تجاوز إلى المحتوى

تفسير سورة الصافات - ١٥

درس صوتي · ٤٥:١١

جارٍ تجهيز الصوت

انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها

إعدادات

اختصارات لوحة المفاتيح

Space أو K تشغيل وإيقاف ←→ خمس ثوانٍ JL خمس عشرة ثانية HomeEnd بداية ونهاية الدرس

محتوى الدرس

والعزة ثلاثة معان: عزة الغَلَبَة، وعزة القَدْر، وعزة الامتناع، ثلاثة أقسام؟ قلها لنا؟ طالب: عزة الغلبة، وعزة القدر، وعزة الامتناع. الشيخ: ثلاثة، فعزة الغلبة معناها أن الله تعالى غالب لكل شيء. وعزة القدر: أن الله تعالى فوق كل شيء قدرًا. وعزة الامتناع: أن الله تعالى ممتنع أن يناله أحد بسوء. ومن الثالث قولهم: أرض عزاز يعني أيش؟ صلبة قوية ما تؤثر فيها المعاول. (سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِالغَلَبَة عَمَّا يَصِفُونَ [الصافات: ١٨٠] بأن له ولدًا). قوله: عَمَّا يَصِفُونَيجوز في (ما) أن تكون مصدرية، ويكون تقدير الكلام: سبحان ربك رب العزة عن وصفهم، ويجوز أن تكون موصولة ويكون العائد محذوفًا، والتقدير: عما يصفونه به. وقول المؤلف: (بأن له ولدًا) هذا كالمثال لما يصفون الله به مما منزَّه عنه، وإلا فهم يقولون: إن الله له ولد، وله زوجة، وله شريك، وله معِين، وهكذا، فكل وصف لا يليق بالله فإن الله منزَّه عنه، وإن وصفه به هؤلاء الأفاكون الكذابون. قال: وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ [الصافات: ١٨١] (سلام) مبتدأ، و(على المرسلين) خبره. والسلام هنا بمعنى التسليم، فهو اسم مصدر سلم، مثل الكلام بمعنى التكليم، اسم مصدر كلم. ومعنى السلام عليهم أن ما قالوه في ذات الله وصفات الله سالم من كل نقص، فيكون الله تعالى قد سبح نفسه عما وصفه به المخالفون للرسل، ثم سلم على الرسل لسلامة ما قالوه من النقص والعيب، فليس فيه كذب، وليس فيه سوء، ولهذا قال: وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ [الصافات: ١٨١] (المبلغين عن الله التوحيد والشرائع). ولما ذكر التنزيه فيما وصف به نفسه، وفيما وصفته به رسله، ذكر بعد ذلك الحمد، الذي هو وصف المحمود بالكمال، فيكون في الآيات جمع بين التنزيه عن صفات النقص وبين إثبات صفات الكمال، وأتى بإثبات صفات الكمال بعد التنزيه؛ لأنه كما يقال: تكون التحلية بعد التخلية، يعني التزيين بعد إزالة الأذى. يقول: وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الصافات: ١٨٢] الحمد قلت: إنه وصف المحمود بالكمال، وكمال الله سبحانه وتعالى يدور على أمرين: كمال ذاتي، وكمال فعلي. أما الكمال الذاتي فهو سبحانه وتعالى كامل في ذاته المتصفة بكل صفة كمال. كمال فعلي: أن الله تعالى كامل في أفعاله، فله الفضل على عباده بجلب ما ينفعهم ودفع ما يضرهم، ولهذا شرع للإنسان إذا انتهى من الأكل والشرب أن يحمد الله سبحانه وتعالى على ما رزقه من الطعام والشراب، وإن شئت فقل أو فتجاوز هذا إلى أنك تحمد الله الذي لا يحتاج إلى ما تحتاج إليه من الأكل والشرب. قال: وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الصافات: ١٨٢] رب العالمين أي: خالقهم ومالكهم ومدبر أمورهم. والعالم: كل من سوى الله فهو عالم، وسُموا عالمًا لأنهم علم على خالقهم عز وجل، ففي كل شيء من مخلوقات الله آية تدل على وحدانيته وكماله. قال: وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الصافات: ١٨٢] قال المؤلف: (على نصرهم) أي: نصر الرسل (وهلاك الكافرين). ولو أن المؤلف جعلها مطلقة: الحمد لله رب العالمين على كل شيء، حتى على ما يقدره أحيانًا من غلبة أعدائه على أوليائه، فإنه يحمد على ذلك؛ لِما يترتب عليه من المصالح العظيمة كما في غزوة أحد التي ذكر الله تعالى فيها من الحكم أشياء كثيرة: ذكر منها جزءًا كبيرًا في زاد المعاد لابن القيم رحمه الله، وبهذا انتهت هذه السورة. طالب: (...) وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ [البقرة: ٢٢١] (...) وكذلك يجوز إذا تقدم الخبر عليه (...) فهذا من (…)؟ الشيخ: هي لا تحصر في خمسة ليست محصورة في خمسة ولا في خمسين، ابن مالك رحمه الله ذكر قاعدة، قال:

ولا يَجُوزُ الِابْتِدَا بِالنَّكِرَةْ

مَا لَمْ تُفِدْ .................

عرفت، فمتى حصلت الفائدة جاز الابتداء بها، وابن هشام في القطر يقول: ويجوز الابتداء بالنكرة إن عم أو خص. يعني كانت عامة أو خاصة معينة، لكن عبارة ابن مالك أحسن:

ولا يَجُوزُ الِابْتِدَا بِالنَّكِرَةْ

مَا لَمْ تُفِدْ كَعِنْدَ زَيْدٍ نَمِرَةْ

الطالب: إذا تفيد بس يكفي. الشيخ: يكفي ما لها حصر (...).


طالب: ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ (٢) كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ (٣) وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٤) أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ [ص: ١ - ٥]. الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ [الصافات: ١٧٤] ما هو هذا الحين الذي جعل أمد التولي إليه؟ طالب: إلى أجلهم. الشيخ: إلى أجلهم؟ طالب: إلى أن يؤمر بالجهاد. الشيخ: إلى أن يؤمر بالجهاد، وعلى هذا التقدير تكون الآية؟ الطالب: ناسخة، يعني هذه الآية منسوخة. الشيخ: منسوخة بآيات. الطالب: الأمر بالجهاد. الشيخ: الأمر بالجهاد، هل يحتمل ما قاله الأخ تَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍأي حتى موتهم؟ طالب: ما تحتمل الآية، ما تحتمل حتى موتهم، لا ما تحتمل. الشيخ: لماذا؟ الطالب: ما الفائدة أنه يتولى حتى موتهم، لن تضل حتى الموت. طالب آخر: أقول: نعم، تحتمل؛ لأنه ليست تولي القتال، بل تولي الإعراض عنهم، وعدم موالاتهم إلى أن يموتوا ما داموا على كفرهم. الشيخ: ما يعارض قوله: أَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ [الصافات: ١٧٥]؟ الطالب: نعم ما يعارض هذا. الشيخ: ليش؟ الطالب: لأنه لن يتولاهم، بل بعضهم سيموت وهو لن يتولاهم. الشيخ: لا، هو من تولى، تولى يعني (...). الطالب: إي نعم، يعني لا يركن إليهم. الشيخ: إذن يحتمل هذا حتى حين يعني حتى يموتوا، وأنت ستبصر أنهم ماتوا سواء بقتال أو بغير قتال، وعلى هذا تكون الآية غير منسوخة. قوله: فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ [الصافات: ١٧٥] ما الغرض من هذه الجملة؟ طالب: فَسَوْفَ يُبْصِرُونَالتهديد. الشيخ: الغرض منها التهديد. قوله: أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ [الصافات: ١٧٦] هذه رد على أي شيء؟ طالب: استعجالهم. الشيخ: على استعجالهم بالعذاب، ما الذي قالوه في استعجالهم العذاب؟ الطالب: قالوا: إن.. الشيخ: ما الذي قالوا في استعجال العذاب؟ يعني ما هي العبارة التي تدل على أنهم استعجلوا العذاب؟ طالب: قولهم: ائْتِنَا بِعَذَابٍ [الأنفال: ٣٢]. طالب آخر: قالوا: مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [يونس: ٤٨]. الشيخ: قالوا: مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [السجدة: ٢٨]، اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ [الأنفال: ٣٢] ونحو ذلك. قوله: إِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ [الصافات: ١٧٧] ما معنى إذا نزل بساحتهم؟ طالب: يعني إذا نزل بالعباد عذاب على ساحتهم، أي: ببيوتهم (...). الشيخ: يعني كأنه يقول: فإذا حل بهم العذاب. قوله: فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ [الصافات: ١٧٧] هذه (ساء) فعل من أفعال؟ طالب: الذم، الناسخ. الشيخ: الذم، ويش تقتضي؟ الطالب: تقتضي تمييزًا وفاعلًا. الشيخ: وتقتضي تمييزًا وفاعلًا، أين الفاعل؟ الطالب: ساء صباح المنذرين، الفاعل حذف وجملة صباح المنذرين هذه تمييز. الشيخ: صباح المنذرين هذا هو التمييز. طالب: الفاعل صباح. الشيخ: الفاعل صباح، وأين التمييز؟ الطالب: التمييز محذوف. الشيخ: ويش التقدير؟ الطالب: فساء صباح المنذرين صباحًا. الشيخ: فساء صباحًا صباح المنذرين. في قوله: صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ [الصافات: ١٧٧] الأخ فيه نكتة بلاغية ما هي؟ طالب: تغير من الضمير المضمر الى الضمير الظاهر. الشيخ: إلى الضمير الظاهر، ما هي ضمير ظاهر، الظاهر قسيم المضمر؛ أنت فاهم المعنى لكن لم تحسن التعبير، أنا أريد أن يكون التعبير حسنًا. طالب: إقامة الظاهر مقام المضمر. الشيخ: فيه إقامة الظاهر مقام المضمر، الظاهر ما يمكن يضمر الظاهر (...) عرفت ما هي الفائدة البلاغية في إقامة الظاهر مقام المضمر؟ طالب: فائدتان: الفائدة الأولى: التنبيه؛ لا، أولًا: بيان عاقبة يعني أنهم أنذروا وبلغوا الحجة. الشيخ: يعني إقامة الحجة عليهم بأن الإنذار بلغهم. الطالب: ثانيًا: حتى يعني تكون الفواصل متوازية. الشيخ: مراعاة الفواصل. طالب: أقول: فيه فائدة لفظية وفائدة معنوية، الفائدة اللفظية: هي فواصل الآيات، مراعاة الفواصل الشيخ: مراعاة الفواصل، والمعنوية؟ الطالب: له ثلاث فوائد: أولًا: التعميم، الثانية: انطباق الوصف عليهم، الثالثة: التشديد على هؤلاء. الشيخ: إقامة الحجة عليهم بأنهم أنذروا فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ [الصافات: ١٧٧]. قوله: وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٨) وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ [الصافات: ١٧٨، ١٧٩] موقعها مما قبلها من حيث المعنى؟ طالب: (...). الشيخ: معطوفة على قبلها التوكيد من حيث المعنى، ولهذا قلنا: من حيث المعنى. سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ [الصافات: ١٨٠] الأخ، أيش معناها؟ طالب: التنزيه. الشيخ: التنزيه أيش لون؟ منين أخذت التنزيه. الطالب: من سبحان. الشيخ: من سبحان، وما الذي يُنزَّه الله عنه؟ طالب: المماثلة والنقص. الشيخ: المماثلة والنقص، مماثلة المخلوقات والنقص في كماله. قوله: رَبِّ الْعِزَّةِ [الصافات: ١٨٠] ما معنى رب هنا؟ طالب: صاحب. الشيخ: بمعنى صاحب، ولا يصح أن تكون بمعنى خالق؟ الطالب: يصح. الشيخ: يصح أن يكون بمعنى خالق؟ الطالب: لا يصح أن تكون بمعنى خالق. الشيخ: ليش؟ الطالب: لأن صفات الله ليست بمخلوقة. الشيخ: لأن صفات الله ليست مخلوقة، أنت إذا قلت: رب الخلق بمعنى الخالق الله، لكن رب العزة هي عزة الله، لا يصح أن تكون بمعنى خالق؛ لأن هذا يستلزم أن تكون صفة الله مخلوقة، فهمت؟ قوله: سَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ [الصافات: ١٨١] الجملة خبرية أو إنشائية؟ طالب: خبرية. الشيخ: خبرية، يعني أن الله يخبر بأن المرسلين عليهم؟ الطالب: السلام. الشيخ: السلام، لماذا سلم عليهم؟ طالب: لسلامة ما قالوه. الشيخ: لسلامة ما قالوه من النقص والعيب، خلافًا لما وصفه به هؤلاء. ما هي الفائدة من قوله بعد: سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ [الصافات: ١٨٠] من قوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الصافات: ١٨٢]؟ طالب: على كمال يعني نعمة الله بنصره لـ.. الشيخ: (...) سُبْحَانَ رَبِّكَوبين الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَالفائدة من ذلك؟ الطالب: الفائدة منه يعني مع تنزيه الله سبحانه وتعالى عن مثلًا النقص وهو له الحمد. الشيخ: ما هو بظاهر. طالب: لما ذكر الله تعالى ما ذكره الكافرون بوصف الله سبحانه وتعالى بالنقص، ذكر الله صفات الكمال التي اتصف بها سبحانه، ثم قال بعد ذلك: الْحَمْدُ لِلَّهِ. الشيخ: لا. طالب: الله عز وجل يثبت لنفسه الكمال بعد أن نزه نفسه عن النقص، يعني التحلية بعد التخلية. الشيخ: تمام هو أن يثبت لنفسه صفات الكمال بعد أن نزه نفسه عن صفات النقص؛ ليجمع فيما وصف به نفسه بين النفي والإثبات. نأخذ الفوائد الآن: قال الله عز وجل: فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ [الصافات: ١٧٤]. هذا مبتدأ الدرس، الفوائد اللي قبله مأخوذ؟ قال الله تعالى: وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ [الصافات: ١٧١، ١٧٢]. من فوائد الآية الكريمة: أن الله عز وجل كتب لعباده المرسلين النصر؛ لقوله: وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا [الصافات: ١٧١] وكلمة الله عز وجل الكونية لا تتبدل. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم، وتثبيته على ما كان عليه من الرسالة. ومن فوائدها: تهديد أعداء الرسل، وأنهم مخذولون؛ لأنه إذا كتب النصر للرسل فسيكون من الخذلان لأعدائهم. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن نصر الرسل يكون بالله، وبما يسره عز وجل من مخلوقاته وآياته، ولهذا قال: لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ [الصافات: ١٧٢]، ولم يبين من الناصر ليكون هذا أشمل، قال الله تعالى: هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ [الأنفال: ٦٢]. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الغلبة لجنود الله الذين قاموا بنصر شريعته والذب عنها؛ لقوله: وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ [الصافات: ١٧٣]. ومن فوائدها: تثبيت من دعا إلى الله عز وجل من أتباع الرسل بأن لهم الغلبة كما قال تعالى: وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ [المنافقون: ٨]. فإن قال قائل: كيف تجمع بين هذه الآية وبين ما حصل لبعض الرسل وبعض أتباعهم مما ينافي ظاهر الآية؟ فقد سبق لنا الجواب عليه من عدة أوجه، فلتكن معلومة لديكم. ثم قال تعالى: فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٤) وَأَبْصِرْهُمْإلى آخره [الصافات: ١٧٤، ١٧٥]. في هذه الآية الكريمة: تهديد هؤلاء المكذبين للرسول عليه الصلاة والسلام، وأن طغيانهم لن يدوم؛ لقوله: حَتَّى حِينٍ [الصافات: ١٧٤] فسينتهي هذا الطغيان، إما على يد الرسول عليه الصلاة والسلام حين يؤمر بالقتال، وإما بالموت بتقدير الله عز وجل، فهم لا بد أن ينتهي أمرهم ولا يمكن أن يستمر طغيانهم. ومن فوائدها: تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم حيث أخبر بأن أعداءه سينتهي أمرهم بعد حين. ومنها: تهديد هؤلاء الأعداء الذين بلغوا في الطغيان والعدوان على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بلغوا. ومن فوائد هذه الآيات: تحقيق هذا الأمر، أي هلاكهم وزوالهم؛ لقوله: وَأَبْصِرْهُمْ [الصافات: ١٧٥]، يعني إذا نزل بهم العذاب فسوف تبصر وتشاهد بعينك. ومن فوائدها أيضًا: إعادة التهديد مرة ثانية بأسلوب آخر في قوله: فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ [الصافات: ١٧٥]. ومن فوائدها: تأكيد المعنى بالعبارات المختلفة ليكون ذلك أبلغ وليترقب هؤلاء المهددون العذاب من كل وجه؛ لقوله: فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ [الصافات: ١٧٥]. ومن فوائد الآيات الكريمة: بيان سفه هؤلاء المكذبين وطغيانهم، حيث كانوا يستعجلون العذاب، وجه هذا: أنهم لو كانوا عقلاء لكانوا يخشون العذاب ولا يستعجلونه، وأنهم لو كان عندهم نوع من الاعتدال ما صاروا يتحدون الرسل، فيقولون: هاتوا العذاب إن كنتم صادقين، فهم عندهم سفه وعندهم مبالغة في الطغيان والعدوان، والآية التي أشرنا إليها آنفًا، وهي قوله تعالى: وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [الأنفال: ٣٢]، هذا يدل على سفه قريش وأنهم من أبلغ ما يكون في السفه؛ لأنهم لو كانوا حلماء راشدين لقالوا: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك أيش؟ فاهدنا إليه، هذا هو الصواب، أما فأمطر علينا حجارة من السماء فهذا من أسفه ما يقوله البشر. ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى يتحدث عن نفسه في مقام الوعيد بصيغة العظمة إرهابًا وإزعاجًا لهؤلاء المتوعَّدين؛ لقوله: أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ [الصافات: ١٧٦] ولم يقل: أفبعذابي، ولهذا لما جاء ذكر العذاب على سبيل الخبر قال: نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي [الحجر: ٤٩، ٥٠] ولم يقل: عذابنا وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ [الحجر: ٥٠]. ومن فوائد الآيات الكريمة: أنه إذا نزل العذاب بقوم فلن يفلتهم؛ لقوله: فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ [الصافات: ١٧٧]. ومنها، من فوائدها: أنهم لو آمنوا في هذا الوقت فلن ينفعهم؛ لأنه لو نفعهم الإيمان لم تصدق عليهم هذه الجملة صدقًا كاملًا، وهي قوله: فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ [الصافات: ١٧٧]؛ لأنه لو نفعهم الإيمان لزال عنهم هذا السوء، ولكن الإيمان لن ينفعهم، وهذه سنة الله عز وجل في عباده إذا نزل بهم العذاب فآمنوا ألا ينفعهم الإيمان، قال الله تعالى: فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا [غافر: ٨٤، ٨٥]، وقال فرعون لما أدركه الغرق: آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ [يونس: ٩٠] فقيل له: آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ [يونس: ٩١] يعني فلن ينفعك، وقال الله تعالى في سورة النساء: وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ [النساء: ١٨]، وكل هذا يوجب للإنسان العاقل أن يبادر بالتوبة، وألا يتأخر، وألا يهمل؛ لأنه لا يدري متى يفجؤه الموت، وإذا نزل به الموت فلن تنفعه التوبة، لا بد أن تكون التوبة في وقت تُقبل فيه. يُستثنَى من هذا قرية واحدة آمنت بعد نزول العذاب فيها ونفعها إيمانها، وهم؟ طالب: (...). الشيخ: قرية آمنت بعد نزول العذاب فيها فنفعها إيمانها، ما حضرت أمس؟ الطالب: لا. الشيخ: طيب. طالب: قوم يونس. الشيخ: قوم يونس، الدليل على أنه نفعها إيمانها بعد نزول العذاب بها؟ الطالب: الآيات في سورة.. الشيخ: (...) يصح أن يقول القائل: الدليل آية في القرآن؟ الطالب: (...). الشيخ: اترك هذه. الطالب: (...). طالب آخر: فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ [يونس: ٩٨]. الشيخ: فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ [يونس: ٩٨] إذن العذاب نزل بهم، لكن لما آمنوا كشف الله عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا. ما هي الحكمة من أن هؤلاء نفعهم إيمانهم بعد نزول العذاب بهم؟ طالب: لأن نبيهم يونس عليه السلام خرج مغاضبًا قبل أن يؤمر بالخروج. الشيخ: قبل أن يؤمر بالخروج، فكان هذا عذرًا لهم، صحيح. ومن فوائد هذه الآيات: أن الله سبحانه وتعالى لن يهلك قومًا حتى يقيم عليهم الحجة بالإنذار، الدليل من الآية؟ طالب: سَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ [الصافات: ١٧٧]. الشيخ: سَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ، وهذا يدل على أنهم لن يحل بهم العذاب إلا بعد الإنذار، وهذا موجود في القرآن، قال الله تعالى: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء: ١٥]، وقال تعالى: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [التوبة: ١١٥]. والصحيح أن هذا عام في التوحيد وما دونه، فهو شامل لفروع الإسلام؛ كالصلاة والزكاة والطهارة، وما إلى ذلك، فإن الإنسان لا يلزمه شيء منها إلا بعد قيام الحجة وبلوغ الرسالة، ولهذا كان القول الراجح أن من عاش في بادية بعيدًا عن الناس، ولم يصم، ولم يصل، ولم يزك، وهو جاهل، فإنه لا قضاء عليه ولو بقي سنوات. والدليل على هذا: نصوص كثيرة من السنة تدل على أن من كان جاهلًا نشأ في بادية بعيدة لا يدري عن الشرع، فإنه لا قضاء عليه، فمثلًا الرجل الذي كان لا يطمئن في صلاته بقي على هذا مدة الله أعلم بها، لكنه بقي مدة لا يحسن إلا هذا إلا صلاة لا يطمئن فيها، ولم يأمره النبي صلى الله عليه وسلم بإعادة ما مضى من صلاته، وإنما أمره بإعادة صلاة الوقت الحاضر؛ لأن مطالبته بها في هذا الوقت قائمة، فلهذا أمره أن يعيد حتى تكون صلاته صحيحة، أما ما قبل فلم يأمره بالإعادة ، ولم يقل للمرأة التي قالت: إنها تحيض حيضة كبيرة شديدة تمنعها الصلاة؛ لم يأمرها أن تعيد الصلاة، مع أنها مستحاضة والمستحاضة تصلي والأمثلة على هذا كثيرة. ولا فرق كما قلت بين التوحيد وما دونه، فلو فرضنا أن رجلًا مسلمًا كان ناشئًا في بلد بعيد، ولا يدري يعبد هذا القبر وهو لا يدري أنه كفر فإنه لا يحكم بكفره لأنه مسلم ارتكب هذا خطأ ولم يتعمده قلبه فليس عليه شيء، كما أن من ارتكب محظورًا شركًا فما دونه متأولًا ولم يجد من يفتح عليه فإنه لا يكون كافرًا؛ لأنه لا بد من القصد، فهذا الرجل الذي ضاعت ناقته في فلاة من الأرض وطلبها ولم يجدها، وأيس منها، واضطجع في ظل شجرة ينتظر الموت، فبينما هو كذلك إذا بخطام ناقته متعلقًا بالشجرة، فأخذ بخطامها وقال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك فجعل نفسه ربًّا وجعل رب العالمين عبدًا، هذه كلمة كفر لا شك في هذا، لو قال قائل: أنا أكبر من الله، أنا ربه، وهو عبدي لكان كافرًا بلا شك، لكن هذا الرجل أخطأ لم يقصد الكلام، أخطأ من شدة الفرح، فلم يكن كافرًا لعدم قصده الكفر، وكذلك الرجل الذي كان مسرفًا على نفسه في المعاصي قال لأهله: إذا مت فأحرقوني وذروني في اليم ظنًّا منه أنه إذا فعل ذلك نجا من عذاب الله، ولكن الله بقدرته قال له: كن، فكان، فاجتمع فسأله ربه عز وجل: لم صنعت هذا؟ قال: خوفًا من عذابك يا رب، قال له كلامًا معناه: خوفك من عذابي أنجاك من عذابي فأنجاه الله من العذاب، مع أن هذا الرجل كان شاكًّا في قدرة الله، لكن ليس عن قصد متأول، فلم يكن كافرًا. ومثل هذه المسائل لا يجوز للإنسان أن يتسرع فيها، أعني مسألة التكفير أو التفسيق أيضًا؛ لأن بعض الإخوة يسارع في التكفير ويلاحظ المقالة دون القائل، ويلاحظ الفعل دون الفاعل، إذا كان هذا القول كفرًا قال: من قال به فهو كافر مطلق، وإذا كان هذا الفعل كفرًا قال: من فعله فهو كافر مطلقًا، ولم ينظر إلى الموانع؛ لأن هذا القول مثلًا إذا كان مكفرًا كان سببًا للكفر لا شك هذا الفعل إذا كان مكفرا كان سببًا للكفر، لكن هل الأسباب يعتريها الموانع أو لا؟ نعم، ما من سبب إلا وله مانع، قد يكون هناك مانع في هذا الشخص المعين يمنع من الحكم بكفره، فمنه: الجهل والإكراه والنسيان والغلبة على النفس حتى لا يتمكن، ولهذا لو أن أحدًا سها وقال كلمة الكفر هل نقول: إنه يكفر؟ لا، والنسيان والجهل صنوان في كتاب الله عز وجل، وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم. إذن يجب على طالب العلم أن يفرق بين القول والقائل، وبين الفعل والفاعل، فقد يكون القول كفرًا، لكن القائل ليس بكافر، وقد يكون الفعل كفرًا لكن الفاعل ليس بكافر، أرأيتم لو أكره رجل على أن يسجد لصنم وقيل: إما أن تسجد أو السيف؟ فسجد يفعل الإكراه لا تقربًا للصنم أيكفر؟ لا يكفر؛ لأن الله يقول: مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ [النحل: ١٠٦] شوف الكلام: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًايعني اختاره منشرحًا به صدره، فهذا هو الذي يُعطى حكمه، وأما من ليس كذلك فلا، لهذا يجب علينا أيها الإخوة ألا نسارع في التكفير والتفسيق، بعض الناس بغيرته يسارع في الحكم: هذا كافر، يا ابن الحلال، اتق الله، أنت إذا كفَّرت شخصًا ليس بكافر عاد الكفر عليك؛ كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أتريد أن تكون كافرًا؟ لا تكفر إلا من قامت الحجة على كفره، يعني من قامت الحجة على كفره نحتاج فيها إلى أمرين: ثبوت أن هذا الشيء كفر، وتحقق شروط الكفر في هذا الفاعل أو هذا القائل، يعني لا تقوم الحجة على كفر شخص إلا بأمرين: ثبوت أن هذا الشيء مكفر. والثاني: تحقق الكفر في حق هذا؛ لأنه قد يكون الشيء مكفرًا لكن لا يتحقق الكفر في هذا الفاعل، أو هذا القائل. وهذه المسألة أنا أكررها لأهميتها؛ لأنه يبلغني أن قومًا من الناس بمجرد ما يقال: إن فلانًا فعل كذا يقول: أعوذ بالله، هذا كافر، نبرأ إلى الله منه؛ نبرأ إلى الله منه؟! هذا غلط. ما تقولون في قتل النفس؟ من كبائر الذنوب، ولما قتل أسامة بن زيد الرجل الذي قال: لا إله إلا الله متأولًا هل قتله الرسول؟ ما قتله ولا ضمنه بدية، غاية ما هنالك قال له: «أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ أَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؟» فقال أسامة: قالها يا رسول الله تعوذًا القصة معروفة أظن. القصة رجل من الكفار هرب فلحقه أسامة بن زيد، فلما أدركه قال الرجل: لا إله إلا الله، فقتله أسامة، ظنه أنه قالها تعوذًا، يعني خوفًا من القتل، والقرينة مع أسامة؛ لأن رجلًا كافرًا أدركه مسلم بسيفه فقال: لا إله إلا الله، قرينة كونه متعوذًا بها قوية جدًّا، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يريد منا أن نحكم بما نظن، يريد أن نحكم بالظاهر: «إِنَّمَا أَقْضِي بِنَحْوِ مَا أَسْمَعُ» ، قال: «أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ أَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؟» قال: يا رسول الله، إنما قالها تعوذًا، قال: «أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ أَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؟» قال: إنما قالها تعوذًا، قال: «أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ أَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؟» شوف تكرار يقول: فما زال يكررها حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت بعدُ، الله أكبرُ. الحاصل أنه يجب علينا أن نرفق بأنفسنا وبالناس، لا نكفر أحدًا حتى يتبين لنا أن هذا الشيء كفر، وأن هذا الذي قاله أو فعله ينطبق عليه شروط التكفير؛ حتى لا نبوء نحن بالكفر أو الفسق. والحمد لله الحكم إلى الله ولَّا إلينا؟ إلى الله، إذا كان الله لم يكفر هذا الشخص ليش نكفره؟ إذا كفرنا ما لم يكفره الله فكأنما حرمنا ما أباحه الله، أو أبحنا ما حرمه الله، فعلينا أن نتقي الله. والأصل في المسلم أيش؟ الإسلام، ما دام يدين بالإسلام، لكن يفعل خصلة من الكفر أو يقول قولًا من الكفر وهو جاهل لم ينشأ في بلد استتب فيه الإسلام، كيف نقول: إن هذا كافر؟ رجل بدوي ناشئ في أرض بعيدة عن العلوم الشرعية، لكنه مسكين، كل صباح ينصب حجرًا ويسجد له، وهو لا يدري، نقول: هذا كافر وهو يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله! ولهذا قال العلماء، نصوا على هذا في كتبهم: لو أن رجلًا جحد وجوب الصلاة لكان كافرًا، لكن قالوا: لو جحد وجوب الصلاة وهو ناشئ في بلد بعيد عن العلم الشرعي، أو كان حديث عهد بالإسلام لم يكن كافرًا؛ لأنه جاهل. إذن قوله: فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ [الصافات: ١٧٧] تدل على أنه لا يمكن أن يُعذَّب أحد إلا بعد الإنذار. وهل يكفي بلوغ الحجة أو لا بد من فهم الحجة؟ طلبة: فيه خلاف. الشيخ: الثاني، لا بد من فهمها، ولهذا قال الله تعالى: وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (١٩٨) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ [الشعراء: ١٩٨، ١٩٩] ليش؟ لأنهم لا يفهمونه، وإذا لم يؤمنوا به لعدم فهمهم فهم معذورون، وقال الله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ [إبراهيم: ٤] بلغتهم من أجل أن يبين لهم، فلا بد من فهم الحجة، أنت لو قلت لإنسان أعجمي: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وهو لا يدري أيش معناها، هل تقوم عليه الحجة؟ ما تقوم، لو قلت له: يا فلان، أطلقت امرأتك؟ قال: نعم، ثلاثًا، قال: نعم، وأربعًا وخمسًا فهم من (أطلقت امرأتك) يعني جعلتها طليقة تروح وتيجي، أعجمي ما يدري، قلنا: خلاص بانت منك، لا تحل لك إلا بعد زوج! كم يصيح، يا جماعة كيف هذا الكلام؟ قلنا: نحن سألناك أنك أطلقت زوجتك؟ قلت: نعم، قلنا: ثلاثًا؟ قلت: ثلاثًا وأربعًا، خلاص بانت منك الزوجة، تبين منه ولَّا لا؟ لا تبين، ليش؟ لأنه لا يعرف المعنى. لكن لو قال: بهشتم يعني طلقتها ثلاثًا. طالب: أيش معناها؟ الشيخ: هكذا قال الفقهاء، أنه إذا قال: بهشتم يعني طلقتها ثلاثًا، أنا لو أقولك: واحد عربي يقول لزوجته: بهشتم بهشتم بهشتم، ما تطلق ولو مرة واحدة؛ لأنه لا يعرف. المهم أن هذه مسائل مهمة ينبغي للإنسان أن يعتني بها، وألا يوقع نفسه في هلكة، أو يوقع غيره في هلكة، ويوالي ويعادي على غير وجه شرعي، فالبشر حكمهم إلى الله عز وجل، من حكم الله بكفره كفرناه، ومن حكم بفسقه فسقناه، ومن لم يحكم بكفره لم نكفره، ومن لم يحكم بفسقه لم نفسقه. والله أعلم. طالب: بعض (...) إذا ماتوا؟ الشيخ: إذا ماتوا فإن كانوا يدينون بالإسلام ولم يعرفوا أن هذا كفر، فهم لا يعاقبون عليه، وأما إذا بلغوا وقالوا: إنا وجدنا آباءنا على أمة فهؤلاء لا يقبل منهم. طالب: هو لا بد من فهم؟ الشيخ: لا بد من فهم، أعجمي وأنت تخاطبه بالعربية وهو لا يعرف. الطالب: (...)؟ الشيخ: لا، يعني فهم الحجة، يعني أن يفهم المعنى، وليس بلازم أن يفهم الأدلة.