تجاوز إلى المحتوى

تفسير سورة الشورى - ٢

درس صوتي · ٨٩:٢٣

جارٍ تجهيز الصوت

انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها

إعدادات

اختصارات لوحة المفاتيح

Space أو K تشغيل وإيقاف ←→ خمس ثوانٍ JL خمس عشرة ثانية HomeEnd بداية ونهاية الدرس

محتوى الدرس

تفسير الآية (٥)

٠٠:٠٠:٠٣

ثم قال تعالى: {تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَنفَطِرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ}. [الشورى: ٥]. طالب: يَتَفَطَّرْنَ. الشيخ: أنا عندي مكتوب {يَنْفَطِرْنَ}. قال: تَكَادُيقول الشارح أو المفسر: (بالتاء والياء تكاد ويكاد)، أما تكاد فمطابقتها لمرفوعها ظاهر؛ لأن السَّمَاوَاتُجمع، وكما قال الزمخشري: كل جَمْع مؤنث؛ إذن تَكَادُمطابقتها لمرفوعها ظاهرة، يكاد للمذكر، والسَّمَاوَاتُمؤنث، فما هو الجواب؟ الجواب: الجمع المؤنث إذا كان مجازيًّا جاز تذكيره وتأنيثه؛ أي: تذكير فعله وتأنيثه، تقول: طلع الشمس، وطلعت الشمس، يجوز هذا وهذا؛ لأنه مجازي، أما إذا كان حقيقيًّا وهو الذي له فرْج من بين آدم أو غيره فإنه يجب تأنيث عامله فتقول: قامت امرأة ولَّا قام امرأة؟ قامت امرأة ولا غير، السماوات من المجازي أو الحقيقي؟ المجازي؛ ولهذا جاء فيها قراءتان تَكَادُ السَّمَاوَاتُومعنى تكاد تقرب فهي من أفعال المقاربة. تَكَادُ السَّمَاوَاتُيعني السبع {يَنْفَطِرْنَ} بالنون، وفي قراءة بالتاء والتشديد، سبعية ولَّا غير سبعية؟ سبعية؛ لأن قاعدة المفسر رحمه الله أنه إذا قال: (في قراءة) أو قال: (بالتاء والياء) أو قال: (بالمد وحذفه) أن القراءة سبعية. إذن لك أن تقرأ {يَنْفَطِرْنَ} ويَتَفَطَّرْنَ، والانفطار بمعنى الانشقاق، قال الله تعالى: إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ [الانفطار: ١]. وقوله: مِنْ فَوْقِهِنَّلم يقل: من أسفل؛ لأن الله سبحانه وتعالى فوق، والسماوات تكاد يتفطرن من فوقهن، قال الشارح رحمه الله: (أي تنشق كل واحدة فوق التي تليها من عظمة الله عز وجل). ولولا أن الله أمسكها لتفطرت كما أنه جل وعلا لما تجلى للجبل جعله دكًّا، فالسماوات على عظمها وقوتها وشدتها تكاد تنفطرن من عظمة الله جل وعلا سبحانه وبحمده. قال: وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ [الشورى: ٥] شوف العظمة؛ عظمة تكاد السماوات تتفطرن منها، عظمة أخرى بجنوده جل وعلا، الملائكة يسبحون بحمد ربهم. مَنِ الملائكة؟ الملائكة نقول: إنهم عالم غيبي، خلقهم الله تعالى من نور، وسخرهم لعبادته: يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ [الأنبياء: ٢٠] فهم عالم غيبي لا يشاهَدون، قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أَطَّتِ السَّمَاءُ وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ، مَا مِنْ مَوْضِعِ أَرْبَعِ أَصَابِعِ مِنْهَا إِلَّا وَفِيهِ مَلَكٌ قَائِمٌ لِلَّهِ أَوْ رَاكِعٌ أَوْ سَاجِدٌ» . «أَطَّتْ». يعني صار لها صرير كصرير الرحل المحمَّل، لعلكم أدركتم الرحل المحمَّل! الرحل على البعير إذا ثقل الحِمْل صار له صرير مع حركة السير، السماء لها هذا من كثرة من عليها من الملائكة؛ ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «حُقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ». إذن الملائكة تفسيرهم عالَم غيبي، خلقهم الله تعالى من نور، كما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام، وسخرهم لعبادته يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ، إذا أمرهم الله بشيء: لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم: ٦]. ضدهم الشياطين، الشياطين عالم غيبي، خُلقوا من نار، عصاة لله، مستكبرون عن عبادته، وأبوهم الشيطان الأكبر إبليس. فإذا قال قائل: أنتم قلتم: إنهم عالم غيبي، أليس إبليس قد شاهده النبي صلى الله عليه وسلم على خِلقته وله ست مئة جناح قد سد الأفق؟

فالجواب: بلى، لكن هذا لا ينافي أن يكونوا عالمًا غيبيًّا في الأصل، يعني قد يُظهِرهم الله سبحانه وتعالى فيراهم الناس، وقد يتشكلون أيضًا، يكون الملَك بصورة الآدمي كما جاء جبريل مرة بصورة رجل غريب لكنه لا يُرى عليه أثر السفر، وجاء مرة بصورة دحية الكلبي، فهم قد يتشكلون بصور الآدمي، هذا التشكُّل هل هو بإرادتهم أو من الله عز وجل؟ السؤال عن هذا بدعة، يعني هل لنا مصلحة أن نعرف أن جبريل يُحَوِّل نفسه إلى صورة آدمي، أو أن الله يقلبه إلى صورة آدمي؟ ما لنا مصلحة، لكن نعلم أنه لم يقع ذلك إلا بإرادة الله سواء كان بفعل اختياري من جبريل، أو بفعل خلقي من الله عز وجل، نحن ليس لنا حق أن نسأل عن ذلك، كل أمور الغيب لا تسأل عنها، أجرها على ما جاءت؛ لأنه سبقك من هو أحرص منك على العلم، وأقوى منك إيمانًا، وباشر من يستطيع الجواب والرد، مَنْ هم؟ الطلبة: الصحابة. الشيخ: ومع ذلك ما سألوا، إذا لم يسعك ما وسع الصحابة فلا وسَّع الله عليك؛ ولهذا يجب أن نقول لبعض الشباب الآن الذين يبحثون في أسماء الله وصفاته ويتعمقون يجب أن ننهاهم ونقول: اتقوا الله، آمنِوا بالقرآن والسُّنَّة على ما جاء في الكتاب والسنة ولا تبحثوا، سبقكم من هو خير منكم وأحرص على العلم ما سألوا، ثم هم إذا سألوا يسألون مَنْ؟ الرسول الذي قد ينزل عليه الوحي ويخبره الله عز وجل بما سألوا عنه، أما تسأل إنسانًا يخطئ ويصيب وأنت وهو سواء في علم الغيب، فهذا من الغلط والسفه، ومن مخالفة جادة السلف، وما أحسن ما قال مالك رحمه الله للذي سأله عن كيفية الاستواء قال: (والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلا مبتدعًا). فنصيحتي لكم إذا أردتم السلامة أن تدَعوا السؤال عن الأمور الغيبية، اتركوه، وإلا هذا يرد على الإنسان؛ يعني قصدي أنه هل الملك يستطيع أن ينقلب إلى صورة آدمي، أو أن هذا بأمر الله عز وجل؛ بمعنى أنه ما يستطيع لكن الله يقلبه؟ نقول: يرد هذا السؤال ولكن ما هو الطريق السليم في الجواب عليه؟ أجيبوا. طلبة: السؤال عنه بدعة. الشيخ: أن نقول: السؤال عن هذا بدعة في دين الله، ما سأل عنه من هو خير منك، دَعْه. الملائكة هل هم أجسام؟ الجواب: نعم، لا شك، قال الله تعالى: جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ [فاطر: ١]. وأما من قال: إن الملائكة كناية عن قوى الخير والشياطين كناية عن قوى الشر فهذا يعني إنكار الملائكة والشياطين، بل نقول: الملائكة أجسام ذوو أجنحة، الشياطين أجسام تأكل وتشرب، قال الله تعالى: وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا [الإسراء: ٦٤] أعاذنا الله وإياكم من الشيطان. المهم أننا نؤمن بأن الملائكة أجسام وأن الشياطين أجسام، لكن هل نعرف كيفيتهم؟ لا نعرف إلا ما علمنا الله، ما علَّمنا الله نعرفه وما لا فلا نعرفه؛ لأنهم عالم غيبي، قال: وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ [الشورى: ٥] أي: ملابسين للحمد. أفادنا المؤلف بقوله: أي مُلابسين للحمد أن الباء هنا للملابسة والمصاحبة، ومعنى (يُسبِّح) أي يُنزِّه، ومعنى (بِحمد) أي تسبيحًا مصبوبًا بالحمد؛ لأن التسبيح تنزيه وتخلية، والحمد بالعكس إثبات، فيجتمع في هذا إذا قلت: سبحان الله وبحمده؛ يجتمع في هذا تنزيه الله عن كل نقص وإثبات كل كمال له، من أين أخذنا إثبات الكمال؟ من الحمد، والتنزيه من التسبيح.

يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْورب هنا بمعنى: خالق مالك مدبر. وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِيَسْتَغْفِرُونَالمفعول محذوف للعلم به، من هو المستَغْفَر؟ الله، ويستغفرون الله، والاستغفار طلب المغفرة؛ لأن (استفعل) تأتي دائمًا وغالبًا بمعنى الطلب، تقول: استسقى بمعنى طلب السُّقْيا، استغفر بمعنى طلب المغفرة، استرحم بمعنى طلب الرحمة، وما أشبه ذلك، وقد تأتي لغير ذلك كما في قولك: استكبر، ما فيها طلب استكبار، لكنه بلغ في الكِبْر غايته. يَسْتَغْفِرُونَأي: يطلبون المغفرة من الله، فما هي المغفرة؟ المغفرة قالوا: إنها مشتقة من (الْمِغْفَر)، المغفر شيء يجعله المقاتل على رأسه، يغطي الرأس، ويقيه السهام، ففيه ستْر ووقاية، فإذا قلت: أستغفر الله، أو رب اغفر لي فأنت تطلب شيئين: الشيء الأول: الستر؛ ستر عيوبك عن الناس، لو علم الناس ما عندك من الذنوب ما ردوا عليك السلام كما قال القحطاني رحمه الله:

وَاللَّهِ لَوْ عَلِمُوا خَبِيءَ سَرِيرَتِي

لَأَبَى السَّلَامَ عَلَيَّ مَنْ يَلْقَانِي

فأنت تسأل الله أن يستر عليك؛ الثاني: تسأل الله الوقاية من الذنب، وقاية أيش؟ العذاب، كل مذنب مستحق للعقاب، إذن لو قال الإنسان: المغفرة عدم المؤاخذة على الذنب، لو قال هكذا، نقول: هذا بعض معناها، معناها ستر الذنب وعدم المؤاخذة عليه. وقوله: لِمَنْ فِي الْأَرْضِ(مَنْ) هنا اسم موصول يفيد العموم، فهل هو عام؟ لا، هذا عام يراد به الخاص بدليل قوله تعالى في آية أخرى: وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ [غافر: ٧]. إذن (مَنْ) هنا عام يُراد به الخصوص. لو قال قائل: إنه عام خُصِّص؟ قلنا: لا، لأنه لم يرد للعموم من الأصل، إنما أريد الخصوص، الذين آمنوا، وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ [الشورى: ٥]؛ ولهذا قال المؤلف: (من المؤمنين). أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الشورى: ٥] أَلَاأداة استفتاح تُبتدأ بها الجملة، وتفيد شيئين: الأول: التنبيه، والثاني: التوكيد، وننظر إِنَّ اللَّهَإِنَّحرف توكيد. هُوَ: ضمير فصل، وضمير الفصل يفيد التوكيد، وحينئذٍ يحق لنا أن نقول: إن هذه الجملة أُكِّدت بثلاثة مؤكدات: ألا، وإن، وهو، الذي هو ضمير الفصل أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ؛ ولذلك طلبت الملائكة منه المغفرة؛ لأنه سبحانه وتعالى أهل لذلك كما قال: هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ [المدثر: ٥٦] أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الشورى: ٥]، فبمغفرتي تزول المكروهات، وبرحمتي تحصل المحبوبات، غفر الله لنا ولكم.

قال الله تبارك وتعالى: تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ [الشورى: ٥] إلى آخره في هذه الآية الكريمة بيان عظمة الله عز وجل، وأن هذه السماوات على شدتها وقوتها تكاد تتفطر من عظمة الله، وهذا كقوله لما سأل موسى أن يرى ربه قال: لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا [الأعراف: ١٤٣] بل إن كلام الله عز وجل -وهو كلامه- لو نزل على جبل لرأيته خاشعًا متصدعًا من خشية الله. ففي هذه الآية: بيان عظمة الله عز وجل. وفيها، من فوائدها أيضًا: بيان علو الله عز وجل الذاتي؛ لقوله: مِنْ فَوْقِهِنَّ. ومن فوائدها: إثبات الملائكة؛ لقوله: وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ [الشورى: ٥]. ويجب علينا أن نؤمن بالملائكة على أنهم عالم غيبي، وأن لهم أجسادًا، وأن لهم أجنحة كما قال الله تبارك وتعالى. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: كمال عبادة الملائكة لله عز وجل؛ لقوله: يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْفيجمعون له بين التنزيه والتمجيد؛ التنزيه في قوله: يُسَبِّحُونَ، التمجيد في قوله: بِحَمْدِ رَبِّهِمْ. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الملائكة أفضل من بني آدم؛ لأن بني آدم ليست حالهم هذه؛ أي التسبيح بحمد الله، بل منهم مؤمن ومنهم كافر، فيكون الملائكة أفضل من بني آدم، وهذا هو أحد الأقوال في هذه المسألة، ومن العلماء من يقول: بل صالحو البشر أفضل؛ يعني أن المؤمنين من البشر أفضل من المؤمنين من الملائكة؛ ولهذا كانت الملائكة مسخرة لهم، وهذا القول هو الذي نص عليه الإمام أحمد: أن صالحي البشر أفضل من الملائكة؛ لأن الملائكة خُلقوا للعبادة فليس عندهم صوارف تصرفهم عن عبادة الله، والبشر خُلِقوا للعبادة لا شك، لكن هناك صوارف تصرفهم وهي الشبهات والشهوات. ومن المعلوم أن تحقيق الإيمان مع الصوارف أشد معاناة ومجاهدة من تحقيق الإيمان مع عدم الصوارف؛ ولهذا كان الرجل المتمسك بدين الله في آخر الزمان أفضل من خمسين من الصحابة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لِلْعَامِلِ فِيهِنَّ أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْكُمْ» . وإنما كان كذلك لمشقة العبادة على هذا الذي بين أمة فاسدة. واختار شيخ الإسلام رحمه الله التفصيل في ذلك فقال: الملائكة أفضل باعتبار البداية، والبشر أفضل باعتبار كمال النهاية. لأن البشر في النهاية يدخلون الجنة، والملائكة يدخلون عليهم من كل باب: سلام عليكم بما صبرتم، كأنما خُلقوا لتهنئتهم وتطمينهم، فيكون في هذا تفصيل: الملائكة أفضل باعتبار البداية؛ لأنهم خُلقوا من نور وبنو آدم من طين؛ ولأنهم في عبادة الله عز وجل، لكنهم باعتبار النهاية البشر أفضل. وبعد هذا فإن الخوض في ذلك ليس من الأمور المهمة؛ لأننا قد نقول: ما علمنا من فضائلهم وفضائل البشر نؤمن به، وأما التفضيل عند الله فهم درجات عند الله والله بصير بما يعملون، ما ندري، باعتبار ما يظهر لنا نعطي كل إنسان ما تميز به، وباعتبار ما عند الله، الله عليم به، ولسنا مؤاخَذين فيما إذا توقفنا في هذا الأمر. ومن فوائد هذه الآية: فضيلة الجمْع بين التسبيح والتحميد؛ لقوله: يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ. وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: «كَلِمَتَانِ حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ، خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ؛ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ» . فما أجدرنا أن تكون هاتان الكلمتان على ألسنتنا دائمًا؛ لأنهما خفيفتان على اللسان، ما فيهما تعب، حبيبتان إلى الرحمن، ثقيلتان في الميزان، فماذا علينا لو كان الإنسان يديم هذا القول: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم، وهو يشتغل، وهو يعمل، وهو يمشي، وهو مضطجع، وهو قاعد؛ لحصلنا خيرًا كثيرًا، ولوصلنا بإذن الله عز وجل إلى محبة الله لنا؛ لأن ما دمنا نأتي ونلازم ما يحبه فهو أكرم منا عز وجل. ومن فوائد هذه الآيات الكريمة: أن الملائكة مربوبون، ليس لهم حق من الربوبية؛ لقوله: بِحَمْدِ رَبِّهِمْ. وعلى هذا فمن دعا جبريل، أو ميكائيل، أو إسرافيل، أو مالك، أو غير ذلك فإنه كافر مشرِك بالله؛ ولهذا أهل النار لم يقولوا: يا مالك، أخرجنا من النار، ولكنهم قالوا كما قال الله عنهم: وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ [الزخرف: ٧٧]، وقال تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ [غافر: ٤٩]. انظر إلى الحياء والخجل والعياذ بالله، لم يقولوا: ادعوا ربنا، بل قالوا: ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ [غافر: ٤٩]؛ لأنهم أحقر في أنفسهم من أن يدعوا الله عز وجل فيقولون: يا ربنا، خفِّف عنا يومًا من العذاب. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: فضْل الملائكة على البشر؛ بمعنى أن لهم مِنَّة ونعمة؛ لقوله: وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِولا شك أن من استغفر لك فله عليك مِنَّة وفضل. ومن فوائدها: نِعمة الله علينا بأن سخر لنا الملائكة يستغفرون لنا؛ لأن الملائكة لولا أن الله سخرهم لنا ما استغفروا لنا لكن الله سخرهم، ففيه فضْل ونِعمة من الله سبحانه وتعالى على المؤمنين؛ حيث إن الملائكة يستغفرون لهم. ومن فوائد الآية الكريمة: التوكيد على أن الله سبحانه وتعالى غفور رحيم، بكم مؤكد؟ بثلاثة مؤكدات: أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ. ومن فوائدها: إثبات ثلاثة أسماء من أسماء الله، وهي الله، الغفور، الرحيم، وهل أسماء الله تعالى مشتقة؟ الجواب: نعم، مشتقة بلا شك، الله من الألوهية، الغفور من المغفرة، الرحيم من الرحمة، فهو لم يُسمَّ بهذه الأسماء إلا وهو متصف بما دلت عليه من صفات؛ ولهذا نقول: كل اسم من أسماء الله فهو متضمن لصفة، أو صفتين، أو أكثر، حسب ما تدل عليه هذه الأسماء من المطابقة والتضمن والالتزام. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أننا إذا علمنا أن الله غفور رحيم، فجدير بنا أنه نسأله المغفرة والرحمة؛ لأنه أهْل لذلك، فيكون في هذا تربية للإنسان وسلوكه في وصوله إلى الله عز وجل، أن يعلم بأنه غفور فيستغفر، وأنه رحيم فيسترحم. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن فيها حثًّا للإنسان على ترْك الذنوب، وعلى فِعْل الطاعات، وجْه ذلك أن المغفرة تحتاج إلى عمل صالح، إلى توبة يغفر الله بها الذنب، والرحمة تحتاج إلى طاعات يتوصل بها الإنسان إلى رحمة الله عز وجل. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان الحكمة في حُكْم الله الكوني القدري؛ لأن قوله: أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُكالتعليل؛ لقوله: وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ. كأن قائلًا يقول: لماذا يستغفرون لمن في الأرض؟ قال: لأن الله هو الغفور الرحيم. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الأسماء الحسنى تكون كاملة بانفرادها واجتماعها؛ لأنه لما جمع بين الغفور والرحيم تولد منهما صفة ثالثة غير المغفرة والرحمة، وهي اجتماع هذين الاسمين الدالين على الوصف في حق الله عز وجل، فبالمغفرة تمحو الذنوب وفي الرحمة يحصل المطلوب. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. فيما سبق ذكر المؤلف قراءتين في قوله: تَكَادُ السَّمَاوَاتُ؟ الطالب: تَكَادُو{يَكَادُ}.

الشيخ: تَكَادُ السَّمَاوَاتُمؤنث، ولا إشكال فيه لكن (يكاد) كيف جاء مذكرًا والسَّمَاوَاتُجمع؟ الطالب: مجازي التأنيث. الشيخ: نعم، ومجازي التأنيث يجوز تذكير فعله وتأنيثه، بارك الله فيك. ذكر في الآية: تَكَادُ السَّمَاوَاتُذكر قراءتين في يَتَفَطَّرْنَ؟ {يَنْفَطِرْنَ} ويَتَفَطَّرْنَ. قوله: مِنْ فَوْقِهِنَّلماذا تكاد تتفطر؟ من عظمة الله؛ هل هذا علو الله؟ يفيد علو الله. قوله تعالى: وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِماذا تقول؟ هل هي على عمومها أم ماذا؟ طالب: للإنسان. الشيخ: الإنسان فقط، يعني وأما الذئاب والسباع فلا يُغفر له! الطالب: خاصة بالمؤمنين. الشيخ: ما هو الدليل على خصوصها بالمؤمنين؟ في آية أخرى: وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا [غافر: ٧]. ماذا يسمى هذا النوع من العموم؟ العام الذي أريد به الخصوص. هل تستطيع أن تأتي لنا بمثال واضح؟ قوله تعالى: الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ [آل عمران: ١٧٣] ما المراد بـ(الناس) في الموضعين؟ الطالب: أبو سفيان وأصحابه. الشيخ: والأولى يُراد بها من أخبر النبي صلى الله عليه وسلم وهو نعيم ابن مسعود الثقفي أو غيره، المهم من أخبر النبي صلى الله عليه وسلم. ما الفرق بين العام الذي أُريد به الخصوص وبين العام المخصوص؟ الطالب: العام الذي أُريد به الخصوص هو من أصله مخصوص، بخلاف العام الذي خص فإنه يكون عامًّا في الأول، ثم يرد عليه التخصيص. الشيخ: أحسنت، العام الذي أريد به الخصوص لم يكن العموم مرادًا به من أول، إنما يراد به شيء خاص، وأما العام المخصوص فهذا عام أريد به عمومه، ثم أُخرج منه بعض الأفراد فخُصِّص، واضح، دليل العام الذي أُريد به الخصوص عقلي، بمعنى أنه لا يمكن أن يراد به العموم.

تفسير الآية (٦)

٠٠:٢٨:٤١

ثم قال الله تعالى: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْأولًا في الإعراب: الَّذِينَ اتَّخَذُوا: مبتدأ، أَوْلِيَاءَ: مفعول ثانٍ لـاتَّخَذُوا؛ لأن التقدير: اتخذوا الأصنام أولياء. اللَّهُمبتدأ. اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْوحَفِيظٌخبره، والجملة من المبتدأ والخير في محل رفع خبر المبتدأ الأول، أين المبتدأ الأول؟ الَّذِينَ. فإن قال قائل: المعروف عند النحويين أن الجملة الواقعة خبرًا لا بد أن تتضمن ضميرًا يعود على المبتدأ حتى يُعرف اتصالها به. قلنا: هنا حَلَّ الظاهر محل الضمير وهو قوله: اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ؛ يعني الذين اتخذوا من دونه أولياء هو حفيظ عليهم؛ يعني الله، ويجوز أن يكون الرابط هو قوله: عَلَيْهِمْأي: الضمير، المهم يقول الله عز وجل: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَاتخذوا مَنْ؟ اتخذوا الأصنام؛ ولهذا قال المؤلف: (أي الأصنام)، وهذا التقدير لبيان المفعول الثاني، كأنه يقول: المفعول الثاني محذوف تقديره الأصنام؛ أَوْلِيَاءَجمع (ولي)؛ أي أنهم يتولون هذه الأصنام، يعبدونها، يذبحون لها، ينذرون لها وهم عن الله غافلون.

(اللَّهُ حَفِيظٌمُحصٍ عَلَيْهِمْليجازيهم) تفسير الحفيظ بالمحصي تفسير باللازم، ولكن المراد بالحفيظ أي حافظ أعمالهم، رقيب عليهم، لا يفوته شيء من أعمالهم. اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْوإذا كان حافظًا لهم مراقبًا لهم فلا بد أن يحصي عليهم أعمالهم ويجازيهم عليها. (وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍتُحصِّل المطلوب منهم ما عليك إلا البلاغ) وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْالخطاب للرسول عليه الصلاة والسلام، بِوَكِيلٍأي: بحفيظ، فالآية واضحة، كأن الله يقول: أنا الحفيظ عليهم، أما أنت فلست بحفيظ، ما الذي على الرسول؟ إنْ عليك إلا البلاغ، ليس عليه إلا أن يُبلِّغ، أما أن يهدي أحدًا أو يحصي أعمال أحد فهذا ليس إليه، إنما هو إلى الله عز وجل حتى إن الله قال له في آل عمران: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ [آل عمران: ١٢٨]، وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍإلى آخره. في هذه الآية: بيان سفه أولئك المتخذين أولياء من دون الله، وجه السفه قوله: مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَيعني كأنهم غفلوا عن الله عز وجل نهائيًّا، واتخذوا هذه الأصنام أولياء. ومن فوائدها: الوعيد، وعيد من اتخذ من دون الله أولياء؛ لقوله: اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْهذا التهديد، كما يقول القائل للإنسان: اذهب وأنا معك، أنا وراءك، أنا أُحصي عليك. ومن فوائد هذه الآية: بيان عموم علم الله عز وجل؛ لقوله: اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ؛ لأن قوله: حَفِيظٌ عَلَيْهِمْيشمل جميع ما يقومون به من عمل، وهذا يدل على سعة علم الله سبحانه وتعالى واطلاعه. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن النبي صلى الله عليه وسلم بشر، لا يعلم الغيب، ولا يُحصي أعمال العباد؛ لقوله: وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ. ومن فوائدها: أن الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو سيد الدعاة، وإمام الدعاة، لا يلزمه إلا أن يُبلِّغ؛ لقوله: وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ. وهذه الآية لها شواهد لفظية ومعنوية؛ قال الله تبارك وتعالى: أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [يونس: ٩٩] يعني ما تستطيع، وإذا كان سيد الدعاة وإمامهم لا يملك أن يهديهم فما بالك بمن سواه. من فوائد هذه الآية: تسلية الدعاة إلى الله إذا لم يُطِعهم الناس، أكثر الناس يعني الدعاة إذا لم يُطعهم الناس تتفطر قلوبهم، وتنحل أجسامهم، نقول: يا أخي، رويدك، من الذي منعهم ألا يطيعوك؟ من الذي منعهم أن يطيعوك؟ نقول: هو الله عز وجل. أنا قلت: من الذي منعهم ألا يطيعوك؟ ثم قلت: أن يطيعوك؟ وكلا العبارتين صحيح، قال الله تعالى: مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ [الأعراف: ١٢]. وقال: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص: ٧٥] فكلا التعبيرين صحيح. على كل حال نقول لهذا الداعي الحريص على هداية الناس: لا تحزن عليهم، لا تكُن في ضيق مما يمكرون، لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين، أنت عليك ما عليك وهو البلاغ والهداية بيد الله عز وجل، ولو شاء الله لاهتدوا، فإذا كان هذا واقعًا بمشيئة الله فإن الإنسان يطمئن، لكن إذا تقطع قلبه حسرة اشتغل بعيوب الناس عن عيوبه؛ ولهذا تجد الداعية الذي هذا وصفه تجده دائمًا مشغول بأحوال الناس وينسى نفسه، لو فتشت ما فتشت لرأيته في العابدة مقصرًا، وإذا جاء للعبادة وحضر فقلبه في وادٍ، وهذا غلط، أنت مأمور قبل كل شيء بإصلاح نفسك، مأمور أيضًا بالرضا بقضاء ربك، قضى الله عز وجل ألا يهتدي هؤلاء، الأمر أمره والعباد عباده، صحيح أن الإنسان يحزن لكن لا ينبغي أن يصل إلى درجة يغفل بها عن نفسه، كما هو شأن بعض الدعاة، والإنسان إذا كان هكذا فثق أنه سيكون متزنًا في الدعوة إلى الله، وإلا يكن فسيكون متهورًا، ويأتي بما لا تُحمد عُقباه؛ لذلك كن داعيًا إلى الله عز وجل كما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. من فوائد هذه الآية الكريمة: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بشر، ليس له من الأمر شيء؛ لقوله: اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ [الشورى: ٦]، فالرسول عليه الصلاة والسلام بشر، لا يستطيع أن يهدي أحدًا، ولا أن يحصي أعمال أحد، لو استطاع أن يهدي أحدًا لهدى عمه أبا طالب الذي كان له من الفضل على الدعوة الإسلامية ما هو معلوم، لكنه لم ينفعه إلا في شيء واحد هو حقيقة لم يُجدِ شيئًا، أنه شفع له عند الله فخفف عنه العذاب، فكان في ضحضاح من نار، عليه نعلان يغلي منهما دماغه، ومع هذا يرى أنه أشد الناس عذابًا؛ لأنه لو رأى أنه أخف الناس عذابًا لهان عليه الأمر وتسلَّى بغيره، لكنه يرى أنه أشد الناس عذابًا، نسأل الله العافية. وقد أشار الله إلى أن الاشتراك في العذاب يُخفِّف في قوله تعالى: وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ [الزخرف: ٣٩]. في الدنيا ينفع الإنسان إذا شاركه غيره لكن في الآخرة ما ينفع. طالب: يعني بعض الدراسات في الجامعة يشغل الباحث بعد الدراسة، هل يجوز (...) أن يقول هذا الكلام؟ الشيخ: كما قلت لك: أمور الغيب أي إنسان يسأل عن شيء لم يسأل عنه الصحابة فهو بدعة، هذا هو الضابط لا سيما ما يتعلق بأسماء الله وصفاته، حتى أحوال اليوم الآخر من أمور الغيب، عليك أن تُصدِّق بما سمعت فقط لكن البحث فيما يتعلق بأسماء الله وصفاته أشد وأعظم. طالب: (...) دلالة أنه مشتق من الصدق لذاته، يعني الأسماء وبين الأسماء.. الشيخ: من معانيها. الطالب: (...). الشيخ: لا، كل هذا بحث ما له داعٍ، هو الأصل لا شك أنه المعنى، فأنت لا يمكن أن تقول: فلان ضارب إلا إذا وقع منه الضرب، هذا هو الأصل، فالمصدر هو الأصل هذا مذهب البصريين وهو الحق إن شاء الله، الكوفيون يقولون: لا، الأصل الفعل، فيقولون: ضرْب مشتق من ضَرَب، والصواب العكس. طالب: (...). الشيخ: العام المخصوص هو الذي أُريد عمومه أولًا، ثم أُخرِج بعض أفراده، مثل أن تقول: قام القوم إلا زيد، والعام الذي أريد به الخصوص لم يرد عمومه أصلًا، ودلالته عقلية، فمثلًا: الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ [آل عمران: ١٧٣] الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُهل هم كل الناس؟ هل يفهم أحد من هذه الكلمة أن جميع الناس قالوا؟ لا يفهم. إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ. طالب: (...). الشيخ: أولًا: بارك الله فيك، لن تجد في القرآن أن الأولياء هم الأصنام لكن المفسرين يفسرونها بالأصنام على سبيل التمثيل، وإلا فقد قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، تَعِسَ عَبْدُ الدِّرْهَمِ، تَعِسَ عَبْدُ الْخَمِيصَةِ، تَعِسَ عَبْدُ الْخَمِيلَةِ» . فجعل الذي يربط قوله ومحبته ومعاداته وكراهته على هذا جعله عبدًا له. طالب: (...). الشيخ: فيه إشارة، يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون.

تفسير الآيتين (٧-٨)

٠٠:٤١:٢٢

ثم قال الله تعالى: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَكَذَلِكَالكاف هنا اسم بمعنى (مثل)، وهي منصوبة على المفعولية المطلقة؛ ولهذا قدَّرَها المؤلف بقوله: (مثل ذلك الإيحاء)؛ الأول: قال: كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ [الشورى: ٣]، ولم يُبيِّن الموحى. هنا قال: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا [الشورى: ٧] فبين الْمُوحى، فكان الآن هنا تفصيل بعد إجمال، أين الإجمال؟ يُوحِي إِلَيْكَ؛ لأنه لم يُبَين الْمُوحى، وهنا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًافهو تفصيل بعد إجمال، ولا يخفى علينا أن التفصيل بعد الإجمال من أساليب اللغة البلاغية العظيمة؛ لأن الشيء إذا أُجمِل بقيت النفس متطلعة متشوِّفة متشوقة إلى تفصيله، فإذا جاء مفصلًا ورد كالماء على أرض يابسة، الماء على أرض يابسة أيش يعمل؟ تشربه على طول، فكذلك إذا ورد التفصيل بعد الإجمال فإنه يرد على قلب متطلع تمامًا إلى التفصيل. وَكَذَلِكَأي مثل هذا الإيحاء أَوْحَيْنَا إِلَيْكَوالخطاب للرسول عليه الصلاة والسلام عن طريق مَنْ؟ عن طريق جبريل قال الله تعالى: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ [الشعراء: ١٩٣، ١٩٤] أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ [الشورى: ٧] قُرْآنًابمعنى (مقروء) أو بمعنى (قارئ)، أما هو فهو مصدر، (قُرآن) مصدر (قَرَأ)، كـ(غُفْران) مصدر (غَفَر)، (شُكْران) مصدر (شُكْر). إذن (قرآن) مصدر لكن هل هو بمعنى اسم الفاعل، أو بمعنى اسم المفعول، أو هو بمعناهما جميعًا؟ لنا قاعدة سبقت أن الآية أو الحديث أيضًا إذا احتمل معنيين على السواء ولا منافاة بينهما وجب أن يُحمل عليهما جميعًا، إذن قرآن بمعنى قارئ وقرآن بمعنى مقروء، كيف يكون القرآن بمعنى قارئ؟ (قاري) بمعنى جامِع، ومنه سُمِّيت القرية؛ لأنها تجمع الناس، فيكون قرآن يعني قارئ، ولا شك أن القرآن جامع لعلوم الأولين والآخرين ولكل عِلم نافع وعمل صالح. وقوله: عَرَبِيًّاأي: بلسان العرب، والعروبة هنا هل هي عروبة النسب أو عروبة اللسان؟ طلبة: اللسان. الشيخ: الظاهر أنها عروبة اللسان، لكن حقيقة الأمر أن عروبة اللسان أصلها عروبة النسب؛ إذ إن اللغة العربية وإن تكلم بها من ليس بعربي هي أصلها من عروبة النسب؛ ولذلك أولئك القوم الذين من فارس والروم نقول: هم عرب لسانًا وليسوا عربًا نسبًا، فهل يلحقهم مدح العرب؟ الجواب: لا، لا يلحقهم؛ لأن المدح للعرب إنما هو عرب النسب، أما الوصف اللي هو عرب باللسان فلا يستحق هذا المدح؛ ولهذا لو سُئلنا: من أشرف الناس نسبًا؟ أجيبوا. طلبة: العرب.

الشيخ: عرب اللسان، أو عرب النسب؟ طلبة: النسب. الشيخ: عرب النسب.

وبيَّنا فيما سبق أن الله تعالى أجمل ثم فصَّل، فقال في أوله: كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ. وهنا قال: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَوأضاف الإيحاء إليه عز وجل؛ لأن الأمر مهم جدًّا، والْمُوحى به هو أشرف الكلام. قُرْءَانًاقلنا: إن قرآنًا مصدر كـ(الغُفران) و(الشُّكران)، وهل هو بمعنى اسم الفاعل أو بمعنى اسم المفعول؟ أي هل المعنى أنه قارئ أو المعنى أنه مقروء؟ ذكرنا أنه يجوز فيه الوجهان: أما كونه قارئًا؛ فلأنه جامع لجميع الكمالات في الكلام، ومنه (القرية)؛ لأنها تجمع الناس، وأما كونه بمعنى مفعول؛ فلأنه يُقرأ ويُتلى، وكلاهما وصْف صالح للقرآن، ولا ينافي بعضهما بعضًا، وعلى هذا فيُحمل على المعنيين جميعًا كما هي القاعدة في التفسير وفي الحديث النبوي، إذا كان يحتمل معنيين لا مُرجِّح لأحدهما على الآخر وليس بينهما منافاة فالواجب أن يُحمل عليهما جميعًا. قُرْآنًا عَرَبِيًّاأي بلغة العرب، والمراد بلغة العرب نطقًا أو نسبًا؟ الأصل نسبًا؛ لأن لغة العرب انتشرت بعد الفتوحات الإسلامية وإلا كانت في الجزيرة فقط. ثم قال: لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَىاللام للتعليل، فما هو المعلَّل؟ قوله: أَوْحَيْنَاوعلى هذا فاللام متعلقة بقوله: أَوْحَيْنَالِتُنْذِرَقال المؤلف: (لتخوف أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَاأي أهل مكة وسائر الناس). قوله: لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَىأم القرى هي مكة، وسُمِّيت بذلك؛ لأنها جامعة للقرى؛ إذ إن جميع القرى تأوي إليها، ولا شك أن المسلمين كلهم يتجهون إلى أم القرى؛ لأن الكعبة فيها، وهي أيضًا تجمع القرى من جهة أنه يجب على كل المسلمين أن يحجوا هذا البيت من استطاع إليه سبيلًا؛ لقوله تعالى: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ [آل عمران: ٩٧] أو حَج البيت قراءتان سبعيتان مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا. إذا سُمِّيت أم القرى لماذا؟ لأنها تجمع جميع القرى، والقرى هنا المدن؛ لأن القرية البلد الصغير عرفًا، أما لغةً فإن القرية تطلق حتى على المدينة الكبيرة كما قال الله تبارك وتعالى: وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ [محمد: ١٣]. وقوله: وَمَنْ حَوْلَهَايقول المؤلف: المراد بمن حولها: (سائر الناس). وهذا التفسير وإن كان معناه صحيحًا؛ لأن رسالة النبي صلى الله عليه وسلم بلغت جميع الناس ومن لم تبلغه فستبلغه، ولكن ظاهر اللفظ خلاف ذلك؛ لأن ما حول الشيء فهو القريب منه، وحينئذٍ يبقى في الأمر إشكال، فإن النبي صلى الله عليه وسلم مبعوث إلى جميع الناس، ولكن يقال: لا إشكال؛ فهو كقوله تعالى: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ [الجمعة: ٢] وهو مبعوث لكل الخلق؛ ولهذا قال: وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ [الجمعة: ٣]. وعلى هذا فنقول: المراد بالإنذار الإنذار المباشر، والإنذار المباشر من النبي عليه الصلاة والسلام ما كان إلا لأم القرى ومن حولها؛ ولهذا ما فُتحت الشام، ولا العراق، ولا مصر في عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وإنما كان الجزيرة فقط، وعليه فيكون المراد بقوله: تُنْذِرُالإنذار الذي تم في حياته عليه الصلاة والسلام فإنه لم يشمل إلا أم القرى ومن حولها. وقوله: أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَاهل المراد بهذا إنذار المدينة نفسها أو المراد الأهل؟ الأهل لا شك، ولا يُشكل هذا على أحد، وهذا هو الذي جعل شيخ الإسلام رحمه الله يقول: إنه لا مجاز في القرآن ولا في غيره من اللغة العربية؛ لأنه إذا كان اللفظ دالًّا على معناه الخاص فإنه لا يعتبر مجازًا، ونحن نقول هنا: ليس المراد أن الرسول ينذر بيوت مكة وأسواقها، وإنما المراد أن ينذر أهلها. بقي أن يقال: أين مفعول (ينذر) الثاني؛ لأن (أنذر) تنصب مفعولين كما قال الله تعالى: فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى [الليل: ١٤] (الكاف) مفعول أول، ونَارًامفعول ثانٍ. نقول: المفعول الثاني محذوف، ويُقدَّر بما يناسبه، ممكن هنا أن نقدره بقوله: يَوْمَ الْجَمْعِلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا [الشورى: ٧]. يَوْمَ الْجَمْعِبدليل قوله: يَوْمَ الْجَمْعِ. فتجد الآن الآية الكريمة، الجملة الأولى حُذف منها مفعول، والثانية حُذف منها مفعول، لكن الجملة الأولى حُذف مفعولها الثاني، والجملة الثانية حُذف مفعولها الأول، وهذا من بلاغة القرآن، إذن المفعول الثاني في قوله: لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَىمحذوف تقديره: يوم الجمع، ولنا أن نقدره تقديرًا آخر لكن ما دام بين أيدينا ما يدل عليه فهو أولى. قال الله تعالى: وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِقال: (وتنذر الناس). هذا المفعول الأول المحذوف. يَوْمَ الْجَمْعِالمفعول الثاني أي: تنذرهم اليوم الذي يُجمع فيه الناس، وذلك يوم القيامة تُجمع فيه الخلائق، وهذا من أسماء يوم القيامة يوم الجمع، كما أنه يُسمى يوم القيامة؛ لأنه يشتمل على المعنى هذا وهذا. وقوله: يَوْمَ الْجَمْعِيقول: (تُجمع فيه الخلائق)؛ لقول الله تعالى: ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ [هود: ١٠٣]. (لَا رَيْبَشك) فِيهِ...إلى آخره قوله: لَا رَيْبَالريب هو الشك لكن قال شيخ الإسلام رحمه الله: (إن تفسير الريب بالشك تفسير مقارِب وليس مطابقًا؛ لأن الريب يوحي بقلق في النفس، والمعنى ليس فيه ريب وقلق). قوله: لَا رَيْبَ فِيهِلَانافية، فهل المراد بالنفي النهي فيكون المعنى لا ترتابوا فيه، أو المراد بالنفي معناه الحقيقي؟ نقول: المراد به معناه الحقيقي؛ لأنه إذا كان معناه النفي صارت صفة هذا اليوم انتفاء الريب، وعلى هذا فمن ارتاب فيه فقد ارتاب في أمر واقع، لكن لو جعلنا النفي بمعنى النهي لكنا أخرجنا الكلام عن ظاهره، هذا من جهة، من جهة أخرى أن النهي قد يمتثله الناس وقد لا يمتثلونه، لكن النفي هنا أوضح؛ أولًا: لمطابقته لظاهر اللفظ؛ لأن ظاهر اللفظ النفي. وثانيًا: لأنه يعطي أن هذا اليوم موصوف بانتفاء الريب فيه، فيكون مَنِ ارتاب مخالفًا للواقع. (لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌمنهم فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِفي النار) {فَرِيقٌ} مبتدأ {فَرِيقٌ} الثاني مبتدأ، ومن كان منكم عارفًا بالنحو فسيقول: في هذا إشكال، ما هو الإشكال؟ الطالب: الابتداء بالنكرة. الشيخ: والابتداء بالنكرة غير جائز، لماذا؟ لأن المبتدأ محكوم عليه، فإذا قلت: زيد قائم، فقد حكمت على زيد بالقيام، والمحكوم عليه لا بد أن يكون معروفًا، إذا كان نكرة أي فائدة في الحكم عليه؟ فكلام النحويين في أنه لا يجوز الابتداء بالنكرة هذا تعليله؛ لأن المبتدأ محكوم عليه، والمحكوم عليه لا بد أن يكون معرفة معلومًا، فهنا ابتُدئ بالنكرة، يقول النحويون: إن المسوغ للابتداء بالنكرة في هذه الآية هو التقسيم، والتقسيم مفيد، فريق في الجنة؛ أي نوع من الناس في الجنة ونوع في السعير، فالتقسيم يبيح الابتداء بالنكرة، ومنه قول الشاعر:

فَيَوْمٌ عَلَيْنَا وَيَوْمٌ لَنَا

وَيَوْمٌ نُسَاءُ وَيَوْمٌ نُسَرّْ

فهذا مبتدأ نكرة لكنه فيه التقسيم، فيكون المسوغ للابتداء بالنكرة هنا هو التقسيم. فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ [الشورى: ٧] أيهم أكثر؟ فريق السعير أكثر كما جاء في الحديث الصحيح أن الله تعالى يوم القيامة ينادي يقول: «يَا آدَمُ. فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ. فَيَقُولُ: أَخْرِجْ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ بَعْثَ النَّارِ، أَوْ بَعْثًا إِلَى النَّارِ -أَيْ مَبْعُوثًا إِلَى النَّارِ- قَالَ: يَا رَبِّ، وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعُ مِئَةٍ وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ وَاحِدٌ فِي الْجَنَّةِ» . والباقي من الألف في النار، إذن أيهم أكثر؟ أهل النار أكثر من أهل الجنة بكثير، أجارنا الله وإياكم من النار، ففزع الصحابة لهذا، وقالوا: يا رسول الله، أينا ذلك الواحد؟ قال لهم: «أَبْشِرُوا إِنَّكُمْ فِي أُمَّتَيْنِ مَا كَانَتَا فِي شَيْءٍ إِلَّا كَثَّرَتَاهُ؛ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ» . وهم من بني آدم كما دل على ذلك القرآن، فمنكم واحد وألف منهم، ففرح الصحابة رضي الله عنهم بذلك. المهم أن الله قال: فريق وفريق مع اختلاف الفريقين اختلافًا عظيمًا، فدل ذلك على أن الفريق في اللغة يُطلق على القليل والكثير، فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِما هي الجنة؟ الجنة هي الدار التي أعدها الله تعالى للمؤمنين والمتقين، وهي دار فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وأصناف النعيم في هذه الجنة -جعلني الله وإياكم منهم- موجودة في القرآن والسنة، أما السعير -والعياذ بالله- فهي النار تُسَعَّر بها الأجساد، وفيها من أنواع العذاب والنكال ما يتمنى أهلها أن يموتوا ولا يحصل لهم، قال الله تعالى: وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ (٧٧) لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ [الزخرف: ٧٧، ٧٨] وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ. وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً [الشورى: ٨] أي على دين واحد هو الإسلام، نعم، لو شاء الله أن يجعل الناس أمة واحدة لجعلهم أمة واحدة على الضلال أو على الهدى؛ يعني لو شاء هذا أو هذا؛ لأن الأمر كله بيده عز وجل. وقوله: لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةًيعني فرقة واحدة على دين واحد. وقوله: (وهو الإسلام) قد يُنازَع فيه؛ لأن الآية مطلقة وليس فيها ما يدل على أنه الإسلام أو غير الإسلام؛ لأن قوله: وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ [الشورى: ٨]. ذكر الأمرين فنقول: إن الآية تحتمل المعنيين جميعًا، لو شاء الله لجعلهم أمة واحدة؛ يعني على الإسلام أو على الكفر، ولكنه عز وجل لحكمته جعلهم متفرقين: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ [التغابن: ٢]. قال: وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ [الشورى: ٨] قوله: يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُمَنْاسم موصول عامة، ولكن يجب أن نعلم أن هذا العموم مقيد بمن علم الله فيه خيرًا، فهو الذي يدخله في رحمته؛ لأن كل فعل أضافه الله إلى مشيئته فلا بد أن يكون لحكمة كما قال الله تعالى: لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [التكوير: ٢٨، ٢٩]. وقال تعالى: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا [الإنسان: ٣٠]. إذن يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ [الشورى: ٨] ممن علم الله فيه خيرًا ليكون إدخاله في الرحمة على وفق الحكمة. وقوله: فِي رَحْمَتِهِالمراد هنا بالرحمة التي هي وصفه، أو المراد الرحمة التي هي خلقه؟ الثانية؛ لأن الرحمة التي هي وصفه لا يدخلها الناس، وإنما يدخلون في الرحمة التي هي خلقه؛ وهي الجنة، ويدل لهذا قوله تبارك وتعالى في الحديث القدسي للجنة: «أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ» . فقال لها: «أَنْتِ رَحْمَتِي». (وَالظَّالِمُونَالكافرون) الظَّالِمُونَمبتدأ، وليست معطوفة على مَنْلفساد المعنى واللفظ. (وَالظَّالِمُونَالكافرون) فسر المؤلف هنا الظَّالِمُونَبالكافرين؛ لأن الله تبارك وتعالى وصف الكافرين بالظلم، فقال: وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ [البقرة: ٢٥٤]، وقال الله تبارك وتعالى: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ [الأنعام: ٨٢] فسرها النبي صلى الله عليه وسلم بالشرك وقال: «أَلَمْ تَسْمَعُوا قَوْلَ الرَّجُلِ الصَّالِحِ: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ؟» .

(وَالظَّالِمُونَالكافرون) مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍمَانافية، ولَهُمْخبر مقدم، ووَلِيٍّمبتدأ مؤخر دخل عليه حرف الجر الزائد للتوكيد. (مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍيدفع عنهم العذاب) أي من ولي يتولاهم ويتحمل عنهم، ولا نصير يدفع عنهم، فليس لهم من يُسلِّيهم في حال المصيبة ولا من يدفع عنهم إذا وقعت. في هذه الآية الكريمة فوائد؛ منها: أن القرآن كلام الله؛ لقوله: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا [الشورى: ٧]. وجه كونه كلام الله أن هذا القرآن كلام أو شيء مخلوق؟ كلام، وإذا كان كلامًا وقد أضافه الله إلى نفسه علمنا أنه كلام الله عز وجل، وهل هو مخلوق؟ لا، لماذا؟ لوجهين: الوجه الأول: أنه وَصْفُه، وجميع أوصاف الله غير مخلوقة؛ لأن الصفة تابعة للذات، فالخالق هو الله، وصفاته غير مخلوقة. ثانيًا: لو قلنا: إنه مخلوق لبطل الأمر والنهي؛ لأننا إذا قلنا: إنه مخلوق صار شيئًا مخلوقًا على شيء معين كما تُخلق الشمس، والقمر، والنجوم، والجبال، والأنهار على شكل معين، فيكون مثلًا: أَقِيمُوا الصَّلَاةَ [الأنعام: ٧٢] ليست أمرًا، لماذا؟ لأنه خُلِق رسمًا، خُلِق على هذا الرسم، الآن مثلًا لو رسمت في القرآن: أَقِيمُوا الصَّلَاةَوأنت تقول: إن هذه ليست كلامًا، ولكنها مخلوقة لم تفد الأمر، وكذلك يقال في الأخبار، الأخبار تأتيك آية طولية كلها في خبر ما، إذا قلت: إن القرآن مخلوق صارت مجرد نقش فقط، ما هي كلام؛ ولذلك قال ابن القيم رحمه الله: (إن القول بأن القرآن مخلوق مبطل للشريعة؛ لأنه لا يكون فيه أمر ولا نهي). إنما هي أشكال خُلِقت على هذا. أَقِيمُوا الصَّلَاةَأنتم الآن إذا شاهدتم: أَقِيمُوا الصَّلَاةَتجدون أنها وشي يختلف بعضه عن بعض، أَقِيمُوالها شكل والصَّلَاةَلها شكل، فإذا قلنا: إن هذه أشياء خلقها الله على هذا الشكل لم يكن أمرًا ولا نهيًا، إذن الآية تفيد أن القرآن كلام الله؛ لأن الله تعالى أضافه إلى نفسه.

من فوائد هذه الآيات الكريمة: فخر العرب؛ لأن القرآن عربي وهو للأمم كلها. ومن فوائدها: حكمة الله تبارك وتعالى في إنزال القرآن باللغة التي يفهمها من أُنزل إليه، وهذا كقوله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ [إبراهيم: ٤]. ومن فوائد الآية الكريمة: التأكيد على معرفة اللغة العربية. وجه ذلك: أنه إذا كان القرآن عربيًّا، وكنا مخاطَبين به وملزَمين بالعمل به فإنه لا يمكن الوصول إلى ذلك إلا بتعلم اللغة العربية. ومن فوائد الآية: الإشارة إلى أن الناس جميعًا ينبغي أن يكونوا يتحدثون باللغة العربية؛ لأن الناس كلهم جميعًا يجب أن يكون دينهم الإسلام، فإذا كان يجب أن يكون دينهم الإسلام فإنه يلزم من ذلك أن يجب أن يتعلموا لغة الإسلام؛ ولذلك نرى أن الإسلام لما كان في أوج عزته وقوته دخل الناس في دين الله، وتعلموا اللغة العربية، ومن الفرس والروم من كانوا أئمة في الدين وأئمة في العربية، القاموس المحيط، مرجع الناس في اللغة الآن وقبل الآن، من مؤلفه؟ الفيروزآبادي، من قريش، أو من بني هاشم؟ لا هذا، ولا هذا، فارسي، ومع ذلك هو مرجع اللغة العربية. البخاري إمام المحدثين، يعني إمام نقلة سنة الرسول عليه الصلاة والسلام، عربي ولَّا غير عربي؟ غير عربي؛ لأنه في الفتوحات الإسلامية كانت الغلبة للمسلمين الذين يتكلمون باللغة العربية، فتعلم الناس العربية ضرورة أنه لا يمكن الوصول إلى فهم الدين إلا باللغة العربية، ما حال الناس اليوم؟ على العكس، الآن العربي يحاول أن يتعلم اللغة الغير عربية؛ لأن الإسلام -مع الأسف الشديد- بمعاصي أهله خُذِلوا وذلوا، وكانوا من أذل الأمم إن لم أقل: أذل الأمم. أنا أقول: أذل الأمم ولا أبالي؛ لأن عند المسلمين من الثروات العظيمة والمعادن العظيمة والأماكن الفسيحة والواسعة ما إذا قسناه بحالهم وجدنا أنهم أذل الأمم، من يكون عنده مثل هذه الثروات، ثم يتخلف هذا التخلف؟ حفنة من اليهود تلعب بعقولهم ليلًا ونهارًا، ولو قلت: أمم من النصارى يلعبون بهم، ولو كان لهم عزة لكانوا هم الذين يتحكمون في الناس ويقاتلونهم حتى يكون الدين كله لله، لكن لما ذلوا ذلت لغتهم، الآن تجد المتاجر في بلاد العرب، في مدننا، في قرانا، تجدها مملوءة باللافتات باللغة غير العربية، أحيانًا تجد المتاجر كأنك في سوق لندن إلا أن يشاء الله، كل هذا من الذل. من فوائد هذه الآيات الكريمة: إثبات حكمة الله، تؤخذ من قوله: لِتُنْذِرَ؛ لأن اللام هنا للتعليل، وكلما وجدت لام التعليل في القرآن فإن فيها إثبات حكمة الله عز وجل، وحينئذٍ نعلم أن جميع ما يفعله الله عز وجل أو يشرعه فهو لحكمة. ومن فوائد الآية الكريمة: الاقتصار على أحد موضوعي الرسالة إذا اقتضت الحكمة ذلك، وجهه: أنه قال: لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا [الشورى: ٧] ولم يذكر البشارة، مع أن الله تعالى في مواضع كثيرة يذكر الإنذار والبشارة: لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا [مريم: ٩٧]؛ لأن السياق مع قريش، وقريش -كما تعلمون- عتاة معتدون، فناسب ذكر الإنذار دون ذكر البشارة؛ لأنه إذا رأيت شخصًا معتديًا، فهل أنت تحاول استقامته بالبشارة أولًا أو بالإنذار أولًا؟ بالإنذار أولًا، وهذا من بلاغة القرآن أن يجعل كل شيء في موضعه. ومن فوائد هذه الآيات الكريمة: أن النبي صلى الله عليه وسلم مُلزَم بإنذار أم القرى إلزامًا أوليًّا؛ لقوله: لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَىوما سواها إنذارًا ثانويًّا. ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم لن يصل إلى مَنْ أُرْسِل إليهم مباشرة، وإنما ينذر من حوله؛ لقوله: لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا. وأنا ذكرت لكم قبل قليل هذه الفائدة ذكرناها في كتاب التفسير.

أيضًا فيه فائدة أخرى: وهي أن القرآن باللغة العربية لا يمكن أن ينتذر به إلا أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَاالذين هم عرب، وأما فارس والروم والأقباط وما أشبههم فهؤلاء لا ينتفعون بالقرآن إلا بعد أن يعرفوا اللغة العربية ويعرفوا معاني القرآن، ولعل هذا -والله أعلم- أيضًا من الحكم أن الله قال: وَمَنْ حَوْلَهَا. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تخويف الناس من يوم القيامة؛ لقوله: وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ. ومن فوائدها: أن يوم القيامة واقع لا محالة؛ لقوله: لَا رَيْبَ فِيهِ. ومن فوائد الآية الكريمة: أن الناس في ذلك اليوم ينقسمون إلى قسمين: فريق في الجنة، وفريق في السعير، أهل الجنة يتجهون إلى الصراط ليصلوا إلى الأعلى، إلى الجنة، وأما أهل النار فلا يصعدون الصراط؛ لأنه لا يُرجى منهم أن ينجوا، بل إنهم يساقون إلى جهنم وِرْدًا؛ أي على أشد ما يكون من العطش، وتمثل لهم النار كأنها سراب، يظنونها ماءً فيسرعون إليها، فإذا جاؤوها وجدوا الأمر بالعكس فيتوقفون، ولكنهم يُدَعُّون إلى نار جهنم دعًّا ويقال لهم: هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ [الطور: ١٤] اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا [الطور: ١٦]. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات مشيئة الله عز وجل؛ لقوله: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً [الشورى: ٨]. ومن فوائدها: الرد على القدرية. أتعرفون من القدرية؟ القدرية هم الذين يقولون: إن الله سبحانه وتعالى لا علاقة له في فِعل العبد، يقولون: العبد مستقل، ما لله فيه إرادة، وغُلاتهم ينكرون عِلْم الله بأحوال العبد إلا ما وَقَعَ منها، يقولون: إن الله ما يعلم ماذا يصنع العبد، لكن إذا صنعه العبد عَلِم به، وهؤلاء لا شك في كفرهم؛ لأنهم أنكروا علم الله، مُقتصدوهم ينكرون المشيئة والخَلْق، هذا اللي استقر عليه رأيهم، يقولون: إن الله لا مشيئة له في فِعْل العبد، وليس خالقًا لفعل العبد، العبد حر، يقول ويسكت، يفعل ويترك، ينام ويستيقظ، استقلالًا ما لله فيه مشيئة؛ ولهذا سُمُّوا مجوس الأمة المحمدية؛ لأنهم بهذه العقيدة يجعلون للحادث خالِقَيْن؛ حوادث العباد، مَنْ خلقها؟ العباد، وحوادث الله خلقها الله؛ ولهذا يسمون مجوس الأمة الإسلامية. في الآية الكريمة رد عليهم، وجه الرد: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً [الشورى: ٨]. وهذا كما قال تعالى في سورة هود: وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ [هود: ١١٨، ١١٩]. فيه الرد على القدرية، وفيه حجة للجبرية؛ لأن الله قال: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةًإذن هم انقسموا بمشيئة الله، وما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، فهذا دليل على أن الإنسان لا اختيار له، بل فعله بمشيئة الله، فيقال: هذا مما احتج به من في قلوبهم زيغ؛ لأن الذين في قلوبهم زيغ يتبعون المتشابه، ويدعون المحكم، يتعبون المتشابه في مثل هذه الآية، ويقول: هذا دليل على أن فعل العبد بمشيئة الله، ولا يمكن لأحد أن يغير مشيئة الله. نقول: سبحان الله! أنتم نظرتم إلى الأدلة بعين أعور، والعين الباقية عليها غبش أو غمش، ما هي جيدة، فنظروا بعين أعور وربع أو أكثر، هناك آيات صريحة في إضافة العمل إلى الإنسان نفسه، وأنه بمشيئة الإنسان، أليس الله يقول: فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ [الكهف: ٢٩]؟ أليس الله تبارك وتعالى يقول: لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ [التكوير: ٢٨]؟ والآيات في هذا كثيرة. أليس الإنسان يحس بنفسه أنه يفعل الفعل ولا مكره له، أنت تأتي إلى المسجد بدون أحد يكرهك، تدخل المسجد بدون أحد يكرهك، تخرج من المسجد بدون أحد يكرهك، وهذا شيء ملموس، إذن ما معنى كون فعلنا بمشيئة الله؟ نقول: معنى فعلنا بمشيئة الله أننا مهما فعلنا من شيء فالله قد شاءه، ومشيئته له سابقة لمشيئتنا لكننا لا نعلم بمشيئة الله إلا بعد وقوع الشيء فنعرف أن الله قد شاءه، هذا واضح ولَّا غير واضح؟ يعني أنا الآن أشاء أن أتكلم معكم، وأشاء أن أُحرِّك يدي، أليس كذلك؟ هل شاء الله أن أتكلم، وأن أُحَرِّك يدي؟ نعم، بماذا عرفت؟ بوقوعه؛ لأني أعلم علم اليقين أنه لا يمكن أن يكون في ملك الله ما لا يشاؤه، وأنا في ملك الله، والسماوات والأرض كلها في ملك الله، فإذا لا يمكن أن يكون في ملكه ما لا يشاء، لكن أنا لا أعلم مشيئة الله إلا بعد وقوع الشيء؛ ولهذا قال بعض العلماء: (إن القدَر سِرٌّ مكتوم) لا يعلم به العباد؛ لأن العباد لا يعلمون به إلا بعد وقوعه. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله تعالى يَمُنُّ على من يشاء من عباده فيدخلهم في رحمته؛ لقوله: وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ [الشورى: ٨].

ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ليس في الجنة ما يكدر، وجهه؟ قوله: فِي رَحْمَتِهِوالرحمة تستلزم حصول المطلوب، والنجاة من المرهوب؛ ولهذا ينادى أهل الجنة: «إِنَّ لَهُمْ أَنْ يَصِحُّوا فَلَا يَسْقَمُوا، وَأَنْ يَشِبُّوا فَلَا يَهْرَمُوا، وَأَنْ يَحْيَوْا فَلَا يَمُوتُوا» . وأيضًا أن نقول: وأن يُسرُّوا فلا يحزنوا، جميع النعيم كامل لأهل الجنة، وليس فيها تنغيص، ولا خوف من مرض، ولا خوف من موت، بل إنهم لا ينامون، حتى النوم لا ينامون من القلق والألم؟ أجيبوا. لا والله، لا ينامون من الفرح والسرور، حتى تكون أوقاتهم كلها مستغرقة في الفرح والسرور، وعدم نومهم دليل على كمال حياتهم؛ لأن النوم إنما نحتاج إليه لنقض التعب السابق واستجداد القوة اللاحقة، أليس كذلك؟ ولهذا كلما تعب الإنسان احتاج إلى النوم، وإذا نام قام نشيطًا، إذن نحن محتاجون إلى النوم في الحياة الدنيا لنقص حياتنا، لكن في الآخرة ما فيه نقص، دائمًا هم في سرور، اللهم اجعلنا منهم؛ ولذلك قال: يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِالرحمة ما فيها شيء يحزن ولا يكدر، وإنما كلها خير. ومن فوائد الآية الكريمة: أن الكفار ظلمة، بل هم أظلم الظلمة، أعظم الذنب الكُفْر أن تجعل لله نِدًّا وهو خلقك، فأظلم الظالمين هم الكفار، وإذا كنا نؤمن بهذا، ويجب علينا أن نؤمن بهذا، فهل نرجو من الكفار خيرًا وهم أظلم الظلمة؟ لا والله، لا نرجو منهم خيرًا للإسلام أبدًا؛ لأنهم أظلم الظلمة؛ ولهذا يجب أن تغرس في قلبك بُغض الكافرين والكُفر، يجب أن تجعلها غريزة مستقرة كامنة تبغض كل كافر وكل كفر. وإذا كان في الإنسان خصال كفر وخصال إيمان؟ القسط والعدل أن أحبه على ما معه من إيمان، وأبغضه على ما معه من الكفر، والإنسان قد يكون فيه خصلة إيمان وخصلة كفر، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «اثْنَتَانِ فِي النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ: الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ، وَالنِّيَاحَةُ عَلَى الْمَيِّتِ» . وهذان لا يخرجان الإنسان من الإيمان. إذن انتبهوا لهذا، الكفار أظلم الظالمين، ومن كان أظلم الظالمين فإنه لا يمكن أن يُرْجى منه خير ولا عدل، واعلم أنه إن عدل فلاستغلال الفرصة؛ ليأخذ بدل العدل مرة الظلم مرات، الآن اليهود نعلم أنهم أشد الناس حرصًا على المال، ومع ذلك نجدهم يبذلون، ولكن يبذلون قرشًا ليأخذوا دينارًا، لا تفكر أبدًا أنهم يبذلون شيئًا إلا لينالوا أكثر منه، وهذا شيء معلوم: وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ [البقرة: ٩٦]. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الظالمين لا يجدون ناصرًا ولا يجدون وليًّا، لا ناصرًا يدفع العذاب أو يرفعه، ولا ولي يواسيهم فيُهوِّن عليهم المصائب، ليس لهم هذا، وهذا يدل على أنهم في حسرة شديدة؛ لأنهم لا يرجون نفعًا وقد قال الله تعالى: وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ [الزخرف: ٣٩]. طالب: (...)؟ الشيخ: لا؛ لأن النفي أبلغ وأوفق للسياق، ونحن قلنا: نحمل الآية على المعنيين متى؟ طالب: (...). الشيخ: لا، ولا مرجِّح، لاحظ هذا القيد؛ لأنك إذا لم تقل: ولا مُرجِّح، جاءك أهل التعطيل وقالوا: ما قلناه يحتمل، لا، لازم تفهم هذا، إي نعم، لكن الله نفى باعتبار الواقع.

الطالب: في غير هذه البلاد مثلًا يوجد علماء متضلعون في بعض العلوم، ولكن مثلًا يكون معتزليًّا أو أشعريًّا، ففي أثناء الدرس مثلًا قد يقرر المذهب، فهل طالب العلم إذا كان يعلم الحق في هذه المسألة أن يناقش شيخه فيها، خاصة أنه يكون كبيرًا في السن قد يصعب أن يرجع عن رأيه؟ الشيخ: هو لا شك أن أولًا: الذين يدعون إلى البدعة، هؤلاء تجنبهم، والرزق على الله، حتى لو كانوا علماء في النحو والبلاغة لا خير فيهم، هؤلاء الذين يدعون، أما الذين لا يدعون إلى بدعتهم ويتسترون فلا بأس أن تجلس إليهم فيما ينفع، لكن إذا رأيتهم خرجوا على الجادة فيجب عليك أن تنبههم، لكن لا تنبههم أمام الطلاب؛ لأن الإنسان قد تأخذه العزة بالإثم، خصوصًا إذا رأى نفسه أنه مبرز في علم من العلوم، يجيء طالب علم ويرد عليه أمام الناس هذا، ثق بأنه سينتفخ ويكون أكبر من الجبل ولا يرجع، لكن من الممكن أن تكتب له كتابًا تبين له الحق إذا لم تستطع أن تناقشه مباشرة، إن كان داعية لا تقربه أبدًا وحذِّر منه؛ لأن هذا يُخشى منه، ثم إذا رأى الناس أنك أنت وفلان وفلان ترجعون إليه توهم أنه على الحق، عرفت؟ نسأل الله تعالى أن يجمعنا وإياكم برحمته، وأن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى.