تفسير سورة الشورى - ١٠
درس صوتي · ٨٤:٤١
جارٍ تجهيز الصوت
انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها
إعدادات
اختصارات لوحة المفاتيح
محتوى الدرس
تفسير الآية (٣٧)
٠٠:٠٠:٠٢
قول الله تبارك وتعالى: وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْم [الشورى: ٣٧] نص على أنه معطوف عليه لئلا يظن الظان أن الواو هنا للاستئناف، وعلى هذا فيكون من باب عطف الصفات وليس من باب عطف الأعيان، فالذين استجابوا لربهم هم الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون. هل لهذا نظير؛ أي عطف الأوصاف لموصوف واحد؟ الجواب: كثير، قال الله تعالى: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى [الأعلى: ١ - ٤]. قوله: وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى [الأعلى: ٣] ليس هو شيئًا آخر، بل هو الأول، فيكون هذا من باب عطف الأوصاف دون الأعيان. أنت إذا قلت: قام زيد وعمرو وبكر وخالد، فهذا من باب عطف الأعيان؛ لأن الثاني غير الأول، وإذا قلت: جاء زيد الفاضل والكريم والشجاع، فهذا من باب عطف الأوصاف؛ لأن الثاني هو الأول، لكن اختلفت الصفة. إذن فالعطف نوعان: عطف أعيان وعطف أوصاف. في الآيات التي معنا: وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ [الشورى: ٣٧] هذه من باب عطف الأوصاف؛ لأن الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش هم الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون. يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَكبائر جمع كبيرة، فما هي الكبيرة؟ الجواب: ما ذكر الشرع أنه كبيرة فهو كبيرة؛ كقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في حديث أبي بكرة: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟» قالوا: بلى يا رسولَ الله. قال: «الْإِشْرَاكُ بِاللهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ» وكان مُتَّكِئًا فجلس، فقال: «أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ، أَلَا وَشَهَادَةُ الزُّورِ» . هنا نص على أنها كبيرة، أما ما لم ينص عليه الشرع فقد اختلف العلماء رحمهم الله في حد الكبيرة، وأقرب شيء ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله فقال: إن الكبيرة ما رُتب عليه عقوبة خاصة، يعني ما خُص بعقوبة. وذلك أن المنهيات تنقسم إلى قسمين: قسم فيها النهي أو التحريم أو ما أشبه ذلك، لكن ما ذكر فيه عقوبة، وقسم آخر ذكر فيه العقوبة، فيقول: ما ذكر فيه عقوبة خاصة فهو كبيرة. إذا رُتب على الذنب لعنة؛ كقوله: «لَعَنَ اللهُ مَنْ لَعَنَ وَالِدَيْهِ» ماذا يكون؟ كبيرة؛ لأنه رتب عليه عقوبة خاصة، وهي اللعن، إذا رتب عليه السخط فهو كبيرة؛ كقول النبي صلى الله عليه وسلم في المرأة يبيت زوجها ساخطًا عليها: «فَإِنَّ اللهَ يَسْخَطُ عَلَيْهَا» هذا كبيرة، إذا قيل: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ شَقَّ الْجُيُوبَ، وَلَطَمَ الْخُدُودَ، وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ» ، فهو كبيرة، ما الذي رُتب عليه؟ البراءة منه: ليس منا كذا، «مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنَّا» مثله كبيرة؛ لأنه رُتب عليه عقوبة خاصة، «لَا يُؤْمِنُ مَنْ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ» كبيرة؛ لأنه رتب عليه نفي الإيمان. إذن الكبيرة محدودة أو معدودة؟ محدودة، يعني تعرف بالحد دون العد، وأحسن ما قيل فيها ما اختاره شيخ الإسلام رحمه الله من أن الكبيرة ما رتب عليه عقوبة خاصة. وقوله: وَالْفَوَاحِشَبالنصب معطوفة على كبائر، أي: ويجتنبون الفواحش، قال: (وهي موجبات الحدود، من عطف البعض على الكل). فسر المؤلف رحمه الله الفواحش بأنها ما توجب الحد، فلنعدها: الزنا فاحشة، وهو بنص القرآن: وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً [الإسراء: ٣٢]. نكاح ذوات المحارم فاحشة؛ لقول الله تبارك وتعالى: وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا [النساء: ٢٢] تأمل الآن أيما أعظم: نكاح ذوات المحارم أو الزنا؟ الأول؛ لأن الله قال فيه: كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا. وفي الزنا قال: إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا. ولهذا كان القول الراجح أن الإنسان إذا زنى بمحارمه وجب رجمه، سواء كان محصنًا أم غير محصن. طيب السرقة فاحشة أو غير فاحشة؟ فاحشة، المؤلف قال: كل اللي فيه حد فهو فاحشة. قطع الطريق فاحشة؛ لأن فيه حدًّا. الخمر فاحشة؟ هو عليه حد؟ الصحيح أن عقوبة الخمر ليست حدًّا، بل هي عقوبة، لكنها لا تنقص عن أربعين. الدليل أنها عقوبة أن شارب الخمر في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام يؤتى به فيضربه الناس؛ اللي يضرب بيده، واللي يضرب بثوبه والذي يضرب بنعله بدون حد معين، ثم جعلها أبو بكر أربعين، ثم جعلها عمر أربعين، ثم كثر شرب الخمر فزادها عمر إلى ثمانين بعد أن استشار الصحابة، فقال عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه: أرى أن تجعلها كأخف الحدود، ما هو أخف الحدود؟ حد القذف ثمانون، فجعلها عمر ثمانين، وهذا كالإجماع من الصحابة رضي الله عنهم؛ أن عقوبة شارب الخمر ليست حدًّا؛ لأنه لو كانت حدًّا هل يمكن لأي أحد أن يزيد؟ لا يمكن، ولهذا لو كثر الزنا في الناس لا نزيد عن مئة جلدة. طيب أيضًا قال عبد الرحمن بن عوف: اجعلها كأخف الحدود، فدل هذا على أنها ليست حدًّا، وإلا لما صح أن يقول: كأخف الحدود، وأيضًا إذا تكرر جلده ففي الرابعة يقتل على رأي كثير من العلماء؛ لما جاء ذلك في السنن: «إِذَا شَرِبَ فَاجْلِدُوهُ، ثُمَّ إِنْ شَرِبَ فَاجْلِدُوهُ، ثُمَّ إِنْ شَرِبَ فَاجْلِدُوهُ، ثُمَّ إِنْ شَرِبَ الرَّابِعَةَ فَاقْتُلُوهُ». هذا الحديث صحيح ذهب إليه أهل الظاهر، وأكثر العلماء يقول: لا يقتل لو يشرب ألف مرة، ويجلد ألف مرة، واختار شيخ الإسلام قولًا وسطًا وقال: إذا لم ينته الناس بدون القتل فإنه يُقتل؛ لئلا يتكاثر شرب الخمر، وأما إذا انتهى الناس بدون القتل فإنه لا يقتل. المهم المؤلف رحمه الله يرى أن الفواحش هي موجبات الحدود، قال: (وهو من عطف البعض على الكل)؛ لأن الفواحش بعض كبائر الإثم، وهذا يقع كثيرًا؛ عطف البعض على الكل، كما أنه يقع أحيانًا عطف الكل على البعض، فقول الله تعالى: تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا [القدر: ٤] هذا من باب عطف البعض على الكل، وإذا قلت: أكرم زيدًا والطلبة، وهو منهم، فهو من باب عطف الكل على البعض، وتخصيص بعض الأفراد بكونه معطوفًا أو معطوفًا عليه يدل على العناية به والاهتمام به. وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ [الشورى: ٣٧] (ما) هنا زائدة في الإعراب، وأما في المعنى فهي للتوكيد، وأقول:
يَا طَالِبًا خُذْ فَائِدَهْ
(مَا) بَعْدَ (إِذَا) زَائِدَهْ
تقبل أو ما تقبل؟ يعني كلما أتتك (ما) بعد (إذا) فهي زائدة، كهذه الآية: وَإِذَا مَا غَضِبُواالمعنى: وإذا غضبوا، وكقوله تعالى: حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ [فصلت: ٢٠] أي: حتى إذا جاءوها، فخذ هذه الفائدة، و(ما) من أوسع الحروف معنى؛ لأن لها عشرة معانٍ أو أكثر، جُمعت في قول الناظم:
مَحَـــــــامِـــلُ مَــــا عَـــشْرٌ إِذَا رُمْـتَ عَــــــدَّهَـا
فَحَافِـــظْ عَلَى بَيْتٍ سَلِيمٍ مِنَ الشِّعْرِ
سَتَفْهَمُ شَرْطَ الْوَصْلِ فَاعْجَبْ لِنُكْرِهَا
بِكَــــفٍّ وَنَــفْيٍ زِيــــدَ تَعْــــظِيـــمُ مَـــصْدَرِ
على وجه السرعة: (ستفهم) إشارة إلى (ما) الاستفهامية. (شرط) إلى (ما) الشرطية. (الوصل): إلى (ما) الموصولة. (فاعجب): إلى (ما) التعجبية، مثل أن تقول: ما أحسن زيدًا. (لنكرها): إلى (ما) النكرة الموصوفة أو الواصفة. (بكف): إلى (ما) الكافة، وهي الداخلة على (إن)، مثل: إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ [النساء: ١٧١]. (ونفي): (ما) النافية. (زيد): (ما) الزائدة. (تعظيم): ما التعظيمية؛ مثل: الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ [الحاقة: ١، ٢]، الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ [القارعة: ١، ٢]. (مصدر): إلى (ما) المصدرية؛ مثل: يعجبني ما فعلت؛ أي: يعجبني فعلك. هذه عشر معانٍ لـ(ما). إِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَيعني: إذا نالهم الغضب فإنهم يملكون أنفسهم، فيغفرون لمن أغضبهم. ومعنى (يغفرون) قال المفسر: (يتجاوزون)، ونحن نزيد شيئًا آخر: الستر، يعني: يتجاوزون عمن أساء إليهم ويسترونه. من فوائد هذه الآية: أن من وصف الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون: اجتنابهم كبائر الإثم والفواحش، وبعدهم عنها؛ لأن (اجتنب) بمعنى صار في جانب وآخر في جانب، فيفيد بعدهم عن كبائر الإثم والفواحش. ومن فوائدها: أن صغائر الذنوب لا تنقص من كمال الإيمان، لماذا؟ لأنها تقع مغفورًا باجتناب الكبائر؛ كما قال الله تبارك وتعالى في سورة النجم: إِلَّا اللَّمَمَ [النجم: ٣٢] يعني: إلا الصغائر فإنها لا تضر، وأخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن الصلوات الخمسة، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر . ولكن لو قال قائل: هل الإصرار على الصغائر يحولها إلى كبائر؟ فالجواب: نعم، هذا المشهور عند أهل العلم؛ أن الإصرار على الصغيرة كبيرة، لكنهم لا يقولون: إن الصغيرة تكون كبيرة، يقولون: إن إصرار الإنسان على المعصية يدل على استخفافه بشريعة الله، وعدم مبالاته بها، فمن هنا صار الإصرار كبيرة، وليس المعنى أن الصغيرة تنقلب كبيرة، لكن لما كان الإصرار يدل على استخفاف الإنسان بشريعة الله صار هذا كبيرة من أجل الاستخفاف. ومن فوائد الآية الكريمة: أن من صفات الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون أنهم إذا غضبوا غفروا، والغضب وصفه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بأنه جمرة يلقيها الشيطان في قلب الإنسان فيفور دمه وتنتفخ أوداجه، أما المتكلمون فيقولون: إن الغضب غليان دم القلب لمحبة الانتقام، وما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم خير: أنه جمرة يلقيها الشيطان ، ولذلك تجد الرجل إذا غضب يتصرف تصرفًا سيئًا لا يحمده هو إذا سكن غضبه. ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي للإنسان عند الغضب أن يكظم غيظه، وقد طلب أحد الصحابة من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يوصيه فقال: «لَا تَغْضَبْ» فردد مرارًا فقال: «لَا تَغْضَبْ» . قال الله تبارك وتعالى: وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُون [الشورى: ٣٧] ما الفرق بين كبائر الإثم والفواحش؟ طالب: ما دون ذلك. الشيخ: ما دون ذلك، لكنها فوق الصغائر، المرتب عليها حد ما هي؟ طالب: قطع الطريق. الشيخ: قطع الطريق. الطالب: الزنا. الشيخ: الزنا. الطالب: السرقة. الشيخ: السرقة. الطالب: القذف. الشيخ: القذف. طيب شرب الخمر هل هو حد أو تعزير؟ الصحيح أنه تعزير، لكنه تعزير لا يقل عن أربعين جلدة؛ ما هو الدليل على أنه تعزير، وليس بحد، مع أن جمهور العلماء على أنه حد؟ أن الناس لما كثر شربهم الخمر في عهد عمر رضي الله عنه استشار الصحابة، فقال عبد الرحمن بن عوف: اجعله كأخف الحدود ثمانين، وهذا دليل واضح جدًّا، كالإجماع من الصحابة رضي الله عنهم بقيادة الخليفة الراشد عمر أنه ليس بحد من وجهين: الأول أنه قال: اجعله كأخف الحدود، والثاني: أنه لو كان حدًّا ما ساغ لعمر ولا لغير عمر أن يزيد عليه. قول الله تبارك وتعالى: وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ. (ما) ويش إعرابها؟
طالب: اسم موصول. الشيخ: اسم موصول؟ لا، غلط. طالب: زائدة الشيخ: (ما) زائدة، أنشد لي الرجز المذكور فيها. الطالب:
يَا طَالِبًا خُذْ فَائِدَهْ
(مَا) بَعْدَ (إِذَا) زَائِدَهْ
الشيخ: فهمت، كلما جاءت (ما) بعد (إذا) فهي زائدة؛ قال الله تعالى: حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ [فصلت: ٢٠]. وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ.
تفسير الآية (٣٨)
٠٠:٢٠:١٦
ثم قال الله تبارك وتعالى: وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْالواو حرف، الذين معطوف على ما سبق عطف أعيان ولا أوصاف؟ أوصاف وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْقال المفسر: (أجابوه إلى ما دعاهم إليه من التوحيد والعبادة) استجابوا لربهم بمعنى أجابوه. وقد سبق لنا ذكر الأمثلة على كون استجاب بمعنى أجاب. وقوله: (من التوحيد والعبادة) تفسير لا بأس به، ولو قال رحمه الله: اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْأي: أجابوه إلى كل ما دعاهم إليه من فعل الأوامر وترك النواهي لكان أبين وأعم. وَأَقَامُوا الصَّلَاةَمعطوف على (استجابوا)، فهي داخلة في صلة الموصول. أَقَامُوا الصَّلَاةَقال المؤلف: (أداموها) وفيها نظر، بل معنى أَقَامُوا الصَّلَاةَأتوا بها مستقيمة على الوجه الذي طلب منهم؛ لأن هناك فرقًا بين إقامة الصلاة وبين إدامة الصلاة، نعم إدامتها من إقامتها لا شك، ولكن ليست الإقامة هي الإدامة، إذن الإقامة معناه أن يأتي بالصلاة مستقيمة على الوجه المطلوب، وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ. وقوله: الصَّلَاةَيعم الفريضة والنافلة. وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْأمرهم أي: شأنهم، والمراد الشأن العام، لا الشأن الخاص، الشأن العام الذي يهم الجميع يتشاورن فيه، ومعنى يتشاورون فيه يعني يتبادلون الرأي هل يقدمون أو يحجمون، هل يعدلون أو يبقون الشيء على ما هو عليه، المهم أن المشاورة هي تداول الرأي ليخرجوا بنتيجة مرضية للجميع. قال الله تعالى: وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ(يتشاورن فيه ولا يعجلون) وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ، (من) هنا للتبعيض، ويحتمل أن تكون للجنس، فإن كانت الأولى صار المدح لمن ينفق بعض ماله، وإن قلنا بأنها للجنس صار المدح لمن ينفق ماله كله أو بعضه، فأيهما أولى: أن نقول: للتبعيض أو للجنس؟ للجنس أولى، ليشمل القليل والكثير والكل. وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْقال: (أعطيناهم يُنْفِقُونَفي طاعة الله). ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من صفات المؤمنين المتوكلين أنهم يستجيبون لله عز وجل؛ أي: يجيبونه إلى ما طلبه منهم، ومعناه: المبادرة وعدم التأخير؛ لأن التأخير عن تنفيذ الواجب نقص في الاستجابة. وأضرب لكم مثلًا برجل أمر ابنه أن يأتي إليه بحاجة، فتوانى الابن وبقي ساعة أو ساعتين، ثم جاء بالحاجة، فهل يقال: إن الابن امتثل امتثالًا كاملًا؟ لا، الامتثال الكامل بالمبادرة، وهذا معنى قوله: اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ [الشورى: ٣٨]. ومن فوائد الآية الكريمة: العناية بإقامة الصلاة. وجه ذلك أن الله نص عليها بعد التعميم؛ لأن قوله: اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ [الشورى: ٣٨] يشمل الصلاة وغيرها، فلما قال: وَأَقَامُوا الصَّلَاةَنص عليها بخصوصها، وهذا دليل على العناية بها، وحق والله أن يعتنى بها؛ لأنه ليس هناك عبادة أقوى صلة بك في الله عز وجل من الصلاة، أليس كذلك؟ الإنسان يتصدق لكن لا يشعر بالصلة بينه وبين ربه، يصوم، يحج، لكن الصلاة الحقيقية الشرعية أن الإنسان يشعر بأنه في صلة بينه وبين الله، ومن أجل ذلك سميت صلاة؛ لأنها صلة بين الإنسان وبين الله، إذا قال الإنسان: الحمد لله قال الله: حَمِدَنِي عَبْدِي ، وهكذا محاورة، ثم هو يشعر بأنه إذا ركع ففوقه رب يعظمه، وإذا سجد فكذلك يضع أشرف أعضائه في مواطئ الأقدام، ولذلك صارت العناية بالصلاة حيث قال: وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ. أين فُرضت الصلاة؟ فرضت الصلاة ليلة المعراج من الله إلى الرسول ولَّا بواسطة؟ بدون واسطة، هذا يدل على أهميتها والعناية بها. ثم إنها فُرضت خمسين صلاة، وخفف الله على العباد فجعلها خمس صلوات، لكنها في الواقع خمسون صلاة، بمعنى أنك إذا صليت فريضة واحدة كأنما صليت عشرا، ما هو من أجل أن الحسنة بعشر أمثالها؛ لأن هذا لجميع الحسنات، لكن كأنك صليت الظهر مثلًا عشر مرات، صليت وسلمت، صليت وسلمت حتى بلغت عشرة، وبهذا يظهر الفرق بينها وبين سائر العبادات؛ الثواب الحسنة بعشر أمثالها، لكن هذه كأنك فعلًا صليت خمسين صلاة. من فوائد الآية الكريمة: مراعاة الأحوال الاجتماعية، وأن الأمور العامة يجب التشاور فيها؛ لقوله تعالى: وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ [الشورى: ٣٨]. وهل تدل الآية على أن الإنسان إذا أراد أن يفعل فعلًا خاصًّا به يشاور؟ لا، لا تدل على هذا، لكن المشاورة مشروعة، إذا أشكل عليك شيء فلديك شيئان: الاستخارة والمشاورة، لكن الأمر العام لا بد من التشاور فيه، يُستثنَى من ذلك إذا بان الأمر لولي الأمر فإنه لا حاجة إلى المشاورة فيه، يعني لو تبين للأمير أو الرئيس أو الملك مصلحة ما يريد فلا حاجة إلى التشاور؛ لأن التشاور يُرجَع إليه متى؟ عند الإشكال والتردد، أما مع ظهور المصلحة فلا حاجة إلى أن يشاور، لماذا؟ لأن المشورة حينئذ لا تزيد الأمر إلا إشكالًا وفوضى، فالناس ليسوا على رأي واحد، إذا أردت أن يتمزق الأمر فضعه بين يدي عشرة، وإن أردت أن يذوب بالكلية فضعه بين يدي عشرين، لا بد من اختلاف الناس. إذن أَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ [الشورى: ٣٨] على عمومه أو يُستثنى منه؟ يستثنى منه، ما ظهرت مصلحته لولي الأمر فإنه لا حاجة إلى أن يشاور. ويدل لهذا الاستثناء عمل السلف الصالح، فها هو عمر رضي الله عنه، وهو من أشد الخلفاء اهتمامًا بالرعية، لا يشاور إذا كانت المصلحة ظاهرة له، وإنما يشاور إذا أشكل عليه الأمر، لو أحصيت ما شاور فيه ما بلغ إلا العشرات أو أقل، وقد بقي عشر سنوات في الخلافة. هذا العمل السلفي من الخلفاء الراشدين يقيد قوله تعالى: وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ [الشورى: ٣٨] إذن ما الذي يستثنى؟ طالب: (...). الشيخ: فلا حاجة للمشاورة؛ لأن المشاورة في هذه الحال ضرر في تنفيذ الأمر والمضي فيه. ومن فوائد الآية الكريمة: أن من صفات الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون بذل المال في طاعة الله؛ لقوله: وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ [الشورى: ٣٨]. وهل يطلب من الإنسان أن ينفق جميع ماله؟ هذا ينبني على (من) هل هي للتبعيض أو للجنس، إذا قلنا: للتبعيض صار المدح على من أنفق بعض ماله، وإذا قلنا: للجنس أي أنهم ينفقون من هذا الجنس الذي رزقهم الله صار عامًّا، والتفصيل هو التأصيل إن شاء الله، إذا كان الإنسان لا ينقص إنفاقه شيئًا من واجبات الإنفاق على الأهل فلا حرج أن ينفق جميع ماله، مثل أن يكون عند الإنسان مئة ريال لا يحتاجها للإنفاق على أهله، وليس عنده سواها، نقول هنا: أنفق جميع المال، ثم اكتسب للإنفاق على أهلك، كما فعل أبو بكر رضي الله عنه، أما إذا كان يحتاج المال للإنفاق الواجب على أهله وهو ضعيف الاكتساب فهنا نقول: لا تنفق جميع مالك، أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك. طالب: الشورى (...) قد تظهر له المصلحة في شيء وليس فيه مصلحة. الشيخ: هو مؤتمن، الأصل أنه مؤتمن، وإذا أراد أن يخون منع الشورى ولو احتاج لها. الطالب: شيخ طيب إذا ظهرت يا شيخ خيانته (...) هو ظهر له ذلك (...). الشيخ: ما علينا منه في ذمته هذه؛ لأننا لو قلنا: إن ولي الأمر يشاور في كل شيء مشكلة ولا يمكن تستقيم الحال، معناه لو يكتب للشرطة: احبسوا فلانًا لأنه أساء نقول: يللا اجمع الناس شاور. الطالب: فيه ناس معينون. الشيخ: ما يخالف، معينون بأشخاصهم ما هو بمعناه أن كل الناس يجابون، جاء بالشورى هل نقول: كل مسألة تتعلق بالعامة لا بد أن تشاور عليها؟ ما يمكن هذا، وكما قلت الآن، بينا لك أن عمر رضي الله عنه من أشد الخلفاء مشاورة ومع ذلك تكاد تحصي مشاوراته، لا بد من هذا وإلا ما يستقيم الأمر. طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، إنسان إذا أشكل عليه شيء هل يبدأ بالاستخارة أو بالاستشارة؟ الشيخ: سؤال جيد، يقول: إذا أشكل على الإنسان الشيء هل يبدأ بالاستخارة أو الاستشارة، نقول: يبدأ بالاستخارة؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إِذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالْأَمْرِ فَلْيُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ» هم: يعني أصابه الهم فيه وتردد وشك، وليس مراده أن كل أمر تهم به تصلي ركعتين، إذا هم أحدكم بالأمر، إذا هم الإنسان يروح يتغذى يصلي ركعتين يستخير؟ لا، إذن إذا هم أحدكم بالأمر يعني إذا أهمه الأمر ولم يتبين له شيء فليصل ركعتين، فنقول: ابدأ أولا بالاستخارة لوجهين: الأول: أنه ظاهر الحديث. الثاني: أن كونك ترجع إلى الله خير من كونك ترجع إلى آراء الناس، فإذن نبدأ بالاستخارة قبل الاستشارة.
تفسير الآية (٣٩)
٠٠:٣٣:٥١
ثم قال الله عز وجل: وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ [الشورى: ٣٩] الواو حرف عطف، والمعطوف هنا باعتبار الصفات، أي: من صفاتهم أنهم إذا بغى عليهم أحد انتصروا لأنفسهم، إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُأي: العدوان من أحد عليهم هُمْ يَنْتَصِرُونَينتصرون لمن؟ لأنفسهم، لا يظهرون بمظهر الضعيف الذليل، بل ينتصر لنفسه. والانتصار للنفس في مقام العز أمر مطلوب، أما في مقام التواضع فهذا شيء آخر يأتي إن شاء الله في المستقبل. يقول: (هُمْ يَنْتَصِرُونَصنف) المؤلف رحمه الله ذكر أن الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون صنفان، ولكن الصحيح أن هذا كله وصف لموصوف واحد، وليس هناك أصناف، وعليه فنقول: من صفات الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون أنهم ينتصرون لأنفسهم إذا ظلموا، (أي: ينتقمون ممن ظلمهم بمثل ظلمه) بدون عدوان. على أن قوله: هُمْ يَنْتَصِرُونَلا يستلزم أن يأخذوا لأنفسهم بحقها، بل إذا انتصروا فلهم أن يعفوا، وإذا عفوا مع القدرة كان ذلك أكمل. من فوائد هذه الآية الكريمة: أن من صفات الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون أنهم لا يرضون بالذل والانخناس عن الأخذ بحقهم؛ لقوله: الَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ [الشورى: ٣٩]. وهل من لازم الانتصار أن يقتص أو أن يكون له اليد العليا سواء بالقصاص أو بالعفو أو بغير هذا؟ الظاهر الثاني لأنه أعم؛ لأن من عفا عن قدرة وعزة فإنه لا شك منتصر، ومن أخذ بحقه فهو منتصر. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء لا ينتصرون لأنفسهم إلا إذا تحققوا البغي عليهم، وأما مجرد التهمة فلا يعتبرونها، يؤخذ من قوله: إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُفلو اتهموا أحدًا أنه ظلمهم فإنهم لا يتحركون، لكن إذا أصابهم البغي حينئذ ينتصرون. في هذه الآية من الفوائد: أنه يجب على من انتصر إذا أصابه البغي ألا يتجاوز الحد في الاستيفاء.
تفسير الآية (٤٠)
٠٠:٣٧:٠٧
ثم قال الله تبارك وتعالى: وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا(سُميت الثانية سيئة لمشابهتها للأولى في الصورة، وهذا ظاهر فيما يُقتَص فيه من الجراحات. قال بعضهم: وإذا قال له: أخزاك الله فيجيبه: أخزاك الله). قوله: وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَاهذه في الحقيقة قاعدة؛ أن للإنسان أن ينتقم لنفسه السيئة بمثلها لا يزيد؛ لأنه إن زاد فقد ظلم. والزيادة قد تكون في الكمية، وقد تكون في الكيفية، وقد تكون في النوعية، فإذا انتصر لنفسه فضرب من ظلمه ثلاثًا وقد ظلمه باثنتين من باب الكمية، وإذا ضرب من ضربه ضربًا خفيفًا فانتصر لنفسه بضرب ثقيل هذا بالكيفية، وإذا ضرب من اعتدى عليه بسوط ضعيف بسوط أكبر هذا النوعية، المهم أنه لا بد أن تكون المجازاة بمثل السيئة التي أسيء إليه فيها ولا تزيد، فإن زاد فهو ظالم، ولهذا يقال: هذه بهذه والبادي أظلم. وقول المؤلف رحمه الله تعالى: (سُميت الثانية سيئة لمشابهتها الأولى في الصورة) فيه نظر واضح، فالمقاصة سيئة، لكن ليست سيئة بالنسبة للفاعل، بل هي سيئة بالنسبة لمن اقتص منه، تسوءه وتؤلمه وترد اعتباره إذا كان يرى أنه فوق صاحبه، فهي سيئة لا باعتبار الفاعل ولكن باعتبار المقتص منه، وأما قوله: إنها مشابهة للأولى، فلا يمكن أن تُطلق سيئة لمطلق المشابهة أو لمجرد المشابهة وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا. هذا في الواقع هذه قاعدة في جميع الاقتصاص، فلننظر إذا شق ثوبك فهل تشق ثوبه؟ ظاهر الآية نعم، لكن إذا كان ثوبك رديئًا يساوي عشرة وثوبه جيد يساوي مئة تشق ثوبه أو لا تشق؟ إذا شققته فنقص عشر قيمته كم يكون؟ ينقص العشر، مثلًا هذا الثوب يساوي عشرة ريالات، شقه المعتدي بشق ينزل قيمته العشر، العشر كم من عشرة؟ واحد، ثوبه يساوي مئة فشققته بشق يساوي العشر كم ينقص؟ طلبة: عشرة. الشيخ: عشرة، الآن أخذت عشرة مقابل واحد، فهل نقول: العبرة بالمعنى، فإنه لما شق ثوبك أذلك وأنت إذا اقتصصت منه وشققت ثوبه أذللته، وهو البادي، فنشق ثوبه ولو كان أغلى، أو نقول: نشق ثوبه إن كان مماثلًا للأول أو مقاربًا له، وإلا فلا؟ نعم؛ لأن هذا الذي ثوبه بعشرة ينكسر اعتباره كالذي ثوبه بمئة، والمقصود إذلال المعتدي وكسر اعتباره. وعلى هذا فنقول: من شق ثوبك فشق ثوبه. وهل المعتبر المساحة أو المعتبر النسبة؟ هذا إنسان قصير.. أو ما فهمتم السؤال، هذا إنسان قصير، شق ثوبه بمقدار شبر، الشبر هذا يساوي العشر مثلًا من ثوبه، والآخر طويل جدًّا، شق ثوبه بمقدار شبر، هل يتساوى في النسبة مع ذاك؟ ما يتساوى. إذن نسأل الآن: هل المعتبر المساحة أو النسبة؟ العدل أن يكون المعتبر النسبة، فإذا شق نصف هذا الثوب القصير مساحته ذراع، والطويل شقه بمساحة ذراع، لكنه طويل طول الأول مرتين، هل يكفي أو لا يكفي؟ لا يكفي، نقول: شق إلى أن تبلغ النسبة إذا كان العشر فهذا العشر؛ لأن هذا هو العدل في الحقيقة، لأن المعتدي أفسد عشر ثوب المعتدى عليه، فلنفسد عشر ثوبه، مع أنه هو المعتدي. وهذا ينطبق تمامًا على قول الله تعالى: وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا. رجل قال لشخص مع المغاضبة قال: أنت حمار، هل يقول له: أنت الحمار؟ طالب: ما يقوله. الشيخ: لا، يقوله، كيف ما يقوله، لكن هل يقول: أنت حمار وأبوك حمار؟ الجواب: لا، هذا عدوان، لكن يقول: أنت حمار. إذا قال له: لعنك الله، هل يقول: بل لعنك أنت؟ معكم كتاب الله جَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَاله أن يقول هذا، ولذلك إذا لعن الإنسان شخصًا لم يكن أهلًا له، أين تذهب اللعنة؟ ترجع إلى الأول، فيعاقب بمثل ما فعل. اسمع كلام المؤلف: (وهذا ظاهر فيما يقتص فيه من الجراحات) واضح هذا: وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا [الشورى: ٤٠] الذي يقتص فيه من الجراحات كل عضو قائم بنفسه، وكل جرح ينتهي إلى عظم،هذا فيه القصاص، كل عضو قائم بنفسه مثل العين والأصبع وما أشبه ذلك هذا يقتص، رجل قطع خنصرك تقطع خنصره، واضح، أو جرح ينتهي إلى عظم، جرحه في رأسه حتى بان عظم رأسه يقتص منه أو لا، جرحه في ساقه حتى بان العظم يقتص حتى لو كانت طبقة اللحم التي على العظم في الجاني أغلظ، يقتص حتى يصل إلى العظم، إذا كان الجرح لا يصل إلى العظم مثل أن جرحه في فخذه جرحًا لم ينتهِ إلى العظم، هل يقتص منه؟ يقول الفقهاء: إنه لا يقتص منه؛ وذلك لعدم انضباط القصاص، ما ينضبط إلا إذا وصل للعظم، لكن نظرًا لتقدم الطب نقول: إذا أمكن أن يقتص منه اقتص منه. إذا قطع يده من نصف الذراع يقتص منه أو لا؟ الفقهاء يقولون: ما يقتص منه؛ لعدم الانضباط، لكن إذا كان من المفصل كما لو قطع كفه من مفصلها يقتص منه. والصحيح في الصورة الأولى إذا قطع يده من نصف الذراع أنه إذا أمكن القصاص فإنه يقتص منه، وفي عصرنا الآن يمكن أو لا؟ يمكن على الشعرة أو أدنى من الشعرة، فإذا كان لا يمكن وقال المجني عليه: اقطعوا يده وأنا أعفو عما قطع من الذراع، المجني عليه قال: اقطعوا كف الجاني والزائد أعفو عنه، هل يقتص منه أو لا؟ الصحيح أنه يقتص منه، فتقطع كف الجاني، وإذا أسقط الزائد -أعني المجني عليه- سقط. فإن قال المجني عليه: أنا أريد أن تقصوا كفه وآخذ أرش الزائد، له ذلك؛ لأن الله يقول: وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ [المائدة: ٤٥] وهنا يقول: وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا [الشورى: ٤٠]؛ وهذا ظاهر فيما يقتص فيه من الجراحات، ما هو الذي يقتص فيه من الجراحات، وهو كل عضو مستقل أو جرح ينتهي إلى عظم، والباقي فيه خلاف. قال بعضهم، يعني بعض العلماء: وإذا قال له: أخزاك الله فيجيبه: أخزاك الله؛ لقوله: وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا [الشورى: ٤٠]. إذا قال: لعن الله أباك، ماذا تقول؟ تقول له: لعن الله أباك؟ لا، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَعَنَ اللهُ مَنْ لَعَنَ وَالِدَيْهِ». قالوا: يا رسول الله، وهل يلعن الرجل والديه؟ قال: «نَعَمْ، يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أَبَاهُ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ فَيَسُبُّ أُمَّهُ» هذا يدل على أيش؟
طلبة: عدم الجواز. الشيخ: عدم الجواز، كيف عدم الجواز؟ نقول: إن قول الرسول صلى الله عليه وسلم هذا لبيان الواقع، لا لبيان الحكم الشرعي، يعني أنه جرت العادة في المسابة بين الناس أن الرجل إذا سب أبا الرجل سب أباه، وهذا شيء تعرفونه، وإن لم تعرفوه فاعرفوه، انزل الأسواق انظر المسابة بين الناس، إذا سب أباه سب أباه واضح ولَّا غير واضح؟ فيكون قول الرسول هذا بيانًا للواقع، وبيان الواقع لا يعطي الجواز شرعًا، والدليل على أن بيان الواقع لا يعطي الجواز قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ» اليهود والنصارى ، هل لنا أن نتبع اليهود والنصارى؟ لا، ولكن هذا لبيان الواقع. كذلك أيضًا أخبر أن المرأة تسافر من كذا إلى كذا وحدها؛ لبيان الواقع، ليس لبيان الحكم الشرعي. إذا قال قائل: ما هو الذي حملك على أن تجعل قوله: «يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أَبَاهُ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ فَيَسُبُّ أُمَّهُ» أن هذا لبيان الواقع، لا لبيان الحكم الشرعي؟ أقول: الذي حملني على هذا أنه لا يجوز العدوان على أحد لم يقع منه عدوان، هذا ظلم، كيف أسب أباه؟ هذا ظلم لا شك، والظلم لا يأذن به الشرع، لكن لو قال قائل: إنه إذا لعن والديه فلا تطيب نفس الذي لعن والداه إلا إذا لعن والدي الأخ؛ لأن لعن الوالدين إذلال للولد، وهو يريد أن يطيب نفسه، نقول: الحمد لله، هذا ليس هناك ضرورة إذا لعن والديك، العنه هو، وهذا أشد في الإذلال. فالحاصل أنه إذا دعا على أبيك وأمك لا تدع على أبيه وأمه؛ لأنه لا ذنب لهما، والحديث عرفتم الجواب عنه أنه بيان للواقع، لا للحكم الشرعي، ولكن لك أن تحول السب واللعن إلى نفس الفاعل لا إلى والديه. (...) يسأل يقول: هل القاتل يقتل بمثل ما قتل به أو يقتل بالسيف؟ الجواب: يقتل بمثل ما قتل به؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم رَضَّ رأس اليهودي بين حجرين لأنه رض رأس الجارية بين حجرين ، وقال عز وجل: فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ [البقرة: ١٩٤] لكن استثنى العلماء ما لم تكن الوسيلة محرمة لذاتها فلا يقتص منه، قالوا: فلو تلوط بطفل صغير وهو يعرف أن هذا الفعل بيقتله، ثم مات الطفل من أجل هذا، فهل نقيم رجلًا يتلوط بهذا؟ لا، ما نفعل، قال بعض العلماء: ما نفعل، هذا معلوم؛ لأن اللواط محرم لذاته، لكن ندخل خشبة في دبره حتى يموت، هذا له وجهة نظر، لكن عندي أن فيه نظرًا؛ وذلك لأن الخشبة أشد ألمًا من اللواط، فلا يمكن القصاص. قال الله تبارك وتعالى: وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا [الشورى: ٤٠] على أي شيء حمل المؤلف السيئة الثانية؟ على مشابهة الأولى في اللفظ، نعم عن طريق المشاكلة، طيب هل كلامه صحيح أو لا؟ طالب: ليس بصحيح الشيخ: غير صحيح، كيف ذلك؟ الطالب: الصحيح أن المشابهة في المال؛ لأن سيسوءه المقتص منه، المقتص منه إذا اقتص منه يسوءه. الشيخ: إذن هي سيئة بالنسبة لمن؟ للمقتص منه، وإبقاء اللفظ على ظاهره خير من تحريفه بدون دليل. قال الله تعالى: فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ [الشورى: ٤٠] (من) هذه شرطية، فعل الشرط (عفا)، والمعطوف عليه جملة فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِهي جواب الشرط، يقول الله عز وجل: فَمَنْ عَفَاأي: لم يؤاخذ بالذنب يعني عمن ظلمه، وَأَصْلَحَيقول: (الود بينه وبين المعفو عنه فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِأي أن الله تعالى يأجره لا محالة). قوله: فَمَنْ عَفَاقال المؤلف: (عن ظالمه)، وهذا واضح، والعفو عنه يعني عدم مؤاخذته. وَأَصْلَحَيقول: (الود بينه وبين ظالمه) وهذا تفسير قاصر جدًّا، بل المراد أصلح في عفوه، أي: صار عفوه مشتمِلًا على الإصلاح. وإنما قلنا ذلك لأن ما ذكرناه أعم وأنفع بالنسبة للمعنى. إذن أَصْلَحَالمؤلف يراها قاصرة على إصلاح الود بينه وبين من ظلمه، والصواب أن المراد أصلح في عفوه، أي: كان عفوه إصلاحًا. فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِيقول المؤلف: (أي أن الله يأجره لا محالة)، أجر بمعنى ثواب، وسمى الله سبحانه الثواب أجرًا لأنه في مقابل عمل؛ كأجرة الأجير إذا قام بعمله،. وفيه أيضًا إيماء إلى أن هذا الثواب واجب كما يجب إعطاء الأجير أجره. وقول المؤلف: أي فإن الله يأجره لا محالة أخذ هذا المعنى -أعني قوله: (لا محالة)- من كون الجملة اسمية؛ لأن الجملة الاسمية تفيد الثبوت والاستمرار. من فوائد هذه الآية الكريمة: وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍأنه يجب أن تكون المقاصة على وجه العدل، فيكون جزاء السيئة سيئة مثلها، فلا يجوز أن يعتدي في القصاص لا القولي ولا الفعلي، ولننظر لو أن رجلًا سبك بوصفين وسببته بثلاثة أوصاف، ما تقول؟ يجوز أو لا يجوز؟ لأن الله قال خاص: وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا [الشورى: ٤٠]. لو أن رجلًا قطع يد إنسان وطلب القصاص فقال الجاني: أنا أريد أن أضع بنجًا في يدي حتى لا أحس بالألم، وقال المجني عليه: لا، من القول قوله؟ قول المجني عليه؛ لأن الجاني أتى بمفسدتين؛ الإيلام وفقد العضو، فلا تتم المقاصة إلا إذا حصل هذان الأمران بالنسبة للجاني. ولو أن سارقًا حكم عليه بقطع اليد، وطلب أن تبنج يده، أيجوز هذا أم لا؟ يجوز؛ لأن المقصود بالنسبة للسارق المقصود إعدام اليد المتعدية، وهو حاصل، وليس هناك قصاص حتى نقول: لا بد أن يكون المثل بالمثل. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تأكيد المقاصة بالعدل؛ لقوله: وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا [الشورى: ٤٠]، فأكد ذلك بقوله: مِثْلُهَا، لو أراد المجني عليه أن يأخذ بعض حقه يجوز أو لا يجوز؟ الآية تقول: مِثْلُهَا. طالب: فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ. الشيخ: ما وصلنا عفا وأصلح، يعني معناه إذا أردنا العدل فهذا هو، وإذا عفا الإنسان عن حقه الخاص به فلا بأس، كما أنه لو عفا مطلقًا فلا حرج عليه. ومن فوائد قوله تعالى: فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَإلى آخره، الحث على العفو إذا كان إصلاحًا، فإن لم يكن إصلاحًا فالأخذ بالحزم أولى، دليل هذا أن الله قال: فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ. يتفرع على هذا مسألة مهمة: لو أن الجاني معروف بالشر والفساد فاعتدى على شخص، هل نقول: الأفضل أن يعفو عنه؟ الجواب: لا، لا نقول، بل نشترط أن يكون ذلك إصلاحًا، هذا الرجل الشرير المعروف بالشر إذا جنى على شخص، هل نقول للشخص المجني عليه: اعف عنه فأجرك على الله؟ لا، لا نقول هذا؛ لأننا لو عفونا عن هذا الرجل الشرير في هذه القضية المعينة فعل مثلها أو أشد بعد ذلك؛ لأنه أخذ على العفو، فكان يؤمل أن يُعفَى عنه في كل فعل، إذا كان الجاني شريرًا معروفًا بالفساد فجنى على شخص، فهل نقول: الأفضل أن تعفو عنه أو أن تأخذ بحقك؟ ذكرنا أن الأفضل في هذه الحال أن تأخذ بحقك؛ لأن هذا الرجل الشرير المجبول على الشر إذا عفوت عنه الآن ذهب يفعل ما هو أشد في اليوم الثاني، يجب أن نعلم أن قوله تبارك وتعالى: وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى [البقرة: ٢٣٧] هذه الآية المطلقة تقيَّد بهذه الآية، بل كل نص فيه الحث على العفو فإنه مقيد بهذه الآية. إذن لا بد أن يكون العفو إصلاحًا. انتبهوا لهذا. لو أن أحدًا صدم شخصًا وهو يقود السيارة، وصدم شخصًا فمات، فهل الأفضل لأولياء المقتول أن يعفوا عن الدية أو أن يأخذوا بالدية؟ فيه تفصيل، وهو إن كان هذا الرجل معروفًا بالتهور وعدم المبالاة، وكما يقول بعض السفهاء: الدية في الطابلون، فهذا لا ينبغي أن يُعفَى عنه، وأما إذا كان رجلًا ذا مروءة، ونعلم أن هذا أمر حصل منه كما يقول العوام: فوات حرص، فإن الأفضل أن يُعفَى عنه، وهذه الآية هي ميزان العفو المحمود وغير المحمود. من فوائد هذه الآية الكريمة: تفضل الله تبارك وتعالى على عباده، حيث أوجب على نفسه أجر العافي، من أين يؤخذ؟ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ. ضمن الله عز وجل لهذا العافي الأجر، لكن بشرط أن يكون ذلك إصلاحًا. قال: (إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ [الشورى: ٤٠] أي: البادئين بالظلم، فيترتب عليهم عقابه) قوله: إِنَّهُ لَا يُحِبُّالضمير يعود على الله عز وجل، لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَأي المعتدين، سواء ظلموا أنفسهم أو ظلموا غيرهم، فصاحب المعاصي غير محبوب إلى الله عز وجل، والمعتدي على عباد الله غير محبوب لله عز وجل. وقول المؤلف رحمه الله: (أي: البادئين بالظلم) فيه نظر، الآية عامة تشمل الظالمين ابتداء والظالمين في الثاني، بمعنى أن المبتدئ بالظلم غير محبوب إلى الله، وكذلك من تجاوز في حقه فإنه غير محبوب عند الله، فإبقاء الآية على إطلاقها أولى، أي: لا يحب الظالمين ابتداءً ولا اقتصاصًا. طالب: ذكر قوله: وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَاذكر بعض أهل العلم أنه يجوز أن يأخذ من خانه من المال أن يأخذ مثله بدون علمه، واستدل بحديث النبي عليه الصلاة والسلام؛ قول النبي عليه الصلاة والسلام لهند زوجة أبي سفيان أن تأخذ من ماله ما يكفيها ويكفي أبناءها. الشيخ: السؤال يقول: إن بعض العلماء أخذ من قوله تعالى: وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَاأن الإنسان لو جحد لك مالًا فلك أن تأخذ من ماله بمقدار ما جحد بدون علمه؟ ونقول: نعم هذا ظاهر الآية أنه إذا أخذ من مالك وقدرت على استرداده من ماله فلك هذا، ولكن قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أَدِّ الْأَمَانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ، وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ» ، ولو فتح هذا الباب لكانت الأمور فوضى، كل واحد يأخذ من مال الثاني، ويقول: قد جحد لي مالي، فلا يستقيم هذا، عمليًّا لا يستقيم، وأما قضية هند فإن السبب فيها ظاهر، كل الناس يعرفون أن هذه زوجته، وأنه يجب عليه أن ينفق، فإذا أخذت من ماله بغير علمه وقالت: إنه لا ينفق علي، لم يقل الناس شيئًا؛ لأن السبب ظاهر، ومثلها لو نزل الضيف على أحد ولم يقدم له الضيافة، وقدر على أن يأخذ شيئًا من ماله بقدر ضيافته فله ذلك؛ لأن السبب ظاهر، وبهذا يتم الجمع بين الأدلة.
تفسير الآية (٤١)
٠١:٠٦:١٠
ثم قال الله تعالى: وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ [الشورى: ٤١] اللام في قوله: وَلَمَنِاللام للابتداء، و(من) اسم شرط جازم، وفعل الشرط (انتصر)، وجوابه: فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ؛ وَلَمَنِ انْتَصَرَ(يعني أخذ بحق نفسه بَعْدَ ظُلْمِهِأي ظلم الظالم إياه)، هنا نسأل: (ظلم) هنا مصدر، هل هو مضاف إلى الفاعل أو إلى المفعول به؟ كلام المؤلف يدل على أنه مضاف إلى المفعول به، أي: ظلم الظالم إياه، وعلى هذا فالمصدر مضاف إلى مفعوله، لا إلى فاعله. ولا يصح أن يكون مضافًا إلى فاعله؛ لأنه لو كان كذلك لكان المعنى: ولمن انتصر بعد أن يظلم الناس فأولئك ما عليهم من سبيل. والظالم غير معتَدًى عليه حتى ينتصر لنفسه، إذن فالمصدر مضاف إلى المفعول، لَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ. وقد سبق أن الله تعالى مدح الذين إذا أصابهم البغي انتصروا لأنفسهم فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍقال: (مؤاخذة). وأصل السبيل: الطريق، أي: ليس عليهم طريق للوم والمؤاخذة. ونريد واحدًا منكم يعرب قوله: مِنْ سَبِيلٍمن: حرف جر زائد إعرابًا، وسبيل: مبتدأ مؤخر مرفوع بضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والمعنى: فأولئك ما عليهم سبيل. إذا قال قائل: ما هي فائدة حروف الجر الزائدة؟ فالجواب أن فائدتها التأكيد، يعني تأكيد النفي. في هذه الآية الكريمة: إثبات محبة الله سبحانه وتعالى لذوي العدل والقسط. منين تؤخذ؟ طالب: قوله سبحانه وتعالى: إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ [الشورى: ٤٠]. الشيخ: مفهومها أن غير الظالم؟ الطالب: يحبه. الشيخ: أحسنت، بارك الله فيك. ومن فوائدها: ثبوت صفة المحبة لله عز وجل، وهذه المسألة بحث عقدي، وجه الدلالة أنه لما نفى محبته للظالمين دل ذلك على أنه يجب العادلين ذوي القسط. وهذا الاستدلال يشابه استدلال الشافعي رحمه الله على أن المؤمنين يرون الله بقوله تعالى في الفجار: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [المطففين: ١٥] فقال: لو كان محتجَبًا عن الجميع فلا فائدة للنفي. ومن فوائد الآية الكريمة: التحذير من الظلم. وجهه: أن في الظلم انتفاء محبة الله للعبد، وما أعظم الخسارة فيمن خسر محبة الله له. اللهم إنا نسألك حبك وحب من يحبك، وحب العمل الذي يقربنا إلى حبك. ومن فوائد الآية: أن من انتصر لنفسه بعد أن يظلم فلا اعتراض عليه؛ لقوله: وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ. ومن فوائدها: أن انتفاء السبيل عمن انتصر لنفسه مشروط بتحقق الظلم؛ لقوله: وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ، وأما الأخذ بالتهم فإنه لا يجوز، لا بد أن تتحقق أنك مظلوم حتى تنتصر لنفسك.
تفسير الآية (٤٢)
٠١:١١:٠٦
ثم قال الله تعالى: إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَقال المفسر: (يعملون فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّبالمعاصي أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌمؤلم). إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَهذه الجملة فيها أداة حصر وهي (إنما)، والحصر إثبات الحكم في المذكور ونفيه عما سواه، فكأنه قال: لا سبيل إلا على هؤلاء إِنَّمَا السَّبِيلُيعني الطريق إلى اللوم والقدح والمؤاخذة عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ، سواء بأموالهم أو دمائهم أو أعراضهم، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أعلن في حجة الوداع فقال: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ» ، فظلم الناس يدور على هذه الأشياء الثلاثة: الدماء والأموال والأعراض، فمن اغتاب أحدًا فقد ظلمه، ومن أخذ ماله فقد ظلمه، ومن خانه في معاملة بينه وبينه فقد ظلمه، وهذه لا حصر لأمثلتها. المهم أن الذين يظلمون الناس عليهم اللوم، وقوله: يَبْغُونَفسرها المؤلف بقوله: (يعملون)، وكأنه تحاشى أن يجمع بين البغي وبين قوله: بِغَيْرِ الْحَقِّفقال: (يعملون) من أجل أن يكون الفعل (يبغون) له معنى مستقل، وبغير الحق له معنى مستقل. والصواب إبقاء الآية على ظاهرها، ومعنى يبغون أي: يعتدون، من بغى على غيره، أي: اعتدى عليه، قال الله تعالى: وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ [النحل: ٩٠]؛ فقوله: يَبْغُونَمعناها يعتدون على غيرهم ويتجاوزون حدهم في معاملتهم، ويكون قوله: بِغَيْرِ الْحَقِّصفة كاشفة تبين أن كل بغي فهو بغير حق، فإبقاء النص القرآني على ظاهره هو الواجب، لا سيما أن هذا التفسير يجعله قاصرًا. إذن يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ [الشورى: ٤٢] أي: يعتدون فيها ويتجاوزون الحد بِغَيْرِ الْحَقِّ [الشورى: ٤٢] بيان للواقع، فهو صفة كاشفة؛ إذ إن كل بغي فإنه بغير حق، وقوله: بِغَيْرِ الْحَقِّفسرها بأنها المعاصي، ونعم المعاصي كلها بغير حق، لكن لا تفهم من هذا أن ذلك خاص بحق الله، بل هو عام في حق الله وغيره، فالبغي في حق الله محرم، وكذلك البغي في حق الآدمي. أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [الشورى: ٤٢] أولئك المشار إليه الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌأي: مؤلم، والإيلام بمعنى الإيجاع، أي أنه موجع. في هذه الآية الكريمة: إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ: فيها من الفوائد: أن من ظلم الناس فإنه مؤاخذ، وجهه أنه حصر المؤاخذة بمن ظلم الناس وبغى في الأرض بغير الحق. ومن فوائد الآية الكريمة: أن البغي ظلم لا حق فيه؛ لقوله: وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ [الشورى: ٤٢]. ومن فوائد الآية الكريمة: تهديد أولئك الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق بالعذاب الأليم؛ لقوله: أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [الشورى: ٤٢]. ومن فوائد الآية الكريمة: أن عذاب هؤلاء عظيم؛ لأنه أتى به بالجملة الاسمية على هذه الصيغة المعينة: أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [الشورى: ٤٢].
تفسير الآية (٤٣)
٠١:١٦:١٣
ثم قال: (وَلَمَنْ صَبَرَفلم ينتصر وَغَفَرَتجاوز) يعني عن الجاني (إِنَّ ذَلِكَالصبر والتجاوز لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [الشورى: ٤٣] أي: معزوماتها، بمعنى المطلوبات شرعًا)، لَمَنْ صَبَرَاللام هذه لام الابتداء، وتفيد التوكيد، و(من) اسم شرط جازم، وفعل الشرط صَبَرَ، وجواب الشرط: إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ، انتبهوا لهذا الإعراب: (من) شرطية، فعل الشرط (صبر) وما عطف عليه، جواب الشرط: إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ، وهنا إشكال، وهو أنه إذا كان جواب الشرط جملة اسمية وجب اقتران الجواب بالفاء؛ كالآية التي قبلها: وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ [الشورى: ٤١]، وهنا حُذفت الفاء، الإشكال هنا كيف حذفت الفاء في جواب الشرط وهو جملة اسمية؟ الجواب: أن الفاء قد تُحذَف وإن كانت الجملة -أي جملة جواب الشرط- اسمية، وأنشدوا على هذا قول الشاعر:
مَنْ يَفْعَلِ الْحَسَنَاتِ اللهُ يَشْكُرُهَا
..........................
(من يفعل الحسنات) هذه شرطية، فعل الشرط (يفعل)، جواب الشرط (الله يشكرها)، وليس فيها فاء، فقالوا: إنه يجوز أحيانًا حذف الفاء، واستدلوا بالآية، واستدلوا بالبيت. قال بعضهم في إعراب الآية: حذف الفاء يدل على أن (من) ليست شرطية، وإنما هي اسم موصول، وعليه يكون المعنى: وللذي صبر وغفر إن ذلك من عزم الأمور. والحقيقة أن الإعراب الأول والثاني جائز، لكن كوننا نجعل من اسم شرط كالآية التي قبلها أولى من حيث تلاؤم السياق بعضه مع بعض، ويكون الإشكال في حذف الفاء في الجواب، وجوابها أنها قد تحذف أحيانًا. قوله عز وجل: وَلَمَنْ صَبَرَأي: صبر على ظلم الظالم إياه، وإن شئت فقل: إنها عامة تشمل كل من صبر على أذية من مرض أو سفر أو ما أشبه ذلك، ولكن العموم قد يمنع القول به قوله: وَغَفَرَ؛ فإن ظاهر هذا السياق أن المراد صبر عن مؤاخذة الظالم، وَغَفَرَأي: ستر ما حصل عليه من ظلم إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ(أي: معزوماتها)، يعني لدليل على أن الرجل من ذوي العزم؛ لأنه تحمل وستر، تحمل فصبر وعفا فغفر {إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ}. ومن فوائد الآية الكريمة: الحث على الصبر والمغفرة؛ لقوله: وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [الشورى: ٤٣]، ولكن يجب أن تلاحظوا الآية السابقة؛ أن يكون في ذلك إصلاح. ومن فوائد الآية الكريمة: أن الأمور تختلف في العزمات وما دونها؛ لقوله: إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ، ولا شك أنها تختلف، أن بعضها يكون المقدِم عليه ذا عزيمة صادقة ومروءة تامة، وبعضها دون هذا. طالب: (...) لما ظلم فدعا على ظالمه فهل لا يجوز له أن يدعو عليه بأكثر من مظلمته؟ الشيخ: هذا هو الواجب، لكن قد يظن الظان أن هذه المظلمة لا يسوغ أن يتجاوز فيها، وهي مظلمة عظيمة، كدعاء سعد رضي الله عنه على من ظلمه وقال: إنه يظلم الرعية ولا يقسم بالسوية ويؤخر الصلاة عن وقتها، فدعا عليه بدعوة عظيمة: اللهم أعم بصره، وأطل عمره، وعرضه للفتن ، فهذه قد يقول القائل: إن هذه أكبر من ظلمه، ولكنها في الحقيقة ليست أكبر؛ لأن ظلمه له يتضمن القدح في ولي الأمر، حيث ولى على الناس مثل هذا. طالب: أحسن الله إليك، ظلم الظالم يختلف باختلاف الناس، قد يظلم الإنسان إنسانًا بشيء، وإذا أراد أن يأخذ من هذا الإنسان قدر ما أخذ منه لا يتأذى منه كما تأذى هو، مثل أن يأخذ من فقير مالًا قليلًا، فهذا الغني لا يتأثر بهذا المال إذا أخذت منه، أو أن يضرب إنسانًا قوي البنية بضربة لواحد ضعيف، الضعيف يتأثر بضربة قليلة فيطيح، أما القوي إذا ضربه ذلك الضربة ما طاح شيخ، هل يكون يأتي بواحد قوي البنية مثله يضربه؟
الشيخ: لا، ما هو شرط، إذا ضرب مثلما ضرب يكفي. الطالب: ما يتأثر. الشيخ: أولًا، بارك الله فيك، تعلم أن الضربة أكثر العلماء يقولون: ما فيها قصاص إلا أن يموت، ونعلم أن مثل هذه الضربة تقتل غالبًا، فيقتص منه، لكن لنقل غير هذه المسألة، المثال الأول الذي ذكرت فقير أخذ منه غني عشرة ريالات صار فقيرًا معدمًا، هذا الذي أخذ عشرة ريالات عنده ملايين، إذا أخذنا منه عشرة ريالات ما ضره شيء، فنقول: العدل أن يعطى هذا مثلما أخذ منه فقط. (...)
يقول: إن رجلًا شريرًا اعتدى على آخر، فعفا عنه الآخر، فهل له أجر؟ ننظر؛ إذا كان هذا لم يعلم أن الرجل شرير وعفا يريد الإصلاح فله أجر، أما إذا كان يعلم ولكن يقول: أعفو عنه ولا أبالي سواء سعى في الأرض فسادًا أم لا، فإنه يأثم. طالب: أحسن الله إليك، أحيانًا يموت الظالم ويكون ذا سلطان، فهل يجوز الدعاء، الإنسان يدعو عليه؟ الشيخ: يعني بعد موته، لا بأس، له أن يدعو عليه ولو بعد موته، مع أن المظلوم لو فُرض أنه لم يدعُ فإن حقه سوف يأتيه يوم القيامة، وهو إذا استوفى بالدعاء عليه ما أخذ من حسناته يوم القيامة. نسأل الله تعالى أن يجمعنا وإياكم برحمته، وأن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى.