تفسير سورة الروم - ٧
درس صوتي · ٩٢:١٤
جارٍ تجهيز الصوت
انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها
إعدادات
اختصارات لوحة المفاتيح
محتوى الدرس
من فوائدها أيضًا: وجوب التقوى؛ لقوله: وَاتَّقُوهُ [الروم: ٣١]، ووجوب إقامة الصلاة؛ لقوله: وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ. ومن فوائد الآية الكريمة: شرف الصلاة وفضلها؛ لقوله: وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ، خَصَّها. ومن فوائد الآية الكريمة: النهي عن الشرك صغيره وكبيره؛ لقوله: وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ. ومنها: شدة التنفير من الشِّرْك، نأخذها من أين؟ طالب: من قوله: وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ. الشيخ: بعد قوله: وَاتَّقُوهُفإنه لا شك أن ترك الشرك من التقوى، لكن هذا يكون خاصًّا؛ أيضًا عطف خاص على عام.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن أهل الشرك من شأنهم ودأبهم وعادتهم التفرق في الدين؛ لقوله: مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ [الروم: ٣٢]. ومن فوائدها: التنبيه على أنه لا ينبغي للمؤمنين أن يتفرقوا في دينهم، قال: وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ [الروم: ٣١، ٣٢]. ومنها: أن التفرق في الدين مُشابَهة للمشركين، فأولئك الذين يتفرقون في دينهم من أجل مسائل بسيطة من فروع الدين القليلة أيضًا، هؤلاء فيهم شبه من المشركين، تجد بعض الناس يعادي صاحبه أو أخاه من أجل أنه لا يُطَبِّق سنة يراها، وهذا التارك لها لا يراها، هذا خطأ؛ لأنه تقدم لنا أنه يجب على الإنسان أنه لا يجعل الخلاف المبني على الاجتهاد سببًا للنزاع والبغضاء والتفرق، بل العاقل يرى أن من خالفه من أجل قيام الدليل عنده فهو في الحقيقة موافِق له؛ لأن السبيل والمنهاج واحد، كلنا نمشي على الدليل، فإذن أنت موافق لي، والمنتَهى واحد وإن اختلفت الطرق.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن أحزاب المشركين مستمسكون بما هم عليه؛ لقوله: كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ [الروم: ٣٢]. ومن فوائد الآية الكريمة: أن أولئك الذين أوتوا شيئًا من العلوم العصرية، وفرحوا ورفعوا رؤوسهم فيهم شبه من المشركين؛ لأن هنا أناسًا، والعياذ بالله، أوتوا شيئًا من العلوم العصرية فاحتقروا الدين واحتقروا العلوم الشرعية، وصاروا فرِحين بما أُوتوا فضلوا، فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ [غافر: ٨٣] تجد الواحد منهم إذا أدرك مسألة من مسائل الكون البسيطة رأى أنه كأنه أدرك تفاسير القرآن وأمهات السنة، وأنه هو العالم الحبر الذي لا يوجد له نظير، واحتقر من سواه، وهذه مشكلة وقع فيها بعض الناس اليوم. ومن فوائد الآية الكريمة.. الطالب: شيخ، لو قال قائل: (...). الشيخ: الرسول عليه الصلاة والسلام أخبر أن هذه الأمة ستتبع سنن من قبلها، ومع ذلك فاتباع من قبلها مُحرَّم، فهذا التفرق، وإن كان موجودًا قدرًا لكنه غير محبوب إلى الله شرعًا، وكانت هذه الأمة أكثر تفرقًا، هي ما أكثر في الواقع، لكن لما كانت ستتبع سنن من كان قبلها كان لا بد أن يكون لها اثنتان وسبعون فرقة، يبقى من لم يتبع الفرق السابقة كم فرقة؟ واحدة وهي الثالثة والسبعون، قال: سبب أن هذه الأمة على ثلاثة وسبعين فرقة؛ لأن اليهود واحد وسبعون والنصارى اثنتان وسبعون فرقة، الفرقة الناجية السليمة والتي اتبعت اليهود اثنتان وسبعون، وهذه الأمة ثلاث وسبعون، منها اثنتان وسبعون متبعة لليهود والنصارى ومنها واحدة ناجية.
الطالب: شيخ، مَنْ هي مِن الفرق؟ الشيخ: كلها، وعلى كل حال، الفرق حاول بعض العلماء أن يعدها، لا يمكن أن يكون داخلًا في الموضوع، حاولوا أن يعدوها، فقسموا أصول البدع إلى خمسة أقسام، ثم فرقوا هذه الأقسام حتى أوصلوها إلى اثنتين وسبعين فرقة، ولكن المسألة فيها نظر؛ لأنا ما ندري ها الفرق إلى الآن ما (...) القيامة قد تكون فرق ما ظهرت إلى الآن تنتسب إلى الإسلام وهي بريئة منه. الطالب: والمسلمون اللي يقلدون الكفار ما يدخلون تحت الفرق؟ الشيخ: لا يدخلون؛ لأن هذا خلاف في فرع من الفروع، لا بد أن يكون هناك أصل يختلفون فيه. الطالب: (...) أهل الكتاب؟ الشيخ: الرسول لما قالوا على اليهود والنصارى قال: «فَمَن؟» . فهذا يدل على أنه هؤلاء، ويحتمل أن يكون «فَمَنْ» يعني معناه باعتبار الجنس؛ يعني هؤلاء وغيرهم، لكن الحديث: «افْتَرَقَتِ الْيَهُودُ»، «وَافْتَرَقَتِ النَّصَارَى» يدل على أنهم يشبهون هؤلاء. ومن فوائد الآية الكريمة: مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًاأنه لا يجوز التحزُّب في الدين والتشيع، فيكون في هذا ذم لأولئك المتعقبين لمذاهبهم؛ لأنهم يُشيعون الناس في الواقع حتى إن بعض المفتين إذا استفتي قال: على أي مذهب تريد أن أفتيك؟ المذهب الشافعي، المالكي، الحنبلي، إلى آخره؟ وهذا لا شك أنه تفريق للأمة، ولهذا ذكروا فيما سبق في التاريخ أنه يحصل إلى حد القتال بين أصحاب المذاهب المتبوعة، وأئمة هذه المذاهب لا يرضون هذا أبدًا، ولا يرضون لأحد أن يقدم أقوالهم على قول الرسول عليه الصلاة والسلام، أو أن يجعل أقوالهم مثارًا للنزاع والجدل والعداء والبغضاء، ثم قال تعالى: وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ [الروم: ٣٣]. إلى آخره. يستفاد من هذه الآية الكريمة: أن طبيعة الإنسان عند الضراء اللجوء إلى ربه إِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ. وفيه دليل وهي تتضرر على هذه، أن أولئك الذين إذا مسهم الضر لجؤوا إلى غير الله، أنهم خالفوا جميع فِطَر البشر، إذن فيه ناس الآن إذا وقع في ضر ما دعا الله، يدعو الولي الذي يتبعه، أو الذي يراه وليًّا، وإذا وقع في الأمر الهيِّن دعا الله، فيجعلون الشدائد يجعلونها لمن لا يستطيع أن يدفع عنهم شيئًا أبدًا بل ولا يستجيب له: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ [الأحقاف: ٥]. بخلاف الناس، حتى غير المسلمين إذا وقعوا في شدة لا يلجؤون إلا إلى الله عز وجل. ومن فوائد الآية الكريمة: أن أولئك الذين يلجؤون إلى ربهم في الشدائد إذا زالت عنهم الشدائد، وأُخِذوا بالرحمة انقسموا إلى قسمين؛ منهم من يُشْرك ويبقى على شركه، ومنهم من يبقى على إيمانه إذا كان من المؤمنين. ومن فوائد الآية الكريمة: أن أولئك المشركين لا يتأنَّون في شركهم بعد أن ينجوا من الشدة، بل يستمرون عليه فورًا؛ لقوله: إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ [العنكبوت: ٦٥]؛ لأن إِذَاللمفاجأة، فجائية، وقال الله تعالى.. الطالب: إثبات الرحمة يا شيخ. الشيخ: إي نعم، من فوائدها: إثبات الرحمة. الطالب: الرد على الشيوعية. الشيخ: وفيها: الرد على أولئك الذين يُقدِّمون أولياءهم، أو أولئك الذين لا يلجؤون إلى أحد. وفيها أيضًا: إثبات الرحمة لله إذا أصابهم منه رحمة. وفيها: التنديد بإشراك هؤلاء؛ لأنه قال: إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْفكيف يليق بهم أن يشركوا بربهم الذي خلقهم؟ لأن الخالق سبحانه وتعالى يجب أن تكون العبادة له وحده. الطالب: لأن المشركين إذا أصابتهم الشدة تركوا الأصنام، واتجهوا إلى ربهم، فهم يعرفون أنها لا تنفعهم. الشيخ: والله، ما هو (...). طالب: ما يؤخذ منه وجوب التأدُّب مع الله سبحانه وتعالى، وأنه مانع من الضر، بينما الرحمة قال: وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ [الروم: ٣٣] ففهم أن الضر (...). الشيخ: لا، ما فيه هذه، فيه أن الشر لا يُضاف إلى الله، ولكن يرد على هذا بالنسبة للضر والنفع قوله تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً [الأحزاب: ١٧]، إنما الشر مطلقًا لا يضاف إلى الله، وإنما يضاف إلى المخلوقات المفعولات كما سبق.
تفسير الآيات (٣٤-٤٠)
٠٠:١٢:٢١
قال الله تعالى: لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ [الروم: ٣٤] لِيَكْفُرُوااللام هنا للعاقبة؛ يعني أنهم بإشراكهم صار عاقبتهم الكفر بما آتاهم الله عز وجل، آتاهم أي: أعطاهم. وقوله: لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْهل نقول: إن (الباء) للسببية أو إن (الباء) للتحقيق؛ بمعنى أنهم يكفرون بهذا الشيء؟ الجواب: يحتمل أن تكون للسببية أو بسبب ما آتاهم الله تعالى من الرحمة والإنقاذ من الشدة صار ذلك سببًا لأشرهم وبطرهم وكفرهم، كما هي عادة الإنسان إلا من عصمه الله عز وجل. أو يقال: لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْأي: يكفروا بهذا الشيء الذي آتيناهم حيث لا يؤدون شكره، وكان الواجب عليهم أن يؤدوا الشكر لله سبحانه وتعالى. وقوله: فَتَمَتَّعُواهذا يسمونه في البلاغة التفاتًا؛ لأنه لم يقل: وليتمتعوا كما قال في آية أخرى، ولكنه أمرهم أن يتمتعوا، والأمر هنا للتهديد كما قال المؤلف رحمه الله، قال: أي فآتيناهم، أُرِيد به التأكيد فتمتعوا، الأمر هنا للتهديد، وليس للإباحة، والدليل على ذلك قوله: فَسَوْفَ تَعْلَمُونَعاقبة تمتعكم فيه التفات عن الغَيْبة، وين الغَيْبة؟ لِيَكْفُرُوا. وقد سبق لنا أن الالتفات له فائدتان؛ فائدة لازمة في كل التفات، وهي التنبيه؛ لأن الكلام إذا كان على نسق واحد استمر الإنسان فيه مُنساقًا معه، فإذا اختلف وقف، لماذا اختلف السياق؟ لماذا كانت الجملة للغائب، ثم صارت للمخاطب أو بالعكس؟ فيقف ويهتم ولا يتعمد، أما الفائدة الثانية فإنها تختلف بحسب السياق، الفائدة الثانية هنا في هذه الآية هو أنهم إذا قُوبلوا بالأمر: فَتَمَتَّعُواصار أشد وأبلغ تهديدًا مما إذا قال: وليتمتعوا. وقوله: فَسَوْفَ تَعْلَمُونَقد قيل: إن (سوف) تفيد التحقيق لكنها تفيد أيضًا التراخي بخلاف السين فإنها تفيد التحقيق والفورية، وكل شيء بحسبه، وإنما كان كذلك هنا؛ لأن أشد العقاب الذي يأتيهم سيكون يوم القيامة، وهو متأخر، ثم قال تعالى: أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا [الروم: ٣٥].
الطالب: (سوف) ماذا تفيد؟ الشيخ: تفيد التحقيق والتراخي. قال: ({أَمْ} بمعنى همزة الإنكار، {أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا} حجة وكتاباً {فَهُوَ يَتَكَلَّمُ} تكلم دلالة {بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ} أي يأمرهم بالإشراك؟ لا) أَمْهنا يقول المؤلف: إنها بمعنى الهمزة، همزة الإنكار، وهذا أحد القولين فيها، والقول الثاني أنها بمعنى (بل) والهمزة، فتكون مفيدة للإضراب، وهنا الإضراب الانتقالي؛ يعني بل أأنزلنا عليهم سلطانًا؟ والاستفهام إذا كان للإنكار فمعناه النفي؛ يعني هل نحن أنزلنا عليهم سلطانًا يؤيد شركهم، ويثبته ويقول: إنه حق؟ الجواب: لا، ما أنزلنا ذلك أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا. يقول المؤلف: ({سُلْطَانًا}: حجة وكتابًا). والحجة تسمى سلطانًا؛ لأن المحتج بها له سلطة على المحجوج؛ فلهذا تسمى سلطانًا كما قال الله تعالى: إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا [يونس: ٦٨]. أي: حجة. واعلم أن السلطان يطلق على عدة معانٍ، فيجمعها كلها السلطة على الشيء، فتارة تأتي بمعنى الحاكم، كقول الفقهاء وجاء في الحديث: «فَإِنْ تَشَاجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ» . وكذلك: «إِنَّ اللَّهَ لَيَزَعُ بِالسُّلْطَانِ مَا لَا يَزَعُ بِالْقُرْآنِ» .
وتأتي السلطان بمعنى الحُجَّة، وهو كثير، وتأتي بمعنى القدرة مثل قوله تعالى: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ [الرحمن: ٣٣] أي: بقدرة وليس لكم قدرة، وكلها يجمعها هذا المعنى، السلطة التي بها السيطرة والغلبة. وقوله: فَهُوَ يَتَكَلَّمُقال المؤلف: (تكلُّم دلالة، فهو يتكلم بلسان الحال، وليس بلسان المقال). هذا ما قاله المؤلف، ولكنه يحتمل أن تبقى على ظاهرها؛ لأن الذي ينزل من عند الله كلام الله، وكلام الله تعالى يصح أن يُنسب الكلام إليه كما في قوله تعالى: هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ [الجاثية: ٢٩] إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ [النمل: ٧٦]. وقوله: بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ [الروم: ٣٥]. الباء هنا للاختصاص أيضًا، أي: يتكلمون بهذا الشيء، ويقول: إنه حق، والجواب: لا، إذن فليس عندهم حجة، لا عقلية ولا شرعية؛ أما العقلية فقد سبق أن فطرة الله سبحانه وتعالى كلها الإخلاص لله، وأما الشرعية فإنه لم يأتِ في كتاب من الكتب المنزلة أن الشرك حق، بل جميع الكتب المنزلة وجميع الرسل المرسلون، كلهم يقولون: اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [الأعراف: ٥٩]. وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء: ٢٥]. وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا [الروم: ٣٦]. إِذَا أَذَقْنَا النَّاسَكفار مكة وغيرهم، هذا أشد، جعلها عامة. وأفادنا المؤلف بقوله: (كفار مكة وغيرها) أن المراد بالناس هنا الكفار، فيكون من باب العام المستعمل في الخاص، وقد مر بنا كثيرًا أن العام يُستعمل في الخاص، والعام المراد به الخصوص غير العام المخصوص. وقد سبق لنا في أصول الفقه الفرق بينهما بين العام المخصوص والعام الذي أُريد به الخصوص؛ فالعام الذي أريد به الخصوص لم يُرد معنى العموم فيه من أول الأمر، وإنما أُريد به المعنى الخاص فقط، فقوله: الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ [آل عمران: ١٧٣] لم يُرد به عموم الناس من الأول، وأما العام الذي دخله التخصيص يعني العام المخصوص فهو أُريد به لعموم، وهو تناوله لجميع الأفراد، ثم أُخْرِج بعض أفراده من هذا الحكم فيكون عامًّا مخصوصًا، وعلى هذا فلا يمكن أن يستدل مستدل بالعام المراد به الخصوص، لا يمكن أن يستدل به على عموم الحكم؛ لأنه لم يُرد به العموم بخلاف الثاني العام المخصوص فإنه يمكن أن يستدل به على عموم الحكم، ويقول لمن أخرج شيئًا من أفراده: هات الدليل على التخصيص. المراد بالناس هنا إذن: وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا [الروم: ٣٦] عام أُريد به الخصوص؛ يعني الكفار؛ لأن هذا الوصف لا ينطبق إلا عليهم، أما المؤمن فإنه إذا قضى الله له قضاءً لم يكن معاندًا له. إذا أذقنا الناس كفار مكة وغيرهم بالنصب، أنا قلت بالجر؟ الصواب بالنصب كفارَ مكة وغيرَهم رحمة نعمة.
فَرِحُوا بِهَافرح بطر. وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌشدة بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَأي: ييئسون من الرحمة، ومن شأن المؤمن أن يشكر عند النعمة، ويرجو ربه عند الشدة. قوله تعالى: رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَارَحْمَةًيشمل جميع النِّعم من مال، وأولاد، وأمْن، ورخاء في العيش، وغير ذلك، كل ما يكون، أو كل ما ينعم به الإنسان فإنه داخل في ذلك؛ ولهذا قال: (من نعمة). وقوله: فَرِحُوا بِهَاأيدها المؤلف بقوله: (فرح بطر) احترازًا من الفرح بنعمة الله فرح شكر؛ لأن هذا لا يذم كما قال الله تعالى: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا [يونس: ٥٨] فأمر الله تعالى أن نفرح بفضل الله ورحمته، وعلى هذا فالفرح نوعان؛ فرح بطر يؤدي إلى الأشر والاستكبار عن الحق والتَّعَلِّي عن الخلق، هذا هو المذموم، والثاني: فرح شُكْر، يكون الإنسان فرحًا بنعمة الله، لكن هذا الفرح يحمله على شكر النعمة؛ فهذا ليس بمذموم، وهو من طبيعة الإنسان، فإن الإنسان إذا رُزِق ولدًا فرح، وإذا رُزِق مالًا فرح، وإذا كان طالب علم فتوصَّل إلى مسألة من مسائل العلم فرح، فهو من الأمور الطبيعة لكن إن أدى الفرح إلى الأشر فإنه مُحرَّم ومذموم وإلا فلا، هذا الكراهة الداخلة. وقوله: وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ [الروم: ٣٦] المراد بالسيئة هنا ما يسوؤه، وهو ضد الرحمة، مثل: فقر، وجدب، وخوف، فقدان مال، وما أشبه ذلك، هذه السيئة، وسمي سيئة؛ لأنه يسوؤهم. وقوله: بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْالباء هنا للسببية؛ أي بسبب. و(ما) موصولة؛ أي بالذي، وعلى هذا فالعائد محذوف، والتقدير: بما قدمته أيديهم إذا هم يقنطون بما. ولاحظ أن الله عز وجل أطلق الرحمة: وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً، أما السيئة فقيدها بقوله: بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ؛ وذلك لأن السيئات سببها أعمال العباد كما قال الله تعالى في الآية التالية إن شاء الله: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ [الروم: ٤١]. وقال تعالى: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ [الشورى: ٣٠] ولهذا قال هنا: أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ [القصص: ٤٧]. وقوله: بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْالمراد بما قدموا، فعبر بالأيدي عن النفس؛ لأن غالب الأعمال بها، وهذا كثير في القرآن؛ أن الله تعالى يضيف الشيء إلى الأيدي، والمراد بها نفس العامل، بل إن الله أضاف الأيدي إلى نفسه، والمراد بها نفسه مثل قوله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ [يس: ٧١]. فإن قوله: مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًاليس كقوله: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص: ٧٥] والفرق أن المراد بقوله: مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَاأي: مما علمناه. وأما: لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّفأضاف الخَلْق إلى نفسه مُعدًّا إلى اليد بالباء، فصارت اليد حصل بها الفعل، وأما الخلق فهو مضاف إلى نفسه سبحانه وتعالى، أضافه إلى نفسه المقدسة وعدَّاه إلى اليد بالباء؛ ولهذا يغلط من جعل قوله: مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَامثل قوله: لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص: ٧٥]. إذن بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْأي: بما كسبوا، وعبر بالأيدي عن النفس؛ لأنها آلة الفعل غالبًا. وقوله: إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ [الروم: ٣٦] إِذَافجائية واقعة في جواب الشرط، وهو قوله: وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ. وقوله: إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَأتى بالجملة الاسمية للدلالة على أنهم اتصفوا بذلك على سبيل الدوام، فهم دائمًا في قنوط ما دامت السيئة فيهم، والقنوط يقول المؤلف: (ييئسون) ولكنه تفسير فيه شيء من القصور؛ لأن القنوط ليس اليأس بل هو أشد اليأس؛ لأن اليأس إذا كان فيه شيء من الرجاء لا يسمى قنوطًا، وإن سُمِّيَ يأسًا لكن إذا بلغ اليأس غايته سُمِّي قنوطًا، وقد قال الله تعالى عن إبراهيم: وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ [الحجر: ٥٦] الجاهلون بما لله عز وجل مِنَ الحكمة بما يجري على عباده من الضراء والسراء. يقول المؤلف: (ومن شأن المؤمن أن يشكر عند النعمة، ويرجو ربه عند الشدة) وعلى هذا فتكون الآية فيمن؟ في الكفار. ({أَوَلَمْ يَرَوْا} يعلموا {أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ} يُوسِّعه {لِمَنْ يَشَاءُ} امتحانًا {وَيَقْدِرُ} يُضيِّقه لمن يشاء ابتلاءً). أَوَلَمْ يَرَوْاقال المؤلف: (أولم يعلموا). وعلى هذا فالرؤية علمية، ويؤيد تفسير المؤلف أنها جاءت في آيات أخرى بـ(يعلموا)، وهي في سورة الزمر: أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ [الزمر: ٥٢]. أَوَلَمْ يَعْلَمُواإذن فأحسن ما يُفسر به القرآن القرآن، وهو أعلى أنواع التفسير، ويمكن أن يقال: إن لكل آية معنى، فنُفسِّر الرؤية هنا برؤية البصر لا برؤية البصيرة التي هي العلم، ونفسرها هناك بالعلم كما هو لفظ الآية، ويكون البسط والتضييق معلومًا بالقلب مرئيًّا بالعين، فإن الإنسان أيضًا يرى بعينه كما يعلمه أيضًا بقلبه، وأيهما أعم (يعلموا) أو (يروا)؟ إذا لم نفسر (يروا) بـ(يعلموا)؟ العلم أعم؛ لأن العلم قد يكون بالرؤية، وقد يكون بالسماع. قد لا أرى أن الله بسط الرزق لعباده وقدَرَه، لكنني أسمع أنه في البلاد الفلانية فقر، وفي البلاد الفلانية غِنى، وما أشبه ذلك، فالعلم أعم؛ وذلك لأن وسائل العلم متعددة بخلاف الرؤية فإن طريقها البصر، العلم كل الحواس الخمسة التي تعرفونها كلها تُوصِّل إلى العلم، فاللمس والشم والذوق والرؤية والسماع كلها تفيد العلم، فهو أعم؛ لأنه إذا رأى علم، لكن العلم أعم؛ لأن وسائله أكثر. وقوله: أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَالبسط بمعنى التوسيع كما قال الله تعالى: فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ [الروم: ٤٨] يعني يوسعه. وقوله: لِمَنْ يَشَاءُسبق لنا أن كل شيء قيَّدَهُ الله بالمشيئة فإنه مقرون بالحكمة، وليست مشيئة الله تعالى مشيئة مجردة؛ لأننا نعلم أن الله عز وجل حكيم، لا يفعل شيئًا، ولا يشرع شيئًا إلا لحكمة، فكلما مر عليك شيء مُقيَّد بالمشيئة فاعلم أنه مقيد بالحكمة. لِمَنْ يَشَاءُقال المؤلف: (امتحانًا، {وَيَقْدِرُ} يُضيِّق لمن يشاء ابتلاءً)، ففرَّق المؤلف بين تضييق الرزق وبين بسطه، وجعل البسط امتحانًا والتضييق ابتلاءً، والصواب أنهما سواء كما قال تعالى: وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً [الأنبياء: ٣٥]، وكلها ابتلاء، وقال سليمان عليه الصلاة والسلام: هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ [النمل: ٤٠]. فالصواب أنها كلها ابتلاء والامتحان قريب من معنى الابتلاء، لكن الإصابة لبسط الرزق تقتضي شكرًا، وبتضييقه تقتضي صبرًا، هذا الفرق بينهما، والمؤمن يقوم بالوظيفتين، إن أصابته سراء شكر؛ فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر؛ فكان خيرًا له، وهذا ليس إلا للمؤمن فقط. وقوله: أَوَلَمْ يَرَوْاالاستفهام هنا المراد به التقرير؛ يعني أنهم يرون أن الأمور بيد الله عز وجل، وأنه يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، فكيف يقطنون إذا أصابتهم السيئة؟ وكيف يفرحون ويفخرون إذا أصابتهم الرحمة؟ بل الواجب عليهم أن يعلموا أن ذلك بحكمة من الله سبحانه وتعالى. وقوله: أَوَلَمْ يَرَوْاالواو هنا حرف عطف وَلِيَت أداة استفهام، وأداة الاستفهام لها الصدارة، فإذن لم تُسبق الواو بشيء يُعطف عليها، فما هو الجواب؟ ذكرنا فيما سبق أن لعلماء النحو في مثل هذا التقييد قولين؛ القول الأول أن الواو عاطفة على مُقَدَّر بعد الهمزة، والثاني أن الواو عاطفة على ما سبق، وعلى هذا فتكون الهمزة مُقدَّمة قبل العاطف، وذكرنا أن هذا الرأي أولى؛ لأن الأول وإن كان جيدًا من حيث الأصول لكنه في بعض الأحيان يصعب على الإنسان أن يُقدِّر شيئًا يرى أنه مناسب للسياق، وعليه فيكون القول بأن الهمزة للاستفهام، وأن الواو مُقدَّرة قبلها؛ يعني (وألم يروا) أسهل. يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ [الروم: ٣٧] ولا شك أن بسط الرزق وتضييقه أنه ابتلاء من الله سبحانه وتعالى؛ وذلك لأن العبد أحيانًا يناسبه أن يبسط له الرزق، وأحيانًا بالعكس حسب ما تقتضيه الحكمة يحسن لهاذاك ما لم يحسن لهذا. وقال الله تعالى: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [الروم: ٣٧] إِنَّ فِي ذَلِكَأي في بسْط الرزق وتضييقه. لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَآيَاتٍالذي نصبها إِنَّفهي اسمها مؤخرًا، وفِي ذَلِكَخبرها مقدم. وقوله: لَآيَاتٍأي: لعلامات دالة على أن الله سبحانه له التصرف المطلق في عباده. أظن أننا نرى أحيانًا بعض الناس يسعى بقدر ما يستطيع في أسباب الرزق، ومع ذلك لا يمكن، تجده يبيع، ويشتري، ويسافر يضرب في الأرض يبتغي من فضل الله، ومع هذا ليس كثر المال، مُضيَّقًا عليه، وتجد بعض الناس يسعى سعيًا بسيطًا ولكن الله تعالى يُبارك له في سعيه حتى يكون عنده رزق كثير؛ مما يدل على أن الأمور لا تُنَال بالكسب، الكسب سبب لكن فوق ذلك إرادة الله عز وجل. وقوله: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ؛ لأنهم هم الذين ينتفعون بهذا، بهذه الرؤية، وهذا التفكُّر، أما غير المؤمن فإنه لا ينتفع بهذا؛ ولذلك تجد هؤلاء الذين لا يُؤمنون إذا حصل مثل هذه الأمور ينسبونها إلى الطبيعة، إذا كثر المطر قالوا: هذا بسبب كذا، وإذا قلَّ قالوا: هذا بسبب كذا، ونحن لا ننكر أن الأمور لها أسباب، ولكننا نُنكر أن تكون الأسباب هي الفاعلة، فإن الفاعل هو الله عز وجل، وما الأسباب إلا وسائل يُستدل بها على حكمة الله سبحانه وتعالى، وأنه حكيم، حيث ربط المسببات بأسبابها إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [الروم: ٣٧] فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ [الروم: ٣٨] إلى آخره. آتِبمعنى أعطِ؛ لأنها من الرباعي لو كانت من الثلاثي لكانت بمعنى جِئ، لكنها من الرباعي الذي بمعنى أعطى. وقوله: آتِالخطاب مفرد، فهل هو للرسول صلى الله عليه وسلم شخصيًّا أو لكل من يتوجه إليه الخطاب؟ قلنا: إن للعلماء في هذا رأيين إلا ما دل الدليل على أنه خاص بالرسول صلى الله عليه وسلم فهذا يختص به، مثل: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ [الشرح: ١] هذا خاص بالرسول صلى الله عليه وسلم، وَوَجَدَكَ عَائِلًا [الضحى: ٨] يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ [المائدة: ٦٧] وما أشبه ذلك. الطالب: عائلًا؟ الشيخ: وجدك الرسول، لكنه أغنى بك. الطالب: (...). الشيخ: وقوله: فَآتِ ذَا الْقُرْبَىذَا الْقُرْبَىأي: صاحب القرابة؛ ولهذا قال المؤلف: (القرابة)، فالقربى هنا بمعنى القرابة. حَقَّهُمن البر والصلة. وأحق الناس بذلك الأم والأب وإن علوا، وصِلتهما تسمى بِرًّا؛ لأنه يجب أن تكون أعلى من غيرهما، والبر كثرة الخير، وغيرهما يسمى صلة؛ لأن المقصود الوصل فقط بخلاف الأب والأم، فـ(حقه) هنا مجمل، ولكنه مُبيَّن بنصوص أخرى من القرآن والسنة؛ وهو أن حق الأبوين البر، وحق غيرهما الصلة، فيمكن أن يكون قول المؤلف: (من البر والصلة) على سبيل التوزيع، من البر في الأبوين والصلة في غيرهما، في أولي الأرحام. قال: آتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ. وقوله: ذَا الْقُرْبَىيعم كل قريب ولو كان كافرًا؛ لأن العلة القرابة ليست الإسلام، لو قال: آتِ المؤمن حقه، قلنا: العلة الإيمان، فيختص الحكم به. آتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِالمسكين هو الفقير، وهنا أطلق المسكين والمراد به الفقير والمسكين في آية الصدقة، وقد مر علينا أن المسكين إذا أُطلق يشمل الفقير، والفقير إذا أُطلق يشمل المسكين، وإذا قُرِنا جميعًا افترقا. والمسكين له حق، ما حقه؟ حقه دفع حاجته؛ لأنه فقير، قال أهل العلم: وإطعام الجائع وكسوة العاري فرض كفاية، إذا قام بها من يكفي سقط عن الباقين وَابْنَ السَّبِيلِالمسافر، وسُمِّي ابن سبيل لملازمته له، والسبيل الطريق، وكل من لازم شيئًا يسمى ابنًا له، قالوا كما يقال: ابن الماء لطيره، طير الماء يسمى ابن الماء، ويقال للرجل الذي يكثر السفر في الليل: ابن الليالي، وما أشبه ذلك، فالابن لكل من لازم الشيء قال: من الصدقة، هذا تفسير لحق المسكين وابن السبيل، وقيل: المراد بابن السبيل الضيف؛ لأنه عابر سبيل ولكن الصحيح أنه المسافر، ويشمل الضيف ولَّا لا؟ يشمل الضيف؛ لأن الضيف مسافر. قال: (وأمة النبي صلى الله عليه وسلم تبع له في ذلك). أفادنا المؤلف في هذه الجملة أن الخطاب في قوله: فَآتِمُوَجَّه للرسول صلى الله عليه وسلم شخصيًّا، والأمة تبع له. وقد سبق لنا أن وجه ذلك؛ أن الرسول عليه الصلاة والسلام هو زعيم أمته، فوُجِّه الخطاب إليه وإن كان شاملًا، أو أنه خاص به، ويكون أمته تبعًا له على سبيل التأسي به. قال: ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ [الروم: ٣٨]. ذَلِكَالمشار إليه إتيان، أو إيتاء ذي القربى حقه. وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِخَيْرٌكلمة خَيْرٌهنا يُراد بها التفضيل ولَّا اسم وليست بتفضيل؟ قلنا فيما سبق: إن خيرًا وشرًّا تستعملان اسمي تفضيل، وتستعملان اسمًا مجردًا عن التفضيل كما في قوله: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [الزلزلة: ٧، ٨] هذا ليس المراد به التفضيل. كذلك هنا قال: ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ [الروم: ٣٨] الظاهر أنه لا يراد بها التفضيل، وإنما المراد أن هذا خير ضد الشر لكنه قُيِّد بقوله: لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ، وهذا دليل على الإخلاص؛ يعني خير للمخلصين الذين يريدون وجه الله، أما غير المخلص فإنه ليس خيرًا له، لكن هل هو خير للمؤمن؟ (...) تعالى: لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ [النساء: ١١٤] فجعل الله تعالى ذلك خيرًا مطلقًا، ثم قال: وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًافجعل هذا الشيء خيرًا مطلقًا لما فيه من النفع المتعدِّي، ولكنه لا يكون خيرًا للفاعل إلا بنية الإخلاص، وأظن هذا ظاهرًا، لو أنك تصدقت على شخص بدراهم أو بثوب يلبسه انتفع ولَّا لا؟ طلبة: نعم. الشيخ: طيب هل تنتفع أنت؟ قد تنتفع وقد تنضر، وقد لا تنتفع، ولا تنضر، إن فعلت ذلك رياءً انضررت، وإن فعلته إخلاصًا انتفعت، وإن فعلته مجرد سجية وطبيعة فإنك لا تنتفع؛ ولهذا قال هنا: لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ [الروم: ٣٨] قال المؤلف: (أي: ثوابه بما يعملون)؛ (أي: ثوابه). هذا تفسير لا يُناسب الصحيح، وإنما هو على طريقة أهل التأويل الذين لا يؤمنون بالصفات الخبرية التي أخبر الله بها عن نفسه كالوجه واليدين والقدم، وما أشبهها، فتفسير الوجه بالثواب خطأ، وليس على طريق أهل السنة والجماعة، بل هو على طريق أهل البدع المؤولين الذين يسمون أنفسهم مؤولين وهم في الحقيقة مُحرِّفون، والصواب أن المراد بوجه الله وجهه الذي هو صفته، وأن في الآيات إشارة إلى أن من فعل مثل هذه الأمور لله فإنه سوف يرى الله عز وجل ويلقاه كما ثبت ذلك في الكتاب والسنة وإجماع السلف أن المؤمنين يرون ربهم كما يرون القمر ليلة البدر. الطالب: شيخ، قلنا: إنه ينتفع بما أعطى، فليقل: ذلك خير للذين يريدون وجه الله، يعني المسألة (...)؟ الشيخ: لا، يُنتفع بها، كيف ما ينتفع؟! الطالب: أقول: يُنتفع، لكن الآية مرادها؟ الشيخ: إي، نقول: ما يكون خير إلا لمن يريدون وجه الله، هذا بالنسبة للمعطي، أما بالنسبة للمُعْطَى فهو خير له، حتى لو يعطيه إنسانًا كافرًا، لو يعطي كافر شخصًا مالًا انتفع به، وصار خيرًا. الطالب: لكن الآية يعني كان معناها أنها نفع للمعطي. الشيخ: نعم، هي ما تكون خيرًا للمعطي إلا بالنية، المعطي ما تكون إلا بالنية، أما بالنسبة للمُعْطَى فهي خير على كل حال، فالله ما ذكر في الآية هنا الخير للمعطِي إلا بهذه النية، أما المعطَى فلا شك أنه له خير على كل حال كما تفسره آية النساء. الطالب: (...) ثواب الله، ما يشمل رؤية الله (...) يلتمس له العذر؟ الشيخ: لا، معروف الطريق.
الطالب: سورة الإنسان التي تدل على ذلك في قوله تعالى: (...). الشيخ: إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة: ٢٣]، الأولى ناضرة بالضاد بمعنى حسنة وبهية، والثانية بالظاء؛ لأنها من النظر بالعين. قال: وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الروم: ٣٨] أولاء مبتدأ، وهُمُضمير فصل، والْمُفْلِحُونَخبره، المفلح هو الذي فاز بالمطلوب، ونجا من المهروب، مِن (أفلح) إذا فاز، وأصل الفلاح البقاء، كما قال الشاعر:
..........................
وَالْمُسْيُ وَالصُّبْحُ لَا فَلَاحَ مَعَهْ
يعني لا بقاء، ولكنه صار شاملًا لكل ما حصل به المطلوب ونجا به من المرغوب.
وقوله: هُمُ الْمُفْلِحُونَالجملة اسمية تدل على أن الفلاح لازم لهم، ضمير الفصل هل هو اسم ولَّا حرف؟ لا، الصحيح أنه حرف لا محل له من الإعراب، ولا يُعرب؛ لأن ما الفائدة من ضمير الفصل؟ الفائدة الحصر فقط له ثلاث فوائد؛ الأولى: الحصر، والثانية: التوكيد، والثالثة: الفرق بين الصفة والخبر، مثال ذلك: إذا قلت: زيدٌ العاقلُ، زيدٌ: مبتدأ، والعاقل: خبر. لكن يحتمل أن تكون العاقل صفة لزيد، وأن الخبر ما بعد زيد العاقل محمود مثلًا، فإذا قلت: زيد هو العاقل تعين أن تكون العاقل خبرًا؛ ولهذا قيل له: إنه ضمير فصل؛ لأنه يفصل ويميز بين التابع اللي هو النعت وبين الخبر، أما إفادته للتوكيد واضحة فإن قولك: زيد هو العاقل أقوى في الدلالة على الحصر من قولك: زيد العاقل، أما كونه لا محل له من الإعراب فلاحظ في القرآن: لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ [الشعراء: ٤٠]. لو كان له محل من الإعراب لقال: إن كانوا هم الغالبون، يكون هم: مبتدأ، والغالبون: خبر، والجملة خبر كان، فدل هذا على أنه لا محل له من الإعراب وهو على المشهور عند النحويين حرف؛ يعني جِيء به للفصل.
الطالب: سلمك الله، الضمير إذا أطلق عليه كلمة الضمير، والضمائر كلها أسماء، فإذا كان حرف (...). الشيخ: صورة الضمير، لكن معناه ليس معنى الضمير الذي يكون اسمًا (...) قال الله تعالى: وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ [الروم: ٣٦]. يستفاد منه هذه الآية الكريمة: (...) بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ [النحل: ٥٥]. يستفاد من هذه الآية: أن الله سبحانه وتعالى قد يجعل النعم سببًا للكفر فيكون الكفر معنًى لها؛ لقوله: لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ [الروم: ٣٤]؛ لأن ذكرنا أن اللام هنا للعاقبة. ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الأسباب إذا جعلنا الباء في قوله: بِمَا آتَيْنَاهُمْسببية أما إن جعلناها للاختصاص فليس فيه دليل. ومن فوائد الآية الكريمة: أن ما أصابنا من نِعَم فإنه من الله؛ لقوله: بِمَا آتَيْنَاهُمْ. ومنها: تحذير الكافرين، وأن انبساطهم بنعم الله سبحانه وتعالى ضرر عليهم؛ لقوله: فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ. ومنها: بلاغة القرآن؛ وذلك بالانتقال من الغَيْبَة إلى الخطاب الذي يسمى في اصطلاح البلاغيين (...)؛ لأنه سبق لنا فوائد الانتقال.
الطالب: والعكس يا شيخ؟ الشيخ: إلا.. كيف؟ ومنها: إثبات الجزاء. من أين نأخذه؟ من قوله: فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ.
ثم قال عز وجل: أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ [الروم: ٣٥]. من فوائد هذه الآية: أن أولئك المشركين ليس لهم حجة على شركهم؛ لقوله: أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا.
ومن فوائدها: أن من صنع شيئًا بدليل فلا لوم عليه. من أين يؤخذ؟ من قوله: أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًايعني لو كان لهم سلطان ما نلومهم، ولا نعذبهم. ومنها: أن المجتهد المتأول لا إثم عليه، لماذا؟ لاعتماده في اجتهاده على دليل؛ لأنه استند إلى دليل؛ ولهذا لم يُضمِّن النبي صلى الله عليه وسلم أسامة بن زيد، لم يضمنه الرجل الذي قتله بعد أن قال: لا إله إلا الله، السبب؛ لأنه متأوِّل. ولم يُلزِم عمار بن ياسر بقضاء الصلاة حين تيمم عن الجنابة بالتقلب على الأرض والتمرغ فيها، لماذا؟ لأنه مُتأوِّل، ولم يلزم المرأة المستحاضة بقضاء الصلاة وهي تتركها وقت الاستحاضة؛ لأنها متأولة، وعلى هذا فكل متأول يظن أنه على صواب فإنه لا إثم عليه، لكن هل هذا يشمل الأصول والفروع أو هو خاص بفروع الدين؟ قال شيخ الإسلام: إنه يشمل الأصول والفروع، وأنكر شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم أن يكون الدين منقسم إلى أصول وفروع، وقال: إن هذا التقسيم لا أصل له، لا في الكتاب ولا في السنة، فهذه الصلاة عند المقسِّمين، الصلاة عندهم من قِسْم الأصول ولَّا من قسم الفروع؟ الفروع، وهي من آصل الأصول، هي الركن الثاني من أركان الإسلام، ومع ذلك هي عندهم من قسم الفروع، وأشياء يختلفون فيها وهي عندهم من قسم الأصول، ويرون أن الاختلاف فيها مساغ؛ كاختلافهم في رؤية النبي صلى الله عليه وسلم ربه، واختلافهم في نعيم القبر وعذاب القبر في بعض الصور، وما أشبه ذلك مما هو من العقائد، ومع ذلك يرون أن الاختلاف فيه سائغ. فالشاهد أن المدار كله على قاعدة من قواعد الشرع، وهي قوله تعالى: لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة: ٢٨٦]، فمن اجتهد في طلب الحق وتحرَّاه، ولكنه لم يُوفَّق له مع حُسْن النية وصحة المسلك، هل نقول: هذا آثِم؟ ما يمكن، يعني عندنا مثلًا فيه علماء أجلة نشهد لهم بالدين، والصلاح، وحب الإسلام، والانتصار للإسلام، ومع ذلك هم مخالفون للسلف في العقيدة، ونحبهم، ولا نؤثمهم، مِثْل مَنْ؟ كابن حجر، وابن الجوزي، وكذلك النووي، وطوائف من العلماء معروفون بالصلاح والإصلاح وحب الخير، ونعلم أنهم مجتهدون، مع أن الإنسان الذي تبين له الحق ولكنه عاند وأصر هذا يُعامَل بما يقتضيه عناده وإصراره. وهنا الآن الذي قال الله تعالى: أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًاهي في مسألة أصولية، في الشرك، لو كان لهم حجة يعتمدون عليها ما استحقوا العذاب ولا اللوم، ولكن ليس لهم حجة. قوله تعالى: أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ [الروم: ٣٥] يستفاد منها أيضًا: أنه لا بد أن يكون السلطان أو الحجة التي يحتجون بها واضحة؛ لقوله: فَهُوَ يَتَكَلَّمُ، والتعبير بالكلام هو أوضح ما يكون من الإظهار. ومن فوائد الآية الكريمة: ظهور عدل الله سبحانه وتعالى، وإلا لكان عز وجل يعذبهم بدون أن يقيم عليهم الحجة، ولكن لإظهار عدله سبحانه وتعالى صار يطالب بالحجة هؤلاء مع العلم أنه لا حجة لهم، ومن هذا النوع الموازين يوم القيامة، والكتب يوم القيامة، كل هذا لإظهار عدل الله، وإلا فالله تعالى له الحكم وإليه المنتهى، قادر على أن يُعذِّب بدون ميزان وبدون كتاب، ولكنه سبحانه وتعالى بكمال عدله يُعطَى الإنسان كتابه ويقال له: اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا [الإسراء: ١٤]. قال بعض السلف: لقد أنصفك من جعلك حسيبًا على نفسك، صحيح، لو تتذكر الحساب بينك وبين واحد معاملة وحساب صادر ووارد، قلت: خذ الدفتر وأنت حاسب، أيش يكون هذا عدل ولَّا لا؟ عدل بخلاف ما لو ما أجملت الحساب وقلت: عليك كذا ولك كذا، قد يكون في هذا شُبْهة، لكن يعطيك الدفتر ويقول: أنت حاسب نفسك، هذا غاية الإنصاف. فيه بعده: وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ [الروم: ٣٦]. يستفاد من الآية الكريمة: أن الرحمة من الله تفضلًا منه وامتنانًا كيف ذلك؟ أن كونها من كقوله: وَإِذَا أَذَقْنَا. وأما كونها تفضلًا فلأنه لم يذكر لها سببًا تفضلًا وامتنانًا.
ومن فوائد الآية الكريمة: ذم الفرح إذا كان على سبيل الأشر والبطر، قد تقولون: من أين نأخذه من الآية؟ طالب: من قوله: فَرِحُوايا شيخ.
الشيخ: إي، لكن تقييد الفرح بالأشر والبطر من قوله: وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَيمكن يُؤخذ أن الفرح المذموم من الصفة التي بعده. ومن فوائد الآية الكريمة: أن السيئة لا تُضاف إلى الله؛ لأنه قال: وَإِنْ تُصِبْهُمْولم يقل: وما أصبناهم. فإن قال قائل: ما تقولون في قوله تعالى في سورة النساء: وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [النساء: ٧٨]. فما هو الجمع؟ طالب: (...). الشيخ: طيب هنا قلنا: إن السيئة لا تضاف إلى الله؛ أي أن إيقاعها سيئة ولَّا لا؟ إيقاعها ليس بسيئة، هي سيئة لكن إيجادها ليس بسيئة، بل ولحكمة، فالشيء بنفسه قد يكون سوءًا لكن بالنسبة لفعل الفاعل لا يكون فعل الفاعل سوءًا، هذا رجل لُدِغَ ابنه، واحتاج الابن إلى كي، فأحمى الحديدة في النار وكواه، فصرخ الابن فرحًا أو ألمًا؟ ألمًا، إذن هذه سيئة ولَّا لا؟ لكن كي والده إياه سيئة ولَّا حسنة؟ حسنة. فحينئذٍ يجب أن نعرف الفرق بين الفعل والمفعول، فالسوء والشر إنما هو بالنسبة لمفعول الله من الصفات المنفصلة عن الله، أما بالنسبة للفعل الذي هو فعل نفسه فإنه لا يمكن أن يكون شرًّا أبدًا بل هو خير، ويمكن أن تقول: إن الخير نوعان: خير لذاته، وخير لغيره، فما كان شرًّا في نفسه وقدَّره الله فهو خير لغيره، وما كان خيرًا في نفسه فهو خير، واضح، ممكن نقول هكذا؟ فإذن لنا عن هذا جوابان؛ الجواب الأول: أن يُقال: إن الشر ليس في فعل الله، بل هو في مفعوله، أما إيجاد الله له فهو خير لما يتضمنه من الحكمة البالغة، هذا واحد ونظيره كَيُّ الإنسان ابنه ليُشفى من المرض فهو في ذاته الكي شر، لكن بالنسبة لفعل الأب له خير، هذا وجه. أو يقال: إن الخير نوعان؛ خير لذاته، وخير لغيره، فما كان خيرًا محضًا فهو خير لذاته كالمطر، والنبات، والأمن، وما أشبه ذلك وما كان شرًّا لذاته فهو خير لغيره، إذا كان الشر خيرًا لغيره صار بهذا خيرًا، فالجدب والقحط والخوف وما أشبه ذلك خير؛ لأنه يؤدي إلى خير كما قال الله عز وجل: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الروم: ٤١]. ومن فوائد الآية الكريمة: فهمنا الآن أن السوء لا يضاف إلى الله، وإنما يضاف إلى مفعولاته. من فوائد الآية الكريمة: أن السوء لا ينال الناس إلا بأعمالهم؛ لقوله: بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْطيب سؤال هل هذا يشمل السوء في الأمور الدينية والأمور الدنيوية أو في الأمور الدنيوية فقط؟ فيهما جميعًا؛ فالجدب والقحط بسبب الأعمال السيئة والمعاصي، كذلك زيغ القلب بسبب المعاصي فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ [الصف: ٥]. إذن المصائب الدينية والدنيوية كلها بسبب أعمالنا نحن، فلو استقمنا استقامت لنا الأمور، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ [الأنفال: ٢٩] شوف فرقانًا، إذن التقوى سبب للعلم؛ لأن الفرقان ما يكون إلا بعلم يفرق الإنسان فيه بين النافع والضار والحق والباطل، إذن نقول: هذا يشمل أمور الدين وأمور الدنيا. ومن فوائد الآية الكريمة: تحريم القنوط من رحمة الله، من أين يؤخذ؟ لأن الله أطلقه على سبيل الذم، إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ، هذا دليل على تحريمه، ودليل على تحريمه بالنظر أن القنوط يستلزم عدم الرجوع إلى الله؛ يعني إذا قنط من رحمة الله كيف يرجو رحمة الله؟ فيستحسر وييئس والعياذ بالله، ولا يتعرض لما فيه الرجاء والأمل. الطالب: شيخ، البلاء.. الشيخ: البلاء بما يُؤلم هذا سوء، والبلاء بما يسر هذا ابتلاء وليس سوءًا. الطالب: المؤمن يُبتلى على قدر إيمانه؟ الشيخ: يُبتلى على قدر إيمانه؛ لأنه أحيانًا يكون الابتلاء بالمصائب ليس من أجل عقوبة لكن من أجل التمثيل وهو البيان، وهذا مر علينا أنه قد يقع وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ [محمد: ٣١] أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ [البقرة: ٢١٤]. وقلنا: إن الابتلاء مع استقامة الحال ليس المراد به تكفير سيئة حصلت بل المراد به رفع درجات؛ لأن الصبر ما يكون إلا على بلوى، والصبر مرتبة عالية ما ينال إلا بمشقة. ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الاختيار في البحث؛ لقوله: بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ [الروم: ٣٦]. فيكون في ذلك رد لقول مَنْ؟ الجبرية الذين يقولون: إن الإنسان ما له اختيار في العمل. ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان قد يُعاقَب على أعمال القلوب، أو قد يُذم على أعمال القلوب؛ لأن القنوط من أعمال القلوب؛ إذ إنه أشد اليأس ومحله القلب.