تجاوز إلى المحتوى

تفسير سورة الصافات - ٥

درس صوتي · ٩١:٢٢

جارٍ تجهيز الصوت

انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها

إعدادات

اختصارات لوحة المفاتيح

Space أو K تشغيل وإيقاف ←→ خمس ثوانٍ JL خمس عشرة ثانية HomeEnd بداية ونهاية الدرس

محتوى الدرس

عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَيقول: (لا يرى بعضُهم قَفَا بعضٍ) للتقابل. (يُطَافُ عَلَيْهِمْعلى كلٍّ منهم بِكَأْسٍهو الإناء بشرابه مِنْ مَعِينٍ [الصافات: ٤٥] من خمرٍ يجري على وجْه الأرض كأنهار الماء). يُطَافُ عَلَيْهِمْ، يُطَافُفعل مضارع للمجهول، ولم يذكر مَن يطوف عليهم، لكن ذكر في آيةٍ أُخرى أنَّه يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا [الإنسان: ١٩] وِلْدَانٌيعني غِلْمان صِغار، كأنَّهم لؤلؤٌ مكنونٌ، إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًامن جمالهم وصفائهم وحُسْنهم، مَنْثُورًالتفرُّقهم في خدمة أسيادهم، واللؤلؤ إذا نُثِر تَبعثر في الأرض، فهُم متبعثرون في خدمة أسيادهم، كلٌّ له عملٌ، وهذا يَسُرُّ الإنسانَ أن يجد هؤلاء الغلمان كلٌّ في عمله، ليس فيهم متعطِّل، وليس فيهم منتظِرٌ للآخَر، ليسوا كغلمان الدنيا يتزاحمون كل واحد يقول: يلَّا خلِّص حتى يأتي دوري، لا، كلٌّ في خدمةٍ معيَّنة، وهذا ألذُّ ما يكون للسيد إذا رأى هؤلاء الغلمان قائمين بخدمته على هذا الوجه الذي (...)؛ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا. وقوله: بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍقال المؤلف: (هو الإناء بشرابه). الكأس معروفٌ، وهو الإناء بشرابه، وقد بيَّن الله تعالى أن هذا الكأس دِهاقٌ؛ وَكَأْسًا دِهَاقًا [النبأ: ٣٤] أي: مملوءة، ومع ذلك مملوءة بقَدْر معلوم، ليست كبيرةً وتُملأ فإذا شربها الإنسانُ تَعِب، وإذا أَبْقَى منها فضلةً صار غير شهيٍّ، وليست صغيرةً بحيث لا ترويهم، وهم لا يعطشون لكنْ تلذُّذًا، بل قال الله تعالى: مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا [الإنسان: ١٦]؛ يعني جُعِلتْ بقدْر ما يتلذَّذ به الشاربُ لا كبيرةً ولا صغيرةً. وقوله: بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍقال: (من خمرٍ يجرى على الأرض). الْمَعين في الأصل هو الماء الجاري، والمراد هنا بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍأي: من خمرٍ، مَعِينٍكعين الماء يجري، وقد بيَّن الله سبحانه وتعالى في سورة القتال أنَّ مَثَل الجنَّة التي وُعِدَ المتَّقون فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى [محمد: ١٥] أنهارٌ تجري، والذي خَلَق عز وجل مِن هذا الطائر الذي يُشبه الذباب خَلَقَ منه هذه الكميات الكثيرة من العسل قادرٌ على أن يخلق أنهارًا من العسل في الجنة، وليس هذا بغريب، وليست هذه الأنهار تأتي من نحلٍ، لكن تأتي بقول الله (كُنْ) فيكون، عسل مصفَّى ما فيه شمع ولا شوائب، من أحسن ما يكون (...) وطعمًا ورائحةً، وقد قال ابن القيم في النونية بناءً على حديث وَرَدَ في ذلك:

أَنْهَارُهَا فِي غَيْرِ أُخْدُودٍ جَرَتْ

سُبْحَانَ مُمْسِكِهَا عَنِ الْفَيَضَانِ

يعني ليست كأنهار الدنيا تحتاج إلى أُخدود؛ حدود تمنعها من الذهاب يمين وشمال أو حُفرة تُحفَر للنهر، لا، تجري على سطح الأرض على حسب ما يريده أهلُها من غير عُمَّال يوجِّهونها حَفْرًا أو إقامة أُخدود، بل تجري على ما تريد من غير تعب، قال:

.......................

سُبْحَانَ مُمْسِكِهَا عَنِ الْفَيَضَانِ

والذي أَمْسك البحرَ أنْ يُغرق أهلَ الأرض -وهو ليس بشيء بالنسبة للجَنَّة- قادرٌ على أن يُمسِك هذه الأنهار لا تزيغ يمينا ولا شِمالًا. طالب: شيخ، هل الأفضل (...) المكية؟ (...) لا يستطيعون في نظري في الوقت الحاضر (...) حفظ كتاب الله (...)، يعني بنأخذ من آخِر القرآن (...)؟ الشيخ: واللهِ اللي أرى أنَّه يبدأ من أول القرآن أحسن؛ لأنه أنشط له، يؤمِّل أنه سيلحق آخر القرآن، أمَّا إذا حفظ (...) من القرآن ما هو على كل حال ينشط. طالب: (...) عن التقابل هذا (...)؟ الشيخ: لا، الظاهر وقْت زيارات بعضهم لبعض. طالب: (...)؟ الشيخ: (...) ذكر ابن القيم في حادي الأرواح، ولكن سواء الزيارة عند الله يوم الجمعة أو زيارات بعضهم لبعض، هم يتزاورون بلا شك، والظاهر أن حتى جلوس الإنسان مع خاصَّته وأهله أنه لكمال أدبهم يكونون متقابلين. طالب: شيخ، أحسن الله إليكم، في (...) قول النبي صلى الله عليه وسلم: «فِيهَا مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ» ، يعني ظاهر الحديث أنها لم تُرَ، فإذا قلنا بأن آدم أُخرج من جنة الخلد (...)، أقول: كيف يُخرَّج الحديث، وكذلك النبي عليه الصلاة والسلام في الإسراء والمعراج؟ الشيخ: المراد أهل الدنيا الآن، أمَّا النادر -مَثَلًا- أن الرسول رأى الجنة دخلها ورأى ما فيها فهذه حالةٌ نادرة من آيات الله، وكذلك آدم عليه الصلاة والسلام. الطالب: يعني المراد أهل الدنيا الآن. الشيخ: المراد أهل الدنيا، وأنْ تعرف أنَّ كلَّ عامٍّ يمكن أن يُخصَّص.


طالب: (...) بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ (٤٦) لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ (٤٧) وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ (٤٨) كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (٤٩) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٥٠) قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ (٥١) يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (٥٢) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ (٥٣) قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ (٥٤) فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٥٥) قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (٥٦) وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ [الصافات: ٤٦ - ٥٧]. الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم قال الله تعالى إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ [الصافات: ٤٠] هذا مبتدأ النقاش؟ طالب: إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ [الصافات: ٣٨]. الشيخ: إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ (٣٨) وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [الصافات: ٣٨، ٣٩] هذه الجملة إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِفيها التفاتٌ من أين إلى أين؟ الطالب: (...) انتقل السياق من الغائب إلى المخاطَب. الشيخ: الغائب إلى المخاطب، مافائدته؟ الطالب: التنبيه (...) الأول يفيد التنبيه، وذلك يفيد شدة وقْع العذاب. الشيخ: التنبيه، طيب هذا واحد، وأصل التنبيه لكل التفات. الثاني: التفتَ من الغيبة إلى الخطاب؟ الطالب: لشدة وقْع العذاب. الشيخ: لأنَّه أَبْلغ في التوبيخ؛ حيث يواجه به الموبَّخ. طيب (...) طيب، كراسي، لكنها ليست كراسي الدنيا، موضونةٌ من الذهب؛ يعني: مخيطة ومنسوجة من الذهب. طيب، مُتَقَابِلِينَ [الصافات: ٤٤]؟ الطالب: يقابل بعضهم بعضًا (...). الشيخ: مُتَقَابِلِينَأي: يُقابل بعضهم بعضًا فلا أحد يكون قَفَا أحد. طيب، نأخذ الآن الدرس، الفوائد: قال الله عز وجل: إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ [الصافات: ٣٨]. في هذه الآية وما بعدها فوائد كثيرة: منها: أن هؤلاء المكذِّبين أو المستكبرين عن قول (لا إله إلا الله) سيذوقون العذاب؛ لقوله: إِنَّكُمْ لَذَائِقُووهذه الجملة مؤكَّدة باثنين وهما: (إنَّ)، واللام. ومن فوائدها: أن عذابَ هؤلاء عذابٌ مباشرٌ كما يباشر الإنسانُ أكْلَه؛ لقوله: لَذَائِقُو الْعَذَابِ، والأصل في الذَّوق أن يكون للطعام الذي يؤكل، ثم أُطلق على كل شيءٍ محقَّقٍ وقوعه. ومن فوائدها: أن عذابَ هؤلاء -والعياذ بالله- مؤلِمٌ، (أليمٌ) أي: مؤلِمٌ، وهو ألَمٌ لا يمكن للأبدان في الدنيا أن تتحمَّل جُزءًا منه؛ لأنهم -والعياذ بالله- يُعذَّبون بنارٍ أشد من نار الدنيا بتسعةٍ وستين جزءًا، وكلَّما نضجت جلودُهم بُدِّلوا جلودًا غيرها ليذوقوا العذاب. المهم أنَّه عذابٌ أليمٌ ألَمًا لا نظير له في الدنيا، ولا يمكن أن يتخيَّله الإنسان لشدَّته، نسأل الله أن يُجيرنا وإياكم منه. ومن فوائد هذه الآيات: كمالُ عدْلِ الله عز وجل حيثُ جَعَل الجزاءَ من جنس العمل؛ لقوله: وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [الصافات: ٣٩]، بخلاف الملوك من الدنيا أو أولياء الأمور من الدنيا فإنَّ جزاءهم على العمل قد يكون أكثر مما يستحق؛ قد يغضب الإنسانُ فيجازي مَن له سُلْطةٌ عليه بأكثر مما يستحق، أمَّا الله عز وجل فإنه لا يجازي الإنسانَ إلا بعمله. ومن فوائدها: إثبات الجزاء، ولازمُه إثباتُ البعث؛ لأن الجزاء الكامل على العمل إنما يكون يوم القيامة، فيكون في الآية دليلٌ على إثبات البعث وإثبات الجزاء. ومن فوائدها: الردُّ على الجبريَّة الذين يقولون: إنَّ الإنسان لا يعمل، وإنَّ عمل الإنسان لا يُنسب إليه لأنه مُجبَرٌ عليه، فتحرُّك الإنسانِ بالقول أو بالفعل كتحرُّكه الاضطراري، بل كتحرُّك الريشة بالهواء، ولكن هذا القول قولٌ تردُّه النصوصُ والعقولُ. ومن فوائد الآيات: أنَّ القرآن مثانٍ تُثَنَّى فيه المعاني حتى يكون الإنسانُ بين الخوف والرجاء فيما إذا ثُنِّي الترغيب والترهيب؛ كما في هذه الآيات إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ [الصافات: ٤٠]. ومن فوائد الآيات الكريمة: شرفُ القائمين بأمر الله؛ حيث أضافهم الله إلى عبوديَّته في قوله: إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ، ولا شكَّ أن فخرًا للإنسان أن يُنسب إلى عبادة الله، ولهذا يذكر الله سبحانه وتعالى وَصْف نبيِّه محمد صلوات الله وسلامه عليه في أشرف مقاماته؛ وَصَفَه بالعبودية عند ذِكْر إنزال القرآن عليه: تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ [الفرقان: ١]، وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا [البقرة: ٢٣]، ووَصَفَه بالعبودية في مقام الإسراء والمعراج: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ [الإسراء: ١]، وقال في المعراج: فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى [النجم: ١٠]، ووَصَفَه بالعبودية في مقام الدفاع عنه: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ [البقرة: ٢٣]، فإنَّ هذا تحدٍّ لهؤلاء المكذِّبين للرسول عليه الصلاة والسلام أنْ يأتوا بمثل ما جاء به، إذَنْ فالعبودية لله عز وجل لا شكَّ أنها فخرٌ للعابد، والشاعر يقول:

لَا تَدْعُنِي إِلَّا بِيَا عَبْدَهَا

فَإِنَّــــــــهُ أَشْــــــــرَفُ أَسْمَـــــــائِي

أعوذ بالله، فهذا يدلُّ على أنَّ العبودية للمحبوب من أشرف وألذِّ ما يكون للعابد. ومن فوائد الآيات الكريمة: أنَّ الله سبحانه وتعالى يَمُنُّ على مَن يشاء فيُخلصهم لنفسه حتى لا يكونوا عَبِيدًا لغيره؛ في قوله تعالى: إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ، وهذا أَبْلغ من {الْمُخْلِصِينَ}، وإنْ كان لكلٍّ منهما مَزِيَّةٌ، ولكن المخلَص الذي أَخْلصه الله عز وجل لنفسه فلم يكن له إرادةٌ سوى ربِّه، هذا أَبْلغ؛ قال: إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ. ومن فوائد الآيات الكريمة: أنَّ عباد الله عز وجل ينقسمون إلى قسمين: عبادٌ مخلَصون، وعبادٌ غير مخلَصين؛ فالعباد بمعنى عبوديَّة القَدَر هؤلاء غير مخلَصين، بل هم كالأنعام، بل هم أَضَلُّ، وأمَّا العباد لله تَعَبُّد شرعٍ فإنَّ هؤلاء هم المخلَصون. ومن فوائد الآيات: أن هؤلاء المخلَصين لهم عطاءٌ عند الله عز وجل معلومٌ عنده وعندهم؛ أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ [الصافات: ٤١] معلومٌ عند الله، ومعلومٌ عندهم؛ فإن الله تعالى أخبر عباده بما ينالونه يوم القيامة من أنواع الثواب. طيب، فإنْ قال قائل: هل هو معلومٌ بالحقيقة أو بالمعنى؟ فالجواب أنَّه معلومٌ بالمعنى، أمَّا الحقيقة فليس بمعلوم؛ يعني أنَّنا لا نعلم كُنْه هذا النعيم أو هذا الرزق؛ لقول الله تعالى: فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة: ١٧]، ولقوله تعالى في الحديث القدسي: «أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ» . إذَنْ لا نعلم من نعيم الآخرة إلا الأسماء فقط، أمَّا الحقائق فإنها ليست معلومةً كما قال ابنُ عباس رضي الله عنهما: ليس في الجنَّة شيءٌ مِمَّا في الدنيا إلا الأسماء . فاكهةٌ، نخلٌ، رمَّانٌ، لكن الحقائق تختلف اختلافًا عظيمًا، إذَنْ هو معلومٌ بالمعنى لا معلومُ الحقيقةِ والكُنْهِ؛ لأن ذلك لا يُدرَك إلا بحقِّ اليقين. ومن فوائد الآيات الكريمة: أنَّ أهل الجنة يأكلون هذا الرزق تَفَكُّهًا وتَنَعُّمًا، لا اقْتِياتًا يحتاجون إليه؛ لقوله: فَوَاكِهُ [الصافات: ٤٢]. في الدنيا يأكل الإنسانُ الطعامَ أحيانًا اقْتِياتًا للحاجة إليه، وأحيانًا تَفَكُّهًا وتلَذُّذًا، أمَّا في الآخرة فكلُّ طعامها تلذُّذ. ومن فوائد الآيات: أن أهل الجنة مُكْرَمون، مُكْرَمون بِمَن؟ من وجوهٍ ثلاثةٍ ذكرناها أمس: مِن قِبَل الله، مِن قِبَل الملائكة، مِن قِبَل الخدَم؛ الغلمان، فهُم مُكْرَمون من كلِّ وجه. ومن فوائد الآيات الكريمة: أنَّ جزاءَ الله للمحسن أكثرُ من عمله بكثير. أليس كذلك؟ لأنَّ إحساننا نحن للعمل لو نُسِب إلى ثواب الله لم يكُنْ شيئًا؛ قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» . ثم إحساننا مَهْما بَلَغ له مُنتهًى، مُنتهاه الموتُ، لكن ثواب الآخرة لا مُنتهى له، إذَنْ يتبيَّن بذلك أنَّ فضْلَ الله عز وجل وجزاءَه أكثرُ بكثيرٍ من عملِ العامل، فيكون هذا مصداقًا لقوله تعالى: كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [البقرة: ٢٦١]. ومن فوائد الآيات الكريمة: أنَّ الجنة أصنافٌ وأنواعٌ، من أين تؤخذ؟ من قوله: فِي جَنَّاتِ [الصافات: ٤٣]، ولكنَّها تشترك كلُّها في أنها جنَّاتُ نعيمٍ. ومن فوائدها أيضًا: أنَّ الجنَّة كلَّها نعيمٌ؛ نعيمٌ للبَدَن ونعيمٌ للقلب؛ فنعيمُ القلبِ بالسرور والانبساط والفرح الدائم الذي لا يعتريه هَمٌّ ولا غَمٌّ ولا حزنٌ، والبَدَن وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا [الإنسان: ١١]، وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ (٨) لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ [الغاشية: ٨، ٩]، إلى غير ذلك من الآيات الدالَّة على تنعيم هذا البَدَن، نفْسُ البَدَن منعَّم، وما يلبسه أيضًا من الزينة والحلي كذلك منعَّمٌ فيه. ومن فوائد الآيات الكريمة: سعةُ محلَّاتِ أهل الجنة لكونهم متقابلين على السُّرُر؛ لأنَّ التقابل يؤدِّي إلى سعة المكان، لا سِيَّما مع كثرتهم. ومن فوائد الآيات الكريمة أيضًا: كمالُ أدبِ أهل الجنة؛ حيث كانوا يتقابلون بحيث لا يقفو أحدُهم الآخَر، بل كلُّهم يكونون مستقبلي بعضِهم بعضًا، وهذا لا شكَّ أنَّه من كمال الأدب، والأدبُ في الحقيقة كما أنَّه حَسَنٌ في أهل الجنة فهو حَسَنٌ في أهل الدنيا أيضًا؛ قال الله تعالى: وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم: ٤]، ولا شكَّ أنَّ الإنسان إذا كان مؤدَّبًا كان محبوبًا عند الناس، فالجفاءُ وعدمُ المبالاة بالناسِ خُلُقٌ ذَمِيمٌ. ومِن ثَمَّ ننظر في مسائل نعملها: أولًا وقَبْل كلِّ شيءٍ مسألة السلام؛ نجدُ كثيرًا من الناس مع أنهم حريصون على العبادة لكنَّهم لا يُبالون بالسلام لا ابتداءً ولا ردًّا، وهذا خلافُ حالِ المؤمن مع أخيه، مِن حقِّ المسْلم على أخيه إذا لَقِيه أن يسلِّم عليه، ويسلِّم عليه سلامًا حقيقيًّا مقرونًا بالبشاشة، أمَّا أن يسلِّم عليه برأس أنْفه لولا حرفُ الصفير ما علمتَ أنَّه يسلِّم فهذا ليس بسلام. وأقبحُ من ذلك أنْ يسلِّم الإنسانُ على أخيه بصوتٍ بيِّنٍ واضحِ المخارجِ مسموعٍ ثم يردُّ ذلك عليه بصوتٍ لا يُسمَع، بل يردُّ عليه بأنْفه أو يردُّ عليه بيده هكذا، فإنَّ هذا لا شك أنَّه حرامٌ عليه؛ لأن الله يقول: إِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا [النساء: ٨٦]، فمعلومٌ أنه إذا.. (السلامُ عليكم)، (..كمُ السلام)، هذا أحسن ولَّا لا؟ أبدًا، ما هو أحسن، ولا مِثْل أيضًا، فلا بدَّ أن يكون إمَّا مِثْل، وهو أدنَى الواجبِ، أو أَحْسَنَ، وهو الأكْمَل. كذلك أيضًا نجد بعض الناس يستدبر إخوانَه ولا يهتمُّ بهم، وهذا خطأ، هذا لا ينبغي، وأنا أراه بعضَ الأحيانِ إذا سلَّمتُ من الصلاة يجيء واحد من الناس يتقدَّم ما يَشْعر أن وراءه بَشَرًا مِثْله، لماذا تتقدَّم عليهم؟ هذا مِمَّا يُوجِب اختلافَ القلوب، ولهذا قال الرسول عليه الصلاة والسلام في القوم عند صَفِّ الصلاة، قال: «لَا تَخْتَلِفُوا فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ» ، فجعَل الاختلافَ في التقدُّم والتأخُّر سببًا لاختلاف القلوب، أنا لو كنت جنب هذا الرجُل شعرت بأن هذا الرجُل أهانني حيث تقدَّم عليَّ ولقَّاني ظهرَه. يتعلَّل بعضُ الناسِ بأنَّه فيه ضيق مثلًا، وأنَّه يحبُّ أن يُريح رجليه فيتقدَّم ليتربَّع. نقول: إذا كنتَ هكذا فإمَّا أنْ تتقدَّم كثيرًا تقوم وتكون بعيدًا، وإمَّا أن تتأخَّر. يقول: ما أقْدر أتأخَّر؛ لأنَّ ورائي صفًّا يقضون الصلاة. نقول: إذَنْ قُمْ وتقدَّم بعيدًا حتى لا تستدبر الناسَ، أمَّا أنْ تستدبر عبادَ الله بعد أن فرغوا من الصلاة وتُخَلِّيهم وراء ظهرك فهذا لا شكَّ أنَّه سوءُ أدب، وأنَّ الذي إلى جانبك سوف يشعر بأنَّك أهنْتَه. كذلك أيضًا يوجد بعضٌ عندنا لا يُقَدِّر الصغيرُ مِنَّا الكبيرَ، يتقابل اثنانِ عند باب المسجد أو عند باب الدار ثم يتقدَّم الصغير يمكن بعجلة علشان يدخل قبل الكبير، هذا ما هو طيب، توقيرُ الكبيرِ مِن الخصال الطيِّبة ومِن صفات المؤمن، فكَوْن الإنسان لا يُبالي ولا يهتمُّ بغيره لا شكَّ أنَّه خلافُ الأدب، أهلُ الجنَّة -اللهم اجعلنا منهم- يكونون على السُّرُر متقابلين يجعلونها دائرةً حتى يُقابل بعضُهم بعضًا. من فوائد الآيات أيضًا: راحةُ أهل الجنَّة حيث كانوا متفرِّغين على السُّرُر يتحدَّث بعضهم إلى بعضٍ ويأنسُ بعضُهم ببعضٍ على وجْه التقابل. ومن فوائد الآيات الكريمة أيضًا: أنَّه في حال جلوسهم على السُّرُر فالخدَم تطوفُ عليهم بأنواع الملذَّات والمشروبات، ومنها أنها تطوفُ عليهم بكأسٍ من مَعِينٍ؛ كأسِ الخمر الصافي الخالي من الشوائب، لكنَّ هذا الكأس يكون مقدَّرًا على حسب ما يحتاجه الشاربُ؛ ليس كبيرًا فيُتعبه، ولا صغيرًا فينقص من لذَّته؛ كما قال الله تعالى: وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا (١٥) قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا [الإنسان: ١٥، ١٦]. ومن فوائد الآيات الكريمة: صفاءُ هذا الشراب الذي يُطاف عليهم به؛ لقوله: بَيْضَاءَ [الصافات: ٤٦]. إلى هنا انتهى ما سبق.


يقول الله عز وجل: بَيْضَاءَ [الصافات: ٤٦] (أشدَّ بياضًا من اللبن)، هكذا قال المؤلف: إنها (أشد بياضًا من اللبن)، والواقع أنَّ الآية لا تدلُّ على أنها أشدُّ بياضًا، وإنما جاء «أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ» في وصْف حوضِ النبي صلى الله عليه وسلم الذي يكون في عَرَصات القيامة، فقد جاء في وصْفه أنَّه «أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ، وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ، وَأَطْيَبُ مِنْ رَائِحَةِ الْمِسْكِ» ، أمَّا الخمر في الجنة فوَصَفه الله بالبياض فقط. قال: بَيْضَاءَ لَذَّةٍ [الصافات: ٤٦] (لذيذة)، وهنا عبَّر بـلَذَّةٍالمصدر عن اسم الفاعل أو اسم المفعول؛ لأن (لذيذ) يصلح لاسم الفاعل واسم المفعول؛ لأنَّ الوصف بالمصدر أَبْلغ من الوصف بالمشتقِّ من المصدر؛ فأنت إذا قلتَ: فلانٌ عدْلٌ، أَبْلغ مما إذا قلت: فلانٌ عادلٌ؛ كأنَّك جعلتَه هو العدل بنفسه، فهُنا وَصَفَ هذا الخمرَ أو هذه الكأسَ بأنها لَذَّةٍ؛ يعني كأنها هي اللَّذَّةُ لا الشيء المتَّصف باللَّذَّة، فالتعبير بالوصف عن الموصوف أَبْلغ من التعبير بالموصوف؛ لأنَّه تعبيرٌ بالأصل عمَّا تفرَّع منه، فالمشتقُّ متفرِّعٌ من المشتقِّ منه؛ من المصدر. لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ [الصافات: ٤٦]، لِلشَّارِبِينَهذه من باب التوكيد؛ يعني أنهم في حال شُربهم إيَّاها يتلذَّذون بها، بخِلاف خمر الدنيا فإنَّه يقول: (إنها كريهةٌ عند الشُّرب)، أمَّا خمر الآخرة فهي لذَّةٌ للشاربين. هي أيضًا سالمةٌ من الآثار السيئة؛ كما قال: لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ [الصافات: ٤٧].


طالب: (...) بعض الناس يوم الجمعة يكون في طرف الصف ما يرى الخطيب (...)؟ الشيخ: (...) بوجهه. الطالب: (...). الشيخ: ثم إنَّ استدباره ما هو باستدبار كامل في الواقع؛ أولا: هو في الصف جانبه، والشيء الثاني: ما هو باستدبار كامل؛ يعني ما هو بيخليه مثلًا يسار صاحبه عند ظهره، لا. الطالب: (...). الشيخ: يعني ما هو بكامل، ثم هذا لعذرٍ وحاجةٍ، وصاحبك يعذرك في مثل هذه الحال. الطالب: في قوله تعالى: الْمُخْلَصِينَذكرنا أن المخلَصين من الشيطان، جاء في صحيح مسلم أنه ما من مولودٍ يولدُ لابن آدم إلا وُلِد للشيطان قرينٌ له، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنَّ اللَّهَ أَعَانَنِي عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ» أو «فَأَسْلَمُ» ، كيف الجمع؟ الشيخ: ما فيه إشكال هذا؛ لأنه مَن لو وُلد قرينه نَجَّاه الله منه، فالرسول عليه الصلاة والسلام مؤكد أن الله نَجَّاه منه، وأمَّا غيره فهو تحت الخطر، قد ينجو وقد لا ينجو.


طالب: (...) يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (٤٥) بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ (٤٦) لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ (٤٧) وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ (٤٨) كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (٤٩) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٥٠) قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ (٥١) يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (٥٢) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ (٥٣) قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ (٥٤) فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٥٥) قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (٥٦) وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٥٧) أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (٥٨) إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٥٩) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٠) لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ [الصافات: ٤٥ - ٦١]. الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله عز وجل: لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ [الصافات: ٤٧] هذا مبتدأ الدرس، وقد سبقت -أظن- في الفوائد والمناقشة بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ [الصافات: ٤٦]. لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ [الصافات: ٤٧] (بفتحِ الزاي وكسرِها؛ من: نزفَ الشاربُ وأنزفَ؛ أي: يسكرون، بخلاف خمر الدنيا). قال: لَا فِيهَا غَوْلٌيعني: ليس في هذه الكأس، والمراد الخمر الذي فيها؛ يعني هذه الكأس ليس فيها غَولٌ، ورُفِعتْ غَوْلٌمع أنَّ لَانافية لأنه يُشترط لعَمَلِها عَمَلَ (إنَّ) الترتيب؛ يعني أن يتقدَّم الاسم على الخبر، فإن تأخَّر وجب الرفع. وقوله: غَوْلٌأي: (ما يغتال عقولَهم)، ففسَّر المؤلف الغَول بأنَّه ما يؤثِّر على العقل، ثم قال: وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ(أي: يسكرون)، والسكر هو اغتيال العقل، فالقول الراجح في هذه الآية أن المراد بالغَول ما يغتال أبدانَهم من صُداعٍ في الرأس ووجعٍ في البطن، بخلاف خمر الدنيا فإنَّه يكون فيها الصداعُ ويكون فيها وجعُ البطن كما ذكر ذلك ابنُ كثيرٍ وغيرُه. أمَّا النَّزْف فقال: وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَيقول المؤلف: (يسكرون) من: نَزَفَ الشاربُ وأنزفَ إذا سِكَر، بخلاف خمر الدنيا فإنَّ الإنسان يسكر فيها ويزول عقلُه، أمَّا في الآخرة فهي خاليةٌ من هذا، إذَنْ يصدُق عليها ما وصفها الله به في قوله: وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا [الإنسان: ٢١] أي: مطهَّرًا من كلِّ ما يحصل من خمر الدنيا. قال: وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ [الصافات: ٤٨]. عِنْدَهُمْعند مَن؟ عند أصحاب الجنة الذين هم عباد الله المخلصون؛ لأن الله قال: إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ [الصافات: ٤٠] ثم ذكر ما لهم من الثواب، فيكون الضمير عائدًا على عباد الله المخلصين. (وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِحابساتُ الأعينِ على أزواجهنَّ لا ينظُرْنَ إلى غيرهم لِحُسْنهم عندهنَّ). قوله: قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ، قَاصِرَاتُاسمُ فاعلٍ مضافٌ إلى فاعله؛ أي: اللاتي قصرت أطرافُهُنَّ على أزواجهنَّ؛ يعني أنَّهُنَّ لا ينظُرْنَ إلى غير أزواجهنَّ، وهذا لا شكَّ أنَّه من نعمة الله على الزوج ومن كمالِ السعادة ألَّا تنظر المرأةُ إلى غير زوجها؛ لأنها إذا نظرتْ إلى غير زوجها فسوف يُلقي الشيطانُ في قلبها مودَّةَ هذا المنظور وكراهةَ الزوج، فإذا كانت قد قصرتْ طَرْفَها على زوجها فإنَّ هذا من كمال السعادة الزوجية. فيه وجه آخَر: أنهنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِأي: قاصراتُ أطرافِ أزواجهنَّ؛ يعني أنَّ الزوج لا ينظر إلى سواهنَّ، فهو قد قَصَرَ طَرْفَه عليها؛ وذلك لكمالها وحُسْنها في نظره. وحينئذٍ يكون لقَصْر الطرفِ معنيان؛ المعنى الأول: أنهنَّ قد قصَرْنَ أطرافَهنَّ على أزواجهنَّ، والمعنى الثاني: أنَّ أزواجهنَّ قد قصروا أطرافَهم عليهنَّ، وكلا المعنيين صحيح. قال: قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌجمع عَيْناء، والمعنى أنهنَّ حسناتُ العيونِ، وحُسْن العين يكون بأمرين؛ قال: (ضِخامُ الأَعْيُنِ حِسَانُها)؛ يعني أنَّ العين واسعةٌ، ومع سعتها فإنها جميلةٌ حسنةٌ، ولا شكَّ أن حُسْن العين يوجب حُسْن الوجه ويزيده حُسْنًا إلى حُسْنه؛ كالقلادة -مثلًا- تزيدُ المرأةَ حُسْنًا إلى حُسْنها. وقال: (كَأَنَّهُنَّفي اللون بَيْضٌللنَّعام مَكْنُونٌ [الصافات: ٤٩] مستورٌ بريشِهِ لا يَصِلُ إليه غبارٌ، ولونُه -وهو البياض في صُفرة- أحسنُ ألوان النساء). لَمَّا وَصَفَ هؤلاء النساء بأنهنَّ عِينٌ وَصَفَ بقيَّة أجسامهنَّ فقال: كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ، و(كأنَّ) هذه للتشبيه، والبَيْض في الآية الكريمة مُنَكَّر، ولكن المؤلف حمله على بيضٍ معيَّنٍ وهو بيضُ النعام، وبيض النعام أبيض في صُفْرةٍ. قالوا: وهذا أحسنُ ألوان النساء. وقيل: إن البيض مُطْلق، والمعنى أنهنَّ يُشْبهن في البياض والرِّقَّة البيضَ، وليس المراد البيض القشور، بل البيض الذي هو بياضُ البيضة لرقَّته وبيانه وحُسنه، وهو مكنونٌ بما على البيضة من قشرة، وهذا الأخير هو الأقرب لظاهر اللفظ؛ لأن الله عز وجل أطلقَ قال: كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ، ولو كان المراد ما قاله المؤلف؛ أي: لو كان المراد بيضًا معيَّنًا لَقال: كأنهنَّ البيض المكنون، لتكون (أل) دالَّةً على معهودٍ ذهنِيٍّ، فالصواب أنَّه عامٌّ وأنهنَّ لرِقَّتهنَّ وبياضهنَّ ونعومة الملمس كأنهنَّ البيض؛ أي: البياض الذي في البيض وهو مكنونٌ بقشره، أمَّا على رأي المؤلف فهو مكنونٌ بالريش الذي تضعه النعامة على بيضها حتى لا يأتيه الغبار كما قال المؤلف. (فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْبعضُ أهل الجنة عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ[الصافات: ٥٠]) بعض أهل الجنة الذين هم عباد الله المخلصون أقبلَ بعضُهم على بعض، وقد سبق أنَّهم عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ [الصافات: ٤٤] لكن الإقبال هنا فُسِّر بقوله: يَتَسَاءَلُونَيعني: صار بعضُهم يسأل بعضًا مع اتجاه بعضهم إلى بعض، كما هو الأدبُ في المخاطَبة أنك إذا خاطبتَ شخصًا فلا تُخاطبه إلا وأنت مُقْبلٌ عليه بِجُمْلتك، فهُم كذلك. أَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ(عمَّا مَرَّ بهم في الدنيا). وإنْ شئتَ فقُل: يتساءلون عن كلِّ أحوالهم في الدنيا وفي الآخرة؛ لأن الآية مُطْلقة، وما أَطْلقه الله فإنَّه لا ينبغي أن يُقَيَّد، ويكون ما ذُكِر من القصة مثلًا من الأمثال التي يتحدَّثون بها. قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ (٥١) يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ [الصافات: ٥١، ٥٢] إلى آخره. يعني من جملة ما يتحدَّثون به ما يجري لبعضهم من محاولة صدِّه عن سبيل الله وكُفره بالله. قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْأي: من أهل الجنة إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌكان متى؟ طلبة: في الدنيا. الشيخ: في الدنيا؛ لأن كَانَفعلٌ ماضٍ. لِي قَرِينٌقال المؤلف: (صاحبٌ). هذا القرين هل هو قرينٌ جِنِّيٌّ أو إنسيٌّ؟ قيل: إنَّه جنِّيٌّ؛ لقول الله تعالى: وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ [الزخرف: ٣٦]، وقيل: إنَّه إنسيٌّ؛ يعني يُقارنه ويوسوس له. والآية تحتمل المعنيين، والقاعدة عندنا في التفسير أنَّ الآية إذا كانت تحتمل معنيين لا يُنافي أحدُهما الآخَر فإنَّ الواجب حملُها عليهما، ولا شكَّ أنَّ للإنس شياطين كما أنَّ للجنِّ شياطين، وأنَّ شياطين الإنس يوسوسون كما يوسوس شياطين الجنِّ، إذَن فالآية عامَّة؛ قَرِينٌإمَّا من الإنس أو من الجنِّ أو منهما جميعًا. وقوله: قَرِينٌقال: (صاحبٌ)، وهو مشكلٌ؛ إذْ كيف يكون المؤمنُ مصاحبًا لمشركٍ؛ لأن الواجب أن يكون بين المؤمنين والكافرين التباعدُ وعدمُ المصاحبة؛ لقول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ [المائدة: ٥١]، ولقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ [الممتحنة: ١]، لكنْ قيل: إنَّ المرادَ بالقرين هنا الشريكُ في مالٍ أو سفرٍ أو ما أشبهَ ذلك، وليس المراد بذلك الصُّحبة التي تستوجب الموالاة أو المحبة. يَقُولُهذا القرين أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ. يَقُولُقال المؤلف: (تَبْكيتًا) يعني يُبَكِّته ويلومه ويوبِّخه: كيف تصدِّق بذلك؟! وقيل: بل يقول هذا نفيًا وإنكارًا، والآية تحتمل هذا وهذا، تحتمل أنَّ هذا القرين إذا عرض عليه المؤمنُ أن يؤمن بالبعث قال له هذا الكلامَ استبعادًا وإنكارًا له، ويحتمل أنَّه يُبَكِّته فيلومه ويوبِّخه على أن يصدِّق. قال: يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ(بالبعث) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا [الصافات: ٥٣] إلى آخره، مرَّ علينا أن مِثْل هذا الاستفهام المقرون بـ(إنَّ) أو غيرها من أدوات التوكيد أنَّه استفهامٌ يؤكِّد فيه المستفهِم أيش؟ الإنكار، يؤكِّد فيه الإنكار؛ يقول: كيف تُثبت وتُصَدِّق وتؤكِّد كذا وكذا مع أنَّه ليس بصحيح؟! ومنه قول إخوة يوسف: أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي [يوسف: ٩٠]، هذا يقول: أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَيعني: كيف تصدِّق تصديقًا مؤكدًا بـ(إنَّ) واللام في هذا الأمر البعيد المنكر؟! وقوله: (بالبعث)، إنَّما قيَّد المؤلفُ ذلك بالبعث لقوله: أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًافيكون الذي خصَّص التصديقَ بالبعث قرينةُ السياق. أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ [الصافات: ٥٣] قال: (في الهمزتين في الثلاثة مواضع ما تقدَّم). ويش اللي تقدم؟ أربع قراءات: تحقيق الهمزتين، وتسهيل الثانية، وإدخال ألِفٍ في التحقيق، وإدخال ألِفٍ في التسهيل. يقول: أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ(مجزيُّون ومحاسَبون، أنكر ذلك أيضًا). فانظر إلى هذا القرين المشؤوم -والعياذ بالله- الذي يُبَكِّت ويوبِّخ ويُنكر هذا الأمر المؤكَّد الذي دلَّ عليه الكتاب والسُّنة والعقل، فيقول: كيف نُبعث ونُجازَى بعد أن كُنَّا ترابًا وعظامًا؟! يقول: قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ [الصافات: ٥٤] (قَالَذلك القائلُ لإخوانه قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَمعي إلى النار لننظر حاله. فيقولون: لا). يقول هذا الرجلُ لأصحابه الذين معه في الجنة: هل أنتم مطَّلعون؟ والاستفهام هنا للعرض؛ يعني يعرض عليهم أن يطَّلعوا إلى هذا القرين، وإنما عرضَ عليهم ذلك من أجْل أن يتبيَّن قَدْر نعمة الله عليهم؛ لأن الإنسان إذا رأى هذا القرين الذي كان معه في الدنيا يقول له ما ذكر، إذا رآه في النار وهذا في أكمل النعيم، لا شكَّ أنه يزداد شُكرًا لله عز وجل على نعمته؛ إذْ لو شاء لجعله مثله، لا سِيَّما وأنَّ هذا الرجل يحاول بكل ما يستطيع أن يصُدَّ هذا عن سبيل الله، فيكون في الاطِّلاع فائدةٌ عظيمةٌ وهي معرفة قدْر نعمة الله عليهم بهذا النعيم، وليس المراد بهذا الاطِّلاع الشماتة بهذا الرجل؛ لأنه لو كان المراد الشماتة لَكان في ذلك نوعُ فخرٍ على هذا الرجل واستطالة، ولكن المراد أن يعرفوا قدْر نعمة الله عليهم؛ لأن الأشياء تتبيَّن بضدِّها. قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَقال المؤلف رحمه الله: (فيقولون: لا). من أين أتى بهذا؟ أتى به بقوله: فَاطَّلَعَ [الصافات: ٥٥]، ولم يقُل: فاطَّلعوا. ولكن الجزم بأنهم قالوا: لا، فيه نظر؛ لاحتمال أنهم سكتوا، ولَمَّا عَلِم أنه لا رغبة لهم فيه -في الاطِّلاع- ذهب فاطَّلع، ويحتمل أنهم مشوا معه ووقفوا ولكنْ لم يطَّلعوا، فلهذا لا ينبغي أن نجزم بأنهم قالوا: لا، لا سِيَّما وأنَّ المعروف من أدب أهل الجنة بعضهم مع بعض أنَّه فوق هذا المستوى الذي يطلب منهم ويعرض عليهم عرضًا أن يطَّلعوا إلى هذا الرجل الذي كان يُبَكِّته ويُنكر البعث، لينظر ماذا فعل الله به وما فعل الله بهذا المصدِّق، حتى يتبيَّن بذلك قدْر نعمة الله عليه وكمالُ حكمته بتعذيب هذا الرجل المنكر؛ أقول: إنه يَبْعد أن يقولوا: لا، فإمَّا أن يقال: إنهم قاموا ولكنه لَمَّا كان هو المعنِيَّ بهذا الأمر نسب الأمر إليه فقال: فَاطَّلَعَ؛ يعني يحتمل أنهم قاموا فاطَّلعوا، ويحتمل أنهم قاموا معه ولم يطَّلعوا بلْ وقفوا عند المكان الذي وقف عليه، ويحتمل أنهم سكتوا وعرف أنهم لا يريدون ذلك ثم تقدَّم، المهمُّ ألَّا نجزم بهذا القول الذي قاله المؤلف. (فَاطَّلَعَذلك القائلُ من بعض كُوَى الجنة)، (كُوى) جمع كُوَّة؛ يعني أنَّ الرجل اطَّلع على هذا. فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ [الصافات: ٥٥] رأى قرينه رؤيةَ عينٍ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِأي: وسط النار يعذَّب. ولهذا قال له: قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (٥٦) وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ [الصافات: ٥٦، ٥٧]. قال المؤلف: (قَالَله تشميتًا). هذا ما ذهب إليه المؤلف أنَّه قال له ذلك يشمتُ به. ويحتمل أنَّه قال متحدِّثًا بنعمة الله: تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ، ولكن الله مَنَّ عليَّ فلم تستطع أن تُرْديني، وهذا هو الأقرب. قال له: (تَاللَّهِ إِنْمخفَّفة من الثقيلة). قوله تَاللَّهِهذا قَسَمٌ بحرف التاء، والقَسَم تعريفة: تأكيد الشيء بذِكْرِ مُعَظَّمٍ بصيغةٍ مخصوصةٍ، وكان القسم تأكيدًا لأن المقسِم كأنه يقول بلسان حاله: إنَّ منزلة هذا عندي وقدْره عندي أؤكِّد به ما أخبرتُ به؛ إذا كان خبرًا، أو: ما سأفعلُه؛ إنْ كان إنشاءً. على كلِّ حالٍ القَسَمُ هو تأكيد الشيء بذِكْر مُعَظَّمٍ بصيغةٍ مخصوصةٍ. حروف القَسَم ثلاثةٌ: الواو، والتاء، والباء. وتختلف؛ فأكثرها استعمالًا الواو، وأشملُها في الاستعمال الباء؛ لأن الباء يُقسم بها مقترنةً باسمٍ ظاهرٍ مثل: أُقسم بالله، وبضميرٍ مثل: ربِّي أُقسم به لأفعلنَّ كذا وكذا، ومع ذِكْر العامل ومع حذْفه، أمَّا الواو فلا تدخل إلا على اسمٍ ظاهرٍ ويجب معها حذف العامل، وأمَّا التاء فلا تدخل إلا على أسماء مخصوصة وهي: (الله) و(رب)، وقيل: إنها تدخل أيضًا على (الرحمن)، ومع ذلك لا يُذكر معها فعلُ القسم، فأوسعها استعمالًا الباء، وأكثرها استعمالًا الواو. قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَيقول المؤلف: (إِنْمخفَّفة من الثقيلة)، فأصلُها (إنَّ)، إذَن هي تفيد التوكيد، وإنما قال: (مخفَّفة من الثقيلة) لأن (إنْ) تأتي على أوجُهٍ متعدِّدة. طالب: تأتي مخفَّفة من الثقيلة. الشيخ: تأتي مخفَّفة من الثقيلة. الطالب: (...). الشيخ: طيب. الطالب: وتأتي مؤكِّدة غير مخفَّفة. الشيخ: لا، إذا صارت غير مخفَّفة صارت (إنَّ)، نحن نتكلم عن (إنْ)، تأتي مخفَّفة من الثقيلة. طالب: وتأتي نافية. الشيخ: وتأتي نافية. الطالب: وتأتي شرطية. الشيخ: وتأتي شرطية. الطالب: وتأتي زائدة. الشيخ: وتأتي زائدة. طيب، مثالها شرطية؟ طالب: إنْ كنتُ سأفعل. الشيخ: إن كنتُ سأفعلُ! الطالب: أو: إنْ قام زيدٌ أعطيتُه مالًا. الشيخ: إنْ قام زيدٌ أعطيتُه مالًا، زين، طيب، هذه (إنْ) شرطية. نافية؟ طالب: إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا [الأنعام: ٢٩]. الشيخ: إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا، إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ [فاطر: ٢٣]. زائدة؟ طالب:

بَنِي غُدَانَةَ مَا إِنْ أَنْتُمُ ذَهَبٌ

......................

إلى آخره. الشيخ: إلى آخره، طيب، الشاهد قوله: (مَا إِنْ أَنْتُمُ ذَهَبٌ) لأنَّ التقدير: ما أنتم ذهبًا، وهذه يؤتى بها على أنَّ (ما) الحجازية تعمل عَمَل (ليس) بشرط ألَّا يكون بعدها (إن) الزائدة. قال: إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ، كِدْتَيعني يقول المؤلف: (قاربتَ)؛ لأن (كاد) تدلُّ على المقارَبة، فهي من أفعال المقاربة، وقد اشتهر عند النحويِّين أنَّ نَفْيها إثباتٌ وإثباتَها نفيٌ؛ فإذا قلت: (كاد يفعلُ) فهذا إثباتٌ، لكنَّه يدلُّ على أنَّه فَعَل ولَّا لم يفعل؟ طلبة: لم يفعل. الشيخ: لم يفعل، وإذا قلت: (لم يَكَدْ يفعلُ كذا) هذا نفيٌ، لكنْ يدلُّ على أنه فَعَلَ؛ لقوله تعالى: فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ [البقرة: ٧١]، لكن هذا الذي اشتهر ليس بصحيح، فهي كغيرها من الأفعال إثباتُها إثباتٌ ونفيُها نفيٌ. فإذا قلت: (كاد يفعلُ كذا) فإنَّها إذا كانت بمعنى (قارَبَ) تدلُّ بمادَّتها على أنه لم يفعل؛ لأن مَن قاربَ الشيءَ لم يدخل فيه، وعلى هذا فإثباتُها إثباتٌ، فهي أثبتت المقاربة، والمقاربة تدلُّ على عدم أيش؟ على عدم الفعل. وأمَّا (لم يَكَدْ يفعل كذا) فهذه أيضًا تدلُّ على انتفاء الفعل وأنَّه ما قاربَ فِعْله، ما قاربَ أن يفعل هذا الشيء، لكن إنْ وُجِد قرينةٌ تدلُّ على الفعل مثل: فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَفالإثبات جاء من كلمة أيش؟ طلبة: فَذَبَحُوهَا. الشيخ: فَذَبَحُوهَا، لا من كلمة مَا كَادُوا يَفْعَلُونَ. ولهذا قال الله سبحانه وتعالى: أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا [النور: ٤٠]، هل نقول: إنه يراها؟ لا، بل نقول: لا يُقارب أن يراها؛ يعني هذه الظُّلُمات العظيمة لو تحط إيدك جنب عينك ما شُفتها. إذَنْ فهذا القول المشهور ليس بصحيح، بل نقول: إنَّ (كاد) كغيرها من الأفعال؛ إثباتُها إثباتٌ ونفيُها نفيٌ، لكن معناها معنى (قَرُب). قال: إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِاللام هذه للتوكيد، لكنْ يعبِّر عنها بعض النحويين بقولهم: اللامُ فارِقةٌ، أو: اللامُ لامُ الفَرْق، يعنون بذلك أنها تفرق بين (إن) النافية وبين (إن) المخفَّفة من الثقيلة؛ لأنها إذا جاءت بعد (إنْ) فإنها تدلُّ على أنها مخفَّفة من الثقيلة وليست بنافية؛ لأن النفي لا يؤكَّد باللام. وهل تجب هذه اللام الفارقة في خبر (إنْ)؟ نقول: في هذا تفصيلٌ؛ إن كان المعنى واضحًا فإنها لا تجب، وإن كان المعنى خفِيًّا فإنها تجب؛ يعني إن احتمل السياق أن تكون (إنْ) للنفي وجب الإتيانُ بلامٍ فارقةٍ، وإن لم يكُن يحتمل لم يجب، فقول الشاعر:

.......................

وَإِنْ مَالِكٌ كَانَتْ كِرَامَ الْمَعَادِنِ

هذه لم تأتِ فيها اللام؛ لأن السياق يُراد به مدحُ هؤلاء الجماعة، أو هؤلاء القبيلة، والمدحُ لا يناسبه النفي وإنما يناسبه الإثبات. لكنْ إذا قلت: (إنْ زيدٌ قائمٌ) وجب عليك الإتيانُ باللام فتقول: (إنْ زيدٌ لقائمٌ)، لماذا؟ لأنك لو لم تأتِ باللام لاحتملَ أنْ يكون معنى قولك: (إنْ زيدٌ قائمٌ) ما زيدٌ قائمٌ، ولهذا سماها بعض النحويين: لام الفَرْق، أو: اللام الفارقة، ولهذا قال ابن مالك:

وَخُفِّفَتْ (إِنَّ) فَقَلَّ الْعَمَلُ

وَتَـــلْزَمُ اللَّامُ إِذَا مَا تُهْـمَلُ

وَرُبَّمَــا اسْتُغْنِيَ عَنْهَا إِنْ بَدَا

مَـــــا نَاطِـــقٌ أَرَادَهُ مُعْتَــــمِدَا

فبيَّن رحمه الله أنَّ اللام تَلْزم إذا أُهملت، أمَّا إنْ أُعمِلت فالأمر واضحٌ؛ لو قلت: (إنْ زيدًا قائمٌ) فلا حاجة إلى اللام، لماذا؟ لأن (إن) النافية لا تنصب المبتدأ وترفع الخبر، والذي ينصب المبتدأ ويرفع الخبر هي (إن) المخفَّفة من الثقيلة. وخلاصة هذه المسألة النحوية أن نقول: (إن) المخفَّفة من الثقيلة تعمل، ولكن عملها قليل، فإذا أُهملت وجبت اللامُ في خبرها إلا إذا كان المعنى واضحًا؛ فإذا قلت: (إنْ زيدًا قائمٌ) تجب اللام أو لا؟ طلبة: لا. الشيخ: لماذا؟ لأن (إن) النافية لا تنصب المبتدأ، فالمعنى واضح أنها مخفَّفة، وإذا قلت: (إنْ زيدٌ قائمٌ) وجب الإتيانُ باللام؛ لأنك لو حذفتَها احتمل أنْ يكون للنفي وأنْ يكون للإثبات. طيب، وإذا كان الرجلُ يمتدح شخصًا ويقول: إنْ زيدٌ كريمٌ؟ طلبة: ما تجب. الشيخ: ما يحتاج، لماذا؟ لأن المدح يقتضي أن تكون (إنْ) مخفَّفةً من الثقيلة لا نافيةً، والله أعلم. الطالب: بالنسبة لـقَرِين [الصافات: ٥١] تأتي بمعنيين؛ الإنس والجن. الشيخ: إي نعم، تأتي بمعنيين؛ لأن الإنسان له قُرَناء من الإنس يقولون له هذا القول، يقول: كيف تُصَدِّق أنك ستُبعث بعد أن كنتَ ترابًا وعظامًا؟ الطالب: قصدي -يعني- ضمير المفرد فَاطَّلَعَ فَرَآهُيدلُّ على واحد؛ إمَّا إنسي أو جنِّي. الشيخ: إي نعم، إما إنسي وإما جنِّي أنَّه رأى، يعني ليس معناه أنَّه يرى كل واحد. الطالب: يعني محتمل بعض الناس (...) إنسي، ومحتمل.. الشيخ: وبعض الناس يكون جنيًّا، أو منهم ما يوفق (...) اطَّلع إلا على الإنس أو الجن. طالب: كلمة أَإِذَاهل كلَّما وردت في القران (...) فيها هذه القراءات الأربع؟ الشيخ: لا، القراءة سمعية ما هي قياسية. الطالب: (...) كذا مرة؟ الشيخ: إي نعم، ما يخالف، لكن ما (...) قاعدة، (إبراهيم) الآن فيها قراءات كثيرة (إبراهام) في عدة مواضع من القرآن، ومع ذلك لا نقول: إنه قياس مطَّرد كلَّما جاءت (إبراهيم) فيها قراءتان؛ مثلًا {إِنَّ إِبْرَاهَامَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا} [النحل: ١٢٠] ما نقول: كلَّما جاءت (إبراهيم) قل (إبراهام). طالب: (...) الغَول، فيه تقارب بين (الغَول) و(الغُول)، (...) تقارب في اللغة بين (الغَول) و(الغُول)، فيه تقارب بينهما؟ الشيخ: لا، ما بينهما؛ (الغُول) هي الغيلان التي تتراءى للناس في الأسفار وتُرَوِّعهم وتصدُّهم عن الطريق. طالب: شيخ، أحسن الله إليكم، هل صحيح أن أصل اسم (إبراهيم) الأب الرحيم؟ الشيخ: الأب الرحيم! الطالب: نعم. الشيخ: لا، (إبراهيم) عَلَم مثل بقية الأعلام. طالب: (...) يَقُولُ [الصافات: ٥٢] يعني الجني وسوس ولم يقُل (...). الشيخ: لا، الوسواس يُطلق علي القول؛ لأنه حديث النفس، القول قد يكون المراد به حديث النفس، فالذي يحدِّثك بنفسك يكون قائلًا لك. طالب: ألا يحتمل قوله: إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ [الصافات: ٥١] أن هذا المؤمن قبل أن يتوب كان له قرينٌ من الإنس كان..؟ الشيخ: لا، لأنه يقول: أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ [الصافات: ٥٢]، مُصَدِّق. الطالب: قبل أن يتوب كان معه. الشيخ: لا؛ مُصَدِّق، هو (...) الآن على التصديق؛ يقول: كيف تُصَدِّق بهذا الشيء؟! طالب: فِيهَا غَوْلٌ [الصافات: ٤٧] يحتمل الهاء تعود على الجنة؟ الشيخ: لا، ما يحتمل، السياق يمنع أن يكون المرجع إلى الجنة؛ لأنه يتحدث عن هذه الكأس. طالب: وقد وصفها بأوصافٍ قبلها. الشيخ: بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ (٤٦) لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ [الصافات: ٤٦، ٤٧]، الجنة ما يُنْزَف عنها أبدًا، لو نُفِي النَّزْف عن الجنة ما صار له معنى.


طالب: فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٥٥) قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (٥٦) وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٥٧) أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (٥٨) إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٥٩) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٠) لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ (٦١) أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (٦٢) إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (٦٣) إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤) طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ (٦٥) فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٦٦) ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ (٦٧) ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ (٦٨) إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ (٦٩) فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ [الصافات: ٥٥ - ٧٠]. الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله عز وجل: وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ (٤٨) كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ [الصافات: ٤٨، ٤٩]. قوله: قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ، معناها؟ طالب: قَاصِرَاتُ الطَّرْفِأي: الحور العِين، (قاصر) اسم فاعل؛ يعني: قاصرات نظرَهن على أزواجهنَّ فقط. الشيخ: أحسنت. الطالب: ويحتمل أيضًا أنَّ أزواجهنَّ يقصرون الطرف على زوجاتهم فقط، يعني يحتمل الأمرين. الشيخ: أمرين: أن تكون هي تقصر طرفَها على زوجها، وزوجُها أيضًا.. الطالب: يقصر طرفه على زوجته. الشيخ: أحسنت. طيب، قوله عِينٌ؟ طالب: أي: ضِخام العيون جميلاتها، ضخام العيون في اتِّساع. الشيخ: طيب تصريفها أيش؟ تصريف عِينٌ؟ الطالب: جمع. الشيخ: جمع أيش؟ طالب: عَيْناء. الشيخ: جمع عَيْناء. طيب، قوله كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ، أيُّ بيضٍ هذا؟ طالب: أنا ما حضرت، بس البيض المكنون يعني: البيض الذي مكنون من الغُبار والشوائب. الشيخ: يعني: مغطى. الطالب: يعني: بياضهنَّ كبياض البيض المكنون. الشيخ: المغطَّى المحفوظ عن الغُبار وغيره، طيب. طالب: بيض النعامة، المؤلف أنه بيض النعام. الشيخ: المؤلف يرى أنها بيض النعام. الطالب: بيض النعامة المغطَّى بريشها. الشيخ: بريشها؛ لأنه أبيض مُشرب بصُفرة، وهذا أحسن ألوان النساء. طيب على رأي المؤلف ما الذي خصَّصه؟ مالذي خصَّص البيض ببيض النعام؟ طالب: (...) قرينة السياق. الشيخ: أيش السياق؟ الطالب: أنه لما قال: بَيْضٌ، فعُلم أن البياض الكامل الذي لا حُمرة فيه ولا صُفرة أنَّ هذا ليس جمالًا، قيَّده باسم بيض النعام لأنه فيه صُفرة. طالب آخر: لأن العرب إذا أرادت أن تذكر حُسن النساء قالت: كأنها بيضة نعامٍ وكذا في ريشها. الشيخ: أحسنت؛ لأن هذا هو المعروف عند العرب، إذا قال: كأنها البيض المكنون؛ يعني بيض النعام. قوله قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ [الصافات: ٥١] ما المراد بالقرين؟ طالب: الصاحب. الشيخ: إي، ما المراد به؟ هذا معنى القرين الصاحب، لكن ما المراد به، هل هو قرينٌ من الإنس أو قرينٌ من الجن؟ الطالب: يحتمل المعنيين (...). الشيخ: طيب، وإذا قُلنا: يحتمل المعنيين، فهل يمكن أن يشملهما؟ الطالب: نعم، يمكن. الشيخ: يمكن؛ لأن الإنسان له قُرَناء من بني آدم وقُرَناء من شياطين الجن. طيب، قوله: أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ [الصافات: ٥٢] ما المراد بالاستفهام هنا؟ طالب: الإنكار. الشيخ: الإنكار؛ يعني يُنكر عليه أن يُصَدِّق بيوم الدين. طالب: أو أنَّه توبيخ وتبكيت؛ أي: يوبِّخه للتصديق بيوم الدين. الشيخ: كيف يوبِّخه؟ الطالب: يعني يقول له: أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَتوبيخ وتبكيت له؛ لماذا تصدق بيوم الدين؟! الشيخ: طيب، يعني يُنكر عليه، يعني يجمع بينهما. طيب، قوله أَإِنَّا لَمَدِينُونَ [الصافات: ٥٣] ما معنى (مَدِينُون) ؟ طالب: مجزيُّون ومحاسَبون. الشيخ: طيب، والاستفهام فيها؟ الطالب: للاستبعاد. الشيخ: إي، الإنكار أيضًا، كل هذا للإنكار. طيب، يقول المؤلف: في الهمزات ما سبق. طالب: الأربع: تحقيق الهمزتين. الشيخ: تحقيق الهمزتين. الطالب: تحقيق الأولى وتسهيل الثانية. الشيخ: نعم، إدخال ألِفٍ بينهما على الوجهين؛ على التحقيق والتسهيل فتكون القراءات أربعًا. قوله: قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ [الصافات: ٥٤] من القائل؟ طالب: القائل هذا الرجل الذي له صاحب (...) له قرين. الشيخ: إي، القائل الذي قال: إن له قرينًا. مَن يخاطب؟ الطالب: يخاطب أهلَ الجنة. الشيخ: والمراد بالاستفهام؟ الطالب: في قوله: هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ؟ الشيخ: نعم. الطالب: الطلب؛ أن يطلب منهم أن يطَّلعوا. الشيخ: الأمر يعني؟ الطالب: لا، ليس أمرًا. طالب آخر: للعرض. الشيخ: المراد العرض هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ. طيب، هل وافقوا على ذلك أو لا؟ طالب: فيه احتمال؛ قد يكونون وافقوا وخرجوا معه، أو لم يوافقوا ولكنهم لم يردُّوا عليه. الشيخ: نعم، المؤلف جزم بماذا؟ الطالب: بأنهم قالوا: لا، ولكن هذا ليس مؤكَّدًا. الشيخ: نعم، أحسنت. طيب، قوله: رَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ [الصافات: ٥٥] ما المراد بـسَوَاءِ الْجَحِيمِ؟ طالب: سَوَاءِ الْجَحِيمِ؟ الشيخ: نعم. الطالب: يعني في نفس الجحيم. الشيخ: وسطها يعني؟ الطالب: وسطها. الشيخ: في وسطها وقرارها. طيب، قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ [الصافات: ٥٦] تَاللَّهِماذا نقول فيها؟ طالب: قَسَم. الشيخ: قَسَم. ما هو القَسَم اصطلاحًا؟ الطالب: القَسَم ما يُقسَم بشيءٍ عظيمٍ لأجْل شيءٍ معيَّن. الشيخ: ما عندك تعريف أوضح؟ طالب: تأكيد الشيء بذِكْر المعظَّم بصيغةٍ مخصوصةٍ. الشيخ: تأكيد الشيء بذِكْر معظَّمٍ بصيغةٍ مخصوصةٍ. طيب، حروف القَسَم، كم حروف القَسَم؟ طالب: ثلاثة؛ تاللهِ، واللهِ.. الشيخ: لا تجئ بالصيغة، الحروف بس. الطالب: ثلاثة: الواو، والتاء، والباء. الشيخ: ثلاثة: الواو، والتاء، والباء. أين جواب القسم في الآية؟ مَن يعرف؟ طالب: تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِلتُهلكني، مقدَّر. الشيخ: لا. الطالب: لَتُرْدِينِ. الشيخ: لا. الطالب: لَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي [الصافات: ٥٧]. الشيخ: لا. الطالب: لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ [الصافات: ٥٧]. طالب آخر: جواب الشرط (...). الشيخ: جواب القسم، نحن نريد جواب القسم. الطالب: جواب الشرط (...). الشيخ: أين الشرط؟ الطالب: إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ. الشيخ: لا، هذه ما هي شرط. طالب: مقدَّر. الشيخ: سبحان الله! طالب: لَوْلَايا شيخ. طالب آخر: محذوف. الشيخ: لا، موجود يا جماعة، تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ، إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِهذا الجواب. الطالب: فِعل قَسَم. الشيخ: لا، هذه جملة اسمية، الجملة هنا اسمية، طيب إذَنْ نحن نحلِّل القضية هذه. جواب القسم؟ طالب: جملة إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ. الشيخ: طيب، هذه الجملة هل هي فعلية ولَّا اسمية؟ الطالب: الظاهر أنها اسمية. الشيخ: هذا الظاهر. والباطن؟ الطالب: لا باطن. الشيخ: إذَن اسمية. كيف كانت اسمية وهي فيها كِدْتَ؟ الطالب: بُدِئت بـ(إنْ). الشيخ: بُدِئت بـ(إنْ)! وإذا بُدِئت بـ(إنْ) فهي.. الطالب: اذا كانت جوابًا (...). الشيخ: جواب القسم يكون فعلية ويكون اسمية. الطالب: السياق الآن بُدِئ بـ(إنْ) مخففة من الثقيلة. الشيخ: (إن) المخففة من الثقيلة تدخل على الجملة الاسمية؛ لأنها تنصب المبتدأ وترفع الخبر. الطالب: اسمها ضمير الشأن. الشيخ: إي نعم، المهم إذَن الجملة هنا اسمية وهي جواب القسم، دخلت عليها (إن). طيب، قوله: لَتُرْدِينِاللام؟ طالب: اللام للتوكيد. الشيخ: للتوكيد، ما لها اسم آخَر؟ الطالب: اسمها اللام الفارقة. الشيخ: الفارقة، أيش معنى الفارقة؟ الطالب: تفرق بين (إن) النافية وبين (إن) المخففة من الثقيلة. الشيخ: نعم، ما هي التي تدخل عليها هذه اللام، هل هي النافية أو المخففة؟ الطالب: تدخل على المخففة. الشيخ: على المخفَّفة. ولا تدخل على النافية؟ الطالب: ولا تدخل. الشيخ: لأن النفي ضدُّ الإثبات، واللام للإثبات. طيب، قوله: وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ [الصافات: ٥٧]، ما المراد بالنعمة؟ طلبة: ما أخذناه. الشيخ: ما أخذناه، طيب، إذَنْ نأخذ الفوائد، واللهِ كثير اللي قرأنا. قال الله عز وجل: وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ [الصافات: ٤٨] هذه وقفنا عليها؟ طالب: على بَيْضَاءَ. الشيخ: بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ [الصافات: ٤٦]. يُستفاد من هذه الآيات: صفة هذا الخمر أو الكأس من الْمَعِين وأنَّه أبيض، ويتفرَّع على ذلك أنَّ الخمر الأبيض أحسنُ من غيره لنقاوته وصفائه؛ لقوله بَيْضَاءَ. ومن فوائدها: أن هذا الخمر في غاية ما يكون من اللذَّة؛ وجهه أنَّه عبَّر باللذَّة عنه، والتعبير بالمعنى عن المتَّصِف به أقوى من التعبير بالمشتقِّ من ذلك المعنى؛ فإذا قلنا: (فلانٌ عَدْلٌ) فهو أقوى من قولنا: (فلانٌ عادلٌ)، ولهذا يرون أن النعت بالمصدر أوكد من النعت باسم الفاعل. ومن فوائد الآية: أنها لذيذةٌ حين الشرب، خلافًا لخمر الدنيا فإنها كريهةٌ حين الشرب، ولهذا قال: لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ، فتفيد أنهم في هذه الحال يتلذَّذون بها غاية اللذَّة، أمَّا خمر الدنيا فإنها كريهةٌ، ولكن الإنسان يتلذَّذ بها بما ينتج عنها من السكر، نسأل الله العافية. من فوائد الآيات: أنَّ هذه الخمر ليس فيها ضررٌ عقليٌّ ولا بدنِيٌّ. من أين يؤخذ؟ طالب: لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ. الشيخ: لا. طلبة: لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ [الصافات: ٤٧]. الشيخ: لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ. ومن فوائد الآيات: أنَّ هؤلاء كما يتلذَّذون بالشراب يتلذَّذون أيضًا بالنساء والزوجات؛ لقوله: وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ. ويستفاد من الآيات أيضًا: أنَّ هؤلاء النساء حاضراتٌ لا يَغِبْن عن أزواجهنَّ؛ لقوله: وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ. في الدنيا الزوجات قد يكُنَّ عند الإنسان وقد يَغِبْن، وقد يَغِبْن باختياره وقد يَغِبْن بغير اختياره، أمَّا في الجنة فإنهنَّ حاضراتٌ لا يَغِبْن عن أزواجهنَّ؛ لقوله: وَعِنْدَهُمْ. وربما نأخذ من هذا أيضًا فائدة: أنهنَّ لا يذهبْنَ إلى غير أزواجهنَّ؛ وذلك بتقديم الخبر عِنْدَهُمْ، والمعروف في قواعد البلاغة أنَّ تقديم ماحقُّه التأخير يفيد الحصر. ومن فوائدها: كمالُ أدب هؤلاء النساء لكونهنَّ قاصرات الطرف على مَن؟ على أزواجهنَّ. ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّ المرأة إذا نظرتْ إلى غير زوجها فإنَّ ذلك فتنةٌ؛ لأن الله امتدح نساءَ الجنة بكونهنَّ قاصرات الطرف على أزواجهنَّ. ويتفرَّع على ذلك أنَّه يجب على الإنسان أنْ يُراعي زوجتَه في هذا الباب، بحيث يمنعها من التطلُّع إلى غيره سواءٌ كان هذا التطلُّع إلى الرجُل مباشرةً أو بواسطة الوسائل الإعلامية. ويتفرَّع على هذه الفائدة أيضًا أنْ يمنعها من الخروج إلى الأسواق إلا لحاجة؛ لأن المرأة إذا خرجتْ إلى الأسواق ورأت الناسَ فربما تُعجب بأحدهم ويتعلَّق قلبُها به فتعزف عن زوجها.