تجاوز إلى المحتوى

تفسير سورة الزخرف - ٢

درس صوتي · ٩٠:٢٨

جارٍ تجهيز الصوت

انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها

إعدادات

اختصارات لوحة المفاتيح

Space أو K تشغيل وإيقاف ←→ خمس ثوانٍ JL خمس عشرة ثانية HomeEnd بداية ونهاية الدرس

محتوى الدرس

تفسير الآية (٤)

٠٠:٠٠:٠٩

قال: وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ [الزخرف: ٤] (إنَّه) الضمير يعود على الْكِتَابِ الْمُبِينِوهو القرآن. فِي أُمِّ الْكِتَابِهو اللوح المحفوظ، وسُمِّي أُمًّا؛ لأنه مرجع لجميع ما يُكْتَب من بعده، والكتابة أنواع؛ الكتابة العظمى العامة الشاملة: ما كتب في اللوح المحفوظ. لَدَيْنَاأي: عندنا، والظرف هنا حال من أُمِّ الْكِتَابِ؛ يعني أن الذي لدى الله في هذه الآية هو أم الكتاب؛ أي: اللوح المحفوظ عند الله عز وجل، وهو محفوظ من التغيير والتبديل؛ لأنه أم الكتاب. وأما الكتب التي جاءت بها الملائكة ففيها تغيير وتبديل كما قال عز وجل: يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ [الرعد: ٣٩]. لَعَلِيٌّ حَكِيمٌلَعَلِيٌّأي: ذو علو، حَكِيمٌأي: ذو حُكْم وحكمة، وصفان عظيمان للقرآن الكريم وصف الله بهما نفسه، (عَلِيٌّ) بمعنى عالٍ لكنه أبلغ؛ لأن (عَلِيّ) على وزن فعيل صفة مشبهة، والصفة المشبهة تدل على الثبوت والاستمرار. حَكِيمٌأي: ذو حكم وحكمة، فالقرآن حاكم والقرآن مشتمل على الحكمة، معنى قولنا: حاكم؛ أي: مرجع للحكم لا يُحْكَم بغيره، ومعنى (حاكم) أنه مهيمن على جميع الأمور، حاكم عليها. وقوله: وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌهل المراد (إنه) أي: ذكره أو المراد نفس القرآن في اللوح المحفوظ؟ طالب: الثاني. طالب آخر: الأول. الشيخ: يحتمل أن المراد وَإِنَّهُأي: ذكره، كما قال عز وجل: وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ [الشعراء: ١٩٦] ومعلوم أن القرآن ليس في زبر الأولين ولكن في زبر الأولين ذكرُه. ولكن إذا تأملنا قلنا: الأصل الضمير يرجع إلى نفس المضمر الذي دلَّ عليه، وحينئذ يكون (إنه) أي: القرآن كله في اللوح المحفوظ. فإن قال قائل: هذا القول يَرِدُ عليه أن في القرآن الكريم كلمات تحدَّث الله بها عن شيء مضى؛ مثل قول الله تعالى: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ [المجادلة: ١] هذا الخبر بعد المجادلة ولَّا قبل؟ طلبة: بعد. الشيخ: طيب، قوله تعالى: وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ [آل عمران: ١٢١] إشارة إلى غزوة أحد، غَدَوْتَخرجت في الغداة، هذا الخبر بعد وقوع المخبَر عنه أو قبله؟ طلبة: قبله. طلبة آخرون: بعده. الشيخ: اللهم افتح علينا، إِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ. الطلبة: بعد. الشيخ: إِذْ غَدَوْتَهل هذا الخبر الآن قبل أن يخرج ولَّا بعد أن غدا؟ الطلبة: بعد. الشيخ: بعد أن غدا؛ لأن (غدا) فعل ماضٍ إِذْ غَدَوْتَ، فهنا يُشْكِل؛ يقال: كيف كانت في اللوح المحفوظ يتحدث الله عن شيء حصل قبل أن تنزل الآية؟ فيقال: لا إشكال، والجواب أن الله كتب هذا في اللوح المحفوظ لعلمِه أنه سيقع، ثم أنزله بعد وقوعه، كما أن الحوادث الكونية مكتوبة في اللوح المحفوظ لعلمِه تعالى أنها ستقع، ثم تكون حين يريد الله أن تكون. وكنت قبل ذلك أرجِّح، بل أقول: يتعين أن الذي في اللوح المحفوظ ليس القرآن، لكن الذي في اللوح المحفوظ ذكر القرآن؛ أي: أنه سينزل قرآن على هذه الأمة، واستدلوا على هذا بقوله تعالى: وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ [الشعراء: ١٩٦]، والذي في زبر الأولين هو ذكر القرآن بلا شك، مستندًا إلى مثل الآيات التي ذكرت لكم قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَاوقوله: وَإِذْ غَدَوْتَ، حتى عثرت على كلام لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وبيَّن ما ذكرت لكم أخيرًا؛ أنه لا مانع من أن يُكْتَب في اللوح المحفوظ بلفظ الماضي؛ لأن الله علم أنه سيكون وأنه سَيُنْزل هذه الآية بعد أن يكون. وبناء عليه تبيَّن لي أن الذي في اللوح المحفوظ القرآن، بناء على ظاهر الآيات؛ بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ [البروج: ٢١، ٢٢]، والحمد لله الذي فتح عليَّ، وجزى الله شيخ الإسلام ابن تيمية خيرًا. وهذا يدل على أن الإنسان مهما كان لا بد أن يعتريه النقص. وقوله: لَعَلِيٌّ حَكِيمٌقلنا: معناه حكمة وحكم. نأخذ فوائد الآية: من فوائد الآية: عناية الله تبارك وتعالى بهذا القرآن، وهذا يدل على شرفه (...)؛ حيث جعله عنده في أم الكتاب. ومن فوائد هذه الآية: أن القرآن عالٍ، بل عَلِيٌّ، وهذا يدل على أن من تمسك بهذا القرآن فله العلو؛ كقوله عز وجل: فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ [محمد: ٣٥]، فنقول: القرآن عليٌّ ومن تمسك به فله العلو. وشاهدُ هذا الواقعُ؛ لما كانت الأمة الإسلامية متمسكة بالإسلام كان لها العلو والظهور وملكت به مشارق الأرض ومغاربها، ولما تقاعست وتخاذلت وتنازعت وتباغضت صار الأمر بالعكس؛ صار لها الذل، الآن أمة العرب يدعون اليهود إلى السِّلم ويكررون ذلك، ويمدون أيديهم إلى دول النصارى لتساعدهم على السِّلم. لماذا؟ لأننا لم نتمسك بالقرآن، فكنا أذلة نتوسل بأعدائنا أن يقع السلم بيننا وبين أعدائنا. واضح؟ أجيبوا. طلبة: نعم، واضح. الشيخ: واضح يا جماعة؛ يعني لو قال لنا (...) في القرآن ومع ذلك فالناس في ذلٍّ؟ قلنا: لأننا لم نتمسك بالقرآن، ولو تمسكنا بالقرآن لغنمنا لأنفسنا العلو والغلبة والظهور، لكن الأمر بالعكس؛ الآن غالب المسلمين يلهثون وراء الدنيا معرضين عن الدين؛ ما الذي ينمي الاقتصاد؟ ما الذي يحصل به الترف؟ وما أشبه ذلك، لكن ما الذي يُقوِّي الدين؟ هذا قليل أو معدوم. إذن الكلمة لَعَلِيٌّعلى ظاهرها وعلى معناها، لكن بشرط أن نتمسك بهذا القرآن. ومن فوائد هذه الآية: أن مَنْ جادل بالقرآن فهو غانم؛ لأن الذي له العلو هو القرآن، أي إنسان يناظرك ووسيلة إقناعه ودحره القرآن، فإنَّك ستغلبه بلا شك، لكن لما عدل كثير من الأمة إلى كلام أهل الكلام -الكلام الفاضي- هل هُدوا إلى الصراط المستقيم؟ لا، هل غلبوا الأعداء؟ لا، تسلط عليهم الأعداء، حتى الفلاسفة الملحدون صاروا يحتجون بعمل الأشاعرة على ما هم عليه من الباطل، ويقولون: أنتم أيها الأشاعرة، أنتم أيها المعتزلة حرفتم النصوص إلى ما ترونه عقلًا، ونحن أيضًا انصرفنا عن النصوص إلى ما نراه عقلًا، فاحتجوا أهل البدع هؤلاء على إلحادهم وقالوا: نحن وأنتم سواء، أنتم حرَّفتم ونحن حرَّفنا. لكن لو تمسَّكْنا بالقرآن أيستطيع هؤلاء الفلاسفة أن يجادلوننا؟ لا يستطيعون. لكن اقرأ كتب أهل الكلام تجد صفحة صفحتين لا تأتي منهما بفائدة واحدة؛ ولهذا صح أن نقول: إنهم أهل الكلام وكلامهم كلام؛ بمعنى أنه كلام باطل لا فائدة منه. وانظر إلى قوله صلى الله عليه وعلى آله سلم لما شكى إليه الصحابة ما يجدون في نفوسهم من وساوس الشيطان قال: «ذَاكَ صَرِيحُ الْإِيمَانِ» ، وأمر مَنْ وجد هذه الوساوس أن يستعيذ بالله وينتهي؛ «فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ وَلْيَنْتَهِ» ، كلمتان. ماذا يكتب الفلاسفة والمتكلمون على هذا؟ يكتبون كثيرًا مما يدَّعون أنه عقليات وهو وهميات، نسأل الله أن يرزقنا وإياكم التمسك بهذا الكتاب العزيز وأن يعزنا به. طالب: شيخ -جزاكم الله خيرًا- هل فهم القرآن يكون على حسب ذكاء الشخص أو على حسب تقواه لله جل وعلا؟ الشيخ: كلاهما؛ ولهذا يقول عليٌّ.. هذا يسأل يقول: هل فهم القرآن على حسب الفهم أو على حسب التقوى؟ الجواب على هذا وهذا، ولذلك قال علي رضي الله عنه: إلَّا فهمًا يؤتيه الله تعالى مَنْ شاء في كتابه ، والتقوى لها تأثير في فهم القرآن الكريم، قال الله تعالى: وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ [محمد: ١٧]، وقال في القرآن: هُدًى لِلْمُتَّقِينَ [البقرة: ٢]. طالب: ما هو القول الراجح في أن للقرآن نزولًا واحدًا أو له نزولَيْن؛ أي: أنه نزل إلى السماء الدنيا أولًا، وبعد ذلك نزل؟ الشيخ: لا، الظاهر أنه نزول واحد، نزل من عند الله عز وجل، تكلم به سبحانه وتعالى، ثم سمعه جبريل ثم نزل به. طالب: شيخ، ذكرتم -حفظكم الله- أنكم وجدتم فائدة لشيخ الإسلام ابن تيمية، فأين وجدتموها؟ الشيخ: الظاهر أنها في الفتاوى. طالب: شيخ، قولكم: إن الحجة لا تقوم إلا بفهم، هل ينبني على هذا -حفظكم الله- أن القبوريين الذين لم يفهموا باب العبادة حق الفهم، ويقرؤون القرآن أنهم معذورون بذلك؛ لأن البعض يقول: الحجة قائمة بوجود الكتاب والسنة؟ الشيخ: هؤلاء مُقصِّرون؛ يعني أنهم يُعْرَض عليهم الحق، ولكنهم لا يقبلون، لكن لو فرضنا أن أناسًا بعيدين عن الهدى وعن العلم وهم مسلمون يصلون ويعملون كل أعمال الإسلام وهم قبوريون، هؤلاء لا تقوم عليهم الحجة، لكن غالب القبوريين الآن -إن لم يكن كلهم- قد قيل لهم: إن هذا شرك، ولكن قَصَّروا وقالوا: إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ [الزخرف: ٢٢]. طالب: شيخ، القول بأن للقرآن نزولًا واحدًا؛ يعني كيف نفسر إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ [القدر: ١]؟ الشيخ: أحسنت، نفسر هذا بأن الله بدأ إنزاله في ليلة القدر. طالب: الأعاجم الآن (...) وسب للدين (...) على الإسلام أنا أقول: إنهم (...)؟ الشيخ: لا، هم معاندون، غالبهم معاند، لكن جحدوا (...)، لو كان الناس بعيدين عن نور الوحي، والعلم فهم معذورون، لكن هم معاندون، تأتي -مثلًا- للراهب وتقول: مذهبكم هذا باطل، يقول: لا، قال آية الله، قال حجة الله، (...) هذا معاند. طالب: هل يوصف القرآن بالحدوث؟ الشيخ: نعم، أو محدث، محدث أو حادث كله واحد، قال الله تعالى: وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ [الشعراء: ٥]، لكن لاحظوا لا تظن أن معنى (محدث) أي: مخلوق، لا، (محدث) يعني أن الله تكلم به حين نزوله.


تفسير الآية (٥)

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ (٥) وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ (٦) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٧) فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ (٨) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ [الزخرف: ٥ - ٩]. الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ [الزخرف: ٥] الهمزة هنا للاستفهام المراد به النفي، بدليل أن المفسِّر قدَّر بعد ذلك قوله: (لا)؛ يعني: لن نضرب عنكم الذكر صفحًا، المعنى أننا لا يمكن أن نترككم بدون إنذار لكونكم قومًا مسرفين، بل لا بد من الإنذار، كما تقول: ضربت عن هذا صفحًا؛ يعني: أعرضت عنه ولم ترفع به رأسًا. والمراد بهذا -كما قلت- النفي توبيخًا لهؤلاء القوم الذين أعرضوا عما جاء به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. والضمير في قوله: (نضرب) يعود إلى الله عز وجل، وأتى بالضمير الدالِّ على الجميع تعظيمًا لله تعالى وليس للتعدد؛ لأن الله عز وجل واحد لا شريك له. والضمير في قوله: عَنْكُمُيعود إلى كفار قريش الذين كذَّبوا محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وقوله: صَفْحًامصدر معنوي لكلمة (نضرب)؛ لأن معناه: إعراضًا. أظنكم الآن عرفتم المعنى الإجمالي، المعنى: أن أعرضوا عن تذكيركم وإنذاركم، هذا معنى الآية. وهذا الذي سمعتم يفعله العرب في كلامهم، يقول: أعرضت عنك صفحًا؛ يعني: لم أبالِ بك، ولم أتلفت إليك. أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ(أن) و(ما) دخلت عليه في تأويل مصدر مفعول لأجله؛ أي: لأجل أن كنتم قومًا مسرفين، فهي تعليلية. والإسراف: مجاوزة الحد. يستفاد من هذه الآية: أن الله تبارك وتعالى لم يترك عباده هملًا، بل بيَّن لهم الحق ودعاهم إليه، وخوَّفهم من مخالفته، فلم يبق لأحد عذر. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الإنسان معذور بالجهل إذا لم تبلغه الرسالة. وهذا له أدلة؛ منها قول الله تعالى: إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ [النساء: ١٦٣] إلى قوله: رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النساء: ١٦٥]، ومنها قوله تعالى: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء: ١٥]، ومنها قوله تعالى: وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ [القصص: ٥٩]، والأدلة على هذا كثيرة. وقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِمَا جِئْتُ بِهِ إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ» ، فقال: «لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ». فإن قال قائل: وهل يُشتَرَط مع بلوغ الرسالة أن يفهمها المخاطب؟ فالجواب: نعم، يُشترَط هذا؛ لقول الله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ [إبراهيم: ٤]، أي فائدة في رسول يأتي إلى قوم لا يعرفون لغته وهو لا يعرف لغتهم؟ أي فائدة تحصل؟ لا فائدة، والله عز وجل أرحم، وأحكم من أن يُعذِّب قومًا بدون أن يفهموا ما جاءت به الرسل. يبقى النظر: إذا كان الإنسان مسلمًا، ولكنه يقوم بأعمال شركيَّة لا يظن أنها شرك، فهل يُحْكَم بشركه؟ فالجواب: لا، حتى تقوم عليه الحجة، فإذا قامت عليه الحجة فحينئذٍ نحكم بشركه. وإذا قال قائل: رجل في الغابات بعيدٌ عن المدن، بعيد عن الحضارات، لكنه ينتمي إلى دين كفر، فهل هذا معذور؟ فالجواب: أما في أحكام الدنيا فليس بمعذور؛ يعني: أننا نعامله معاملة الكافر؛ لأنه لا ينتمي إلى دين الإسلام بخلاف الأول، نعامله في الدنيا معاملة الكافر، أما في الآخرة فأمرُه إلى الله عز وجل لا ندري ماذا يكون، وقد جاء في الحديث أن أهل الفترة يُرسِل الله إليهم رسلًا يوم القيامة يمتحنهم؛ من أطاع دخل الجنة، ومن عصى دخل النار . فإن قال قائل: على قولك هذا يلزم أن تكون الآخرةُ دارَ تكليف، إذا قلت: إن الله يرسل رسولًا فينظر؛ لزم أن تكون الآخرة دار تكليف؟ فالجواب: نعم، نلتزم بهذا، وقد دلَّ القرآن على أن الآخرة دار تكليف، فقال عز وجل: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ [القلم: ٤٢، ٤٣]، فهنا كُلِّفوا بالسجود، مع أن الآخرة ليست دار تكليف في الأصل، لكن قد يُكَلَّف الناس فيها. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن أحكامَ الله عز وجل مُعَلَّلة بعللٍ مناسبة للحكم، وهذا من مقتضى حكمته؛ ألا تجد حكمًا إلا وله حكمة، ولكن هل يلزم من كونه له حكمة أن تكون معلومةً لنا؟ الجواب: لا؛ لأن أفهامنا وعقولنا أدنى من أن تحيط علمًا بحكمة الله عز وجل، لكننا نعلم أنه لا يحكم بشيء قدرًا أو شرعًا إلا وله حكمة، رأيتَ الله عز وجل حكم حكمًا في الكتاب أو السنة فلا تبغ به بديلًا؛ لقول الله تعالى: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ [الأحزاب: ٣٦]، ولمَّا سُئلت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عن الحائض تقتضي الصوم دون الصلاة، قالت: كان يصيبُنا ذلك فنُؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة .

تفسير الآيتين (٦-٧)

٠٠:٢٧:٣٢

ثم قال عز وجل: وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ [الزخرف: ٦] (كمْ) هذه خبرية تدل على الكثرة، عامِلُها ما بعدها: أَرْسَلْنَا، والإرسال هو الإيحاء إلى بشر بشريعة ويُؤْمَر بتبليغها. وقوله: مِنْ نَبِيٍّبيان لـ(كم)، والمراد هنا الرسول؛ لأنه قال: كَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ، والنبي يُطلق على الرسول كثيرًا في القرآن الكريم؛ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا [مريم: ٤١] وأمثال ذلك، والمراد الرسول. فِي الْأَوَّلِينَأي السابقين على هذه الأمة. (وَمَاكان يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) (وَمَاكان {يَأْتِيهِمْ}) قدَّر المؤلف (كان)؛ لأن الأمر قد مضى، ولو كان على نسقِ الكلام وَمَا يَأْتِيهِمْلكان هذا في المستقبل؛ لذلك قدَّر المفسِّر (كان)، وهذا يدل على عُمق علم المفسِّر. ولكن خيرًا من ذلك أن نقولَ: لا حاجةَ إلى التقدير؛ لأنه إذا دار الأمر بين أن يكون في الكلام مقدَّر أو غير المقدَّر، فالأصل عدم التقدير، فنقول: الآية باقية على ظاهرها، لكنها على حكاية الحال؛ يعني كأن الماضي حاضر الآن، وهذا أبلغ في تخويف قريش من المخالفة. المؤلف قَدَّر (كان) لماذا؟ لأن القرآن يتحدَّث عن شيء مضى، فلا بد مِن أن نُقَدِّر فعلًا ماضيًا، ونحن نقول: لا حاجة إلى التقدير، وجاءت الآية في سياق الفعل المضارع الدال على الاستقبال؛ حكايةً للحال، كأن الأمر واقع الآن، فيكون هذا أبلغَ في إنذار قريش وتحذيرهم. وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ(من) هذه زائدة إعرابًا، لكنها مفيدة معنى، زائدة إعرابًا بمعنى أنها لو نُزِعَت من السياق لتمَّ بدونها؛ لو كان لفظ الآية الكريمة: وما يأتيهم نبيٌّ، يستقيم الكلام ولَّا لا؟ طالب: يستقيم. الشيخ: لكن جاءت (من) زيادة في الفائدة، فما هي الفائدة؟ الفائدة يقول علماء البلاغة وعلماء النحو: إن زيادة الكلمة -يعني الحرف- في الجملة تدلُّ على التوكيد، فعليه: كل كلمة زائدة في القرآن من حيث الإعراب فهي مفيدة لمعنى. وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ [الزخرف: ٧] شوف -والعياذ بالله- ما يأتيهم إلا استهزؤوا، إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَهذه حالهم لا يقبلونه ولا يسكتون بل يستهزئون. والاستهزاء السخرية؛ بمعنى أنهم يسخرون بهم ويحتقرونهم؛ ليحذِّروا الناس منهم. فانظر إلى رحمة الله عز وجل كيف يرسل الرسل وهو يعلم أن هؤلاء المزعومين سيقابلونهم بالاستهزاء، ولكن إقامة للحجة. من فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى أرسلَ عددًا كثيرًا من الأنبياء في السابقين، وقد جاء في بعضِ الأحاديث أنهم مئة وأربعة وعشرون ألفًا ، فالله أعلم؛ لأنَّ هذا يحتاج إلى دليل صحيح صريح، وقد قال الله تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ [غافر: ٧٨]، ومعلوم أنَّ مَن لم يُقْصَصْ علينا فلن نستطيع أن نعرف عددهم. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله تعالى أقام الحجة على جميع الخلق، ويؤيِّد هذا قولُه: وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ [فاطر: ٢٤]. ومن فوائد هذه الآية: تسلية النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لقوله: وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ؛ فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا علم أنَّ الرسل من قبله يُسْتَهزأ بهم فإنه يتسلى، ولا شكَّ، وأنت تجد هذا من نفسك؛ إذا أصبت بمصيبة وأصيب غيرك بمثلها أو أشد ألست تتسلى بهذا وتهون عليك المصيبة؟ طلبة: بلى. الشيخ: طيب صحيح، وفي هذا يقول الله عز وجل: وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ [الزخرف: ٣٩]؛ يعني أن اشتراكهم في العذاب لا يخفِّف العذاب عنكم ولا يحصل لكم به تسلٍّ؛ لأن كل واحد من أهل النار -أعاذنا الله وإياكم منها- لا يرى أن أحدًا منه أخف عذابًا، ولذلك يشتد حزنه -والعياذ بالله- إذا رأى أنه هو أشد الناس عذابًا وهو أهونهم. ومن فوائد هذه الآية: أن الاستهزاء بالرسل تكليف لهم وزيادة؛ لقوله: إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ. واعلم أن الاستهزاء بالرسل كفر، والاستهزاء بالكتب كفر، والاستهزاء بالله كفر؛ قال الله تبارك وتعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ [التوبة: ٦٥، ٦٦]. واختلف العلماء رحمهم الله فيمن استهزأ بالله أو آياته أو رسوله، أو سبَّ الله أو كتابه أو رسوله، هل تُقبل توبته أو لا تقبل؟ على قولين. والصحيح: التفصيل في هذا؛ وهو أنه إن وُجِد ما يدل على استقامته وصحة توبته فإنها تُقبل، وإلَّا فلا. وذلك أن لهذا المستهزئ أو الساخر أو الساب ثلاث حالات: الحال الأولى: أن يستمرَّ في ذلك، فهذا لا توبةَ له، ويقتل ردةً. الثانية: أن نعلم أنه تاب توبة نصوحًا؛ لأنه استقام وصلحت حاله، فهذا تقبل توبته بلا إشكال. والثالثة: أن نتردد؛ هل هو صادق في توبته أو غير صادق؟ فهذا يُقْتَل، ويكون أمره إلى الله عز وجل، نقتله لظاهر حاله؛ لأننا لم نتيقنْ أن هذه الحال قد تغيَّرت إلى ما يمنع قتله فنقتله، أما في الآخرة فأمره إلى الله. فإن قال قائل: الاستهزاء بالله وسبِّ الله عز وجل ذنبٌ عظيم لا يتحمَّل أن تقبل توبة فاعله؟ فالجواب: أن نقرأَ قول الله عز وجل في نفس الآية: لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً [التوبة: ٦٦]؛ يعني: إن عفونا عن طائفة بتوبتهم عذبنا الطائفة الأخرى التي لم تَتُبْ، واقرأ قول الله عز وجل: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر: ٥٣].

تفسير الآية (٨)

٠٠:٣٧:٥٤

قال الله تعالى: فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا [الزخرف: ٨]. أَهْلَكْنَايعني: بالموت، أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًاأَشَدَّ مِنْهُمْأي: من كفار قريش، بَطْشًاأي: قوة. (وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَأي: سبق في آيات مَثَلُ الْأَوَّلِينَ) أَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًايعني: قوةً كقوم هود وقوم صالح ومن أشبههم، أهلكهم اللهُ وهم أشد من هؤلاء الذين كذَّبوا محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وسلَّم أشد بطشًا وأكثر أموالًا وأولادًا، ومع ذلك ما أغنتهم شيئًا. وفي هذه الآية: بيان شِدَّة صبر الرسل عليهم الصلاة والسلام؛ حيث إنهم يُستهزأ بهم وهم صابرون حتى يأتي أمر الله، وإلَّا فمن الذي يطيق أن يدعو الناس وهم يستهزئون به، لولا أن يثبت الله عز وجل الإنسان بالقول الثابت، كما قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم: وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (٧٤) إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ [الإسراء: ٧٤، ٧٥]. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تحذير قريش لرد دعوة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لأن الله تعالى توعدهم بذكر إهلاك من سبق، وكل إنسان له قلب، إذا ذُكِر له حال الأمم السابقة وأنهم أهلكوا فلا بد أن يتعظ، ولا بد أن يخاف ويخشى. ومن فوائد هذه الآية: جوازُ التحويل على شيء سابق؛ لقوله: وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ؛ أي: حالهم وصفاتهم. والتحويل فيه فائدة؛ وهو أن يتذكَّر الإنسان ما مضى وأن يعود إليه. وقد عاب قوم على الحافظ ابن حجر رحمه الله بكثرة حَوالاته في فتح الباري، والحقيقة أن لا عيب، ولا يَرِد على هذا أنه أحيانًا يُحيلُ ولا نجد ما أحال إليه، أحيانًا يقول: يأتي في باب كذا ولا تجده؛ لأنه قد يكون معذورًا بنسيان، أو ألحقه بنسخة لم تصل إلينا، أو ما أشبه ذلك. المهم فائدة الإحالات تذكيرُ الإنسان ما سبق واهتمامُه بالكتاب ورواج الكتاب كله؛ لأنه إذا كان هناك إحالات فلازم هذا أن يكون عندك كل الكتاب؛ لأنه سيُحال عليه، فلا بد أن يكون عندك.


تفسير الآية (٩)

٠٠:٤١:٤٧

ثم قال عز وجل: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ [الزخرف: ٩]. وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْالخطاب للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، الجملة هذه فيها شرط وفيها قسم؛ فيها شرط وهي (إن)، وفيها قسم دلَّت عليه اللام؛ لأن اللام موطئة للقسم. القسَم يحتاج إلى جواب، والشرط يحتاج إلى جواب، أليس كذلك؟ القسَم يحتاج إلى جواب؛ وهو ذكر المقسم عليه، والشرط يحتاج إلى جواب؛ وهو جواب الشرط. إذا اجتمعا، ماذا نقدم؟ يقول ابن مالك رحمه الله في الألفية:

وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وَقَسَمْ

جَــــــوَابَ مَـــا أَخَّـــــرْتَ فَهْـــــوُ مُـــلْتَـــــزَمْ

الآية الكريمة معنا، ما هو المؤخر؛ القسم أو الشرط؟ طلبة: الشرط. الشيخ: الشرط، إذن احذف جواب الشرط، واكتفِ بجواب القسم عنه. ولذلك نجد أن الآية قُرِن بالجواب اللام وهو لَيَقُولُنَّ، ولو كان هذا جوابًا للشرط لم نحتجْ إلى اللام. وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّحُذِف منه نون الرفع؛ لتوالي النونات، وواو الضمير؛ لالتقاء الساكنين لَيَقُولُنَّ، أصلها قبل الحذف: لَيَقُولُونَنَّ، كم عندنا من النون؟ ثلاثة، احذف الأولى؛ لأن حذفها معتاد؛ أي: حذف نون الرفع من المضارع كثير، ولأن نون التوكيد جاءت لغرضٍ، لو حذفناها لفات الغرض وهو التوكيد، إذن فنحذف نون الرفع؛ وهي النون الأولى لتوالي النونات. ثم يأتي دور الضمير (لَيَقُولُونَنَّ)، الواو لماذا حذفناها؟ حذفناها لالتقاءِ الساكنين؛ الساكنان هما: الواو ساكنة، والنون المشددة الحرف الأول منها ساكن، فتُحذف الواو. هذا التعليل هو من النحويين لا شكَّ، وإلا فالرجل العربي حينما يتكلَّم بهذه الكلمات هل يخطُر على باله أنه حذف نون الرفع ثم حذف واو الضمير، وما أشبه ذلك؟ لا، لكن علماء النحو رحمهم الله يلتمسون التوجيهات لكلام العرب، فوجدوا هذا التوجيه. لو قلت لهم: من خلق السماوات والأرض؟ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ [الزخرف: ٩]، شوف الجواب؛ جواب صحيح مئة بالمئة. خَلَقَهُنَّأي: السماوات والأرض، الْعَزِيزُذو العزة، والعزة أبرزُ معانيها الغَلَبة، يقال: عَزَّ فلانٌ فغَلَب، ولها معنى آخر وهي القَدْر يعني: الشرف والرفعة، ولها معنى ثالث وهو الشدة والصلابة، ومنه قولهم: أرض عَزَاز؛ أي: شديدة صلبة. إذا أردنا أن نطبق هذه المعاني على الوصف الذي اتصف الله به مِن العزة، فنقول: عزيز من العزِّ، وهو الغلبة، عزيز من عزة القَدْر، ومعلوم أن الله عز وجل أعظم قدرًا من كل شيء. الثالث: عزة الشدة والصلابة والامتناع؛ وذلك أن الله تعالى ممتنع أن يتصف بأي سوء وأي عيب. الْعَلِيمُأي: ذو العلم التام، وتأمل كيف جاؤوا بهذه العبارة الْعَزِيزُ الْعَلِيمُإشارةً إلى أنهم مُقِرُّون بأنهم أذلاء أمام الله عز وجل، وأن جميع ما في السماوات والأرض فإنه صادر عن علم الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ، هذا الإقرار يلزمه أن يُقرِّوا بأنه لا إله إلا الله، لكنهم لم يفعلوا. في هذه الآية الكريمة: دليل على أن المشركين يُقِرُّون بتوحيد الربوبية؛ لقولهم في الجواب: خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ، والأمر كذلك. وإقرارهم بتوحيد الربوبية يُلْزِمهم أن يقروا بتوحيد الألوهية، فيقال: إذا أقررتم بأنه لا خالق إلا الله، فأقروا بأنه لا معبود حقًّا إلا الله. ومن فوائد الآية الكريمة: أن السماوات عدد؛ لقوله: السَّمَوَاتِ، وقد جاء في القرآنِ الكريم وفي السنة النبوية أن عدد السماوات سبع، قال الله تبارك وتعالى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ [الطلاق: ١٢]. أما الأرضُ فلم يأت في القرآن تصريح بأنها سبع، لكن ظاهر القرآن كذلك؛ مثل قوله: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ [الطلاق: ١٢]، فإن المماثلةَ هنا لا يمكن أن تكون بالحجم ولا بالقوة؛ لأن السماوات أوسع وأعظم من الأرض وأقوى، فلم يبقَ إلا العدد. وقد جاءت السُّنَّة صريحةً في ذلك فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ ظُلْمًا طُوِّقَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ» . السماوات طِباق؛ واحد فوق الآخر، وإذا كان واحد فوق الآخر لزم أن تكون السماء الثانية أوسع من الأولى، أليس كذلك؟ نعم؛ لأنها دائرة، الثالثة أوسع من الثانية، وهلُمَّ جرًّا؛ ولهذا قال عز وجل: وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ [الذاريات: ٤٧]، كلما ارتفعت في السماوات اتَّسعت السماوات، وهي طباق بلا شك كما في القرآن الكريم، وكما جاء ذلك صريحًا في حديث المعراج. أمَّا الأرض فهي طباق أيضًا؛ بدليل أنَّ مَن اقتطع شبرًا من الأرض التي نحن عليها طوقه من سبع أرضين، ولولا أنَّ الأرض الثانية تحت، والثالثة تحتها وهكذا، لم يُطَوَّق الإنسانُ بسبعِ أرضين؛ لأنه ما غصب إلا ظاهر الأرض، فتكون الأرضون طباقًا. أما كيف هذه الطباق؟ فإلى الآن لم نصلْ إلى علمٍ بها، وعلماءُ الجيولوجيا الذين يحفرون أعماق الأرض لا يطلعون على هذا، فهو مجهولٌ لنا، لكن الحديث: «طُوِّقَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ» يدل على أن أيش؟ طالب: على أنها طباق. الشيخ: على أنها طباق. ومن فوائد هذه الآية: إثبات هذين الاسمين لله عز وجل؛ وهما: الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ. واعلم أخي، اعلم أن كل اسم من أسماء الله فهو متضمن لصفة؛ العزيز متضمن لصفة العزة، والعليم متضمن لصفة العلم، وليس كل صفة يُشتَقُّ منها اسم؛ ولهذا نقول: إن باب الصفات أوسع من باب الأسماء؛ لأنه يوجد صفات ليس لله منها أسماء، لكن لا يوجد اسم إلا ومنه صفة، والله أعلم. طالب: (...) تقبل توبته؟ الشيخ: الصحيح أنها تُقبَل إذا أقام الدليل على أنه صادق، أما إذا كان يلعب بنا يقول: إنه تائب، ولكنه على ما هو عليه فلا نقبله. طالب: يقتل؟ الشيخ: يقتل، نعم، بقتل ما لم نعلم أنه تاب. طالب: جزاكَ الله خيرًا يا شيخ، ذكرنا أن هذه الأعمال الشركية للمسلمين لا نحكم عليه بشركه حتى تقام الحجة عليه، كذلك الذين يفعلون البدع؟ الشيخ: إي نعم، لكن المبتدِع أشد؛ لأن المبتدع والعياذ بالله يَضل به أناس كثيرون. طالب: الشرك؟ الشيخ: لا يضر إلا صاحبه، اللَّهم إلا أن يكون هذا المشرك له طاعة في قومه، (...) سيد في قومه يتبعونه (...)، أما إذا كان عاميًّا فإنه لا يُؤَثِّر إلا على نفسه، ولهذا قال بعض العلماء: المبتدع لا توبة له؛ لأنه وإن تاب بنفسه لم يسْلَمْ من ضلال الذين اتبعوه. طالب: أحسن الله إليك، ما معنى قوله تعالى: حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ [الأعراف: ٤٠]؟ الشيخ: المعنى أن هذا تعليقٌ على مستحيل لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ، الجَمَل البهيمة المعروفة، وأما قول بعضهم: إنه حبل غليظ فهذا قول باطل؛ لأنَّ الله لم يقُل: حتى يُدْخَلَ الجمل، قال: حتى يَدْخُل الجمل، وهل الحبل له إرادة يدخل ويخرج؟ أجبني. الطالب: لا. الشيخ: ما الذي يدخل ويخرج؟ طالب: الجمل؛ البعير. الشيخ: الجمل البهيمة، فالصواب أن المراد هو الجمل الحقيقي، والمعنى: أنه لا يمكن أن يدخل الجنة، كما أنه لا يمكن أن الجمل يدخل في سَمِّ الخياط؛ جب الإبرة، وهذا كقول الشاعر:

إِذَا شَابَ الْغُرَابُ أَتَيْتُ أَهْلِي

وَصَــــارَ الْقَــارُ كَاللَّبَنِ الْحَلِيبِ

هل يمكن هذا؟ الغراب ما يمكن يصير أبيض، والقار لا يمكن أن يكون كاللبن. طالب: أحسن الله إليكم، إذا كان رجل من المشركين آتاه رجل مسلم لكنه صوفي، فأتاه الإسلام على وجه الصوفية وآثار المبتدعة، فصار يعمل بهذا، ويعتقد أن هذا هو الإسلام، هل يؤاخذ عليه؟ الشيخ: لا، هو (...) من الله عز وجل لا من غيره، لا يمكن أن يعذب أحدٌ على باطل إلا إذا كان يعلم أنه باطل، الله عز وجل أرحم وأحكم من أن يعذب شخصًا وهو لا يدري، لكن فيه أناس معاندون يُذْكَر لهم الحق يقول: لا، أنا أبغي أتبع شيخي، حتى لو كان الذي ذكر له الحق عالمًا معروفًا، يقول: لا، أبغي أتبع مشايخي، هذا ما يُعذَر، لكنه لو أن عاميًّا أعلمه؛ يا الله، هذا العمل هذا لا يجوز، هذا شرك، ومشايخه كلهم يقولون: هذا حسن، هل هو هذا معذور أو غير معذور؟ طالب: غير معذور إذا عرف الحق. طالب آخر: معذور. الشيخ: ما عرف الحق، عنده مشايخ يرى أنهم مشايخ حقًّا، وجاء إنسان عامي في السوق قال: هذا شرك، يُعْذر أو لا يُعْذر؟ طالب: يُعْذر. الشيخ: يُعْذر؛ لأنه ما يثق، لم يأته الحق على وجه يثق به، الآن نحن علماؤنا، لو جاءنا إنسانٌ على عكس ما يقول علماؤنا ونحن لا نعرف عنه ما اتبعناه، لكن قد يقال: كونه أُعْلِم بأنه على باطل وأن الحق خلافه يُلزِمه بأن يبحث ويسأل، فقد يؤاخَذ من هنا؛ أي: من التقصير في طلب الحق. طالب: شيخ -أحسن الله إليك- بعض الصوفيين يعطون الأذكار للمريدين على شريطة أنهم لو تركوا شيئًا كفروا؟ الشيخ: هذه مشكلة، ودول عوام المسلمين؟ الطالب: إي نعم، يقولون: إذا تركنا شيئًا كفرنا. الشيخ: لا، وأيضًا هؤلاء يغترُّون بظاهر حال الصوفي، ظاهر حال الصوفي أنه تقي؛ تجده دائمًا في خشوع، وربما تجده يبكي، ثم يأتي بالأذكار على وجه يهيِّج الإنسان، هذا بلاء، والعياذ بالله. طالب: شيخ -حفظكم الله- ما حكم المستهزئ بأهل الدين؟ الشيخ: اللي يستهزئ بأهل الدين؛ إذا استهزئ بهم لدينهم فهو مستهزئ بالدين، وإن استهزَأ بهم لشكل فلا؛ ولذلك الآن لو وجدوا أحدًا رفع ثوبه إلى نصف الساق من العلماء المعتبرين المطاعين لا تجد أحدًا يستهزئ بهم، لكن لو جاء إنسان عامي عادي استهزؤوا به، فهنا نقول: الاستهزاء ليس استهزاءً بالدين، ولكنه استهزاء بهذا الرجل، فيجب التفريق بين هذا وهذا.


طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠) وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ [الزخرف: ٩ - ١١]. الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ [الزخرف: ٦]، كَمْهذه؟ طالب: تكثيريَّة. الشيخ: تكثيرية، وتُسَمَّى؟ طالب: للعدد. طالب آخر: تُسَمى خبرية. الشيخ: تُسَمى خبرية. إذن ما معنى كَمْ أَهْلَكْنَا؟ طالب: ما أكثر ما أهلكنا. الشيخ: نعم، أي: كثيرًا أهلكنا من قبلك، وكثيرًا أرسلنا من الأنبياء. هل كل أمة أُرْسِل إليها رسول؟ طالب: نعم. الشيخ: نعم، ما الدليل؟ الطالب: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ [الرعد: ٣٨]. الشيخ: لا. طالب: وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ [فاطر: ٢٤] الشيخ: نعم وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ، والعقل يقتضي هذا؛ يعني نقلي، وعقلي. طيب، ما حال الأمم السابقة بالنسبة للرسل؟ طالب: يستهزئون. الشيخ: الاستهزاء بهم، الدليل؟ طالب: قوله تعالى: وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ [الحجر: ١١]. الشيخ: نعم، وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ. طيب، أَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْالضمير يعود على مَن؟ طالب: أَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْقريش. الشيخ: قريش، أحسنت. ومعنى بَطْشًا؟ طالب: قوة. الشيخ: قوة. مثال لذلك؟ طالب: عادٌ. الشيخ: عادٌ، فإنهم كانوا من أشد الناس قوة حتى إنهم قالوا: مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً [فصلت: ١٥]، فأهلكهم الله.

تفسير الآيتين (١٠-١١)

٠١:٠٢:٤١

ثم قال الله عز وجل: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا [الزخرف: ٩، ١٠] (طُرُقًا) لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ. قوله: الَّذِي جَعَلَ لَكُمُهذا ليس من كلام الذين سألهم النبي صلى الله عليه وسلم، انتهى كلامهم عند قوله: لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ، أما الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًافهذا من كلام الله عز وجل. ومعنى جَعَلَصيَّر، لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًاأي: كالمهد مُوَطَّأة، قرارٌ، يطمئن بها الإنسان. وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًاأي: صيَّر لكم فيها سبلًا؛ أي: طرقًا، هذه الطرق تكون بين الشعاب والجبال والوهاد، حتى إنه لتأتي الرياح الشديدة، وتبقى هذه الطرق معلومة، يُسْتَدل على هذه الطرق بالجبال والشعاب والنجوم، كما قال عز وجل: وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ [النحل: ١٦]. وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ(لعل) هنا للتعليل، ومن المعلوم أن (لعل) تأتي للتعليل كما هنا، وتأتي للترجي، وتأتي للتوقُّع، والذي يُعَيِّن المعنى هو سياق الكلام وقرائن الأحوال. لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَبعدها، التفسير. طالب: (إلى مقاصدكم في أسفاركم). الشيخ: نعم، لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَأي: تعلمون الطُّرق، فالهداية هنا هداية الطرق، (إلى مقاصدكم في أسفاركم) الآن -والحمد لله- وُجِدَت طرق مُمَهَّدَة بيِّنة من المدن والقرى وغير هذا، كل ذلك بنعمة الله عز وجل، أظن عندكم الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا. طالب: (...). الشيخ: أنا عندي {مِهَادًا}، ولم يُشر إلى القراءة التي في المصحف، وهي على حال قراءتان: {مِهَادًا}، وقد جاءت في آية أخرى بهذا اللفظ، ومَهْدًاوهي بمعنى مِهَاد. وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا [الزخرف: ١١] وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءًأي: أنزله شيئًا فشيئًا، فتجد المطر ينزل من السماء نقطًا، ولو جاء كأفواه القِرَب لأفسد الأرض وهدَّم البناء، ولكن من رحمة الله عز وجل أن جعله ينزل شيئًا فشيئًا، ومع ذلك تسيل منه الأودية وهو على نقطة نقطة، لكن مع كثرته تسيل به الشعاب. وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءًالسماء هنا المراد بها العلو. واعلم أن السماء يطلق على معنيين: المعنى الأول: العلو من حيث هو، والمعنى الثاني: السقف المحفوظ الذي هو السموات السبع. فقوله تعالى: وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ [البقرة: ١٦٤] المراد بالسماء هنا السقف المحفوظ، وكذلك قوله تعالى: وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا [الأنبياء: ٣٢]. وأما قوله: أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِفالمراد به العلو؛ لأن المطر ليس ينزل من السماء نفسها ولكنه ينزل من العلو، بدليل قوله: السَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، السحاب ليس في السماء لاصقًا، ولكنه بين السماء والأرض، وهو إلى الأرض أقرب. (نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍأي: بقَدْر حاجتكم إليه، ولم ينزله طوفانًا) قوله: بِقَدَرٍفسره المؤلف أي: بقدر ما تحتاجون إليه، وله معنى آخر بِقَدَرٍيعني: أنه مُقَدَّر محددٌ، حتى النقطة قد عَلِمها الله عز وجل، وعلم كيف تنزل، وعلم متى تنزل، وعلم أين تنزل، كل شيء بقدَرٍ، قال الله تعالى: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ [القمر: ٤٩]، فيكون المعنى على هذا أن هذا المطر الذي ينزل على كثرته وكثرة عدد نقاطه ينزل بقَدْرٍ محددٍ، والمعنى الذي ذكره المؤلف معنى صحيح، والآية تحتمل هذا وهذا، والقاعدة عندنا في التفسير: أن الكلمة في القرآن أو في السنة إذا كانت تحتمل معنيين على السواء ولا منافاة بينهما فإنه يجب أن تُحْمَل عليهما؛ توسعة للمعنى. فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًاأَنْشَرْنَاأي: أحيينا، كما جاء ذلك في آيات أخرى، في قوله: وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا [الزخرف: ١١] فإذن أَنْشَرْنَابمعنى: أحيينا، وهذا شيء مشاهد؛ تجد الأرض قاحلة مجدبة ليس فيها خضراء، فإذا نزل المطر أصبحت تهتز من النبات من كل زوج بهيج. وقوله: (أحيينا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَأي: مثل هذا الإحياء، تُخْرَجُونَ) يعني: كما أنا أحيينا الأرض بالمطر فكذلك نحييكم يوم القيامة، قال الله عز وجل في آية أخرى: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةًهامدة، فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْأي: علتْ بنباتها، إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [فصلت: ٣٩]. في هذه الآيات فوائد: منها: بيان نعمة الله عز وجل؛ حيث جعل لنا الأرض مهادًا، ولو كانت صلبة ما استقررنا عليها ولا حرثناها ولا انتفعنا بها كثيرًا، ولو كانت رخوة كذلك لم ننتفع بها ولغاصت أقدامنا فيها، ولكن من نعمة الله أنه جعلها كالمهاد. ومن فوائد الآية الكريمة: نعمة الله علينا بما جعل لنا من الطرق في هذه الأرض على تباعد أقطارها. ولكن بأي شيء نستدل على الطرق؟ ذكرنا أنه يُسْتَدل عليها بالشعاب وبالجبال وكذلك بالنجوم. ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات حكمة الله فيما يخلق في قوله: لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ، وحكمة الله عز وجل فيما يخلق وفيما يشرع ثابتة، لكن من الحِكَم ما نعلم، ومن الحِكَم ما لا نعلم لقصور أفهامنا، ومن الحِكَم ما يعلمها كثير من الناس وتخفى على كثيرين آخرين. ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى أنه إذا كان المقصود الحسي يحتاج إلى طرق فكذلك المقصود المعنوي، وهو الوصول إلى دار كرامة الله عز وجل، فإنه يحتاج إلى طرق، لا بد أن نسلك هذه الطرق حتى نصل إلى المقصود، فإن لم نسلكها فلن نصل إلى المقصود. ومن فوائد الآية الثانية: قدرة الله عز وجل بإنزال المطر. ومنها: رحمة الله عز وجل بإنزال المطر من فوق؛ لأنه لو كان من أسفل لغرقت الأرض السفلى دون أن يصل الماء إلى قمم الجبال، ولكن الله تعالى جعله ينزل من فوق حتى يُرْوِي العالي والنازل، وإذا ارتوى العالي نزل إلى النازل. ومن فوائد الآية: أن هذا الماء النازل من السماء ينزل بقدر على المعنيين اللذين ذكرناهما. ومن فوائد الآية: أن الله تعالى يحيي الأرض بعد موتها بهذا الماء. ومن فوائد الآية: إطلاق لفظ الموت على ما لا روح فيه؛ أي: ما لا روح فيه تُحِس؛ لقوله: بَلْدَةً مَيْتًا، وإلا فمن المعلوم أن الأرض ليست كحياة الحيوان حياة إحساس، بل هي حياة نمو. ومن فوائد الآية: قياس المعقول على المحسوس، وإن شئت فقل: قياس الغائب على الحاضر؛ لقوله: كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ. ومن فوائدها: إثبات القياس وأنه دليل. لكن هل هو دليل عقلي أو دليل سمعي؟ الجواب هو دليل عقلي ثابت بالدليل السمعي؛ وذلك لأن العقل ينتقل من المقيس عليه إلى المقيس، فهو دليل عقلي باعتبار كيفية الاستدلال به، ودليل سمعي لثبوته شرعًا.

تفسير الآيات (١٢-١٤)

٠١:١٤:٥٨

{وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا} [الزخرف: ١٢] هذه عطف على ما سبق، وهو من باب عطف الصفات، وليس من باب عطف الذوات، والأصل في العطف أن يكون بين متغايرين في ذاتهما، هذا الأصل، فإذا قام الدليل على أن الذات واحدة صار من باب عطف الصفات. اقرأ قول الله عز وجل: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى [الأعلى: ١ - ٤] هذا العطف من باب عطف الصفات؛ لأن الموصوف واحد، لكن الأصل في العطف أنه من باب أيش؟ تغاير الذوات، ما لم يقم دليل على أن المعطوف عليه شيء واحد فيكون من باب عطف الصفات بعضها على بعض لموصوف واحد. الآيات التي معنا من أي القسمين؟ من باب عطف الصفات؛ لأن الموصوف واحد. وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَاالْأَزْوَاجَبمعنى: الأصناف كما قال عز وجل: احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ [الصافات: ٢٢] أي: أصنافهم، وقال سبحانه وتعالى: وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ [ص: ٥٨]. خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَاأي: الأصناف، كل الأصناف الخالق لها هو الله عز وجل. وإنك لتعجب حينما تأتي إلى روضة تجد هذه الأشجار بعضها زهرها أحمر، وبعضها أزرق، وبعضها أصفر؛ ملونة، من الذي خلقها ولونها؟ هو الله عز وجل. ويحتمل في الآية معنى آخر خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَايعني الشيئين المزدوجين اللذين يتولد بينهما ثالث؛ كالذكر والأنثى، والسالب والموجب، وما أشبه ذلك، الآية تحتمل المعنيين جميعًا وهما لا يتنافيان فتُحْمَل عليهما جميعًا. (خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِالسفن، وَالْأَنْعَامِكالإبل، مَا تَرْكَبُونَ) جَعَلَ لَكُمْبمعنى صير، وقوله: مَا تَرْكَبُونَمفعول جَعَلَأي: جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِوهي السفن البحرية، وكان الناس لا يعرفون سواها فيما سبق، الآن جاءت السفن الجوية، وهي؟ طالب: الطائرات. الشيخ: الطائرات، أما الأنعام فمثل الإبل، والبغال وغيرها مما يركب. جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ [الزخرف: ١٢] أي: الذي تركبون، وهذه من نعمة الله عز وجل. لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِاللام لام العاقبة، وليست لام التعليل؛ لأنه من الممكن أن يكون عند الإنسان أنعام كثيرة، إبل كثيرة، ولا يركبها، لكن اللام للعاقبة. تأتي اللام للعاقبة في القرآن الكريم وغيره كثيرًا، ومنه قوله تعالى: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا [القصص: ٨]، اللام في قوله: لِيَكُونَليست للتعليل؛ لأن آل فرعون لم يلتقطوه لهذا الغرض، لكن التقطوه فصارت هذه النتيجة، وتُسمَّى اللام في مثل هذا تُسمَّى لام العاقبة.

وقوله: لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِأي: تعلوا عليها، وتستقروا عليها، عَلَى ظُهُورِهِيقول: (ذكَّر الضمير وجمع الظهر نظرًا للفظ (ما) ومعناها). لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِجمَعَ الظَّهر، ولم يقل: على ظهره، وأفرد الضمير، ولم يقل: على ظهورها؛ نظرًا للفظ (ما) ومعناها؛ لأن (ما) تصلح للمفرد وللجمع، فتارة يُراعى اللفظ، وتارة يُراعى المعنى، إذا رُوعي اللفظ أُفرِد الضمير، وإذا رُوعي المعنى صار بحسب المعنى المقصود، وكذلك (مَن) تارة يراعى لفظها، وتارة يراعى معناها؛ اقرأ قول الله تعالى: وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا [الطلاق: ١١]، وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُراعى أيش؟ طلبة: اللفظ. الشيخ: اللفظ أفرده، خَالِدِينَ فِيهَاالمعنى. لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِأي: ظهور ما تركبون من الفلك والأنعام، فجمعها باعتبار المعنى، وأفردها باعتبار اللفظ. لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِلأنه إن استوى الإنسان على الفلك أو على الأنعام يتذكَّر نعمة الله عليه، حيث يسَّر له هذا المركوب، ولولا تيسير الله ما تمكن من هذا، لو جعل الله الإبل صعبةً لا يمكن أن تُرْكب ما انتفع الناس بها، ولو فُقِدت السفن ما استطاع الناس أن يعبروا من يابس إلى يابس، فليذْكُر الإنسان نعمة الله إذا استوى على ظهره، وَتَقُولُواأي: بألسنتكم معترفين بقلوبكم، سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَاأي: ذللَّه لنا، (وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَمطيقين)، وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَقال: (لمنصرفون). من فوائد هذه الآية الكريمة: نعمة الله عز وجل على عباده؛ حيث جعل لهم من الفلك والأنعام ما يركبونه، وذكرنا أن الفُلك يشمل الفلك الجوي والبحري، ويمكن أن نقول: والبري أيضًا كالسيارات، فهذه أفلاك، فإذن الأفلاك جوية، وبحرية، وبرية. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تذليل الله عز وجل الأنعام لنا؛ حيث سخرها لنركبها ونحملها وهي ذليلة بين أيدينا؛ لقوله: وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ. ومن فوائد هذه الآية: أنه ينبغي للإنسان إذا ركب الأنعام وكذلك الفُلك أن يجعل مركبه مريحًا؛ لقوله: لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ؛ إذ إنه لو لم يكن مريحًا لم تتم النعمة، فينبغي أن يجعله مريحًا بقدر الإمكان وعلى حسب الحال. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه ينبغي للإنسان أن يتذكر نعمة الله عليه بما سخر له من الفلك والأنعام؛ لقوله: ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ، النعمة هنا مفرد مضاف فهل المراد أن نذكر جميع النعم أو نذكر النعمة المناسبة للحال؟ الظاهر هو الثاني؛ لأن الإنسان قد لا يستحضر حينما يركب كل النعم من الأموال والأولاد والأمن والطمأنينة، ولكن يذكر النعمة الحاضرة. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: استحباب هذا الذكر عند الركوب، وهو: سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ. فإن قال قائل: لماذا اختير كلمة (سبحان) دون (الله أكبر) مثلًا؟ فالجواب: أن تسبيحَ الله يعني: تنزيهه عن كل نقص وعيب، بخلاف الإنسان فإنه محتاج إلى الركوب، فهو ناقص، فناسب أن يقول: سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَاحتى يتذكَّر بذلك أنه هو في حاجةٍ إلى هذه المركوبات، وأن الله عز وجل منزه عن الحاجة. يعني لو قال قائل: لماذا لم يقل: ما أعظم منة الله عليكم أو الله أكبر؟ فالجواب: أنه لما رأى نفسه محتاجًا إلى الركوب نزَّه الله عز وجل عن الحاجة، فقال: سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا. ومن فوائد الآية: أن نذكُر نعمة الله علينا بتسخير هذه الأنعام؛ لقوله: الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ؛ أي: مطيقين، لولا أن الله سخَّر البعير لنا ما أطقناها، البعير أقوى منا، وأكبر منا جسمًا، لو أن الله سبحانه تعالى جعلها صعبة هل يمكن لأحد أن يستقرَّ عليها، أو أن يحمِّل عليها، أو أن يدخلها إلى أي مكان شاء، أو أن يخرجها متى شاء؟ لا، ولكن الله سخرها لنا. ومن فوائد الآية الكريمة: اعترافُ العبد بقصوره وضعفه؛ لقوله: وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ؛ أي: مطيقين. ومن فوائد الآية: أن الإنسان إذا ركب هذه المركوبات يتذكَّر الركوب الذي هو غاية الدنيا؛ لقوله: وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ، وتفسير المؤلف رحمه الله لها بالانصراف -أي: منصرفون إلى الله- فيه قصور، والصواب ما ذكرنا أنك إذا ركبت فتذكر ركوبك على النعش حين تنقلب إلى الله عزَّ وجل، فيكون في هذا تذكر للحال المستقبل لبني آدم، وهي حال الانقلاب إلى الله عز وجل. هل هذا الذكر خاص بما إذا ركب للسَّفر أو هو عام؟ الجواب: عام، كلما ركبت السيارة أو البعير أو الطائرة فاذكر هذا: سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ.


تفسير الآيتين (١٥-١٦)

٠١:٢٧:٢٤

ثم قال الله تبارك وتعالى: وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ [الزخرف: ١٥]، وَجَعَلُواالضمير يعود على مشركي قريش؛ أي: صيَّروا، لَهُأي: لله، مِنْ عِبَادِهِأي: من مخلوقاته، وجميع المخلوقات عِبادٌ لله عز وجل، والمراد بالعباد هنا الملائكة، جُزْءًاأي: بعضًا منه؛ حيث قالوا: الملائكة بنات الله، اليهود قالوا: عزيرٌ ابن الله، النصارى قالوا: المسيح ابن الله. وقوله: جُزْءًا؛ لأن الولد جزء من أبيه، كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في ابنته فاطمة: «إِنَّهَا بَضْعَةٌ مِنِّي» . هؤلاء المشركون -والعياذ بالله- جعلوا لله من عباده جزءًا، وتأمل قوله: مِنْ عِبَادِهِيتبين لك أن كونهم عبادًا لله يمنع غاية المنع أن يكونوا جزءًا من الله عز وجل؛ لأن المعبود غير العابد، فلا يمكن أن يكون العابد جزءًا من المعبود. إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌالمراد الجنس؛ يعني: إن جنس الإنسان لكفور بَيَّنُ الكفر. فلا يَرِد على هذا أن يقال: من الإنسان ما هو مؤمن كامل الإيمان؛ لأننا نقول: إنه قد يراد به الجنس، كقوله: وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا [الأحزاب: ٧٢]، والمؤمن ليس ظلومًا جهولًا، لكن جنس الإنسان ظلوم جهول. فإذا قال قائل: هل كل ما جاء بمثل هذا التعبير نحملها على الجنس؟ فالجواب: لا، لا نحمله على الجنس إلا إذا قام الدليل على هذا، وإلَّا فالأصل العموم، كقوله: وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا [النساء: ٢٨]، هذه المراد الجنس ولَّا كل إنسان؟ المراد كل إنسان، لكن إذا تعذَّر أن نحملها على العموم جعلناها للجنس. وأضرب لكم مثلًا ليتبين به المقال: الرجل خير من المرأة، المراد الجنس، وليس المعنى: كل واحد من الرجال خير من كل امرأة من النساء؛ لأن من النساء مَن هي خير من كثير من الرجال، لكن المراد الجنس؛ يعني: هذا الجنس خير من هذا الجنس. طالب: بارك الله فيكم يا شيخ، بدأ الله عز وجل في هذه السورة بقوله: إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا..