تفسير سورة الشورى - ٩
درس صوتي · ٧٧:١٣
جارٍ تجهيز الصوت
انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها
إعدادات
اختصارات لوحة المفاتيح
محتوى الدرس
تفسير الآية (٣٠)
٠٠:٠٠:٠٣
ثم قال الله تعالى: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ [الشورى: ٣٠]. قوله: وَمَا أَصَابَكُمْهذه شرطية، أعني (ما)، جوابها فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ. وقوله: فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْخبر مبتدأ محذوف، والتقدير: فهو بما كسبت أيديكم، يقول المفسر: (وَمَا أَصَابَكُمْخطاب للمؤمنين مِنْ مُصِيبَةٍ) بيان لـ(ما)، قال: (بلية وشدة فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْأي: كسبتم من الذنوب، لكنه عبر بالأيدي؛ لأن أكثر الأفعال تزاول بها وَيَعْفُو عَنْ كَثِير [الشورى: ٣٠] منها فلا يجازي عليه، وهو تعالى أكرم من أن يثني الجزاء في الآخرة، وأما غير المذنبين فما يصيبهم في الدنيا لرفع درجاتهم في الآخرة). يقول الله عز وجل: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍخص المفسر هذا بالمؤمنين. ووجه التخصيص أنه قال: وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ، والكفار ليسوا أهلًا للعفو، وقوله: مِنْ مُصِيبَةٍقال: (بلية وشدة)، ويشمل المصائب الدينية والمصائب الدنيوية، وأيهما أعظم؟ المصائب الدينية؛ فإنها أعظم من المصائب الدنيوية، فإذا قدر أن أحدًا أصيب بانتكاسة والعياذ بالله فهو أشد من أن يهلك أهله وماله؛ فإن المصائب الدينية أعظم بكثير من المصائب الدنيوية؛ إذ إن المصائب الدنيوية تزول وتُنسَى، كما قال بعضهم: إما أن تصبر صبر الكرام وإما أن تسلوا سلو البهائم؛ لا بد أن تزول، المصائب الدينية والعياذ بالله خسارة في الدنيا والآخرة. فإن قال قائل: ما هو الدليل على أن الإعراض من المصائب؟ فالدليل قول الله تبارك وتعالى: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ [المائدة: ٤٩]، فتأمل أن الذنوب صارت سببًا لإعراضهم، والإعراض مصيبة عظيمة. المهم أن قوله: مِنْ مُصِيبَةٍيشمل مصائب الدنيا؛ كتلف المال، وموت الأحبة، والخوف والفقر وما أشبه ذلك، مصائب الدين كالمعاصي والبدع، وكراهة الحق، وكراهة أهل الحق وما أشبه هذا، كله فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ، والمراد: بما كسبتم؛ لأنه قد يكون الكسب باليد، ويكون الكسب بالرجل، ويكون الكسب بالعين، ويكون الكسب بالشم، ويكون الكسب باللسان، لكن عبَّر بالأيدي عن الكل؛ لأن أكثر ما تزاوَل الأعمال باليد، الآن في جلوسنا هذا الرجل تعمل ولَّا ما تعمل؟ ما تعمل، اليد تعمل بلا شك، تأخذ الكتاب ترفعه تنزله تكتب، فهي أكثر الأعمال تزاول باليد، فعبر باليد عن النفس لهذا السبب فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍيعني يعفو عن كثير مما أذنبتم فلا يؤاخذ به. في هذه الآية فوائد: منها: إثبات الأسباب؛ لقوله: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ. وجه ذلك أن الباء هنا للسببية، ففيه إثبات الأسباب.
وإثبات الأسباب ثابت شرعًا وعقلًا وحسًّا، وإنكاره ضلال في الدين وسفه في العقل، أقول: تأثير الأسباب ثابت بالشرع والعقل والحس، ثلاثة أدلة، وإنكاره ضلال في الدين وسفه في العقل، أما ثبوت الأسباب بالشرع فكما قرأنا الآية، والأدلة على هذا لا تحصى لا في القرآن ولا في السنة، وأما ثبوته بالعقل فلأننا نعلم أن كل شيء حادث لا بد أن يكون له سبب يحدثه؛ إما معلوم لنا وإما مجهول، لا بد من هذا، فالطفل لا يمكن أن يخرج ينبت على ظهر بطن الأم، لا بد أن يكون له سبب لوجوده وبقائه، وكذلك كل الحوادث لا بد لها من سبب؛ إما معلوم وإما مجهول، أما الحس فظاهر أن للأسباب تأثيرًا، لو أنك رميت زجاجة بحجر تكسرت، ما الذي كسرها؟ طالب: (...). الشيخ: تمام إذن لها سبب، لو أوقدت على الماء البارد صار حارًّا، السبب؟ أوقدت عليه، هذا شيء معروف حسًّا، يرى بعض العلماء من سفاهتهم أن الأسباب ليس لها تأثير إطلاقًا، سبحان الله، ما لها تأثير؟ قال: نعم، ما لها تأثير، أليس إذا رميت الزجاجة بالحجر انكسرت الزجاجة؟ قالوا: نعم، لكن حصل الانكسار عند وجود الرمي، لا بوجود الرمي، كيف هذا؟ يقولون: لما لمس الحجر المقذوف الزجاجة لمس انكسر، هل هذا صحيح؟ طلبة: غير صحيح. الشيخ: نعم ما هو صحيح، بدليل أن لو جبت أكبر حجر، كبر الزجاجة ثلاث مرات، ووضعته على الزجاجة وضعًا؛ ما انكسرت، احتراق ما يقبل الاحتراق بالنار لسبب ولَّا لغير سبب؟ لسبب، ضع ورقة في النار تحترق، هذا أمر معقول، يعني أمر مدرك بالحس، يقولون: لا أبدًا، لو أنك أثبت تأثير الأسباب في مسبباتها لكنت مشركًا بالله العظيم، أعوذ بالله! لأنك جعلت مع الله خالقًا، فأقول: لم أجعل مع الله خالقًا، لكني أقول: إن السبب يؤثر لا بنفسه ولكن بما أودعه الله من قوة، ما هو بنفسه والدليل على هذا أن نار إبراهيم، وهي نار عظيمة، أحرقت، جمعوا حطبًا عظيمًا وأوقدوا عليه حتى إنهم رموا إبراهيم بالمنجنيق؛ لأنهم لا يستطيعون أن يحوموا حول هذه النار من حرارتها، ماذا كانت؟ قال الله تعالى لها: كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ [الأنبياء: ٦٩]، فكانت بردًا وسلامًا عليه، فلم تؤثر. إذن نحن نقول: إنها سبب بما أودع الله فيها من القوة، وليست مؤثرة بنفسها. هناك طرف آخر تطرف قال: الأسباب مؤثرة بنفسها، وهذا هو الذي نقول: إن في قوله نوعًا من الشرك، وليست الأسباب مؤثرة بنفسها، الدليل هو نار إبراهيم. فعلى كل حال نحن نؤمن بأن للأسباب تأثيرًا بما أودعه الله فيها من القوى المؤثرة، وأن هذه القوى قد لا تؤثر إذا أراد الله عز وجل: فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ. قلنا: من فوائدها: إثبات الأسباب؛ لقوله: فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الإنسان يجازى على كسبه بمثل كسبه؛ لأنه إذا كان بما كسب فلا بد أن يكون على قدر ما كسب، فإن كان أزيد كان ظلمًا، والله سبحانه وتعالى لا يظلم أحدًا. ومن فوائد الآية: جواز التعبير بالبعض عن الكل؛ لقوله: فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ، مع أنه يشمل ما كسبه الإنسان برجله، كمشيه إلى بيوت الدعارة والخمر وما أشبه ذلك، فإنه يؤاخذ عليه. فإذا قال قائل: هل كل بعض يجوز أن يعبر به عن الكل؟ فالجواب: لا، ولكن بشرط أن يكون لهذا البعض تأثير على الكل. فكسب اليد له تأثير بلا شك؛ لأن أكثر الأعمال بها؛ أعتق رقبة، المراد أن أضرب بصفحة رقبة العتيق وأقول: أنت أيتها الرقبة عتيقة، صح؟ خطأ، لكن عبر بالرقبة عن الكل؛ لأن الإنسان لا يمكن أن يعيش بدون رقبة، ولأن الرقبة محل القتل التي إذا فصلت عن البدن هلك الإنسان. الخلاصة جواز التعبير بالبعض عن الكل، بشرط أن يكون له أثر فيما عبر عنه به. من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله يعفو عن كثير من الذنوب، فلا يؤاخذ بها؛ لقوله: وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍلكن هل هذا العفو مضمون؟ لا، غير مضمون، والدليل قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء: ٤٨] فلا يأخذك الأمن من مكر الله أن تقول: إن هذا الذنب مما يعفو الله عنه وتفعل الذنب، هذا غرور واغترار؛ لأن قوله: وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍمقيد بقوله: وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ. قال المفسر: (وهو تعالى أكرم من أن يثني الجزاء في الآخرة) مراده رحمه الله أن المصائب التي تصيبنا بذنوبنا لا نعاقب على ذنوبنا في الآخرة تكفي المصائب، هذا ظاهر الآية؛ لأن قوله: فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْيدل على أن هذه المصيبة هي الجزاء، وإذا كانت هي الجزاء فلن يثني الله الجزاء في الآخرة؛ لأنه أكرم من أن يثني الجزاء، وهذا صحيح أن ما أصيب به الإنسان في الدنيا فهو كفارة عن ذنوبه، إذا أقيم عليه الحد في معصية فيها حد فهو كفارة، إذا عُزر على ذنب ليس فيه حد فهو كفارة، إذا أصابته مصيبة عن هذه الذنوب فهي كفارة، فلا يعيد الله عليه العقوبة في الآخرة إلا ذنبًا واحدًا، وهو السعي في الأرض فسادًا، قال الله تعالى: إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ [المائدة: ٣٣] فهذا مستثنى، وذلك لفداحة هذا النوع من الذنوب، فإن الفساد في الأرض ليس بالأمر السهل، فجعل الله هؤلاء المحاربين المفسدين في الأرض لهم عقوبتين: العقوبة بقطع الأعضاء، والثانية: وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا [المائدة: ٣٣، ٣٤]. قال المفسر: (أما غير المذنبين فما يصيبهم في الدنيا لرفع درجاتهم في الآخرة) هذا الكلام يوحي بأن هناك أناسًا كثيرين غير مذنبين، نعم وهذا عند التأمل فيه نظر؛ لأنه ما من إنسان إلا يصاب بذنب، حتى إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللهُ بِكُمْ وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ اللهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ» ، وقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ» ، وقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن نفسه: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي كلُهَّ؛ دِقَّهُ وَجُلَّهُ، عَلَانِيَتَهُ وَسِرَّهُ، وَأَوَّلَهُ وَآخِرَهُ» ، وقال الله لنبيه يخاطبه: إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ [الفتح: ١، ٢]، فهل يمكن أن يجرؤ أحد فيقول: إن الرسول لم يذنب والله عز وجل يقول: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ؟ لا يمكن، يعني ما يمكن أن تقول: لا ذنب له حتى يمن الله عليه بمغفرته له، نعم الرسل معصومون من شيء ليس لغيرهم، وهو الاستمرار في الذنب، هذا لا يمكن، لا بد أن يعفو الله عنهم؛ إما باستغفارهم وتوبتهم إلى الله، وإما بمنة الله عليهم، قال الله عز وجل لنبيه: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ [التحريم: ١، ٢]، وقال له: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ [التوبة: ٤٣]، هذا وهو النبي عليه الصلاة والسلام يقول الله له: لمَ استعجلت فأذنت لهم. وهذه آية عظيمة ترتب سير الإنسان ألا يتعجل في الأمور. إذا كان الله عاتب نبيه لأنه أذن لهم قبل أن يتبين له الأمر، فما بالكم بغيره، وقال الله تبارك وتعالى: وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ [الأحزاب: ٣٧]، نعم، الرسل عليهم الصلاة والسلام معصومون من كبائر الذنوب، معصومون من الشرك، معصومون من سفاسف الأخلاق، أما المعاصي التي دون ذلك فإنهم غير معصومين منها، ولكنهم معصومون من الاستمرار فيها، وهذا شيء ليس لغيرهم. نسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم من أتباعهم، إنه على كل شيء قدير.
إذن قول المؤلف: (أما غير المذنبين) غير مسلم؛ لأنه ما من أحد إلا ويذنب كما سمعتم الأحاديث في هذا، وعليه فهذا الكلام من المؤلف غير وارد، نعم من الناس من تكون له ذنوب وأعمال صالحة تكفر الذنوب دون أن يصاب بمصيبة، هذا واقع كثيرًا، حكى رجل للنبي صلى الله عليه وسلم أنه رأى امرأة وأصاب منها ما يصيب الرجل من امرأته غير أنه لم يزن بها، فقال: «أَشَهِدْتَ مَعَنَا صَلَاةَ الْفَجْرِ» أظن قال: نعم، قال له: «إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ» ، فصلاته الفجر أذهبت السيئات، وكذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ مُكَفِّرَاتٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ مَا اجْتُنِبَتِ الْكَبَائِرُ» . قبل أن ندخل في الدرس الثاني أود أن أنبهكم يا إخواني، أنتم طلبة علم جئتم من بلادكم إلى هنا لطلب العلم، وأنتم في بلادكم تطلبون العلم، أليس كذلك؟ طلبة: بلى. الشيخ: لكن ما فائدة العلم؟ أفائدة العلم أن يكون الإنسان نسخة من كتاب يحفظ ويجمع في دماغه ما يجمع، أم فائدة العلم العمل؟ الثاني، لا خير في علم لا عمل فيه، والعلم بدون عمل به حجة على الإنسان؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «الْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ» ، ما فيه قسم ثالث، وإذا عمل الإنسان بعلمه ورَّثه الله تعالى علم ما لم يكن يعلمه من قبل، كما قال الله تعالى: وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى [محمد: ١٧] أي: علمًا وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ [محمد: ١٧] أي صاروا متقين لله عز وجل، العمل بالعلم مهم، والمقصود من العلم أن يتربى الإنسان به حتى يكون عالمًا ربانيًّا. أنا أنقم من بعضكم أنهم يدَعون شيئًا مهمًّا وسهلًا، وهو إفشاء السلام، نشاهد الآن الواحد منكم يمر بزميله وهو واقف ولا يقول: السلام عليكم، لماذا؟ أرغبة عن السنة أم زهدًا في الأجر؟ أنا ما أدري، أم إيجاد سبب للكراهة والعداوة؟ لأن الإنسان إذا مر بك ولم يسلم لا بد أن يكون في قلبك شيء، إلا من تحجر قلبه واعتاد عدم السلام فهذا ميت. ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم أقسم قال: «وَاللهِ لَا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا» داخل بالقسم «أَفَلَا أَدُلُّكُمْ -أَوْ قَالَ: أُخْبِرُكُمْ- بِشَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؛ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ» لماذا لا نفشيه بيننا؟ مع أن المسلم إذا سلم يأتيه كم؟ عشر حسنات، وأظن لو أن أحدكم قيل له: كلما سلمت أعطيناك درهمًا ريالًا واحدًا، يسلم ولَّا ما يسلم؟ يسلم، ويتردد مرة ومرة علشان أيش؟ تكثر الدراهم، مع أن هذه الدراهم اللي يحصِّلها زائلة في الواقع، كل ما تملكه من الدنيا فإما أن يزول عنك وإما أن تزول عنه ولا بد، لكن الحسنة تبقى لك وتجدها أشد ما تكون حاجة إليها، أوصيكم بالعمل، بالعلم، فإن لم تعملوا فأنتم نسخ كالكتب في الجدران، ومع ذلك الكتب في الجدران سالمة، أما أنتم إذا لم تعلموا فغير سالمين، والله غير سالمين، اعملوا، تربوا بالعلم في عبادة الله، وفي معاملة عباد الله، وفي معاملة أنفسكم أيضًا، هذه نصيحة أرجو ألا تغيب عن بالكم، فإنها إن شاء الله مفيدة، والله الموفق. طالب: فيه إشكال، وهو أن بعض الإخوان يكون جالسًا في مكان يقرأ أو يكتب، ثم الإنسان يريد حاجة من مكان آخر يمر عليه ويرجع، هل كلما مر ورجع يخشى أنه يقاطعه؟ الشيخ: لا، أولًا إذا رأيت إنسانًا مشغولًا وتخشى أنك إن سلمت عليه شوشت عليه لا تسلم، لماذا؟ لأن هذا من مصلحته، ولهذا قال الفقهاء: يُكرَه السلام على إنسان مشتغل بذكر أو أكل أو غيرهما. طالب: في هذه الحالة لا حرج. الشيخ: لا حرج، لكن ما أريد أنا هذه الحالة ربما يكون الذي لم يسلم عليه أفرح منه ممن لو سلم عليه، لكن يتلاقون ماشيين أو واحد بيلبس حذاءه ومر الإنسان من عنده وتجاوزه ما يسلم، ليش ما يسلم؟ ويش يضره؟ والله الواحد يعني يكاد يتقطع أنه يشوف طلبة علم يمر بعضهم من بعض ولا يسلم. طالب: (...). الشيخ: ما فيه شك نعم.
طالب: بعضهم يا شيخ تسلم عليه يطلع فيك، يعني ينظر إليك؟ الشيخ: نظر غضب؟ طالب: ما أدري كيف يا شيخ من أول رأسك إلى أخمص قدميك وبعدين وكأنما مر عليه جدار.. الشيخ: هذا صحيح، يقول: بعض الناس إذا سلمت جعل ينظر إليك، السبب أن هذه السنة ميتة عنده ما يعرف. طالب: جماعة ملتزمون من الذين يرتادون المسجد من الطلبة؟ الشيخ: لا، هذا غلط، أما العوام فنعم، بعض العوام لو سلمت عليه يقف، ويش العلم؛ لأنهم ما اعتادوا هذا، أما طالب العلم فهذا ما له حق. طالب: (...). الشيخ: إذا كانوا جالسين هكذا صفًّا سلم عند أولهم ويكفي. طالب: شيخ، أحسن الله إليك، نبهتنا للسلام، أحسن الله إليك، كثيرًا الطلبة يا شيخ حريصون على السلام، وبعضهم قد ينسى أحيانًا، لكن السلام أحيانًا يرد لكن ما تفهم من هذا الرجل سلم أو تنحنح؛ لأنه عادة الواحد لما يقول: السلام عليكم يأتي الرد مثله، لما يقول السلام عليكم تقول: عليكم السلام ورحمة الله هكذا، لكن الواحد لما يقول: إهه ما تدري هل سلم ولا تنحنح، ما تدري، أحيانًا يكون الرد كذلك هكذا، واحد يقول: السلام عليكم وهو ما رد؟ الشيخ: لا، لا بد من البيان، لا هو على كل حال الاشتباه بين التنحنح والسلام غير وارد. طالب: لا ينطق بها يا شيخ. الشيخ: نعم هو ربما أنه يهمس بها همسًا، وهذا غلط، سلم سلامًا واضحًا، كما أن بعض الناس بالسيارات الآن إذا لقوك يضرب بوري، معناه لو معي بوري ضربت بوري علشان أرد عليه، هذا غلط أيضًا، لكن ربما يقول بعض الناس: إنه يضرب بوري حتى أنتبه ويسلم. طالب: لو بلي إنسان ببدعة فكيف تكفر ذنوبه وهي تزيد الذنوب؟ الشيخ: البدعة ما تكفر الذنوب، تزيد في الذنوب. طالب: بتلك المصائب يا شيخ. الشيخ: إي هذه مصيبة، لكنها مصيبة تحتاج إلى توبة، يعني المصائب الدينية مصيبة لا شك أن الإنسان إذا أصابه الفتور في الطاعة أو مثلًا الإعراض عن الطاعة لا شك أنها مصيبة، لكنها لا يقر عليها يجب أن يهرب منها كما يهرب من المصائب الحسية. طالب: هناك إشكال. الشيخ: ويش فيه؟ طالب: إذا كان الإنسان يقرأ كتب العلماء ثم يرد عليه النسيان لكثير من الأقوال، وهل يفرق بين نسيانه القرآن ونسيان غيره؟ الشيخ: إي معلوم. طالب: وهل هذا من الذنوب؟ الشيخ: النسيان ما يخلو منه الإنسان، حتى النبي صلى الله عليه وسلم قرأ ذات يوم ونسي آية من كتاب الله، ما أحد يسلم منه، لكن القرآن تجب العناية به، أكثر لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بتعهده، والقرآن أكثر الأشياء نسيانًا، يعني تحفظ مثلًا متنًا من متون الفقه ما يحتاج إلى تعاهد كثير، القرآن لا بد أن تعاهده كثيرًا وإلا نسيته، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «تَعَاهَدُوا الْقُرْآنَ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَهُوَ أَشَدُّ تَفَصِّيًا أَوْ تَفَلُّتًا مِنَ الْإِبِلِ فِي عُقُلِهَا» ، والحكمة من ذلك من كون أن القرآن ينسى أكثر من غيره: أولًا: الابتلاء ليعلم الله تبارك وتعالى من هو راغب في حفظ القرآن أو غير راغب. ثانيًا: كثرة الأجر والثواب بترداده؛ فإن في كل حرف عشر حسنات. ثالثًا: أن يبقى ذكر الله تعالى في قلبك؛ لأن القرآن كلام الله، فإذا كنت تقرأ القرآن فكأنما تناجي الله عز وجل؛ لأنك تقرأ كلامه سبحانه وتعالى. ولهذا جعل الله تعالى من الحكمة أن ينسى سريعًا حتى تحرص عليه. طالب: حديث يا شيخ أن النبي صلى الله عليه وسلم عندما جاءه ملكان في المنام، فمر على الذين يعذبون في قبورهم، أو رجل آتاه القرآن فنام عنه بالليل ولم يعمل به بالنهار ، هل يدل هذا على وجوب قيام الليل على صاحب القرآن؟ الشيخ: لا، ما يجب، لكن لعل هذا له صفة خاصة هذا الرجل، أو يقال: نام عنه في الليل، يعني عن الواجب فيه؛ كصلاة العشاء مثلًا وصلاة الفجر؛ لأن المنافقين لا يصلون الفجر ولا العشاء.
طالب: يقولون: إن بعض السنن تجب على طالب العلم؟ الشيخ: لا، نعم بعض السنن صحيح تجب على طالب العلم إذا كان عمله إياها إحياء للسنة، فهنا يجب عليه فعلها؛ لأن هذا من باب البلاغ.
تفسير الآية (٣١)
٠٠:٣٠:٠٦
ثم قال عز وجل: وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ [الشورى: ٣١] (ما) نافية، وهي تعمل عمل (ليس) على لغة الحجازيين، والقرآن الكريم نزل بلغتهم، وعلى هذا فيكون قوله: أَنْتُمْاسمها، وبِمُعْجِزِينَخبرها، لكنه اقترن بالباء الزائدة إعرابًا، الزائدة معنى، يعني أنها من حيث الإعراب زائدة، لو حذفت لتم الكلام بدونها، ولكنها من حيث المعنى غير زائدة، بل هي مفيدة. وفائدة حروف الزيادة هي التوكيد، كلما جاءك حرف زائد فهو لتأكيد العموم، يقول: وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِأي: بمعجزين الله تبارك وتعالى، إذا طلبكم فلن تعجزوه في الأرض. وقول المفسر رحمه الله تعالى: (بِمُعْجِزِينَالله هَرَبًا) هذا كالمثال، وإلا فالمعنى أعم مما قال، أي بمعجزين الله هربًا، وبمعجزين الله اختفاء، وبمعجزين الله اضطجاعًا، وما أشبه ذلك، الإنسان بالنسبة للإنسان ربما يعجزه إذا هرب منه ويكون أسبق منه، ربما يعجزه إذا اختفى عنه بجدار أو غار أو شجر أو ما أشبه ذلك، ربما يعجزه إذا اختفى عنه بالاضطجاع على الأرض وما أشبه ذلك، فهل هذا الإعجاز الذي يكون من الإنسان للإنسان هل يكون من الإنسان لله؟ لا؛ لأن الله تعالى لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، ولا يمتنع على قدرته شيء في الأرض ولا في السماء. وهذا كالوعيد لهؤلاء (وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِأي: غيره مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ) وَمَا لَكُمْ(ما) هذه نافية ولا نقول: إنها حجازية؛ لأن من شرط عملها عمل (ليس) الترتيب، أن يكون الاسم هو المقدم، وهنا الخبر هو المقدم، وعليه فتكون نافية غير عاملة. وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ(من) هذه زائدة لتوكيد النفي؛ (مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍيَدفَع عذابه عنكم)، مِنْ وَلِيٍّيتولاكم ويُحسِن ولايتكم، ولا نصير يدفع عنكم، فليس هناك ولي يتولاكم من دون الله ولا نصير يدفع عنكم عذاب الله، بل أنتم في قبضته تبارك وتعالى أينما كنتم. في هذه الآية الكريمة من الفوائد: أولًا: تهديد المشركين بعذاب الله وأن الله إذا أراده لم يعجزه. ومنها: وجوب خوف الله تعالى ورقابته؛ لأنه سبحانه وتعالى إذا أراد أن يعذب العاصي فلن يخفى عليه. ومن فوائده أيضًا: أنه ليس أحد يقوم بتولي هؤلاء المكذبين وينصرهم من دون الله، وعلى رأس هؤلاء الأصنام، فالأصنام لا تنفعهم، بل هي إن كانت عاقلة تتبرأ منهم يوم القيامة، وإن لم تكن عاقلة فهي وإياهم حصب جهنم، كما قال عز وجل في سورة الأنبياء: إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ [الأنبياء: ٩٨].
تفسير الآيات (٣٢-٣٥)
٠٠:٣٤:٣٩
ثم قال عز وجل: وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ [الشورى: ٣٢] (من) للتبعيض، وآياته: علاماته الدالة على رحمته وقدرته وحكمته، الْجَوَارِ: مبتدأ مؤخر، ولكنها معربة بتقدير الضمة على الياء المحذوفة للتخفيف، وأصل الجوار: الجواري بالياء، جمع جارية، والجارية هي السفينة كما قال الله تعالى: إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ [الحاقة: ١١] من آيات الله عز وجل هذه السفن فِي الْبَحْرِعلى الماء كَالْأَعْلَامِأي: (كالجبال في العظم)، هذه السفن العظيمة المحملة بالأموال والأناسي والحيوان من آيات الله، أن تكون في هذا البحر المتلاطم تمشي على الماء تمخر عباب الماء بما فيها من الأرزاق، لا شك أنها من آيات الله عز وجل. هدد الله تبارك وتعالى راكبيها بما يلي: إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ [الشورى: ٣٣] هذا أدنى عقوبة، يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره، لماذا؟ لأن السفن سابقًا إنما تمشي حسب الرياح؛ لأنها تمشي على شراع يوضع طويل فتصدم به الرياح فتسير، فإذا سكنت الرياح وقفت، ولهذا قال: إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَأي الجواري رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِأي: على ظهر البحر، وحينئذ تتعطل المصالح، وربما تأتي ريح عاصف تقصف بالسفينة فتغرقها. فالأحوال إذن ثلاثة: إما رياح طيبة تسير بها السفينة على ما ينبغي، وإما رياح عاصفة تغرق السفينة، وإما سكون، ماذا يكون بالسكون؟ تقف رواكد على ظهر الماء، فهو سبحانه وتعالى يبين أن من آياته سير هذه السفن. {إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ} يصرن رَوَاكِدَثوابت لا تجري {عَلَى ظَهْرِهِ}) أي: ظهر البحر إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍمن آياته. ثم قال: لَآيَاتٍ؛ لأن التبعيض بعض الشيء، فإذا كان الشيء ألفًا فبعضه قد يكون مئتين أو ثلاث مئة، وإذا كان الشيء اثنين فالبعض واحد، السفن كثيرة لا تحصى، ولهذا قال: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍباعتبار السفن الكثيرة التي تجري على البحر، وربما نقول باعتبار السفينة الواحدة مما يشاهده ركابها في البحر من الآيات العظيمة الدالة على كمال قدرة الله. ولهذا يحدثنا الذين يذهبون في البحر لاصطياد السمك يحدثوننا عن عجائب مما يشاهدون من السمك باختلاف أنواعها واختلاف ذواتها كبرًا وصغرًا وشكلًا مما هو من أعظم آيات الله. إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍصبار صيغة مبالغة، أي: كثير الصبر، شكور: كثير الشكر، فما وجه الجمع بين الصبر والشكر؟ وجهه ظاهر؛ لأن هذه السفن إن جرت على ما ينبغي فوظيفة الإنسان الشكر، وإن جرت على ما لا ينبغي فوظيفته الصبر، فالصابر والشاكر كلاهما سيرى من آيات الله عز وجل في هذه السفن ما يوقن أن الله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير، وأنه رحيم بالعباد، وغير ذلك مما سيراه. قال: (هو المؤمن يصبر في الشِّدَّة وَيشكر في الرخاء) وقد يقال: المؤمن والكافر، لكن الكافر يصبر ولا يشكر، المؤمن يصبر ويشكر، يصبر في موضع الصبر ويشكر في موضع الشكر، الكافر يصبر في موضع الصبر ويتحمل، ولكن لا يشكر في موضع الشكر، وإنما يزداد بطرًا وأشرًا. (أَوْ يُوبِقهُنَّعطف على يسكن، أي: يغرقهنَّ بعصف الريح بأهلهنَّ) هذا قسم ثالث: إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَوإن يشأ يُوبِقْهُنَّأي: يغرقهن بِمَا كَسَبُواأي: بسبب كسبهم، فما هو الكسب الذي يؤدي إلى العقوبة؟ المعاصي، إما بترك الواجبات وإما بفعل المحرمات، أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ. قوله: وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍليست معطوفة على (يسكن)؛ لأنه يفسد المعنى؛ إذ يكون المعنى: إن يشأ يسكن أو يوبق أو يعف عن كثير، وهذا فاسد، ولكن المعنى: يوبقهن بما كسبوا، و(يعف) جملة استئنافية لكنها حذفت الواو للتخفيف، المعنى أن الله تعالى يعفو عن كثير من الذنوب فلا يعاقب عليها (وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرمنها فلا يغرق أهله). وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍقال المؤلف المفسر: (بالرفع مستأنف، وبالنصب معطوف على تعليل مقدر، أي: يغرقهم لينتقم منهم ويعلم). أولًا: فيها قراءتان: {ويعلمُ}، وَيَعْلَمَ، على قراءة الرفع الواو استئنافية، التقدير: وهو يعلم الذين يجادلون. وعلى قراءة النصب وجهها المؤلف بأنها معطوفة على تعليل مقدر، أي: يغرقهم لينتقم منهم ويعلم، قال: أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ (٣٤) وَيَعْلَمَتجد أن الكلام لا يتناسب إلا إذا قدَّر ما يناسبه، المقدَّر على كلام المؤلف أي: يغرقهم لينتقم منهم، أي: وليعلم الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ [الشورى: ٣٥] أي: (مهرب من العذاب). وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَاالذين فاعل يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَاالمجادلة هي المناظرة والمخاصمة، مأخوذة من الجدْل، وهو الفتل، يقال: جدَل الحبلَ، أي: فتله، وسُمي المناظر مجادلًا لأن كل واحد من المتناظرين يفتل حجته لتقوى على حجة الآخر، هذا أصل المجادلة، وهي المنازعة والمخاصمة فِي آيَاتِنَاليثبتوا الباطل ويبطلوا الحق. تأمل مجادلة المشركين للأنبياء ما قصدهم؟ إبطال الحق الذي جاءت به الرسل وإثبات الباطل الذي هم عليه؛ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍما لهم: (ما) نافية، وهل يصح أن تكون هنا حجازية؟ لا يصح، لماذا؟ لعدم الترتيب، حيث قدم الخبر، إذن (ما) نفيها مجرد، لا تعمل، ومحيص: مبتدأ مؤخر دخلت عليه (من) الزائدة، والمحيص: المهرب؛ قال: (مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصمهرب من العذاب، وجملة النفي سدت مسد مفعولي يعلم، والنفي معلق عن العمل) هذا جواب سؤال مقدر وهو أين مفعولا يعلم؟ لأن يعلم من أفعال القلوب التي تنصب المبتدأ والخبر، يعني أنها من أخوات (ظن)، تنصب مفعولين، أين المفعولان؟ يقول المؤلف رحمه الله: إن عملها معلق الآن، معلق لماذا؟ للنفي، فجملة النفي سدت مسد المفعولين، وهذا يعلم من درس النحو؛ لأن أفعال القلوب إما أن تعمل، وإما أن تعلق، وإما أن تلغى، إذا ألغيت بطل عملها في المحل واللفظ، وإذا عُلقت بقي عملها في المحل دون اللفظ، وإذا عملت عملت باللفظ والمحل. في هذه الآية الكريمة فوائد: منها: التهديد بإغراق السفن؛ لقوله: أَوْ يُوبِقْهُنَّ، وقد علمتم قبل قليل أن الرياح بالنسبة للسفن تنقسم إلى ثلاثة أقسام: ريح مناسبة طيبة، وريح عاصفة مدمرة مغرقة، وريح ساكنة تبقى السفينة راكدة على ظهر الماء، فمن فوائدها: التهديد بإغراق السفن بالمعاصي. ومن فوائد الآية: التحذير من المعاصي وأنها سبب للعقوبات؛ لقوله: بِمَا كَسَبُوا. ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى يعفو عن كثير من السيئات فلا يعاقب عليها؛ لقوله: وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍيعني حتى مع إغراق السفن يعفو الله تبارك وتعالى عن كثير. ومن فوائد الآية الكريمة: تهديد أولئك العصاة بأنه ليس لهم مهرب من الله عز وجل؛ لقوله: وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا. ومنها: ذم المجادلة لإبطال الحق، تؤخذ من قوله: وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ، أما المجادلة لإثبات الحق فإنها واجبة، حيث كان الإنسان يجيدها ويحسنها، قال الله تبارك وتعالى: وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل: ١٢٥]، وقال تعالى: وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ [العنكبوت: ٤٦]. فالمجادلة لإثبات الحق وإبطال الباطل واجبة، لكن بشرط أن يكون عند الإنسان علم بما يجادل به، فإن لم يكن له علم فالواجب ألا يجادل؛ لأنه إذا جادل لإثبات الحق بدون علم فقد تنعكس القضية عليه، يورد عليه من الشبهات ما لا يستطيع دفعه، وحينئذ ينقطع. وانقطاع المجادل بالحق ليس ضرره على نفسه، بل هو على نفسه وعلى الحق الذي يجادل من أجل إثباته. وهل المجادلة تحصل بالغريزة أو بالمران؟ الجواب: بهما كليهما، قد يعطي الله سبحانه وتعالى الإنسان قوة حجة وقريحة وسرعة إجابة، وهذا من الله عز وجل، وقد يكون قليلًا من هذه الناحية في أصل خلقته ولكن مع المجادلة يتمرن. ولهذا كان بعض أهل العلم إذا أراد أن يحرر مسألة ويثبتها فرض نفسه مع مجادل، فيورد على نفسه إشكالًا ثم يجيب عنه، ثم إشكالًا ثم يجيب عنه حتى يتمرن على المجادلة. ويذكر أن عاميًّا يجادله نصراني يقول له: أنتم أيها المسلمون ظلمة، قال: بم؟ قال: لأنكم تجيزون أن تتزوجوا منا ولا تجيزون أن نتزوج منكم. إذا جاء هذا الإيراد على شخص لا يعرف المجادلة قال: هذا نعم صحيح، فقال العامي: إننا نؤمن برسولكم ولا تؤمنون برسولنا، آمنوا برسولنا نزوجكم، وهذه حجة صحيحة أو لا؟ صحيحة لا شك، فإذا كانت صحيحة من عامي كان هذا دليلًا على أن المجادلة تكون غريزة وتكون بالمراس والتمرن. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا مفر لمن حاد الله ورسوله من عقوبة الله؛ لقوله: وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ. من المعلوم أن (يعلم) تنصب مفعولين، فأين مفعولاها؟ جملة: مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍماذا يسمى؟ يسمى تعليقًا، وذكرنا لكم أن (ظن) وأخواتها تكون عاملة ومعلقة وملغاة. قوله: وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَاهل هذا مدح أو ذم؟ ذم، طيب كيف يكون ذمًّا وقد أمر الله بمجادلة أهل الكتاب؟ يعني إذن نقول: المجادلة لإظهار الحق وبيانه مأمور بها، والمجادلة التي للعكس لإبطال الحق وإظهار الباطل هذه هي التي عليها الوعيد، تمام.
تفسير الآية (٣٦)
٠٠:٥٢:٣٣
ثم قال الله تبارك وتعالى: فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍيعني أي شيء أوتيتموه من زخارف الدنيا فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا. قوله: فَمَتَاعُالفاء رابطة لجواب الشرط، وهو قوله: فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ؛ لأن (ما) هنا شرطية، و(من شيء) بيان لها، وجملة (فمتاع) هذه جواب الشرط، وعلى هذا فنقول: إن (متاع) خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير: فهو متاع الحياة الدنيا. قال: (يُتمتَّع فيها ثم يزول وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا) إلى آخره، (ما) هنا اسم موصول بمعنى (الذي)، و(خير) خبر المبتدأ، وَأَبْقَىفوصفه الله بوصفين مهمين جدًّا: الأول: أنه خير، والثاني: أنه أبقى؛ لأن ما في الدنيا فهو متاع زائل منغص، لا يكاد يمر بك أسبوع إلا وجدت التنغيص، وهذا على حد قول الشاعر:
فَيَوْمٌ عَلَيْنَا وَيَوْمٌ لَنَا
وَيَوْمٌ نُسَاءُ وَيَوْمٌ نُسَرّْ
أما الآخرة فهي خير محض، ليس فيه شر، وأيضًا هو أبقى، يعني أدوم، متاع الدنيا قليل يزول سريعًا، بخلاف ما عند الله عز وجل، لِلَّذِينَ آمَنُواآمنوا بأيش؟ بكل ما يجب الإيمان به، وقد سأل جبريل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن الإيمان فقال له: «الْإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ» . إذن آمنوا بما يجب الإيمان به، هذه العبارة لتشمل كل شيء وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ، قدم المعمول لإفادة الحصر والعناية به. وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَالرب هو الخالق المالك المدبر، يَتَوَكَّلُونَأي: يعتمدون ويفوضون أمرهم إليه تبارك وتعالى، والتوكلُ فسره بعضهم بأنه: صدق الاعتماد على الله في جلب المنافع ودفع المضار مع الثقة بالله تبارك وتعالى. (صدق الاعتماد على الله) يعني: أن تعتمد على الله اعتمادًا صادقًا لا تلتفت لسواه، (في جلب المنافع ودفع المضار)، زد (مع الثقة بالله عز وجل) يعني: تعتمد عليه عز وجل وأنت واثق بأنه حسبك وسيعينك. والتوكل على الله نصف الدين؛ كما قال عز وجل: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة: ٥] إذ لا يمكن للإنسان أن يأتي بشرائع الإسلام إلا بالتوكل على الله والاعتماد عليه، انظر إلى قوله: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، وإلى قوله: فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ [هود: ١٢٣] تجد أن الله تعالى قسم الدين إلى قسمين: عبادة واستعانة. فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، فَمَا أُوتِيتُمْالخطاب يقول المفسر: (للمؤمنين وغيرهم مِنْ شَيْءمن أثاث الدنيا {فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى}). قوله: فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ، (مِن) هذه زائدة لبيان العموم، أي: أي شيء تؤتونه من أمور الدنيا فإنه متاع الحياة الدنيا. وقوله: (الخطاب للمؤمنين وغيرهم) صحيح؛ لأن هذا يخاطب به المؤمن والكافر، المؤمن يتمتع في الدنيا، ولكنهم يتمتعون كما تتمتع الأنعام والنار مثوى لهم، والمؤمن يتمتع بالدنيا ولكنه إذا قام بعمل الآخرة صار نعيمه في الدنيا وفي الآخرة. (فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَايتمتع به فيها ثم يزول) هذا هو الواقع أن متاع الحياة الدنيا يزول أو يزال عنه، يعني: إما هذا وإما هذا، لو قدر أن الإنسان يبقى غنيًّا صحيح الجسم آمن المقام، أليس من الجائز أن يسلب هذا؟ بلى، فيكون متاعًا قد زال، فإن لم يزل عنه زال الإنسان عنه، من الذي مُتع أبد الآبدين؟ لا يوجد، قال الله تعالى: وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ [الأنبياء: ٣٤]، وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى، (ما) هذه اسم موصول مبتدأ، و(خير) خبره. وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى: خير من متاع الدنيا في ذاته ونوعه وكل متعه، وَأَبْقَىأي: أدوم؛ لأن متاع الدنيا يزول، فنعيم الآخرة جمع بين الوصفين: أنه خير، وأنه أبقى؛ فباعتبار نوعه وجنسه وأصنافه هو خير، وباعتبار بقائه هو أبقى، والإنسان لا يريد من النعيم إلا هذا، لا يريد إلا الأكمل والأبقى حتى لا يزول عنه، لكن لمن؟ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ. واعلم أن مثل هذه العبارة وردت على ثلاثة أوجه: الوجه الأول: أن يخاطب بها الشخص بعينه، فيقال له: إن الآخرة خير لك. والثاني: أن تأتي مقيدة بأوصاف محبوبة مطلوبة. والثالث: أن تأتي مطلقة. اسمع قول الله عز وحل لنبيه صلى الله عليه وسلم: وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى [الضحى: ٤]، فالآن نشهد أن الآخرة للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم خير له من الأولى، هذا قيد بشخص معين، المقيد بأوصاف كالآية التي معنا، وكقوله تعالى: وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا [يوسف: ١٠٩] فهذه مقيدة بأوصاف. الثالثة: مطلقة؛ كقوله تعالى: بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى [الأعلى: ١٦، ١٧] لكن هذا المطلق يحمل على المقيد، أو يقال هذا باعتبار وصفه لا باعتبار من يحصل له، فيقول من حيث الإجمال: الآخرة خير وأبقى، أما من حيث التفصيل فيفصل في كل موضع بحسبه. يقول الله عز وجل: فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍإلى آخره. ففي هذه الآية فوائد: منها التزهيد في الدنيا وأنها زائلة. ومن فوائدها: إنذار الكفار بأن ما هم فيه من النعيم ليس بشيء بالنسبة لنعيم الآخرة. وذكر أهل التاريخ أن ابن حجر رحمه الله صاحب فتح الباري كان قاضي القضاة في مصر، فمر ذات يوم برجل يهودي زيات -يعني يعمل في الزيت- كل ثيابه وسخة وأوانيه وفي تعب شديد، فمر ابن حجر العسقلاني رحمه الله وهو قاضي القضاة مر بمركبه تجره الخيول أو البغال وفي أبهة، فأوقفه اليهودي وقال: ما تقولون في قول نبيكم: «إِنَّ الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وَجَنَّةُ الْكَافِرِ» ، كيف يتفق هذا مع الحال التي نحن عليها الآن؟ أنت مؤمن وفي هذا النعيم، واليهودي يهودي وفي هذا العناء والتعب، كيف يتفق؟! فأجابه الحافظ ابن حجر بجواب على البديهة فقال: ما أنا فيه من النعيم بالنسبة لنعيم الآخرة سجن؛ لأن الآخرة خير، وهذا ليس بشيء، وأنت بما أنت فيه من العناء بالنسبة لعذاب النار في جنة. فقال اليهودي: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. آمن على طول لأن هذا دخل عقله وأن ما قاله الرسول حق. الدنيا مهما كانت فهي بالنسبة للآخرة سجن، ما هي شيء، ولكن الدنيا مهما كانت من الضيق فهي بالنسبة للنار جنة. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن حياتنا هذه دنيا، دنيا من الدنو، أي: القرب، أو من الدناءة، أي: الخسة والحقارة، تشمل المعنيين جميعًا، فهي قريبة؛ لأنها سابقة على الآخرة، من حين يولد الإنسان وهو فيها، وهي دنيئة أي: حقيرة بالنسبة ليش؟ بالنسبة للآخرة. إذن دنيا مؤنث أدون، وهي إما من الدنو وإما من الدناءة والحقارة، ففيها تحقير الدنيا. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن ما عند الله خير من الدنيا بأجمعها؛ لقوله: وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى. إذن في الآية التزهيد في الدنيا والترغيب في الآخرة. من فوائد الآية الكريمة: الثناء على من جمع بين الإيمان والتوكل؛ لقوله: لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ. من فوائدها: أن التوكل عبادة يجب إفراد الله به، وجه الدلالة: تقديم المعمول، هذا دليل وجوب إفراد الله به، وأما الدليل على أنه عباده فلأن الله تعالى ذكره في مقام الثناء ولا ثناء إلا في عبادة. ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة الجمع بين هذه الصفات المذكورة؛ لأن كل صفة منها صفة مدح لا شك، لكن اجتماعها يكون أكمل، أرأيت لو وصفت إنسانًا بالكرم فقلت: فلان كريم، أليس مدحًا؟ طيب، إذا قلت: شجاع انضم الآن الكرم إلى الشجاعة، وانضمام الصفتين بعضهما إلى بعض يولد صفة ثالثة وهو جمعه بين الصفات، طيب وهكذا نقول في كل الصفات المتعددة: أن جمعها يزيد الموصوف بها ثناء. من فوائد الآية الكريمة: وجوب التوكل على الله؛ لقوله: وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَحيث قدم المعمول. فإن قال قائل: أيجوز أن يتوكل على الغير فيما يقدر عليه؟ الجواب: نعم، ولكن لا يجعل هذا التوكل تفويضًا يتعلق القلب به؛ لأن هناك فرقًا بين أن أقول: يا فلان وكلتك تشتري لي كذا وكذا، هنا أعتمد عليه لكني لا أفوض الأمر إليه، بل أنا حينما أقول: يا فلان اشتر لي كذا وكذا أعتبر نفسي فوقه ولَّا دونه؟ فوقه؛ لأني أنا الآن الذي بيدي الأمر آمره وأنهاه، لكن الاعتماد الذي هو التفويض المطلق هذا لا يكون إلا لله عز وجل، فإذا أورد علينا إنسان هذا الإيراد اللي ذكرته نقول: الجواب سهل، التوكيل في الشيء لا يدل على التفويض المطلق، التوكيل على الشيء لا يتعلق القلب بنفس المتوكل عليه، بخلاف التوكل على الله، فبهذا يظهر الفرق، ويقال للإنسان الذي وكل غيره: إنه ليس ناقص التوكل، بدليل أن الرسول عليه الصلاة والسلام وكل: وكل علي بن أبي طالب في حجة الوداع أن ينحر عنه بقية هديه . وكل عروة بن الجعد أن يشتري له أضحية، اسمع القصة: أعطاه النبي صلى الله عليه وسلم دينارًا وقال: اشتر لي به أضحية، فاشترى أضحيتين بدينار، ثم باع واحدة منهما بدينار، فرجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم بأيش؟ بشاة ودينار، الرسول عليه الصلاة والسلام لم ينقصه شيء، ديناره الذي سلمه له رجع إليه، وشاته التي يريدها حصلت له، فدعا له النبي صلى الله عليه وسلم بالبركة في بيعه فكان لا يشتري شيئًا إلا ربح فيه حتى لو اشترى ترابًا لربح فيه ببركة دعوة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. العلماء أخذوا من هذه القصة جواز التصرف في مال الغير لمصلحة؛ لأن عروة تصرف؛ اشترى شاتين وهو مأمور بشاة واحدة، باع واحدة وهو لم يؤمر بالبيع، لكن هذا لمصلحة الغير، إلا أنه مع ذلك موقوف على إجازته، فلو أن هذا المتصرف قال له صاحبه: لا أرضى بهذا التصرف فإنه يرد، لو علمنا أن فلانًا يريد أن يبيع بيته قد عرضه للبيع وجاء شخص وبذل فيه مالًا كثيرًا، بذل مثل قيمته مرتين، فجاء رجل تقدم وباع، يجوز أو لا يجوز؟ يجوز؛ لأني أعرف أن الرجل عازم على بيع البيت، وهو إذا عزم على بيع البيت سيكون بيعه بثمن المثل، فإذا جاء إنسان بذل أكثر من قيمة المثل مرتين مثلًا، وتقدم شخص لم يوكل وباعه فالبيع صحيح؛ لأن هذا تصرف للغير بما يحبه، لكن لو فرض أن صاحب البيت قال: لا أجيز هذا، فحينئذ يرد البيع، فيبقى عاد إشكال آخر مع من؟ مع المشتري، المشتري يقول: أنا اشتريت ولا عليَّ منك أنت ويا صاحبك، أنا اشتريت، والموكل يقول: أنا لم أرضَ، والوكيل يقول: أنا راضٍ، فما الحل؟ الحل إذا كان الوكيل قد أخبر المشتري بأنه وكيل وأن البيت لفلان ثم قال فلان وهو الموكل: أنا لا أرضى بهذا البيع فسخ، وإلا بقي البيع وضمن الوكيل ما يطلبه الموكل. والله الموفق. طالب: لماذا أتى بالتعبير بالولي مع النصير مع أن الولي هو النصير؟ الشيخ: لا، الولي هو الذي يتولى الأمور، وقد لا يستطيع المدافعة، يتولى أمورهم ولكن قد لا يستطيع أن يدافع، والنصير يستطيع أن يدافع، فليس لهم ولي يجلب الخيرات ولا نصير يدفع الشرور. طالب: أحسن الله إليك. قوله تعالى: فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْما الجمع بينه وبين البلاء للمؤمن (...). الشيخ: الجواب أن هذا لمن أصيبوا، فيبين لهم أن هذا بما كسبت أيديهم لعلهم يتوبون ويرجعون إلى الله، وأما الإصابة بدون ذنب فهذه لرفعة الدرجات؛ لأن الإصابة يقابلها الصبر، لا بد من صبر عليها، والصبر درجة عالية لا ينالها إلا مَن وُفق لها، ولا يمكن أن يقال: صابر لمن لم يمسه أذى، ولهذا كان البلاء الذي للأنبياء مضاعفًا على البلاء الذي لغيرهم حتى في الأمراض، فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يوعك كما يوعك الرجلان منا . وشُدد عليه في الموت عليه الصلاة والسلام حتى يكون آخر حياته على أتم مقامات الصبر، أما إذا قيل ذلك في المذنبين فالمراد أن ينتهوا عن ذنوبهم. طالب: (...). الشيخ: لا، هذه ما هي عقوبة من الله عز وجل، خزي يعني: ذل، أن هؤلاء المسيطرين المستكبرين سوف يعود أمرهم إلى ذل وفي الآخرة يعذبون. طالب: شيخ، يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَاما المقصود بالآيات هنا: الشرعية أم الكونية؟ الشيخ: الكونية والشرعية، فالمجادلة في الآيات الكونية أن يقول: ليش يقدر الله كذا؟ ولماذا يقدر الله مثلًا على الشعب المسلم الحروب والفتن؟ وما أشبه ذلك، وفي الآيات الشرعية واضحة، يقول: ليش أوجب الله كذا؟ لماذا حرم كذا؟ وما أشبهه. طالب: (...). الشيخ: نعم، المراد بذلك الجدال المراء الذي يُقصد به المغالبة، أما الذي يقصد به إثبات الحق فواجب، حتى قوله تعالى في الحج: فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ [البقرة: ١٩٧] هذا الجدال الذي من أجل أن يماري السفهاء أو بغير فائدة، أما لإثبات الحق فلا بد منه. طالب: هل تجب في (...). الشيخ: نعم يجب للمجادل لإثبات الحق أن تكون نيته إعلاء كلمة الله. طالب: إن شابه شيء من الرياء هذا يبطل؟ الشيخ: يبطل، لكن يجب أن الإنسان يدافع الرياء، أو يقصد بالرياء أن يعلوَ على هذا العدو المجادل بالباطل، هذا ما فيه بأس. طالب: إحنا قلنا: إن قوله تعالى: مِنْ شَيْءٍزائدة؟ الشيخ: لا، عدلنا عنها، قلنا: فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍقلنا: بيانية في الأول، ولكن تبين أن (ما) ليست نافية، لكنها زائدة لعموم النفي، أي: أي شيء أتيتموه فمتاع الحياة الدنيا. طالب: شيخ، أحسن الله إليك، بالنسبة لقوله سبحانه وتعالى: وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ [الشورى: ٢٨] فسرتنا أن رحمته بالمطر؟ الشيخ: فسرها المؤلف. طالب: فهل يقال: إنه من أوقات الدعاء، الدعاء عند نزول المطر لأنه رحمة؟ الشيخ: إحنا ذكرنا أن كلام المؤلف قاصر، المراد بنشر الرحمة ما يحدث من آثار المطر. نسأل الله تعالى أن يشملنا وإياكم برحمته، وأن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى.