تجاوز إلى المحتوى

تفسير سورة الشورى - ٥

درس صوتي · ٨٤:٤٥

جارٍ تجهيز الصوت

انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها

إعدادات

اختصارات لوحة المفاتيح

Space أو K تشغيل وإيقاف ←→ خمس ثوانٍ JL خمس عشرة ثانية HomeEnd بداية ونهاية الدرس

محتوى الدرس

تفسير الآية (١٣)

٠٠:٠٠:٠٤

ثم قال عز وجل: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ [الشورى: ١٣] إلى آخره. شَرَعَ لَكُمْالخطاب لهذه الأمة ولله الحمد، ومعنى شَرَعَ لَكُمْأي سَنَّ لكم وجعل لكم شريعة، هي: مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا. قال الشارح: (وهو أول أنبياء الشريعة) وتساهل رحمه الله في هذا، والصواب أن يقول: هو أول رسل الشريعة؛ لأنه جاء في الحديث الصحيح: «أَنَّ الْخَلْقَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَأْتُونَ إِلَى نُوحٍ لِيَشْفَعَ لَهُمْ فَيَقُولُونَ لَهُ: أَنْتَ أَوَّلُ رَسُولٍ أَرْسَلَهُ اللَّهُ» .

ولأن الرسول أخص من النبي، ولا ينبغي أن نعدل عن الأخص إلى الأعم، إذن الصواب أن نقول: هو أول رسل الشريعة، أما أول أنبياء الشريعة فهو آدم عليه الصلاة والسلام، نبي مُكلَّم، لكنه ليس برسول، الحكمة من كونه غير رسول؛ لأن الناس لم يختلفوا بعد، والله تعالى أرسل الرسل ليحكموا بين الناس فيما اختلفوا فيه كما قال جل وعلا: كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ [البقرة: ٢١٣] لكن في عهد آدم ما فيه اختلاف، العدد قليل وليس هناك مغريات ولا أشياء توجب أن يختلف الناس، فلذلك كان آدم يتعبد لله تعالى بشريعته التي شرعها لهم. أبناؤه يتبعونه، لما كثروا وانتشروا واختلفوا حينئذٍ جاءت الحاجة بل الضرورة إلى الرسل، إذن الأولى أن نقول: هو أول رسل الشريعة، لماذا؟ لأن أول أنبياء الشريعة آدم. وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ [الشورى: ١٣] يعني: وشرع لكم الذي أوحينا إليك. وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَمعطوفة على مَافي قوله: مَا وَصَّى بِهِ نُوحًاوالوصية: هي العهد بالشيء الذي يهتم به، يُسمى وصية وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَوهو القرآن وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى [الشورى: ١٣]. الله أكبر، ذكر الله تعالى أول الأنبياء الذين هم الرسل وآخرهم، ثم ذكر ما بين ذلك ليجمع سبحانه وتعالى بين الطرفين والوسط، مَنْ أول هؤلاء الرسل الكرام؟ نوح، وآخرهم محمد صلى الله عليه وعليهم وسلم، هؤلاء الخمسة هم أولو العزم من الرسل قال الله تعالى: فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ [الأحقاف: ٣٥] وذُكروا في القرآن في موضعين: هذا واحد. والثاني: قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى [الأحزاب: ٧] وهذه الآية في سورة الأحزاب. وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ [الشورى: ١٣] أَنْهذه تفسيرية بمعنى (أي)؛ ولذلك لا تعمل شيئًا؛ لأنها لمجرد التفسير والتبيين أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ [الشورى: ١٣] أَقِيمُوا الدِّينَيعني: ائتوا به مستقيمًا غير منحرف. وما هو الدين القيم؟ هو الدين الذي شرعه الله عز وجل، فيجب علينا أن نقيم الدين كما أقامه الله عز وجل، لا نغلو فيه، ولا نُقصِّر عنه؛ ولذلك كان الناس في دين الله على ثلاثة أقسام: قسم غلوا، وقسم قصَّروا، وقسم اعتدلوا، فما الذي أُمِرْنا فيه؟ الاعتدال أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَغير متجاوزين ولا قاصرين عنه؛ ولذلك هلك أقوام ممن قصَّروا أو تجاوزوا، وأيهما أخطر؟ الأخطر التجاوز وهو الغلو، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ الْغُلُوُّ» . ولأن الغالي يعتقد أن هذا دين فلا يكاد يُقلِع عنه، والْمُقصِّر يعترف أنه مُقصِّر، فربما حاسب نفسه يومًا من الأيام وأتم، فالغلو أخطر؛ ولذلك تجد بدع المبتدعة أشدها الغلو، فالرافضة مثلًا غلوا في آل البيت، وتجاوزوا الحد، والمؤلِّهة للرسول عليه الصلاة والسلام الذي يعتقدون أنه أشد من الإله عز وجل غلوا في الرسول وهلكوا، والغالية في الدين الذين يريدون من الناس أن يستقيموا على الدين، وألا يفعلوا كبيرة أيضًا غلوًّا كالخوارج، المهم أنك إذا تأملت البدع وجدت أن الغلو فيها أشد خطرًا على الإنسان؛ لأن الغالي يعتقد أن ما هو عليه دين، والمقصِّر يعرف أنه مقصر، وربما استقام بعد ذلك. قال الله تبارك وتعالى: أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِالدين يطلق على معنيين: المعنى الأول: الجزاء. والمعنى الثاني: العمل، يعني يُطلق على العمل وعلى الجزاء؛ فمن إطلاقه على العمل قول الله تبارك وتعالى: لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ [الكافرون: ٦] يعني لكم عملكم ولي عملي، كقوله تعالى: وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ [يونس: ٤١]. ومن إطلاقه على ا لجزاء قوله تعالى: وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ [الانفطار: ١٧، ١٨]. وما نقرؤه نحن في كل صلاة: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة: ٤] أي المعنيين يراد؟ الجزاء أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَهنا ما المراد به؟ العمل أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِيعني: لا تتفرقوا في دينكم فتكونوا أحزابًا، فنهى الله عز وجل عن التفرق في الدين، وهذا يستلزم وجوب الاجتماع عليه؛ لأن النهي عن الشيء أمر بضده إذا لم يكن له إلا هذا الضد، وحينئذٍ يجب على المسلمين أن يجتمعوا في دين الله وألا يتفرقوا فيه. وما اختلف العلماء فيه من الآراء فإن الهدف منه واحد لمن صلحت نيته؛ لأن كل واحد من المختلِفين إنما يريد الوصول إلى الحق لكن اختلفوا في الطريق، وإذا كان الهدف واحدًا وهو الوصول إلى الحق فإنه لا يجوز أن يُجعل هذا الاختلاف سببًا للتفرق في الاتجاه، لا يجوز هذا إطلاقًا، بل تجب الوَحْدة والاجتماع حتى مع اختلاف الآراء؛ ولهذا كان السادة الغُرر الصحابة رضي الله عنهم يختلفون في أشياء كثيرة مهمة، ومع ذلك فالقلوب واحدة، ولما وصل الاختلاف بهم إلى تفرق القلوب حصل ما حصل من الفتن بين علي ومعاوية وعائشة والزبير وما أشبه ذلك. في وقتنا الحاضر لا شك أن الناس مختلفون، فمنهم من يتجه اتجاهًا سياسيًّا، ومنهم من يتجه اتجاهًا صوفيًّا، ومنهم من هو معتدل، اختلافات كثيرة؛ فالواجب علينا أن ننزع فتيل هذا الاختلاف، وأن نكون أمة واحدة حتى لا نتفرق فنفشل؛ لأن الله يقول: وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ. يعني ولا يكن لكم قيمة وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [الأنفال: ٤٦]؛ ولهذا نجد الآن مع الأسف الشديد أن ما يُسمى بالصحوة الإسلامية أُصِيب بهذا البلاء، وصار نفس المتدينين يلمز بعضهم بعضًا، ويضلل بعضهم بعضًا، ويُبدِّع بعضهم بعضًا، وربما يُكفِّر بعضهم بعضًا، فضاعت تلك الصحوة، وصار الذين يُراد منهم أن يكونوا حزبًا على أعداء الله وحربًا على أعداء الله صاروا حربًا على أنفسهم وأحزابًا بأنفسهم، وهذا ما يبذل فيه العدو أغلى ما يكون ليحصل، وقد حصل له مجانًا، فالواجب علينا أن نزيل هذه الاختلافات وأن ندعها، وأن نترك ما يعمر به كثير من الناس مجالسهم في سب فلان وفلان، أو ذم فلان وفلان، أو الغلو في فلان وفلان؛ لأن هذا يُضيِّع الأوقات، ويولد الأحقاد، ولا يفيد شيئًا بل يضر، ما لنا ولفلان، إن كان ميتًا فقد واجه الحساب، وإن كان حيًّا فنرجو له الاستقامة، وأما أن نجعل أكبر همنا هو هذا الكلام الذي لا يعود إلى الأمة إلا بالشر؛ ولهذا ينهى الله عز وجل عن التفرق في عدة آيات كما في هذه الآية: أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ. فإذا اختلفت أنت وصاحبك في رأي من الآراء وهو محل للاجتهاد فالواجب أن تعتقد أن صاحبك لن يخالفك، لماذا؟ لأنه سلك السبيل الذي تسلكه أنت، هو اجتهد فقال: هذا هو الصواب، وأنت اجتهدت فقلت: هذا هو الصواب، إذن ما مراد كل واحد منكم؟ الوصول إلى الحق، ولا يمكن أن يكون اجتهادك حجة عليه، ولا اجتهاده حجة عليك، وحينئذٍ نكون في الواقع متفقين، حتى لو خالفني فأنا أعتقد أنه موافقني؛ لأننا كلنا نقصد الحق ولا نريد مخالفة الحق، لكن مع الأسف الآن أن بعض الناس يتخذ من هذا الخلاف الذي هو محل الاجتهاد يتخذ منه سلمًا للتفرق والطعن. قبل سنوات في مِنى حضرت طائفتان أفريقيتان، كل واحدة تلعن الأخرى وتُكفِّرها، فأتوا إلى أمير الدعوة التي أنا من ضمن أعضائها أتوا إليه متشاكسين جدًّا جدًّا، في مِنى في أيام الحج، في شهر حرام، في بلد حرام، فهو -جزاه الله خيرًا- حضر إلَيَّ معهم، ويش الأمر؟ قال: هؤلاء كُفَّار، هؤلاء رغبوا عن سُنَّة الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» . ونحن نبرأ منهم، كلام طويل عجيب، وما الخلاف؟ الخلاف إحدى الطائفتين تقول: إذا قام يصلي فإنه يضع اليد اليمنى على اليسرى، والطائفة الأخرى تقول: إذا قام يصلي يرسل يديه، المسألة ما هي خلاف في العقيدة، المسألة خلاف في سُنة من سنن الصلاة هي محل اجتهاد، كل واحد يقول للآخر: إنه كافر؛ لأنه رغب عن سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي». شوف البلاء! الآن الشباب صار اختلافهم في أمر آخر؛ في الأشخاص، يجعلون الشخص هدفًا، ما تقول في فلان؟ إذا قال: والله فلان طيِّب حبيب، ومِن خير عباد الله، انشرح صدره، وكأنما أُعطي الجنة، وإذا قيل: والله هذا الرجل عنده انحراف في المسلك، إنسان فيه كذا، وفيه كذا، انقبض وضاق صدره، وترك صاحبه، هذا غلط يا إخوان. الناس الرجال إن أخطؤوا، فاسأل الله أن يعفو عنهم خطئهم؛ لأنهم مسلمون مهما كانوا لا يخرجون من الإسلام، وإن أصابوا فخذ بصوابهم واحمده، وخطؤهم لا تأخذ به، أما أن تجعلهم محكًّا للولاء والبراء فهذا غلط عظيم؛ لذلك أنا أدعو إخواننا من السعوديين وغيرهم إلى نبذ هذه الطريق والبعد عنها، وأن نعتقد أننا إخوان، وأن كل واحد منا مجزي بعمله، وألا نجعل هذا سببا للتفرق؛ لأن الله نهانا، ونحن نعلم علم اليقين أن الله لا ينهانا إلا عن شيء فيه ضررنا، فهنا يقول: أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَيعني غير مغالين فيه ولا مُقصِّرين وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِاجتمِعوا عليه. كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ [الشورى: ١٣] كَبُرَبمعنى عظم واشتد عليهم. عَلَى الْمُشْرِكِينَيعني بالله. مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِمن أي شيء؟ من التوحيد؛ لأن المشرك ما يكبر عليه هو التوحيد، أكبر شيء عنده هو التوحيد؛ يعني أكبر شيء يشق عليه هو التوحيد؛ ولهذا قالوا في الرسول صلى الله عليه وسلم: أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (٥) وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ [ص: ٥، ٦]. شوف صبروا أنفسهم على الشرك والعياذ بالله، وقالوا في التوحيد: إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌأي عجيب جدًّا، فما هو الشيء العجاب حقيقة؟ هو إشراكهم بالله عز وجل، الذي يقرون هم أنه خالقهم ولا خالق سواه، من هنا نأخذ أن المشركين يعظم عليهم التوحيد. وأقول لكم: إذا كان يعظم عليهم التوحيد فلا بد أن يفعلوا كل سبب يحول بين هذا التوحيد وقيامه وانتشاره، أليس كذلك؟ كل شيء عظيم عليك لا بد أن تدافعه، فهم الآن حرب على التوحيد وأهله؛ ولهذا تسمع الآن مخططات النصارى على ما في ديانتهم التي هم عليها من الضلال والمخالفة للمعقول والمحسوس تجدهم يبثون الإذاعات القوية التي ليس فيها تشويش، والتي تأتي في أوقات مناسبة للدعوة إلى الدين الذي هم عليه، ما أقول: إلى دين المسيح، المسيح بريء منهم، لكن إلى الدين الذي هم عليه. تجد بعض أهل البدع يكبر عليهم جدًّا من يدعو إلى السنة، ويحاربون من يدعو إلى السنة، ويشوهون السمعة؛ لأنه عظيم عليهم، فهنا يقول: كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ [الشورى: ١٣]. يقول: اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِيَجْتَبِيبمعنى يختار ويصطفي. وقوله: إِلَيْهِأعاد الضمير رحمه الله إلى التوحيد، ولكنَّ فيه احتمالًا أقوى مما قال وهو أن الضمير يعود إلى الله عز وجل؛ أي: الله يجتبي إلى نفسه عز وجل من يشاء، ويهدي إلى نفسه من ينيب، وهذا أحسن مما سلك المؤلف، فالله تعالى يختار إليه من يشاء، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن اختارهم إليه، ويكره آخرين؛ فالأولون يهديهم صراطه المستقيم، والآخرون يضلهم؛ لأنهم هم الذين فعلوا السبب اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ.

ولكنه مر علينا قريبًا جدًّا أن كل شيء علقه الله بالمشيئة فإنه مقرون بالحكمة، لا يشاء شيئًا إيجادًا أو إعدامًا أو تغييرًا إلا لحكمة. وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُأي من يُقبِل على طاعته، يقول الشارح: (يقبل إلى طاعته)، فهو يهديه الله إليه، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه عن ربه أن الله تبارك وتعالى يقول: «مَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ». يعني الفرائض أحب إلى الله من النوافل: «وَلَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا» .

وكذلك قال تبارك وتعالى في الحديث القدسي: «مَنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَمَنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا، وَمَنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً» . فمن أناب إلى الله فإن الله يهديه إليه، ويُعينُه ويسدده. من فوائد هذه الآية الكريمة: أن شرع الدين عند الله عز وجل وحده؛ ولهذا أنكر الله تعالى على الذين يشرعون لأقوامهم دينًا لم يأذن به الله، فقالوا: شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ [الشورى: ٢١]. ومن فوائدها: أن الأصل في العبادات المنع إلا بدليل؛ ولهذا إذا رأيت شخصًا يعمل عملًا يتقرب به إلى الله فأنكر عليه إلا إذا أقام دليلًا، بخلاف غير العبادات فالأصل فيها الحِل، ولهذا إذا رأيت شخصًا يفعل شيئًا ليس عبادة فأنكرت عليه فعليك الدليل. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن أديان الأنبياء واحدة، من نوح إلى محمد صلى الله عليه وسلم؛ لقوله: مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ [الشورى: ١٣]. فما هذا التوحيد في الأديان؟ التوحيد في الأديان هو ما أفاده قوله تعالى: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل: ٣٦] فهذه هي القاعدة العامة في جميع الرسالات، أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ. أما الشرائع والمنهج فلكل أمة ما يناسبها؛ لقوله تعالى: لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا [المائدة: ٤٨]؛ ولهذا نجد أن بني إسرائيل يشدد الله على أقوام منهم في الشريعة ويخفف في الشريعة الأخرى، قال عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام: وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ [آل عمران: ٥٠]. إذن الأصل هو توحيد الرسالات، وهذا الأصل هو المشار إليه: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل: ٣٦]. أما الشرائع والمنهاج فهذا يشرع الله عز وجل لكل أمة ما يناسبها، حتى الأمة الواحدة يشرع لها ما يناسبها في أول أمرها، وفي آخر أمرها كالمنسوخ في هذه الشريعة الإسلامية. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات نبوة نوح وإبراهيم وموسى وعيسى؛ لقوله: مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى [الشورى: ١٣]. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: عناية الله تبارك وتعالى بالشرائع حيث جعل ذلك وصية، والوصية هي العهد بالشيء المهتم به. ومن فوائد الآية الكريمة: أن هذا القرآن الكريم وحي أوحاه الله تعالى إلى رسوله صلى الله عليه وسلم؛ لقوله: وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن القرآن شامل لجميع الشريعة؛ لقوله: وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ. فإن قال قائل: في الشريعة ما لا يُوجد في القرآن تفصيلًا؟ فالجواب: تكفي الإشارة إليه، يعني لو أننا بحثنا هل في القرآن ما يدل على عدد الصلوات، وعلى عدد ركعاتها، وعلى كيفيتها؟ لكان الجواب: لا، ما هو موجود، لكن كون الله عز وجل يأمرنا أن نطيع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن تبعه يكفي؛ لأن سُنَّة الرسول عليه الصلاة والسلام قد أُمرنا بها وبكل ما تتضمنه، وعلى هذا تكون الشريعة كلها موجودة في القرآن إما بالإشارة والإيماء وإما بالتصريح. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات رسالة النبي صلى الله عليه وسلم، حيث قال: وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الأمم جميعهم مأمورون بإقامة الدين وعدم التفرق فيه؛ لقوله: أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيه. ومن فوائدها: أن التفرق في دين الله منافٍ للذي أوحى الله إلى رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ووصى به نوحًا وإبراهيم وموسى وعيسى. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن ما يدعو إليه النبي صلى الله عليه وسلم من التوحيد كان عظيمًا وشاقًّا على المشركين؛ لقوله: كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ [الشورى: ١٣]. ويتفرع على هذه الفائدة: أنه متى كان التوحيد كبيرًا على المشركين فلا بد أن يسعوا بكل جهودهم على إحباط هذا التوحيد؛ لأن كل إنسان بمقتضى فطرته لا بد أن يسعى في إزالة ما يكون شاقًّا عليه. ويتفرع على ذلك فائدة: وهو الحذر من كيد المشركين. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو المسلمين وغير المسلمين لدين الله؛ لقوله: كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ. وهذا قد وقع تطبيقه، وشاهده في حال النبي صلى الله عليه وسلم؛ كان يخرج إلى البلاد الأخرى ليدعو الناس إلى التوحيد كما خرج إلى الطائف، وكان في موسم الحج يعرض نفسه على القبائل عليه الصلاة والسلام، يأتي لكل قبيلة ويدعوهم، ويقول: «أَلَا أَحَدٌ يُؤْوِينِي -أو كلمة نحوها- حَتَّى أُبَلِّغَ رِسَالَةَ رَبِّي؛ فَإِنَّ قُرَيْشًا مَنَعُونِي أَنْ أُبَلِّغَ كَلَامَ رَبِّي» . ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله قد يَمُنُّ على بعض العباد بالاجتباء والهداية؛ لقوله: اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ [الشورى: ١٣]. ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات مشيئة الله عز وجل لفعل العبد؛ لقوله: يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُفيكون فيها رد على مَن؟ على القدَرِية الذين يقولون: إن الإنسان مستقل بعمله، ولا مشيئة لله تعالى في فعله. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الهداية لكل منيب، وهذه الهداية غير الإنابة، الإنابة هداية سابقة، لكن كلما أناب الإنسان إلى ربه ازداد هداية. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: عِصمة الله تبارك وتعالى من ينيب من البِدع والمخالفات؛ لقوله: يَهْدِي إِلَيْهِ. وهذا بلا شك ضد البدع؛ لأن البدع ليس فيها هداية إلى الله بل هي ضلالة. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الحث على الإنابة إلى الله عز وجل؛ لأنه سبب للهداية. ومن فوائدها: الرد على الجبرية؛ لقوله: مَنْ يُنِيبُفأضاف الفعل إلى العبد، والجبرية لا يضيفون الأفعال إلى العبد يقولون: إن العبد يفعل بغير إرادة ولا اختيار. ففي الآية إذن رد على القدرية ورد على الجبرية، وهما طائفتان مبتدعتان متطرفتان، فما هو المذهب الوسط؟ المذهب الوسط هو الذي يقول: إن الإنسان لا يُجبَر على عمله، وأنه يفعل الفعل باختياره، ولا يشعر أن أحدًا أجبره، لكننا نعلم أن هذا الفعل الذي وقع منه واقع بمشيئة الله وإرادة الله، ولا يمكن أن يستقل الإنسان بشيء في الكون من دون الله عز وجل. طالب: شيخ، بارك الله فيكم، إذا مر الإنسان بآية فيها ذكر الأنبياء سواء في الصلاة أم خارج الصلاة، هل يُشرع له أن يصلي عليهم؟ الشيخ: لا، إلا الرسول صلى الله عليه وسلم. طالب: ولو خارج الصلاة؟ الشيخ: كيف ولو خارج الصلاة؟ إي نعم، ولو خارج الصلاة؛ لأنه ما نعلم أن الرسول إذا مر بالرسل سلم عليهم. الطالب: أنا أقصد نبينا صلى الله عليه وآله وسلم إذا مر علينا في قراءة في الصلاة؟ الشيخ: إذا مر عليك فصلِّ عليه في أي حال أنت، إلا إذا كنت على الخلاء فلا (...) أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. قال الله تبارك وتعالى: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا [الشورى: ١٣]. سبق لنا أن هؤلاء الرسل الكرام لهم لقب خاص هو؟ الطالب: أولو العزم من الرسل. الشيخ: هم أولو العزم من الرسل، ذُكِروا في القرآن في أكثر من موضع، في كم موضع؟ طالب: في موضعين. الشيخ: في موضعين، الأول في سورة الأحزاب، اقرأها؟ طالب: وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ [الأحزاب: ٧].

الشيخ: والموضع الثاني: قول الله تبارك وتعالى: أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ [الشورى: ١٣] معناها تفسيرية، لكن ويش معنى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ؟ طالب: (...). الشيخ: افعلوه مستقيمًا، لا عوج فيه، العوج في الدين يكون بأمرين متطرفين؟ طالب: أولًا: الابتداع والبدع. الشيخ: لا. طالب: الغلو في الدين، والثاني: التقصير فيه والنقص. الشيخ: الغلو والتقصير، أيهما أخطر على الإنسان؟ الطالب: الغلو يا شيخ. الشيخ: الغلو، لماذا؟ الطالب: لأن الغلو يكون زيادة. الشيخ: إي نعم، هذا أيضًا يعتبر نقصًا في الدِّين. الطالب: أنه يعتقد، ويؤمن بما هو عليه. الشيخ: يعتقد أنه على حق، وأن هذا هو الدين، فلا يكاد يتركه، أما المقصِّر فيعرف أنه مُقصِّر، ويحاول أن يصلح ما قصر فيه.

تفسير الآية (١٤)

٠٠:٣٥:١٢

ثم قال الله تعالى: (وَمَا تَفَرَّقُواأي: أهل الأديان في الدين بأن وَحَّد بعضهم وكفر بعض إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُبالتوحيد بَغْيًامن الكافرين بَيْنَهُمْ). وَمَا تَفَرَّقُوايقول المؤلف: (أي أهل الأديان). وهذا تفسير جيد، وقد ذكر الله تبارك وتعالى في سورة البينة قوله: وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ [البينة: ٤] فهل نقول: إن هذه الآية العامة وَمَا تَفَرَّقُواتُخَصَّص بآية البينة، ويكون المراد: وما تفرق الذين أوتوا الكتاب، أو نقول: هي عامة وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَبعض من الأفراد، وإذا ذُكِر بعض الأفراد بحكم يطابق حكم العام فإنه لا يعد مُخصصًا؟ الجواب الثاني: وهذه قاعدة أصولية: أنه إذا ذُكِر بعض أفراد العام بحكم يُطابق العام فهذا ليس بتخصيص، مثاله، قلت: أكرم الطلبة. ثم قلت: أكرم محمدًا وهو منهم، هل هذا يقتضي ألا تكرم سواه؟ أجيبوا. طلبة: لا. الشيخ: لا، إذن ذِكْره بحكم يوافق حكم العام لا يقتضي تخصيصه به، أما لو كان يُخالف فهذا تخصيص، لو قلت: أكرم الطلبة. ثم قلت: لا تُكرم محمدًا، فحينئذٍ يخرج حكمه عن حكم العام. وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ [الشورى: ١٤]. وقول المؤلف: (بأن وحَّد بعضهم وكفر بعض) هذا مناسب لقوله: كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ [الشورى: ١٣] وإلا فالاختلاف أوسع من أن يكون اختلافًا في التوحيد والكفر. إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْفيكون تفرقهم عن علم، قد قامت عليهم الحجة. وقوله: بَغْيًا بَيْنَهُمْمفعول لأجله؛ أي أن تفرقهم للبغي والعدوان. (وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ [الشورى: ١٤] بتأخير الجزاء إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ) إلى آخره. إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ [الشورى: ١٤] والكلمة التي سبقت من الله هي تأخير الجزاء حتى يوافوا الله عز وجل. إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّىأي مُعيَّن وهو يوم القيامة لَقُضِيَ بَيْنَهُمْبتعذيب الكافرين في الدنيا. لَقُضِيَ بَيْنَهُمْأي فصل وحُكم بينهم، وأُهلك الكفار وأُبقي الموحدون. (وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْوهم اليهود والنصارى) يقول الشارح: (لَفِي شَكٍّ مِنْهُمن محمد صلى الله عليه وسلم مُرِيبٍمُوقع للريبة). قوله عز وجل: وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكالكلمة هي أنه قضى عز وجل بتأخير العذاب عنهم فتنة واختبارًا، وقد أشار الله تعالى إلى هذه الفتنة والاختبار بقوله تعالى: وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ [محمد: ٤] لو انتصر الله منهم وأهلكهم ما بقي للجهاد محل، ولا بقي للمؤمنين محنة واختبار؛ ولهذا قال: وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ [محمد: ٤]. وقوله: إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّىأي معين محدد، وذلك يوم القيام. يوم القيام محدد في علم الله لا يتقدم ولا يتأخر، كما أن موت الإنسان محدد من قِبَل الله، لا يتقدم ولا يتأخر.

وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ. وإن الذين أُورثوا الكتاب؛ أي: أُعطوه، مجانًا أو بعوض؟ مجانًا؛ يعني بدون تعب، كما أن الوارث يرث مال مورثه بدون تعب مجانًا.

أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْهل المراد بالكتاب هنا التوراة والإنجيل، أو المراد بالكتاب القرآن، ويكون المعنى وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَوهو القرآن مِنْ بَعْدِهِمْأي من بعد الذين تفرقوا من أهل الكتاب وغيرهم لَفِي شَكٍّ مِنْهُأي من هذا الكتاب مُرِيبٍ؟ هذا الذي أقوله أحسن مما ذهب إليه المؤلف رحمه الله تعالى، المؤلف يفيد قوله: أن المراد بالكتاب التوراة والإنجيل؛ لأنه قال: (هم اليهود والنصارى)، فاليهود لهم التوراة، والنصارى لهم الإنجيل، ولكن الظاهر أن المراد بالكتاب هو هذا القرآن لَفِي شَكٍّ مِنْهُأي من هذا الكتاب مُرِيبٍمُوقع في الريبة، والريبة أشد من الشك؛ لأنها ارتياب وقلق، الشاك قد يكون بارد الضمير، ليس عنده قلق، لكن المرتاب أشد، والغالب أن الارتياب يكون مع تعارض الأدلة التي كل واحد منها يقتضي أن يكون المصير إليه فيرتاب الإنسان، ويتردد ويقلق، لكن الشك المجرد هو شك لا شك في هذا لكن لا يؤدي إلى الريبة إلا إذا عظُم وقوي، وتعارضت الأدلة، حينئذٍ يبقى الإنسان في ارتياب شديد. من فوائد هذه الآية الكريمة: أن تفرق هؤلاء كان بعد أن قامت عليهم الحجة؛ لقوله: إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ [آل عمران: ١٩].

ومن فوائدها: أن من خَالَف الدين بعد مجيء العلم فإنه باغٍ معتدٍ؛ لقوله: بَغْيًا بَيْنَهُمْ. ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات كلام الله عز وجل؛ لقوله: وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ [الشورى: ١٤]. ولا شك أن الله تعالى موصوف بالكلام؛ لأنه كمال، وضد الكلام الخرس، والخرس نقص، فلو نفينا الكلام لزم من ذلك ثبوت الخرس، وهذا نقص يُنَزَّه الله عنه. فإن قال قائل: ما هو كلام الله؟ قلنا: كلام الله هو المسموع بالآذان، يسمعه جبريل، ويسمعه غيره ممن يكلمه الله، هذا هو الحق، وقد وافقنا عليه الجهمية، فقالوا: إن كلام الله هو المسموع بالآذان، لكننا اختلفنا عنهم بأنهم يقولون: هو مخلوق ونحن نقول: إنه ليس بمخلوق. الأشعرية والكُلَّابية وأمثالهم قالوا: كلام الله هو المعنى القائم بنفسه، وليس المسموع، فالمسموع عبارة أو حكاية عن كلام الله، وكلام الله هو ما قام في نفسه، ولذلك يرون أن كلام الله لا يتعلق بمشيئته، فلا يقولون: إن الله يتكلم متى شاء؛ لأنه معنى قائم بالنفس كقيام السمع والبصر، ولا شك أن هذا قول باطل، وأنه أبعد من الصواب من قول الجهمية؛ لأن الجهمية يُصرِّحون بأن كلام الله هو المسموع وليس المعنى القائم بالنفس لكنهم يقولون: إنه مخلوق، هؤلاء إذا قالوا: إن كلام الله هو المعنى القائم بنفسه وخلق أصواتًا تعبر عما في نفسه، هل خالفوا الجهمية؟ ما خالفوهم، اتفقوا على أن هذا المصحف الذي بين أيدينا مخلوق لكن الجهمية صاروا أشجع من الأشعرية؛ الجهمية قالوا: هذا كلام الله، وأولئك قالوا: هو عبارة عن كلام الله. على كل حال نحن نقول: إن الله إذا أضاف الكلام إلى نفسه وقال: وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا [النساء: ١٦٤]، وأكد ذلك بقوله: تَكْلِيمًاأثبتت الأدلة أنه يكلم من شاء من خلقه، فما الذي يجعلنا نُحَرِّف؟ وأيهما أحق بالكمال إله يتكلم متى شاء بما شاء وإله لا يتكلم؟ الأول، بل الثاني لا يستحق أن يكون إلهًا؛ ولهذا قال إبراهيم: يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا [مريم: ٤٢]. إذن من قوله: وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ [الشورى: ١٤] نستفيد إثبات الكلام لله عز وجل. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: حكمة الله عز وجل في تأخير العقوبة عن العُصاة، ومن الحِكم في هذا أن الله عز وجل يمهلهم لعلهم يستعتبون؛ ولذلك قال: وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى [فاطر: ٤٥]. ومن فوائد الآية الكريمة: أن الدنيا لها حد؛ لقوله: مُسَمًّى؛ أي معين محدود، كما قال عز وجل: وَمَا نُؤَخِّرُهُ [هود: ١٠٤] أي العذاب إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الذين أُورثوا الكتاب من بعدهم في شك منه مريب، يعني اليهود الذين أدركوا هذا القرآن وورثوه من بعد اليهود السابقين وكذلك النصارى في شك منه مريب. ويتفرع على هذه الفائدة: أن مثل هؤلاء لا تنفع فيهم المواعظ ولا الآيات، ويدل لهذا قول الله تعالى: وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ [يونس: ١٠١]. الطالب: بعض الأحيان قد يُسأل الإنسان من بعض العوام أو المستقيمين الذين ليس عندهم علم: ما رأيك في فلان وفلان؟ يعني معينين، فما موقف طالب العلم من ذلك؟ الشيخ: هو إذا قال: ما رأيك في فلان وفلان؟ نحن نعرف الآن أن هناك رؤوسًا هي الناقوس للناس، هذه إذا سألني أقول: ما لك ولفلان؟! دَعْه، إن كان ميتًا فقد واجه ربه، وإن كان حيًّا فنسأل الله له الاستقامة فقط، أما إذا حدد قال: ما تقول في رأي فلان؟ هنا يجب أن أتكلم، أقول: هذا صواب أو خطأ حسب ما يكون عندي.

الطالب: الاختلاف بين الأحزاب في الفكر ولَّا في العقيدة بين الشيعة والصوفية؟ الشيخ: لا، الشيعة خلافهم متباين مع أهل السنة والجماعة، ليس خلاف الشيعة مع أهل السنة كخلاف الشافعية مع المالكية مثلًا، لا، بل اختلاف عظيم، اختلاف في أصل العقيدة، فمثلًا من أصول العقيدة للشيعة أن عندهم رؤوسًا يسمونهم الأئمة يدَّعون أن من هؤلاء الأئمة من يعلم الغيب ويدبر الكون، وأن من أئمتهم من يبلغ منزلة لا يبلغها مَلَك مقرب ولا نبي مرسل؛ يعني معناه منزلة الربوبية، هذا ما يمكن أن نتفق معهم بأي حال من الأحوال. ومنهم من يسب الصحابة عمومًا إلا نفرًا قليلًا، ومنهم من يلعن أبا بكر وعمر ويقول: إنهما ماتا على النفاق، والعجيب أني رأيت في كتاب ابن حزم رحمه الله الملل والنحل، رأيت شيعة تُكفِّر عليًّا وتُكفِّر أبا بكر، كلا الاثنين، أما أبو بكر فتقول: لأنه ظلم بأخذ الخلافة، وأما علي فإنه تراخى عن الواجب عليه، ليش ما منع أبا بكر؟ فهذاك معتدٍ وهذا مفرط، وكلاهما كافر، من بقي؟ ما بقي إلا كان يقولون: الرسول عليه الصلاة والسلام: ليش ما عينه من الأول وقطع النزاع؟! شيء عجيب! لكن الخلاف بين المالكية والشافعية والحنابلة والأحناف وما أشبههم هؤلاء، هذا ما هو خلاف، الواقع أنه ما بخلاف، إلا إنسانًا متعصبًا نقول: هذا الحق ويقول: لا. طالب: (...). الشيخ: مَنْ؟ الطالب: (...). الشيخ: أقول: هؤلاء ما يمكن الاتفاق معهم، لكن الاتفاق مع المالكية والشافعية والحنابلة هذا ممكن.

تفسير الآية (١٥)

٠٠:٥٠:٣٠

ثم قال الله تعالى: فَلِذَلِكَ فَادْعُ [الشورى: ١٥] فلذلك المشار إليه إقامة الدين وعدم التفرق فيه. وقوله: فَادْعُالفاء زائدة لتحسين اللفظ، والأصل: فلذلك ادعُ، ولهذا نقول: إن هذه الجملة فيها حصر، تقديم ما حقه التأخير، ما هو الْمُقدَّم؟ الجار والمجرور؛ ولذلك قلت لكم: إن الفاء في قوله: فَادْعُزائدة لتحسين اللفظ، ولولا أنها من كلام الله لقلنا فلذلك ادعُ، وهذا هو السر في أن قلنا: إن هذه الجملة تفيد الحصر. فَلِذَلِكَ فَادْعُقال المؤلف رحمه الله: (فَلِذَلِكَالتوحيد). ولو قال: فَلِذَلِكَأي لإقامة الدين، وعدم التفرق فيه لكان أجود فَلِذَلِكَ فَادْعُوالخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم؛ ولهذا قال المؤلف: (يا محمد، الناسَ) الناس أشار به إلى أن مفعول ادْعُمحذوف، والتقدير (الناس). (وَاسْتَقِمْعليه كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ [الشورى: ١٥] في تركه) اسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَهذا ليس خاصًّا بالرسول عليه الصلاة والسلام؛ لقوله تعالى في سورة هود: فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ [هود: ١١٢].

وقوله: اسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَأي على الوجه الذي أُمرت من غير زيادة ولا نقص. وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْما أهواؤهم التي نُهي عن اتباعها؟ ما يخالف ما أُمِر به؛ ولهذا قال المؤلف الشارح: (في تركه). وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ [الشورى: ١٥] قُلْمعلنًا لهم ولغيرهم: آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍآمَنْتُبمعنى: أقررت، والإيمان: هو الإقرار المستلزِم للقبول والإذعان، وليس مجرد الإقرار؛ ولهذا نقول: إن أبا طالب ليس بمؤمن، مع أنه مقر برسالة النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه كان يقول في لاميته المشهورة:

لَقَدْ عَلِمُوا أَنَّ ابْنَنَا لَا مُكَذَّبٌ

لَدَيْنَا وَلَا يُعْنَى بِقَوْلِ الْأَبَاطِلِ

ويقول:

وَلَقَدْ عَلِمْتُ بِأَنَّ دِينَ مُحَمَّدٍ

مِنْ خَيْرِ أَدْيَانِ الْبَرِيَّةِ دِينَا

لَوْلَا الْمَلَامَةُ أَوْ حِذَارُ مَسَبَّةٍ

لَرَأَيْتَنِي سَمْحًا بِذَاكَ مُـــبِينَا

ولكنه -والعياذ بالله- قد سبقت له من الله الشقاوة، فكان آخر ما قال أنه على ملة عبد المطلب، وصرح في تلك الحال أنه لولا أن قومه يلومونه ويقولون عندما أيس من الحياة آمن لآمنت، هكذا يقول -والعياذ بالله- وهو في سياق الموت. فقوله: آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍنقول: الإيمان هو الإقرار المستلزم للقبول والإذعان. أبو طالب مقر لكنه لم يقبل، ولم يُذعن، فصار كافرًا. آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍأي: بالذي أنزل الله من الكتب كلها، وهكذا يجب علينا نحن أيضًا أن نُؤمن بما أنزل الله من كتاب، ولكن هل يجب علينا أن نتبع ما أنزل الله من كتاب؟ الجواب: لا، نتبع ما جاء في شريعتنا، وإن خالف ما في الشرائع الأولى، لكن نؤمن بأن الكُتب النازلة على موسى وعيسى وداود وغيرهم من الأنبياء نؤمن بأنها حق، أما الاتباع فهو لشريعة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ. ويش اللي بعد لِأَعْدِلَعندكم؟ طالب: (...) وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَقال المؤلف: (لأن أعدل بينكم). الشيخ: أفادنا المؤلف رحمه الله أن اللام في قوله:{لِأَعْدِلَبمعنى الباء؛ أي أُمرت بأن أعدل بَيْنَكُمُ. هذا ما قدره المؤلف رحمه الله تعالى، ولا شك أن هذا تقدير سهل، سهل أن يقول: اللام بمعنى الباء، ويمشي، لكن إتيان اللام بمعنى الباء قد لا يكون سائغًا في اللغة العربية، وأن الله تعالى أمر رسوله صلى الله عليه وسلم بأمر فوق ذلك، أي: وَأُمِرْتُبالشرع أو بالعدل لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُفيكون المأمور به محذوفًا، ويكون الموجود هو العلة، أُمرت بكذا لأعدل بينكم، وهذا أبلغ من أن نقول: اللام بمعنى الباء، ويكون أُمرت بالعدل بينكم، لا، نقول: أُمرت بالشرع والإيمان بكل كتاب لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُفي الحكم.

اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْهذه الجملة حق لا شك فيها. ولكن قد يقول قائل: ما الفائدة منها؟ أليس هذا كقول القائل: السماء فوقنا والأرض تحتنا؟ لأن هؤلاء يُقرون بأن الله ربهم، فما الفائدة؟ الفائدة من ذلك هو إلزامهم أن يكونوا مثل ما كنا عليه من الدين؛ لأن الرب واحد اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْبإقراركم، فإذا كان كذلك فالواجب عليكم أن تخضعوا لأوامر ربكم عز وجل، لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْيعني أنه لا يضرنا عملكم ولا يضركم عملنا، فإذن لا تتعقلوا بنا ولا نتعلق بكم، كُلٌّ له عمله، فكل يُجازَى بعمله.

لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُكيف لا حجة بيننا وبينكم ولدينا الحجة عليهم؟ المقصود: لا حجة قال الشارح: (خصومة بأن أعدل بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ) إلى آخره. والصواب: عدم تقدير: بأن أعدل؛ لأنه لا داعي له، بل المعنى: لا حجة قائمة على وجه الخصومة بيننا وبينكم؛ لأننا قد أيسنا منكم، ولن تنفع فيكم المحاجة؛ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا، قال: (هذا قبل أن يُؤمر بالجهاد). وبعد أن أمر الجهاد صار لهم أعمالنا ولنا أعمالهم؟ هل حين شُرع الجهاد تبطل المحاجة؟ لا، ولهذا نقول للمؤلف رحمه الله: عفا الله عنك، أولًا: أثبِتْ لنا أن هذه الآية قبل الأمر بالجهاد، فإذا قال: هذه الآية مكية، والجهاد إنما أُمر به في المدينة، نقول: أثبِت لنا أنه لما أُمر بالجهاد بطلت هذه البراءة. لا يستطيع أن يثبت ذلك، والله سبحانه وتعالى إنما يتحدث في هذا عن حال المشركين والنبي صلى الله عليه وسلم بين أظهُرهم في مكة، وهذا أصلًا لا جهادَ فيه حتى نقول: إن هذا من باب النسخ. (اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَافي المعاد لفصل القضاء وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُالمرْجِع) والجملة إِلَيْهِ الْمَصِيرُفيها حصر، طَريقُه تقديم ما حقه التأخير، والله أعلم. طالب: هل نقول: إن النسخ شامل للأمم السابقة أو خاص بأمة دون (...)؟ الشيخ: لا، لنا ولغيرنا، اسمع قول الله تعالى: فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ [النساء: ١٦٠]، هذا نسخ، كانت هذه الطيبات حلالًا، ثم نُسخت وحُرِّمت، والشريعة واحدة، أما الشريعتان فقال عيسى لبني إسرائيل: وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ [آل عمران: ٥٠]. طالب: قول المؤلف: (هذا قبل الجهاد)، لعله يقصد الخصومة بين المسلمين والكفار؟ الشيخ: لا، كثير من العلماء، ومنهم المؤلف، إذا أتوا مثل هذه الآيات قالوا: هذا قبل الأمر بالجهاد، ويعني ذلك أنه منسوخ؛ كقوله: لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ [الكافرون: ٦] قال: هذا قبل الأمر بالجهاد؛ لا حاجة، البراءة موجودة حتى بعد الأمر بالجهاد. الطالب: شرع من قبلنا؟ الشيخ: هذا فيه خلاف، بعض العلماء يقول: شرع من قبلنا شرع لنا، وبعضهم يقول: لا، شرع من قبلنا لهم ولنا شرْع؛ لقوله: لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا [المائدة: ٤٨]، والمسألة لها ذيول طويلة وبحوث عميقة في أصول الفقه، والظاهر لي أن شرع من قبلنا الذي أوحاه الله إلينا شرع لنا؛ لأن الله لم يُوحِ إلينا عبثًا بل لنعتبر، ثم إن نُسخ في شريعتنا نُسِخ؛ ولذلك تجد العلماء يستنبطون أحكامًا كثيرة من قصص الأنبياء، لشيخنا رحمه الله فوائد مستنبطة من قصة يوسف؛ رسالة. الطالب: هل من فائدة وحكمة في تخصيص النبي صلى الله عليه وسلم بالوحي، وباقي الأنبياء بالوصية؟ الشيخ: نعم، الحكمة هو إثبات أن هذا القرآن مُوحًى به. الطالب: في بعض الإذاعات قراءة من التوراة، فهل يجوز للعوام ولطلبة العلم الاستماع لها؟ الشيخ: أثبت لي هذا بارك الله فيك، أنا أطالبك بصحة النقل. الطالب: أنا سمعت من الإذاعة بنفسي. الشيخ: السعودية؟ الطالب: لا، في لبنان يا شيخ.. طالب آخر: عن طريق إذاعة أخرى ليست من إدارة البلاد، يسمع الإنسان.. الشيخ: من يمنع الجو؟! لا، ما يجوز أبدًا، يُروى أن عمر بن الخطاب أرى النبي صلى الله عليه وسلم صحيفة من التوراة فغضب، وقال: «أَفِي شَكٍّ أَنْتَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ، لَقَدْ جِئْتُ بِهَا بَيْضَاءَ نَقِيَّةً، وَلَوْ كَانَ أَخِي مُوسَى حَيًّا مَا وَسِعَهُ إِلَّا اتِّبَاعِي» . أبدًا، ولا يجوز، لكن المشكل من يمنع الجو؟ إنما أنا متردد، هل نحذر العوام من سماع هذه الإذاعات؟ لأن مع الأسف الشديد أن هذه الإذاعة تأتي صوتها عاليًا وواضحة كل الوضوح، هل نحذر الناس؟ فيه إشكال؛ لأنك إذا حذرت الناس فتحت الباب لاستماعها، يقولون: ما هي اللي حذر منها؟ وإن تركتهم فأكثر الناس لا يسمعونها والحمد لله.

قال الله تبارك وتعالى: فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ [الشورى: ١٥]. من فوائد الآية الكريمة: وجوب الدعوة إلى توحيد الله عز وجل؛ لقوله: فَلِذَلِكَ فَادْعُوتقديم المعمول يدل على الاهتمام به. ومن فوائد الآية الكريمة: أنه يجب على المرء أن يستقيم كما أُمِر فلا يحدث في دين الله ما ليس منه؛ لقوله: وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ. ومن فوائد الآية الكريمة: أنه يجوز توجيه الأمر لمن كان متصفًا به من قبل من أجل الثبات عليه؛ لقوله: وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم استقام كما أُمِر من حين ما أُرسِل، بل من حين ما بُعِث، لكن المراد بذلك الثبوت على هذا الشيء. ومن فوائد الآية الكريمة: أن النبي صلى الله عليه وسلم عبد مأمور يُوجَّه إليه الأمر، وليس له من الأمر شيء، كما قال الله تعالى: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ [آل عمران: ١٢٨] وهنا قال: كَمَا أُمِرْتَ. ومن فوائد الآية الكريمة: الرد على أولئك القوم الذين يدعون أن للنبي صلى الله عليه وسلم تصرفًا في الكون وتدبيرًا له، ومن باب أولى أن يكون فيها رد على القائلين بأن من دُون الرسول عليه الصلاة والسلام له تصرف في الكون؛ كقول الرافضة، وبعض الصوفية الذين يدعون أن مِن أئمتهم من يتصرف في الكون، وأولئك الصوفية يدَّعون أن من أقطابهم مَنْ يتصرف في الكون؛ فهؤلاء لا شك أنهم ضالون مشركون بالله عز وجل. ومن فوائد الآية الكريمة: النهي عن اتباع الهوى؛ لقوله تعالى: وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ. فإن قال قائل: هل اتباع الهوى محمود أو مذموم؟ قلنا: أما ما كان موافقًا للشريعة فهو محمود؛ ولهذا رُوِي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعًا لِمَا جِئْتُ بِهِ» . وأما ما خالف الشريعة فإنه مذموم. ومن فوائد هذه الآية: تثبيت الله تبارك وتعالى لنبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لأن مثل هذه الأوامر والنواهي تؤيده وتثبته وتقويه. ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب الإيمان بكل ما أنزل الله من كتاب؛ لقوله: وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ [الشورى: ١٥]، ولكن كيف يكون الإيمان بالكتب السابقة؟ الإيمان بالكتب السابقة يكون بالإيمان بأنها نازلة من عند الله عز وجل حقًّا، وأما اتباعها فإنه منسوخ بهذه الشريعة التي جاء بها محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فإن قال قائل: وهل نؤمن بأن الكتب التي في أيدي النصارى واليهود الآن هي الكتب النازلة على أنبيائهم؟ فالجواب: لا، لأن الله تعالى ذكر أنهم حرَّفوها وأخفوا كثيرًا منها؛ فذلك لا ثقة لنا بما عندهم من الكتب التي يزعمونها كتب الله. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب العدل؛ لقوله: وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُفي كل معاملة، بل حتى في معاملة الله عز وجل فإن الواجب العدل، قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى [النحل: ٩٠]، ولما بعث النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن رواحة إلى اليهود في خيبر من أجل مقاسمتهم جمعهم وقال لهم: إني أتيت من أحب الناس إليَّ، وإنكم لأبغض إليَّ من عِدَّتكم من القردة والخنازير، وليس حبي إياه وبُغضي إياكم بمانع من أن أقوم فيكم بالعدل. فقالوا: بهذا قامت السماوات والأرض. وقد ذكر العلماء رحمهم الله: أنه لو اجتمع مسلم وكافر في خصومة بين يدي القاضي فإن الواجب عليه أن يعدل بينهما في الجلوس، وفي النظر، وفي الكلام، يعني لا يتكلم للكافر بغِلْظة وينظر إليه شذرًا، وإنما يعامله كما يعامل المسلم؛ لأن العدل واجب، ولا يجوز في مقام الحكم أن نُفرِّق بين فلان وفلان؛ ولهذا قال: وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ. ومن فوائد الآية الكريمة: إعلان ما به الإلزام للخصم؛ لقوله: اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْيعني وإذا كان ربنا وربكم فالواجب أن ننقاد جميعًا لأوامره. فإن قال قائل: وهل الله تعالى رب للكافرين؟ فالجواب: نعم، رب كل شيء، لكن لا يُضاف إليه فيقال: رب الكافرين كذا اللهم إلا في مقام الاحتجاج؛ لأنه وإن كان الله تعالى خالق كل شيء ورب كل شيء لكن لا ينبغي أن تُضاف ربوبيته وخلقه إلى أقبح خلقه، كما أننا نعلم أنه سبحانه وتعالى رب الكلاب، ورب الخنازير، ورب القردة، وما أشبه ذلك، لكن لا نقول: رب القردة، ورب الكلاب، وما أشبه ذلك، وهذه نقطة قد لا يتفطن لها بعض الناس وهي الأدب في التعبير. ويذكر أن أحد الملوك رأى في المنام أن أسنانه ساقطة، فدعا معبرًا يعبر الرؤيا، فعبرها هذا العابر بأن حاشيته تموت وأهله؛ لأن الإنسان بأسنانه يتغذى ويحفظ حياته، فأمر بسجنه، ثم إنه دعا عابرًا آخر فقال له: أطولهم عمرًا، فأكرمه وارتاح لقوله، والمعنى واحد؛ لأنه إذا مات أهله قبله صار أطولهم عمرًا لكن التعبير يختلف. هنا اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْأضاف ربوبيته عز وجل إلى الكافرين لكن في مقام الاحتجاج، ثم إنه يسهل الأمر أنه قال: رَبُّنَا وَرَبُّكُمْلإفادة العموم. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى سوف يجمع بين الناس يوم القيامة ويحكم بينهم فيما كانوا فيه يختلفون؛ لقوله: اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا [الشورى: ١٥]. ومن فوائدها: أن المرجع إلى الله خاصة؛ لقوله: إِلَيْهِ الْمَصِيرُلكن في شيء؟ هل معنى: وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُيوم الحساب أو: وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُفي كل شيء؟ الجواب: الثاني؛ إليه المصير في كل شيء، إن أردنا الحكم الشرعي فالمصير إلى الله، الحكم القدري؛ المصير إلى الله، الحكم في الدنيا؛ المصير إلى الله، الحكم في الآخرة؛ المصير إلى الله، فكل شيء فإن مصيره إلى الله عز وجل. يتفرع على هذه القاعدة: أن الإنسان لا يرجو، ولا يخاف، ولا يدعو إلا الله وحده لا شريك له، ولا يستغيث إلا بالله، ولا يستعين إلا به.

تفسير الآية (١٦)

٠١:١٢:٢٢

ثم قال الله تعالى: وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ. [الشورى: ١٦]. الإعراب: وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ: مبتدأ، وحُجَّة: مبتدأ ثانٍ، ودَاحِضَةٌ: خبر المبتدأ الثاني، والمبتدأ الثاني وخبره في محل رفع خبر مبتدأ الأول. وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِأي يجادلون فيه. قال المؤلف: (في دين الله)؛ يعني يحاجون في دين الله، والصواب: العموم، المحاجة في الله تشمل المحاجة في دينه، والمحاجة في أسمائه وصفاته، والمحاجة في ذاته؛ لأن الآية عامة فِي اللَّهِ، والمحاجة أيضًا في قدره، فكوننا نخصها في دين الله فيه نظر، حتى لو قُدِّر أن الذين يحاجون إنما يحاجوننا في الدين ويقولون: إنه ليس بصحيح فأخذها بالعموم أولى؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. قال المؤلف: (نبيَّه) مفعول يُحَاجُّونَ؛ يعني كأنه قال: من يحاجون؟ فيُقال: نبيه. وهذا أيضًا فيه نظر؛ لأن تقييد المحاجة في الله عز وجل مع النبي صلى الله عليه وسلم غير صحيح؛ لأنهم يحاجون نبي الله ويحاجون غيره أيضًا، فإطلاق الآية أولى، ويقولون: إن حذف المفعول يفيد العموم، فإبقاء الآية على ما هي عليه هو الأولى. إذن وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِأي يحاجون كل من يجادلهم في الله عز وجل، وأيضًا ليس في دين الله فقط، بل في دين الله وذات الله، وكل ما يتعلق بالله عز وجل. وقوله: مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُيعني مِن بعد ما استجاب له مَنْ مَنَّ الله عليهم بالاستجابة، وهذه الجملة كإقامة البرهان على هؤلاء. (مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُبالإيمان لظهور معجزاته وهم اليهود) هذا قوله: (مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُبالإيمان) صحيح. وقوله: (لظهور معجزته) بناء على أنهم يحاجون النبي صلى الله عليه وسلم وإذا قلنا: بالعموم فلا حاجة لهذا القيد. وقوله: (وهم اليهود) أيضًا فيه نظر، بل نقول: كل من يحاج في الله حتى المشركون من قريش وغيرهم حاجوا النبي صلى الله عليه وسلم، أليسوا يخاصمونه دائمًا ويستهزئون به ويسخرون منه؟ فتقييد هذا أيضًا باليهود فيه نظر، فصار عندنا الآن ثلاثة أشياء في هذه الآية خصصها المؤلف بشيء: الأول: قوله: فِي دِينِ اللَّهِوهي أعم. والثاني: (نبيه)، وهي كذلك أعم. حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْيقول: (دَاحِضَةٌباطلة) لكن الدحوض أشد البطلان، يعني باطلة بطلانًا لا فوقه دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْفهل تنفعهم؟ لا، وسيأتي إن شاء الله بيان فائدة قوله: عِنْدَ رَبِّهِمْ. وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ [الشورى: ١٦] عليهم غضب ممن؟ مِن الله ومن أولياء الله؛ ولهذا لم يقيد الغضب بكونه من الله لإفادة العموم، وتأمل سورة الفاتحة حيث قال الله عز وجل: صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ [الفاتحة: ٧]؛ لأن النعمة من الله، وإضافتها إلى الرب عز وجل ثناء ومدح لله غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْولم يقل: غير الذين غضبت عليهم بل قال: الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْليشمل غضب الله وغضب أوليائه من الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين، ولئلا يسند الغضب إلى الله عز وجل في هذا المقام، وإلا فإن الغضب قد أُسنِد إلى الله تعالى في قوله: مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ [المائدة: ٦٠].

وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ [الشورى: ١٦] أي قوي، متى؟ قد يكون في الدنيا، وقد يكون في الآخرة، وقد يكون فيهما.

من فوائد هذه الآيات الكريمة: بيان بطلان جميع الحجج المخالفة لدين الله؛ لقوله: وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ [الشورى: ١٦]. ومن فوائد هذه الآيات الكريمة: أن أولئك المحاجين لا وجه لمحاجتهم؛ لأن الحق قد بان وقبله الناس؛ لقوله: مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بطلان حجج أهل الباطل؛ لقوله: حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ. ومن فوائدها: أن هؤلاء المبطلين وإن غَلبوا أهل الحق في الظاهر، فإن حجتهم عند الله لا تنفعهم بل هي باطلة، وهذا من فوائد قوله: عِنْدَ رَبِّهِمْ؛ لأن حجة الكافر والمبطل قد لا تندحض أمام الناس، قد يكون الذي حاجَّه ضعيفًا في علمه أو فهمه أو في خصومته لكن مهما كان فهي عند الله باطلة بل داحضة. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الغضب لله عز وجل؛ لقوله: وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ. فإن قال قائل: كيف تُثبت الغضب لله عز وجل وهو لم يُضف إلى الله هنا؟ بل قال: وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌوهو نكرة، فكيف تثبته لله؟ فالجواب: أن السياق يُعَيِّن هذا؛ لقوله: حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ، وإذا دحضت عند ربهم فهل يرضى الله عنهم أو يغضب؟ يغضب، هذا وجه. الوجه الثاني: أن الله تعالى قد أثبت لنفسه الغضب في آيات أخرى، إذن يصح أن نثبت غضب الله، أو أن نثبت الغضب لله بهذه الآية الكريمة، وإنما أوردت هذا الإيراد؛ لأنه لا يجوز لنا أن نُثبت لله إلا ما أضافه لنفسه. وانظر إلى قول الله تعالى: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ [القلم: ٤٢]، هل يمكن أن نثبت لله الساق في هذه الآية؟ لا، لا يجوز؛ لأن الله تعالى لم يضفه إلى نفسه بل قال: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ؛ ولهذا روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه فسرها بقوله: عن شدة. ولكننا نقول: هذه الآية لا نستطيع أن نثبت منها الساق لربنا عز وجل؛ لأن ظاهرها خلاف ذلك، لكن سياقها يوافق حديث إثبات الساق لله عز وجل، حيث جاء مُصرَّحًا به، أن الله تعالى يكشف عن ساقه، وحينئذٍ نقول: ما دام سياق الآية مطابقًا لسياق الحديث فإن النبي صلى الله عليه وسلم أعلم الناس بتفسير كتاب الله، وإلا فلا يجوز أن نثبت لله عز وجل ما لم يُضفه إلى نفسه. الخلاصة: أنه يستفاد من هذه الآية إثبات الغضب لله، ما وجهه؟ السياق يدل عليه، وهو ليس ممتنعًا على الله بدليل ثبوته صريحًا في آيات أخرى. فإن قال قائل: بماذا تفسرون الغضب؟ قلنا: نفسر الغضب بأنه صفة لله عز وجل لائقة به، وليس كغضب المخلوقين. فإن قال قائل: ما قولكم فيمن يفسر غضب الله بانتقامه؟ فيقول: غضب بمعنى انتقم أو بمعنى أراد الانتقام؟ فالجواب أن نقول: هذا غلط خطأ؛ يبطله أدلة:

أولًا: أن الله تعالى قال: فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ [الزخرف: ٥٥] ومعنى آسَفُونَاأغضبونا؛ انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ، فجعل الانتقام مرتبًا على الغضب؛ فهما متباينان. ثانيًا: أن نقول: إن الغضب الذي نثبته لله ليس كغضب المخلوق، إذا غضب أساء التصرف ولم يتصرف تصرف الحكيم؛ لأن الإنسان إذا غضب تكلم بكلام يندم عليه، وفعل أفعالًا يندم عليها، ربما يُطَلِّق زوجاته، ربما يوقف أملاكه، ربما يحرر عبيده من شدة الغضب، لكن غضب الله عز وجل ينتفي عنه ذلك غاية الانتفاء، فهو حكيم وإن غضب عز وجل. فإن قال قائل: هل الغضب صفة مدح أو صفة عيب؟ فالجواب: الغضب صفة مدح في محله؛ لأنه يدل على قوة الغاضب وقدرته على الانتقام بخلاف الحزن؛ ولهذا لا يُوصف الله بالحزن؛ لأنه صفة ذم، وإنما يُوصف بالغضب؛ لأنه يدل على قدرته على الانتقام، انظر مثلًا إلى رجل أساء إليه ابنه هل يحزن أو يغضب؟ يغضب ويُؤدِّبه، وانظر إلى شخص ضعيف أساء إليه رجل قوي، هل يغضب أو يحزن؟ يحزن، ولا يستطيع أن يغضب، ماذا يفعل إذا غضب، رجل كبر الجمل، بقوة الفيل، يضرب شخصًا يكون قدر فخذه وضعيف، هذا يغضب ويش يسوي إذا غضب؟! يجمز عليه؟ ما ينفع! إذن الغضب لا يكون إلا من قادر على الانتقام؛ ولهذا نقول: إن الغضب في محله صفة مدح. من فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء -والعياذ بالله- مع الغضب لهم عذاب شديد، فيجمعون بين غضب الله عليهم وبين عذابه الشديد، نسأل الله تعالى أن يشملنا وإياكم برحمته، وأن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى..