تجاوز إلى المحتوى

تفسير سورة الشرح

درس صوتي · ٣٤:١٠

جارٍ تجهيز الصوت

انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها

إعدادات

اختصارات لوحة المفاتيح

Space أو K تشغيل وإيقاف ←→ خمس ثوانٍ JL خمس عشرة ثانية HomeEnd بداية ونهاية الدرس

محتوى الدرس

تفسير الآية (٤)

٠٠:٠٠:٠٤

كُنَّا نقدِّم في هذا اللقاء تفسيرًا لكتاب الله العزيز الذي لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [فصلت: ٤٢]، والذي يجب على كل مسلمٍ أن يتعلم من معانيه ما يحتاج إليه في أمور دينه ودنياه؛ لأن الله إنما نزَّل القرآن للتلاوة والتدبُّر والاتعاظ؛ يعني: ليس المقصود من إنزال القرآن أن نتعبَّد لله بتلاوته فحسْب، بل أنْ نتعبَّد بتلاوته ومعرفة معانيه والعمل به، والدليل لذلك قول الله تبارك وتعالى: كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ [ص: ٢٩]، ولم يقُل: ليتلوه تلاوةً لفظية، قال: لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ [ص: ٢٩] يتدبَّرونها: يتفهَّمون معناها، ويتذكَّرون بها: يعملون بها. وقد وصلْنا في هذا التفسير المبتدأ من سورة النبأ إلى سورة الانشراح؛ انتهينا إلى قوله تعالى: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ [الشرح: ١ - ٤]، فرفْع ذِكْر الرسول عليه الصلاة والسلام لا أحد يشكُّ فيه؛ لأنه يُرفع ذِكْره عند كلِّ صلاة في أعلى مكان، وذلك في أيش؟ في الأذان: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله. ثانيًا: يُرفع ذِكْره في كلِّ صلاة فرضًا في التشهد؛ فإنَّ التشهد مفروضٌ، وفيه: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ثالثا: يُرفع ذِكْره عند كلِّ عبادة، كلُّ عبادة مرفوعٌ فيها ذِكْر الرسول عليه الصلاة والسلام، كيف ذلك؟ لأن كل عبادة لا بدَّ فيها من شرطين أساسيَّين هما: الإخلاص لله، والمتابعة للرسول عليه الصلاة والسلام. ومن المعلوم أن المتابعَ للرسول سوف يستحضر عند العبادة أنه متَّبعٌ فيها رسولَ الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فهذا من رفْع ذِكْره.

تفسير الآيتين (٥-٦)

٠٠:٠٢:٥٨

{فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} [الشرح: ٥، ٦] هذا بشارةٌ من الله عز وجل للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولسائر الأُمَّة، ونسأل: هل جرى على الرسول عليه الصلاة والسلام عُسْر؟ وين هو فيه؟ طالب: (...). الشيخ: إي نعم، حين كان بمكة، يُضَيَّق عليه في مكة، وفي الطائف، وكذلك أيضًا في المدينة من المنافقين.

فالله يقول: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًايعني: كما شرحْنا لك صدرَك، ووضعنا عنك وِزْرك، ورفعنا لك ذِكْرك، وهذه نِعَمٌ عظيمة، كذلك هذا العُسْر الذي يصيبك لا بدَّ أن يكون له يُسْر. فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًاقال ابن عباس عند هذه الآية: لن يغلب عُسْرٌ يُسْرينِ . فكيف توجيه كلامه رضي الله عنه مع أن العُسر ذُكِر مرَّتين واليُسر ذُكِر مرَّتين؟

قال أهل البلاغة: توجيه كلامه أنَّ العُسر لم يُذكر إلا مرَّةً واحدةً؛ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًاالعُسْر الأول أُعِيد في الثانية بـ(أل)، فـ(أل) هنا للعهد الذِّكري، وأمَّا (يُسر) فإنه لم يأتِ معرَّفًا، بل جاء منكَّرًا، والقاعدة أنه إذا كُرِّر الاسم مرَّتين بصيغة التنكير أنَّ الثاني غير الأول إلا ما نَدَر، والعكس: إذا كُرِّر الاسم مرَّتين وهو معرَّف فالثاني هو الأول إلا ما ندر. انتبهوا لهذه القاعدة، القاعدة الآن: إذا كُرِّر الاسم مرَّتين بصيغة التعريف فالثاني هو الأول إلا ما نَدَر، وإذا كُرِّر الاسم مرَّتين بصيغة التنكير فالثاني غير الأول؛ لأن الثاني نكرةٌ فهو غير الأول. إذَنْ في الآيتين الكريمتين يُسران وفيهما عُسْر واحد؛ لأن العُسر كُرِّر مرَّتين بصيغة التعريف. فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًاهذا الكلام خبرٌ مِمَّن؟ من الله عز وجل، وخبره أكمل الأخبار صدقًا، ووعدُه لا يُخلَف، فكلَّما تعسَّر عليك الأمر يا أخي فانتظر التيسير. أمَّا في الأمور الشرعية فظاهر؛ «صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ» . هذا تيسير، إذا شقَّ عليك القيام اجلسْ، إنْ شقَّ عليك الجلوس صَلِّ وأنت على جنْب. في الصيام؛ إنْ قدرتَ وأنت في الحضر فصُمْ، وإنْ لم تقدر فأفطِر، إذا كنتَ مسافرًا فأفطِر. في الحج؛ إذا استطعتَ إليه سبيلًا فحُجَّ، وإنْ لم تستطع فلا حجَّ عليك، بل إذا شرعتَ في الحجِّ وحصل لك ظرفٌ لا تتمكَّن معه من إكمال الحج فتحلَّل، افسخ الحجَّ وأَهْدِ؛ لقول الله تعالى: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ [البقرة: ١٩٦]. إذَنْ كل عُسرٍ يحدث للإنسان في العبادة يجد التسهيل واليُسر. كذلك في القضاء والقدر؛ يعني: تقدير الله على الإنسان من مصائب وضيق عيشٍ وضيق صدرٍ وغيره، لا ييئس؛ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا، التيسير قد يكون أمرًا ظاهرًا حسِّيًّا؛ مثل أنْ يكون الإنسان فقيرًا فتضيق عليه الأمور فيُيَسِّر الله له الغنى، هذا تيسير حسِّي. أليس كذلك؟

إنسانٌ مريضٌ، يتعب، يشقُّ عليه المرض فيشفيه الله عز وجل، هذا أيضًا تيسير حسِّي. هناك تيسيرٌ معنويٌّ، وهو معونة الله الإنسانَ على الصبر، هذا تيسير، إذا أعانك الله على الصبر تيسَّر لك العسير، صار هذا الأمر العسير الذي لو نزل على الجبال لدكَّها، صار بما أعانك الله عليه من الصبر صار أمرًا يسيرًا، يعني لا تظنَّ أنَّ اليُسر معناه أنه ينفرج شيءٌ مرَّةً، لا، اليُسر أنْ ينفرج الكرب ويزول، وهذا يُسْرٌ حِسِّي، وأنْ يُعين اللَّهُ الإنسانَ على الصبر حتى يكون هذا الأمر الشديد العسير أمرًا سهلًا عليه، نقول هذا لأنَّنا واثقون بوعد الله: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا.

تفسير الآية (٧)

٠٠:٠٨:٤٠

{فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ} [الشرح: ٧، ٨] المعنى أن -هذه الآية- إذا فرغتَ من أعمالك فانصبْ لعملٍ آخَر؛ يعني: اتعبْ لعملٍ آخَر، لا تجعل الدنيا تضيع عليك، ولهذا كانت حياة الإنسان العاقل حياةَ جدٍّ، كلَّما فرغ من عملٍ شرع في عملٍ آخَر، ما فيه ضياع وقت، الزمن لا يرحم كما يقولون، الزمن يمشي، يفوت على الإنسان في حال يقظته ومنامه وشُغله وفراغه، يسير، هل يمكن لأحد أن يمسك الزمن؟ لا، لا يمكن، لو اجتمع الخلْق كلهم يوقِفون الشمسَ حتى يطول النهار ما تمكَّنوا، الزمن لا يمكن أحدًا أن يمسكه. إذَن اجعل حياتك جدًّا، إذا فرغتَ من عمل فانصبْ في عملٍ آخَر، إذا فرغتَ من عمل الدنيا عليك بعمل الآخرة، فرغتَ من أمر الآخرة اشتغلْ في أمر الدنيا، فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُفي يوم الجمعة، صلاة الجمعة يكتنفها عملانِ دنيويَّانِ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِيعني: وأنتم مشتغلون في دنياكم فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩) فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ [الجمعة: ٩، ١٠] اسعَوْا، بيعوا واشتروا، فرغْنا من شغلٍ اشتغلْنا في آخَر، فرغْنا منه اشتغلنا في آخَر، وهكذا ينبغي أن يكون الإنسان دائمًا في جِدٍّ. فإذا قال قائل: لو أنني استعملتُ الجِدَّ في كلِّ حياتي لتعِبتُ ومللتُ. قلنا: إنَّ استراحتك لتنشيط نفسك وإعادة النشاط يُعتبر أيش؟ يُعتبر شغلًا وعملًا؛ يعني مو لازم الشغل بالحركات، لا، فراغُك من أجْل أن تنشط للعمل الآخَر يُعتبر عملًا، المهمُّ أن تجعل حياتَك كلَّها جِدًّا، عملًا.

تفسير الآية (٨)

٠٠:١١:١٠

{إِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ} أي: إذا عملتَ الأعمالَ التي فرغْتَ منها ونصبتَ في الأخرى فارغبْ إلى الله عز وجل في أيش؟ ارغبْ إلى الله في حصول الثواب، في حصول الأجر، في الإعانة، كنْ مع الله عز وجل قبل العمل وبعد العمل؛ قبل العمل كنْ مع الله تستعينه عز وجل، وبعده ترجو منه الثواب؛ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ. وفي قوله: إِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْفائدةٌ بلاغيةٌ أسألكم عنها: إِلَى رَبِّكَمتعلِّقة بأيش؟ متعلِّقة من حيث الإعراب بـارْغَبْمقدَّمة عليها، وتقديم المعمول يفيد الحصر؛ يعني: إلى الله لا إلى غيره. فارغبْ في جميع أمورك، وثقْ بأنك متى علَّقتَ رغبتك بالله عز وجل فإنه سوف يُيَسِّر لك الأمور، وكثيرٌ من الناس تنقصهم هذه الحال؛ أي: ينقصهم أن يكونوا دائمًا راغبين إلى الله، فتجدهم يختلُّ كثيرٌ من أعمالهم؛ لأنهم لم يكن بينهم وبين الله تعالى صلةٌ في أعمالهم. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا وإياكم ممتثلين لأوامره، مصدِّقين بأخباره، إنه على كل شيءٍ قدير.