٩:٤٨
{أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ} [الطور: ٤١] ما غاب عن الناس ويحفظونه؟ والجواب: لا، ليس عندهم علم الغيب، بل إن الرسول عليه الصلاة والسلام نفسه لا يعلم شيئًا من الغيب، يكون (...) دخل ذات يوم والبرمة على النار تغلي باللحم، ولم يعلم ما هو، وحتى إن أبا هريرة كان معه فانخنس منه، ولم يعلم لأي شيء ذهب. فالحاصل أن الرسول نفسه لا يعلم الغيب، فمن دونه من باب أولى. وقد أمره الله تعالى أن يعلن بأنه لا يعلم الغيب، فقال تعالى: قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ [الأنعام: ٥٠]، وهنا يقول لهؤلاء المكذبين: أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ؟ والجواب: لا.
تفسير الآية (٤٢)
٠١:٠٠:٣٩
ثم قال: أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا [الطور: ٤٢] أيريد هؤلاء أن يكيدوا لك يا محمد بإبطال دعوتك وإهلاكك وإماتتك؟ الجواب: نعم، ولكن كيدهم ليس بشيء بالنسبة إلى كيد الله عز وجل؛ قال الله تعالى: وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ [الأنفال: ٣٠]، وقد كادوا له أعظم كيد، فإنهم اجتمعوا ماذا يصنعون بمحمد، لما رأوا دعوته تنتشر وأنه لا قِبَلَ لهم بردها، اجتمعوا يتشاورون ذكروا ثلاثة آراء: الحبس، والقتل، والإخراج. وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَأي: يحبسوك، أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ، قال الله تعالى: وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ [الأنفال: ٣٠]، فاستقر رأيهم على القتل، لكن من يستطيع أن يقتله؟ لأن بني هاشم سوف يطالبون، قالوا: يجتمع عشرة شبان من قبائل متفرقة من العرب، ويُعْطَى كل واحد منهم سيفًا صارمًا، ويضربون محمدًا ضربة رجل واحد، فيتفرق دمه في القبائل، فتعجز بنو هاشم عن المطالبة. فعلوا ذلك، ولكنهم مكروا ومكر الله والله خير الماكرين، أنجاه الله منهم، ثم أذن له أن يهاجر، فهاجر إلى المدينة. أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ [الطور: ٤٢]، الجملة هنا جملة اسمية، معرَّف طرفاها، مفصولةٌ بضمير الفصل، مما يدل على التوكيد والحصر؛ يعني: فالكيد الكيد الكيد لمن؟ للذين كفروا. وهنا سؤال يقول: أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ، لم يقل: أم يريدون كيدًا فهم المكيدون، فماذا يسمى هذا الأسلوب عند علماء البلاغة؟ أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَلم يقل: فهم المكيدون، ماذا يسمى عند علماء البلاغة؟ يُسَمَّى الإظهار في موضع الإضمار؛ يعني بدل أن يقال: فهم المكيدون، قال الله تعالى: فَالَّذِينَ كَفَرُوا، ولهذا فائدة بل أكثر، إذا قال: الَّذِينَ كَفَرُوامعناه: أن هؤلاء كفار، إذا قال: الَّذِينَ كَفَرُوامعناه: أن من كان كافرًا فهو المكيد وإن كان غير هؤلاء، ففيها فائدة، هاتان فائدتان معنويتان. الفائدة الثالثة: تنبيه المخاطب؛ لأن الكلام إذا كان على نسق واحدٍ ربما ينسجم الإنسان ويغفل، لكن إذا جاء شيء يخرج الكلام عن النسق انتبه.
تفسير الآية (٤٣)
٠١:٠٣:٣٠
ثم قال تعالى: أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ [الطور: ٤٣]؛ يعني: بل ألهم إله غير الله؟ والجواب: حقيقةً لا، ادعاءً نعم، لهم آلهة غير الله يعبدونها؛ اللات، العزى، مَناة، هبل، وغيرها من الأصنام المعروفة عند العرب، ولهذا قال: أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ [الطور: ٤٣]، فنزه الله سبحانه وتعالى نفسه عما يُشْرِك به هؤلاء؛ ليبين أن هذه الأصنام باطلة، وأن الله مُنزَّه عن كل شريك. أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ [الطور: ٤٣]؟ الجواب: حقيقةً لا، وباطلًا نعم، هم يعبدون غير الله ويقولون: إنها آلهة، ويقولون للرسول عليه الصلاة والسلام: أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ [ص: ٥]، ولهذا قال: سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ [الطور: ٤٣].
تفسير الآية (٤٤)
٠١:٠٤:٢٦
{وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ} [الطور: ٤٤]؛ يعني: لو نزل عليهم العذاب، والكسف هو العذاب كما قالوا: فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ [الشعراء: ١٨٧]، الكسف معناه: قطع العذاب، إِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ، وهذا يدل على أنهم يرون أنهم على حق، وأنهم غير مستحقين للعذاب، وأن هذا الكِسف النازل قطع العذاب ما هي إلا سحبٌ متراكمة، وهذا كقول عاد حين رأوا الرياح مقبلة عليهم: قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا [الأحقاف: ٢٤]؛ لأن هؤلاء المكذبين -والعياذ بالله- معاندون يرون أنهم على حقٍّ، وأنهم غير مستحقين للعذاب، فإذا رأوا العذاب قالوا: هذا شيء عادي، ولن نهابه ولن نخافه.
تفسير الآية (٤٥)
٠١:٠٥:٢٢
قال الله تعالى: فَذَرْهُمْ [الطور: ٤٥]: اتركهم يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا؛ يخوضوا بأقوالهم، ويلعبوا بأفعالهم، ويلهوا في الدنيا، ويرون أنهم على حق، حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَوهو يوم موتهم؛ يعني: اترك هؤلاء؛ فإن مآلهم إلى الموت وإن فروا، وهم إذا لاقوا يومهم الذي يوعدون عرفوا أنهم على باطل، وأن محمدًا صلى الله عليه وسلم على الحق.
تفسير الآية (٤٦)
٠١:٠٥:٥٥
{يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ} [الطور: ٤٦]، فإذا جاءهم الموت ما أغنى عنهم كيدهم شيئًا؛ لأنهم في قبضة الله، وقد انتهى استعتابهم، وليس أمامهم إلا العذاب.
تفسير الآية (٤٧)
٠١:٠٦:١١
{وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} [الطور: ٤٧]، إِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواوالمراد بهم الكفَّار، قال الله تعالى: وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ [البقرة: ٢٥٤]. وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ؛ يعني: دون عذاب الموت؛ وهو ما أصيبوا به من الجدب والقحط والخوف والحروب، وغير ذلك مما كان قبل الموت. وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ [الطور: ٤٧] بل أكثرهم في غفلة عن هذا، ولا يظنون أن ذلك من العذاب في شيء.
تفسير الآية (٤٨)
٠١:٠٦:٤٥
{وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ} [الطور: ٤٨] اصْبِرْ؛ أي: محمد عليه الصلاة والسلام، والصبر حبس النفس عما لا ينبغي فعله. وقوله: لِحُكْمِ رَبِّكَيشمل الحكم الكوني والحكم الشرعي؛ يعني: اصبر لما حكم به ربك من وجوب إبلاغ الرسالة، وإن أصابك ما يصيبك اصبر لحكم ربك الكوني القدري؛ وهو ما يقدره الله تعالى عليك من هؤلاء السفهاء، من السخرية والعدوان والظلم. ولقد أوذي النبي صلى الله عليه وسلم كما أُوذِيَ إخوانه من المرسلين، أوذي إيذاء عظيمًا، جُعِلَ سلى الجزور على ظهره وهو ساجد تحت الكعبة في آمن مكان، رمي بالحجارة حين خرج إلى أهل الطائف حتى أدموا عقبه صلوات الله وسلامه عليه، ولم يفق إلا وهو في قرن الثعالب، يلقون القاذورات والأنتان على عتبة بابه عليه الصلاة والسلام ويقول: «أَيُّ جُوَارٍ هَذَا؟!» ، وهذا من امتثال أمر الله، حيث قال الله له: وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ. فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا [الطور: ٤٨]؛ أي: فإننا نراك بأعيننا ونراقبك ونلاحظك ونعتني بك، وهذا كما يقول القائل لمن أشفق عليه وأحبه: أنت في عيني، ومن المعلوم أن مثل هذا الأسلوب لا يعني أن مخاطبه حالٌ في عينه، بل المعنى: أنت مني على مرأى وعلى رقابة و على حماية. وفي هذه الآية: إثبات العين لله عز وجل، وهي حقيقة، لكنها لا تماثل أعين الخلق أبدًا؛ لقوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى: ١١]. وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (٤٨) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ [الطور: ٤٨، ٤٩]، سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ؛ أي قل: سبحان الله وبحمده، حِينَ تَقُومُمن أي شيء؟ حين تقوم من مجلسك، أو حين تقوم من منامك. المهم هي عامة، ولهذا كان كفارة المجلس أن يقول الإنسان: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، فينبغي للإنسان كلما قام من مجلس أن يختم مجلسه بهذا: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
تفسير الآية (٤٩)
٠١:٠٩:٢٤
{وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ} [الطور: ٤٩]؛ يعني: وسبح ربك من الليل، لا كل الليل بل (مِن)، و(مِن) هنا للتبعيض، ولهذا لما سمع النبي صلى الله عليه وسلم بأقوام من أصحابه قال أحدهم: أنا أقوم ولا أنام، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أَمَّا أَنَا فَأَقُومُ وَأَنَامُ، وَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» ، ولذلك يُكره للإنسان أن يقوم الليل كله، حتى لو كان فيه قوة ونشاط فلا يقوم الليل كله، إلا في العشر الأواخر من رمضان؛ فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يحيي ليلها كله . وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ [الطور: ٤٩]؛ يعني: وقت إدبارها. وهل المراد إدبار ضوئها بانتشار نور الشمس، أو إدبار ذواتها عند الغروب؟ فالجواب: هذا وهذا، والمراد بذلك صلاة الفجر؛ لأن صلاة الفجر بها تدبر النجوم، وصلاة الفجر وصلاة العصر هما أفضل الصلوات الخمس، قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ الْقَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، فَإِنِ اسْتَطْعَتُمْ أَلَّا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَصَلَاةٍ قَبْلَ غُرُوبِهَا فَافْعَلُوا» ، والمراد بالصلاة قبل طلوع الشمس صلاة الفجر، وقبل غروبها صلاة العصر. وقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَنْ صَلَّى الْبَرْدَيْنِ دَخَلَ الْجَنَّةَ» ، والبردان هما صلاة الفجر وصلاة العصر، فصلاة الفجر براد الليل، وصلاة العصر براد النهار. وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ. وبهذا انتهى الكلام بما يسر الله عز وجل على سورة الطور. نسأل الله تعالى أن ينفعنا وإياكم بما علمنا، وأن يهدينا صراطه المستقيم، وألا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، ويهب لنا منه رحمة؛ إنه هو الوهاب.