تجاوز إلى المحتوى

تفسير سورة الرحمن

درس صوتي · ٥٦:٣١

جارٍ تجهيز الصوت

انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها

إعدادات

اختصارات لوحة المفاتيح

Space أو K تشغيل وإيقاف ←→ خمس ثوانٍ JL خمس عشرة ثانية HomeEnd بداية ونهاية الدرس

محتوى الدرس

تفسير الآيات (١-٤)

٠٠:٠٠:٠٦

بسم الله الرحمن الرحيم يقول الله عز وجل: الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ [الرحمن: ١ - ٤] الرَّحْمَنُمبتدأ، وجملة عَلَّمَ الْقُرْآنَخبر، خَلَقَ الْإِنْسَانَخبر ثانٍ، عَلَّمَهُ الْبَيَانَخبرٌ ثالث، يعني: أن هذا الرب العظيم الذي سمى نفسه بالرحمن تفضَّل على عباده بهذه النعم، والرحمن هو ذو الرحمة الواسعة التي وسعت كل شيء كما قال الله تعالى: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ [الأعراف: ١٥٦].

وابتدأ هذه السورة بـالرَّحْمَنُعنوانًا على أن ما بعده كله من رحمة الله تعالى، ومن نِعَمِه عَلَّمَ الْقُرْآنَعلمه مَنْ؟! علمه جبريل؟! علمه محمدًا؟! علمه الإنسان؟! الجواب: علَّمَه من شاء من عباده، فعلَّمه جبريل أولًا، ثم نزل به جبريل على قلْب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ثانيًا، ثم بلغه محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وسلم ثالثًا إلى جميع الناس، والقرآن هو هذا الكتاب العزيز الذي أنزله الله تعالى باللغة العربية، كما قال الله تعالى: إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [الزخرف: ٣]، وقال تعالى: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ [الشعراء: ١٩٣ - ١٩٥] وتعليم القرآن يشمل تعليم لفظه، وتعليم معناه، وتعليم كيف العمل به؟ فهو يشمل ثلاثة أشياء. خَلَقَ الْإِنْسَانَوالمراد الجنس، فيشمل آدم وذريته؛ أي: أوجده من العدم، فالإنسان كان معدومًا قبل وجوده، قبل خَلْقه، قال الله عز وجل: هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا [الإنسان: ١]؛ يعني أتى عليه حينٌ من الدهر قبل أن يوجد وليس شيئًا مذكورًا، ولا يعلم عنه، وبدأ الله تعالى بتعليم القرآن قبل خلق الإنسان إشارة إلى أن نعمة الله علينا بتعليم القرآن أشد وأبلغ من نعمته بخلق الإنسان، وإلا من المعلوم أن خلق الإنسان سابقٌ على تعليم القرآن، لكن لما كان تعليم القرآن أعظم منةً من الله عز وجل على العبد قدَّمه على خلقه. عَلَّمَهُ الْبَيَانَعلَّم مَنْ؟ علَّم الإنسان، الْبَيَانَأي: ما يبين به عما في قلبه، وعَلَّمَهُ الْبَيَانَأيضًا ما يستبين به عند المخاطبة، فهنا بيانانِ؛ البيان الأول: مِن المتكلم، والبيان الثاني: من المخاطَب، البيان من المتكلم؛ يعني التعبير عما في قلبه، يكون باللسان نُطقًا، ويكون بالبنان كتابةً، عندما يكون في قلبك شيء تريد أن تُخبِر به، تارةً تُخبر به بالنطق، وتارةً بالكتابة، كلاهما داخل في قوله: عَلَّمَهُ الْبَيَانَ.

أيضًا عَلَّمَهُ الْبَيَانَكيف يستبين الشيء؟ وذلك بالنسبة للمخاطب أن الإنسان يعلم ويعرف ما يقول صاحبه، ولو شاء الله تعالى لأسمع المخاطب الصوت دون أن يفهم المعنى، أليس كذلك؟ إذن البيان سواء من المتكلم أو من المخاطب كلاهما مِنَّة من الله عز وجل، كم نعمة هذه؟ عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَثلاث.

تفسير الآية (٥)

٠٠:٠٣:٤٧

{الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ} [الرحمن: ٥] لما تكلم عن العالم السفلي بَيَّن العالم العلوي. الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍأي: بحسابٍ دقيق يجريان كما أمرهما الله عز وجل، ولم تتغير الشمس والقمر منذ خلقهما الله عز وجل إلى أن يفنيهما، يسيران على خَط واحد كما أمرهما الله، وهذا دليلٌ على كمال قدرة الله تبارك وتعالى، وكمال سلطانه، وكمال علمه، أن تكون هذه الأجرام العظيمة تسير سيرًا منظمًا لا تتغير على مدى السنين الطوال. إذن: بِحُسْبَانٍأي: بحسابٍ معلوم مُتقَن منتظم أشد الانتظام.

تفسير الآية (٦)

٠٠:٠٤:٣٨

{وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ} [الرحمن: ٦] (النَّجْمُ) اسم جنس، والمراد به النجوم تسجد لله عز وجل، هذه النجوم العليا التي نشاهدها في السماء هي تسجد لله عز وجل سجودًا حقيقيًّا، لكننا لا نعلم كيفيته؛ لأن هذا من الأمور التي لا تدركها العقول، الشجر يسجد لله عز وجل سجودًا حقيقيًّا لكن لا ندري كيف ذلك، كما قال عز وجل: تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ [الإسراء: ٤٤]. إذن النجم المراد به؟ يعني كل النجوم، النجوم كلها؛ الشجر كل الأشجار في الأرض تسجد لله عز وجل، قال الله تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ [الحج: ١٨] كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِيقابله: وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ [الحج: ١٨] فلا يسجدون والعياذ بالله أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ. إذن: (النجم) يعني: النجوم، (الشَّجَرُ) يعني: الأشجار، يسجدان حقيقةً أو مجازًا؟ حقيقة، يسجدانِ لكن على أي كيفية؟ الله أعلم، لا ندري، والله على كل شيء قدير. الآن انظر إلى الأشجار إذا طلعت الشمس تتجه أوراقها إلى الشمس، تشاهدها بعينك، وكلما ارتفعت ارتفعت الأشجار، وإذا مالت للغروب مالت أيضًا، هذا نشاهده، لكن هذا ليس هو السجود، إنما السجود حقيقةً لا يُعلم.

تفسير الآية (٧)

٠٠:٠٦:٣٣

{وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا} يعني: ورفع السماء، ولم يُحدِّد في القرآن الكريم مقدار هذا الرفع، لكن جاءت السنة بذلك؛ فهي رفيعة عظيمة ارتفاعًا عظيمًا شاهقًا. وَوَضَعَ الْمِيزَانَ؛ أي: وضع العدل، والدليل على أن المراد بالميزان هنا العدل قوله تبارك وتعالى: لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ [الحديد: ٢٥] يعني: العدل، وليس المراد بالميزان هنا الميزان ذا الكفتين المعروف، لا، المراد الميزان: العدل، ومعنى وَوَضَعَ الْمِيزَانَ [الرحمن: ٧]؛ أي: أثبته للناس ليقوموا بالقسط؛ أي: بالعدل.

تفسير الآية (٨)

٠٠:٠٧:١٧

{أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ} [الرحمن: ٨] أي: ألا تطغوا في العدل، وضع العدل لئلا تطغوا في العدل فتجوروا، تحكموا للشخص وهو لا يستحق، أو على الشخص وهو لا يستحق.

تفسير الآية (٩)

٠٠:٠٧:٢٩

{وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ} [الرحمن: ٩] الْوَزْنَيعني: الموزون، (أقيموا الوزن) الْوَزْنَيعني: وزنكم للأشياء، أقيموه لا تبخسوه فتنقصوا؛ ولهذا قال: وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ [الرحمن: ٩] أي: لا تُخسر الموزون، فصار الميزان يختلف في مواضعه الثلاثة: (وَضَعَ الْمِيزَانَ) يعني؟ طلبة: العدل. الشيخ: أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ: لا تجوروا في الوزن، وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ: الموزون.

تفسير الآيات (١٠-١٣)

٠٠:٠٨:٠١

ثم قال عز وجل: وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ [الرحمن: ١٠] يعي: أن من نِعَم الله عز وجل أن الله وضع الأرض للأنام، أي: للخلق. فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ (١١) وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ (١٢) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ [الرحمن: ١١ - ١٣]، وضع الله الأرض للأنام، أي: أنزلها بالنسبة للسماء، والأنام هم الخلق، مثل الملكين اللَّذَين عن اليمين وعن الشمال قعيد، والملائكة الذين يحفظون من أمر الله المعقبات، والملائكة التي تنزل في ليلة القدر، وغير ذلك. فِيهَا فَاكِهَةٌأي: في الأرض فاكهة، أي: ثمار يتفكَّه بها الناس، وأنواع الفاكهة كثيرة كالعنب والرمان والتفاح والبرتقال وغيرها. وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِنص على النخل؛ لأن ثمرتها أفضل الثمار، فهي حلوى وغذاء وفاكهة، وشجرتها من أبرك الأشجار وأنفعها، حتى إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم شبَّهَ المؤمن بالنخلة، بل شبهها -أي النخلة- بالمؤمن فقال: «إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً مَثَلُهَا مَثَلُ الْمُؤْمِنِ» . فخاضَ الصحابة في الشجر حتى أخبرهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنها النخلة.

وقوله: ذَاتُ الْأَكْمَامِجمع (كِم)، وهو غلاف الثمرة، فإن ثمرة النخل أول ما تخرج يكون عليها (كِمٌّ) قوي، ثم تنمو في ذلك الكم حتى يتفطر وتخرج الثمرة. وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ [الرحمن:١٢] الْحَبُّ: يعني الذي يُؤكل من الحنطة والذرة والدخن والرز وغير ذلك. وقوله: ذُو الْعَصْفِأي: ما يحصل من ساقه عند يبسه وهو ما يعرف بالتبن؛ لأنه يُعصف، أي: تطؤه البهائم بأقدامها حتى ينعصف. وَالرَّيْحَانُهذا الشجر ذو الرائحة الطيبة، فذكر الله في الأرض الفواكه والنخل والْحَب والريحان؛ لأن كل واحد من هذه الأربع له اختصاص يختص به، وكل ذلك من أجل مصلحة العباد ومنفعتهم. فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِالخطاب للجن والإنس، والاستفهام للإنكار، أي: أي نعمة تكذبون بها.

تفسير الآيات (١٤-١٦)

٠٠:١٠:٤٤

{خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (١٤) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ} [الرحمن: ١٤، ١٥]. خَلَقَ الْإِنْسَانَيعني: جنسه. مِنْ صَلْصَالٍوالصلصال هو الطين اليابس الذي له صلصلة، أي: صوت عندما تنقره بظفرك يكون له صوت. كَالْفَخَّارِهو الطين المشوي، وهذا باعتبار خلق آدم عليه السلام، فإن الله خلقه من تراب من طين من صلصال كالفخار من حمأٍ مسنون، كل هذا أوصاف للتراب ينتقل من كونه ترابًا، إلى كونه طينًا، إلى كونه حمأً، إلى كونه صلصالًا، إلى كونه كالفخار، حتى إذا استتم نفخ الله فيه من روحه فصار آدميًّا. وَخَلَقَ الْجَانَّوهم الجن مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍالمارج: المختلِط الذي يكون في اللهب إذا ارتفع صار مختلطًا بالدخان، فيكون له لونٌ بين الحمرة والصفرة فهذا هو المارج. مِنْ نَارٍ، وأيهما خُلِق أولًا؟ الجان خُلِق قبل الإنس، ولهذا قال إبليس لله عز وجل: أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ [الأعراف: ١٢].

وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ (١٥) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ [الرحمن: ١٥، ١٦] أي: بأي نعمة من نعم الله تكذبون، حيث خلق الله عز وجل الإنسان من هذه المادة، والجن من هذه المادة، وأيهما خير، التراب أم النار؟ التراب خير لا شك فيه، ومن أراد أن يطلع على ذلك فليرجع إلى كلام ابن القيم رحمه الله في كتابه إغاثة اللهفان من مكائد الشيطان.

تفسير الآيتين (١٧-١٨)

٠٠:١٢:٢٨

{رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ} [الرحمن: ١٧] رَبُّهذه خبر مبتدأ محذوف، والتقدير: هو رب المشرقين ورب المغربين، يعني: أنه مالكهما، ومدبرهما، فما من شيءٍ يشرق إلا بإذن الله، ولا يغرب إلا بإذن الله، وما من شيءٍ يحوزه المشرق والمغرب إلا لله عز وجل، وثنَّى المشرق هنا باعتبار مشرق الشتاء ومشرق الصيف؛ لأنه يختلف، فالشمس في الشتاء تشرق من أقصى الجنوب، وفي الصيف بالعكس، القمر في الشهر الواحد يشرق من أقصى الجنوب ومن أقصى الشمال. وفي آية أخرى قال الله تعالى: فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ [المعارج: ٤٠] فجمعها، وفي آيةٍ ثالثة: رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا [المزمل: ٩]، فما هو الجمع بينها؟ نقول: أما التثنية فباعتبار مشرقي الشتاء والصيف. الْمَشَارِقِالجمع باعتبار مشرق كل يوم ومغربه؛ لأن الشمس كل يوم تشرق من غير مكانها الذي أشرقت منه بالأمس، وكذلك بالغروب، أو باعتبار الشارقات والغاربات؛ لأنها تشمل الشمس والقمر والنجوم، وهذه لا يُحصيها إلا الله عز وجل، فصار الجمع باعتبار مشرق لكل يوم ومغربه؛ لأن كل يوم يختلف عن اليوم الآخر في الشروق والغروب، أو باعتبار الشارقات والغاربات؛ لأنها كثيرة، الشمس والقمر والنجوم من يُحصيها؟ لا يحصيها إلا الله عز وجل. أما قوله: رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِفباعتبار الناحية؛ لأن النواحي أربع: مشرق، ومغرب، وشمال، وجنوب، والجمع هنا سهْل ويسير، ليس فيه صعوبة، فنقول: المشرقين والمغربين، التثنية باعتبار مغربي الشتاء والصيف، ومشرقي الشتاء والصيف، الجمع؟ إما باعتبار مشرق الشمس كل يوم ومغربها كل يوم، وهذا يختلف. ولا يخفى عليكم الآن كيف تجدون الشمس يتغير طلوعها وغروبها كل يوم، لا سيما عند تساوي الليل والنهار، تجد الفرق دقيقة أو دقيقة ونصف بين غروبها أمس واليوم، أو باعتبار الشارق والغارب، والشارقات والغاربات كثيرات لا يحصيها إلا الله عز وجل، الإفراد باعتبار الجهة؛ لأن الجهات أربع: مشرق، ومغرب، وشمال، وجنوب. رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (١٧) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ [الرحمن: ١٧، ١٨] أي: بأي شيءٍ من نِعَم الله تكذبان يا معشر الجن والإنس؟ فما جوابنا على هذه الاستفهامات في هذه الآيات كلها؟ جوابنا: ألا نكذب بشيءٍ من آلائك يا ربنا؛ ولهذا ورد حديث في إسناده ضعف: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما تلاها على الصحابة كانوا يستمعون إلى قراءة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولا يردون شيئًا، فقال كلمة معناها: «إِنَّ الْجِنَّ خَيْرٌ رَدًّا مِنْكُمْ؛ فَإِنَّهُمْ كَانُوا كُلَّمَا قَرَأَ آيَةً قَالُوا: لَا بِشَيْءٍ مِنْ آلَائِكَ رَبِّنَا نُكَذِّبُ» ، لكن هذا الحديث ضعيف، إنما يذكره المفسرون هنا. ما هي النعم والآلاء في المشرقين والمغربين؟ كل آية أُعقِبت: فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِفهي تتضمن نعمًا عظيمة، فما النعم التي يتضمنها اختلاف المشرق والمغرب؟ النِّعم يترتب على ذلك من مصالح الخلق، صيف شتاء، ربيع خريف، وغير ذلك مما لا نعلمه، فهي نِعَمٌ عظيمة باختلاف المشرق والمغرب.

تفسير الآيات (١٩-٢١)

٠٠:١٦:٢٨

ثم قال سبحانه وتعالى: مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ [الرحمن: ١٩] مَرَجَبمعنى: أرسل، الْبَحْرَيْنِيعني: المالح والعذب، يَلْتَقِيَانِيلتقي بعضهما ببعض، البحر المالح، هذه البحار العظيمة: البحر الأحمر، البحر الأبيض، البحر الأطلسي، البحار هذه كلها مالحة؛ وجعلها الله تبارك تعالى مالحات؛ لأنها لو كانت عذبة لفسد الهواء وأنتن، لكن الملح يمنع الإنتان والفساد، البحر الآخر البحر العذب وهو الأنهار، الأنهار التي تأتي إما من كثرة الأمطار، وإما من ثلوجٍ تذوب وتسيح في الأرض، المهم أن الله سبحانه وتعالى أرسلهما بحكمته وقدرته، حيث شاء الله عز وجل. يَلْتَقِيَانِأي: يلتقي بعضهما ببعض، متى؟ عند مصب النهر في البحر، يلتقيان فيمتزج بعضهما ببعض، لكن حين سيرهما أو حين انفرادهما يقول الله عز وجل: بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌوهو اليابس من الأرض، لَا يَبْغِيَانِ [الرحمن: ٢٠] أي: لا يبغي أحدهم على الآخر، ولو شاء الله تعالى لسلَّط البحار ولفاضت على الأرض وأغرقت الأرض؛ لأن البحر الآن عندما تقف على الساحل هل تجد جدارًا يمنع انسيابه إلى اليابس؟ لا تجد، مع أن الأرض كروية، ومع ذلك لا يسيح البحر لا هاهنا ولا هاهنا بقدرة الله عز وجل، ولو شاء الله سبحانه وتعالى لساحت مياه البحار على اليابس من الأرض ودمرتها. إذن البرزخ الذي بينهما هو اليابس من الأرض، هذا قول علماء الجغرافيا، ولا يؤمنون بقول آخر. وقال بعض أهل العلم: بل البرزخ أمرٌ معنوي يحول بين المالح والعذْب أن يختلط بعضهما ببعض. وقالوا: إنه يُوجَد الآن في عُمْق البحار عيونٌ عذبة تنبع من الأرض، عيونٌ عذبة حتى إن الغوَّاصين يغوصون إليها ويشربون منها كأعذب ماء، ومع ذلك لا تفسدها مياه البحار، فإذا ثبت هذا فلا مانع من أن نقول بقول علماء الجغرافيا وقول علماء التفسير، والله على كل شيء قدير.

تفسير الآيتين (٢٢-٢٣)

٠٠:١٩:٠٢

{يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ} [الرحمن: ٢٢] يَخْرُجُ مِنْهُمَاأي: من البحرين العذْب والمالح اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُوهو قِطَعٌ من اللؤلؤ أحمر جميل الشكل واللون، مع أنها مياه. وقوله تعالى: مِنْهُمَاأضاف الخروج إلى البحرين؛ العذب والمالح، وقد قيل: إن اللؤلؤ لا يخرج إلا من المالح، ولا يخرج من العذب، والذين قالوا بهذا اضطربوا في معنى الآية: كيف يقول الله: مِنْهُمَاوهو من أحدهما؟ فأجابوا: بأن هذا من باب التغليب، أتعرفون التغليب؟ أن يغلب أحد الجانبين على الآخر مثلما يقال: العُمَرَان لأبي بكر وعمر، ويقال: القَمَران للشمس والقمر، فهذا من باب التغليب، فـمِنْهُمَاالمراد واحد منهما. وقال بعضهم: بل هذا على حذف مضاف، والتقدير مِنْهُمَاأي: من أحدهما. عندنا إذن قولان: إما أنه من باب التغليب، وإما أنه من باب حذف المضاف، والتقدير: يخرج من أحدهما. هناك قولٌ ثالث: أن تبقى الآية على ظاهرها، لا تغليب ولا حذف، ويقول: مِنْهُمَاأي: منهما جميعًا اللؤلؤ والمرجان، وإن امتاز المالح بأنه أكثر وأطيب. فأي هذه الأقوال الثلاثة نأخذ؟ فبأيها نأخذ؟ نأخذ بما يوافق ظاهر القرآن، وهذه قاعدة يجب أن تفهموها، أن نأخذ بما يوافق الظاهر، فالله عز وجل يقول: يَخْرُجُ مِنْهُمَافمن خالقهما وهو يعلم ماذا يخرج منهما؟ فإذا كانت الآية ظاهرها أن اللؤلؤ والمرجان يخرج منهما جميعًا وجب الأخذ بظاهرها، لكن لا شك أن المالح أكثر وأطيب، لكن لا يمنع أن نقول بظاهر الآية، بل يتعين أن نقول بظاهر الآية، وهذه قاعدة خذوها في القرآن والسنة: أننا نحمل الشيء على ظاهره ولا نؤول، اللهم إلا لضرورة إذا كان هناك ضرورة لا بد أن نتمشى على ما تقتضيه الضرورة، أما بدون ضرورة فيجب أن نحمل القرآن والسنة على ظاهرهما. فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ [الرحمن: ٢٣] تكملة للآية؟ لأن ما في هذه البحار، وما يحصل من المنافع العظيمة فيهما نِعَمٌ كثيرة لا يمكن للإنسان أن ينكرها أبدًا.

تفسير الآيتين (٢٤-٢٥)

٠٠:٢١:٥٠

{وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ} [الرحمن: ٢٤]. وَلَهُأي: لله عز وجل مُلكًا وتدبيرًا وتيسيرًا. الْجَوَارِبحذف الياء للتخفيف، وأصلها: الجواري جمع جارية، وهي السفينة تجري في البحر، كما قال الله عز وجل: أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ [لقمان: ٣١]. الْمُنْشَآتُأي: التي أنشأها صانعوها ليسيروا عليها في البحر، وقوله: فِي الْبَحْرِمتعلق بـالْجَوَارِ، أي: الجواري في البحر، وليست فيما يظهر متعلقة بالمنشآت -يعني: الجواري التي تُنشَأ في البحر- لأن السفن تُصنع في البر أولًا، ثم تُنَزَّل في البحر. وقوله: كَالْأَعْلَامِتشبيه، والأعلام جمع (عَلَم)، وهو الجبل، كما قال الشاعر:

وَإِنَّ صَخْرًا لَتَأْتَمُّ الْهُدَاةُ بِهِ

كَأَنَّهُ عَلَمٌ فِي رَأْسِهِ نَارُ

أي: كأنه جبل، ومن شاهد السفن في البحار رأى أن هذا التشبيه منطبقٌ تمامًا عليها، فهي كالجبال تسير في البحر بأمر الله عز وجل، وإنما نص الله عليها؛ لأنها تحمل الأرزاق من جانب إلى جانب، ولولا أن الله تعالى يسَّرها لكان في ذلك فواتح خير كثير للبلاد التي تُنقَل منها والبلاد التي تُنقَل إليها. في هذا العصر جعل الله تبارك وتعالى جواري أخرى لكنها تجري في الجو كما تجري هذه في البحر، وهي الطائرات، فهي مِنَّة مَنَّ الله عز وجل كمِنَّتِه على عباده في جواري البحار، بل ربما نقول: إن السيارات أيضًا من جواري البر، فتكون الجواري ثلاثة أصناف: بحرية، وبرية، وجوية، وكلها من نِعَم الله عز وجل؛ ولهذا قال: فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ [الرحمن: ٢٥] أي: بأي نعمة من نِعَم الله تُكَذِّبان، والخطاب للإنس والجن.

تفسير الآيات (٢٦-٢٨)

٠٠:٢٤:١٩

ثم قال عز وجل: كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ [الرحمن: ٢٦، ٢٧] كُلُّ مَنْ عَلَيْهَاأي: على الأرض فَانٍأي: داثر من الجن والإنس والحيوان والأشجار، قال الله تبارك وتعالى: إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (٧) وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا [الكهف: ٧، ٨] أي: خالية، وقال الله تعالى: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (١٠٥) فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا [طه: ١٠٥، ١٠٦] أي: يذر الأرض قاعًا صفصفًا، أو يذر الجبال بعد أن كانت عالية شامخة قَاعًاكالقيعان مساوية لغيرها صفصفًا لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا [طه: ١٠٧]. وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ [الرحمن: ٢٧] أي: يبقى الله عز وجل ذو الوجه الكريم. وكان بعض السلف إذا قرأ هاتين الآيتين وصل بَعْضَهما ببعض، قال: ليتبين بذلك كمال الخالق ونقص المخلوق؛ لأن المخلوق فانٍ والرب باقٍ، وهذه ملاحظة جيدة أن تصل فتقول: كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِوهذا هو محط الحمد والثناء على الله عز وجل، أن تفنى الخلائق إلا الله عز وجل. وقوله تعالى: وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِفيه إثبات الوجه لله سبحانه وتعالى، ولكنه وجه لا يُشبه أوجه المخلوقين؛ لقوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى: ١١]؛ يعني أنت تُؤمن بأن لله وجهًا، لكن يجب أن تؤمن بأنه لا يماثل أوجه المخلوقين بأي حالٍ من الأحوال؛ لقوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ. ولما ظن أهل التعطيل أن إثبات الوجه يستلزم التمثيل أنكروا أن يكون لله وجهًا، وقالوا: المراد بقوله: وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَأي ثوابه، أو أن كلمة وَجْهُزائدة، وأن المعنى: (وَيَبْقَى ربك) ولكنهم ضلوا سواء السبيل، خرجوا عن ظاهر القرآن وحرَّفوه، وخرجوا عن طريق السلف الصالح، ونحن نقول: إن لله وجهًا -لإثباته في هذه الآية- لا يُماثِل أوجه المخلوقين لنفي المماثلة في قوله: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌوبذلك نسلم، ونُجري النصوص على ظاهرها المراد بها. وقوله: ذُو الْجَلَالِأي: ذو العظمة وَالْإِكْرَامِأي: إكرام من يُطيع الله عز وجل، كما قال تعالى: أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ [المعارج: ٣٥] فإذن الإكرام: أي أنه يُكرم من يستحق الإكرام من خلقه، ويحتمل أن يكون لها معنًى آخر؛ وهو أنه يُكرم من أهل العباد فيمن خلقه، فيكون الإكرام هذا المصدر صالحًا للمفعول والفاعل، فهو مُكْرِم ومُكْرَم. فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ [الرحمن: ٢٨] وهذه الآية تكررت عدة مرات في هذه السورة، وبينا معناها: أنه بأي نعمة من نِعَم الله تكذبان يا معشر الجن والإنس؟ وهذا كالتحدي لهم؛ لأنه لن يستطيع أحدٌ أن يأتي بمثل هذه النِّعم.

تفسير الآيتين (٢٩-٣٠)

٠٠:٢٨:٠١

ثم قال سبحانه وتعالى: يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [الرحمن: ٢٩] يَسْأَلُهُأي: يسأل الله مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِالذي في السماوات هم الملائكة يسألون الله عز وجل، ومِنْ سؤالهم أنهم يستغفرون للذين آمنوا، يقولون: رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِإلى آخره [غافر: ٧]، ويسأله مَنْ في الأرض من الخلائق، وسؤال أهل الأرض لله عز وجل قسمان: الأول: السؤال بلسان المقال، وهذا إنما يكون من المؤمنين، فالمؤمن يسأل ربه دائمًا حاجاته؛ لأنه يعلم أنه لا يقضيها إلا الله عز وجل، وسؤال المؤمن ربه عبادة، نفس السؤال عبادة سواء حصل مقصودك أم لم يحصل، فإذا قلت: يا رب، أعطني كذا، فهذه عبادة، كما جاء في الحديث: «الدُّعَاءُ عِبَادَةٌ» . وقال تعالى شاهدًا لهذا الحديث: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ [غافر: ٦٠]، فقال: ادْعُونِي، ثم قال: إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِيوهذا دليل على أن الدعاء عبادة، هذا دعاءٌ بلسان المقال. النوع الثاني: دعاء بلسان الحال، وهو أن كل مخلوق مُفتقِر إلى الله، ينظر إلى رحمته، فالكفار مثلًا ينظرون إلى الغيث النازل من السماء، وإلى نبات الأرض، وإلى صحة الحيوان، وإلى كافة الأرزاق، وهم يعلمون أنهم لا يستطيعون أن يوجدوا ذلك بأنفسهم، فهم إذن يسألون الله بلسان الحال؛ ولذلك إذا مستهم الضراء واضطروا إلى سؤال الله بلسان المقال سألوا الله بلسان المقال، وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [لقمان: ٣٢]. إذن: يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِمن الذي في السماوات؟ الملائكة، وضربنا لكم مثلًا من أسئلتهم، مَنْ في الأرض؟ الإنس والجن، والسؤال -أي: سؤال أهل الأرض- ينقسم إلى قسمين: بلسان المقال، ولسان الحال. كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ [الرحمن: ٢٩] ومن يحصي الأيام؟ لا أحد إلا الله عز وجل، ومن يحصي الشؤون التي تقع في الأيام؟ لا أحد إلا الله عز وجل. كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍيُغني فقيرًا ويُفقِر غنيًّا، يمرض صحيحًا ويشفي سقيمًا، يُؤَمِّن خائفًا ويُخوِّف آمنًا وهلم جَرًّا، كل يوم يفعل الله تعالى ذلك، وهل هذه الشؤون التي تتبدل هل هي عبث، أو عن حِكْمة؟ الأول ولَّا الثاني؟ الثاني، عن حكمة لا شك، قال الله تعالى: أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا [المؤمنون: ١١٥]، وقال تعالى: أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى [القيامة: ٣٦]، فنحن نؤمن أن الله لا يُقَدِّر قَدَرًا إلا لِحكمة، لكن قد نعلم هذه الحكمة وقد لا نعلمها؛ ولهذا قال: كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ. ولكن اعلم أيها المؤمن أن الله تعالى لا يُقَدِّر لك قَدَرًا إلا كان خيرًا لك، إن أصابته ضراء صبر وانتظر الفرج، وقال: دوام الحال من الْمُحَال، فينتظر الفَرَج فيكون خيرًا له، وإن أصابته سراء شكر فكان خيرًا، وليس هذا لأحد إلا للمؤمن. فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ [الرحمن: ٣٠] نقول فيها ما قلنا في الآيات السابقة أن المعنى: بأي نعمةٍ من نعم الله تكذبان؟ الجواب: لا نكذب ولَّا نكذب؟ لا نُكَذِّب بشيء من نِعَم الله، بل نقول: هي من عند الله فله الحمد وله الشكر. من نَسَب النعمة إلى غير الله فهو مُكَذِّب؟ نعم، مُكَذِّب، وإن لم يقل: إنه مُكَذِّب، قال الله تعالى: وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ [الواقعة: ٨٢]، وهذه الآية يُعنَى بها قولهم: مُطِرْنا بنَوْء كذا وكذا، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم وهو يحدث أصحابه على إثر مطرٍ كان، قال لهم بعد صلاة الصبح: «هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟». قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: قال: «أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ فَذَلِكَ مُؤْمنٌ بِي كَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ» .

تفسير الآيتين (٣١-٣٢)

٠٠:٣٢:٥٨

{سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ (٣١) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} [الرحمن: ٣١، ٣٢] هذه الجملة المقصود بها الوعيد، كما يقول القائل لمن يتوعده: سأتفرغ لك، يعني: سأتفرغ لك وأجازيك، وليس المعنى: أن الله تعالى يشغله شأنٌ عن شأن، ثم يفرغ من هذا ويأتي لهذا، هو سبحانه وتعالى يُدَبِّر كل شيء في آنٍ واحد، في مشارق الأرض ومغاربها، وفي السماوات وفي كل مكان، يُدبِّره في آنٍ واحد، ولا يُعجزه، فلا تتوهمن أن قوله: سَنَفْرُغُيعني أنه الآن مشغول وسيفرغ، لا. هذه جملة وعيدية تعبر بها العرب، والقرآن الكريم نزل بلغة العرب. وفي قوله: سَنَفْرُغُ لَكُمْمن التعظيم ما هو ظاهر، إذ إنه أتى بضمير الجمع سَنَفْرُغُتعظيمًا لنفسه جل وعلا، وإلا فهو واحد. وقوله: أَيُّهَ الثَّقَلَانِيعني: الجن والإنس، وإنما وجه هذا الوعيد إليهما؛ لأنهما -أي: الثقلان- مناط التكليف. فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِسبق الكلام على تفسيرها؛ فلا حاجة من التكرار.

تفسير الآيات (٣٣-٣٦)

٠٠:٣٤:١٠

{يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا} [الرحمن: ٣٣] بعد الوعيد، قال: إن استطعم أن تنفذوا مما نريده بكم فانفذوا. أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِأي: من جهاتها. فَانْفُذُواولكن لا تستطيعون هذا، فالأمر هنا للتعجيز؛ ولهذا قال: لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍيعني: ولا سلطان لكم، لا يمكن أحد أن ينفذ من أقطار السماوات والأرض، إلى أين يذهب؟ لا إلى شيء، ولا يمكن. فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٤) يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ [الرحمن: ٣٤- ٣٥] يعني: لو استطعتم أو لو حاولتم لكان هذا الجزاء يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌأي: محمى بالنار فَلَا تَنْتَصِرَانِ [الرحمن: ٣٥] أي: فلا ينصر بعضكم بعضًا، وهذه الآية في مقام التحدي، ولقد أخطأ غاية الخطأ من زعم أنها تُشير إلى ما توصل إليه العلماء من الطيران حتى يخرجوا من أقطار الأرض ومن جاذبيتها إلى أن يصلوا -كما يزعمون- إلى القمر، أو إلى ما فوق القمر؛ فإن الآية ظاهرة في التحدي، والتحدي هو توجيه الخطاب لمن لا يستطيع. ثم نقول: هؤلاء هل استطاعوا أن ينفذوا من أقطار السماوات؟ لو فرضنا أنهم نفذوا من أقطار الأرض، ما نفذوا من أقطار السماوات، فالآية واضح أنها في مقام التحدي، وأنها لا تشير إلى ما زعم هؤلاء، أنها تشير إليه، ونحن نقول: الشيء واقع لا نكذبه، ولكن لا يلزم من تصديقه أن يكون القرآن دل عليه أو السنة، الواقع واقع، فهم خرجوا من أقطار الأرض، لكن ليحتاج إلى دليل وهذا واقع لا يحتاج. هذه الآية في سياقها إذا تأملتها وجدت أن هذا التحدي يوم القيامة؛ لأنها: كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ، ثم ذكر: يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [الرحمن: ٢٩]، ثم ذكر: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ [الرحمن: ٣٣]، ثم ذكر ما بعدها يوم القيامة.

تفسير الآيات (٣٧-٤٠)

٠٠:٣٦:١٣

{فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ} يعني: تفتحت، وذلك يوم القيامة، كما قال تعالى: إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (٢) وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣) وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ (٤) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ [الانشقاق: ١ - ٥]. فَكَانَتْ وَرْدَةًأي: مثل الوردة في الحمرة، كَالدِّهَانِكالجلد المدهون، فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ [الرحمن: ٣٨] فَيَوْمَئِذٍيعني: إذا انشقت فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ [الرحمن: ٣٩] لماذا؟ لأن كل شيءٍ معلوم، والمراد لا يُسأل سؤال استشهاد واستعلام؛ لأن كل شيء معلوم، أما سؤال تبكيت فيُسأل، مثل قوله تعالى: وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ [القصص: ٦٥] هذا ليس سؤال استعلام عن أحد جاهل وتوبيخ فيُسأل، كما قال عز وجل: وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (٦٥) فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ [القصص: ٦٥، ٦٦]، وقال عز وجل: إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (٣٩) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ [المدثر: ٣٩ - ٤٣] وقال عز وجل لأهل النار وهم يُلقون فيها: أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى [غافر: ٥٠] وأمثالها كثير. إذن لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِأيه السؤال؛ يعني يُوجد سؤال، يسألون الإنس والجن عن ذنوبهم لكن ما هو سؤال استرشاد: هل أنت عملت ولَّا ما عملت؟ سؤال تبكيت وتوبيخ، وهناك فرق بين هذا وهذا. إذن فلا تتناقض الآيات، لا تقل: كيف يقول: لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ، وفي آية أخرى: أنهم يُسألون؟ تقول: هذا الجمع سؤال استرشاد واستعلام، لا؛ لأن الكل معلوم مكتوب، سؤال توبيخ؟ نعم. فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ [الرحمن: ٤٠].

تفسير الآيتين (٤١-٤٢)

٠٠:٣٨:٠٣

{يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ} [الرحمن: ٤١]؛ أي: بعلاماتهم، يُعرفون بالعلامة، من علاماتهم -والعياذ بالله- أنهم سود الوجوه، قال تعالى: يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ [آل عمران: ١٠٦]، وأنهم يُحشرون يوم القيامة زُرْقًا، إما أنهم زُرق أحيانًا وسُود أحيانًا، وإما أنهم سود الوجوه زُرق العيون، وإما أنهم زرقٌ زرقةً بالغة يحسبها الإنسان سوداء. يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ [الرحمن: ٤١]، أعوذ بالله! بِالنَّوَاصِيهذه مقدم الرأس، وَالْأَقْدَامِالمعروفة، فتُؤخذ رجله إلى ناصيته، هكذا يُطوَى طيًّا إهانةً له وخزيًا له، فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِويلقون في النار. فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ [الرحمن: ٤٢].

تفسير الآيات (٤٣-٤٥)

٠٠:٣٨:٥٢

{هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ} [الرحمن: ٤٣] يعني يقال: هذه جهنم التي تكذبون بها، وقال: الْمُجْرِمُونَ، ولم يقل: تكذبون بها، إشارة إلى أنهم مجرمون، وما أعظم جرم الكفار الذين كفروا بالله ورسوله، واستهزؤوا بآيات الله واتخذوها هزوًا ولعبًا. هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (٤٣) يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ [الرحمن: ٤٣، ٤٤] يعني: يترددون بينها وبين حميم آنٍ؛ أي: شديد الحرارة والعياذ بالله، أما كيف يكون ذلك؟ فالله أعلم، لكنا نؤمن بأنهم يطوفون بينها وبين الحميم الحار الشديد الحرارة، والله أعلم بذلك. فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ [الرحمن: ٤٥].

تفسير الآيات (٤٦-٥٣)

٠٠:٣٩:٣٩

ثم ذكر جزاء أهل الجنة فقال: وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ [الرحمن: ٤٦] يعني: أن من خاف مقام الله بين يدي الله يوم القيامة فإن له جنتين، هذا الخوف يستلزم شيئين: الشيء الأول: الإيمان بلقاء الله عز وجل؛ لأن الإنسان لا يخاف من شيء إلا وقد تيقَّنه. والثاني: أن يتجنب محارم الله، وأن يقوم بما أوجب الله خوفًا من عقاب الله تعالى، فعليه يلزم كل إنسان أن يؤمن بلقاء الله عز وجل؛ لقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ [الانشقاق: ٦]، وقال تعالى: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ [البقرة: ٢٢٣]، فمن خاف هذا المقام بين يدي الله عز وجل فله جنتان. فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ [الرحمن: ٤٧] سبق الكلام عليها. ذَوَاتَا أَفْنَانٍ [الرحمن: ٤٨] أي: صاحبتا أفنان، والأفنان: جمع (فَنَن) وهو الغُصن؛ أي: أنهما مشتملتان على أشجارٍ عظيمة، ذواتي أغصانٍ كثيرة، وهذه الأغصان كلها تبهج الناظرين، وفيها من كل فاكهة زوجان. قال: فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ [الرحمن: ٥٠] فِيهِمَا-أي: الجنتين- عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ، وقد ذكر الله تعالى أن في الجنة أنهارًا من أربعة أصناف، فقال جل وعلا: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى [محمد: ١٥] والعينان اللتان تجريان يظهر -والله أعلم- أنهما سوى هذه الأنهار الأربعة. وقوله: فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ [الرحمن: ٥٢]؛ أي: في هاتين الجنتين مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍوالفاكهة: كل ما يتفكَّه الإنسان به مذاقًا ونظرًا وشمًّا، فيشمل أنواع الفاكهة الموجودة في الدنيا، وربما يكون هناك فواكه أخرى ليس لها نظيرٌ في الدنيا. فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ [الرحمن: ٥٣].

تفسير الآيتين (٥٤-٥٥)

٠٠:٤١:٤٧

{مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ} [الرحمن: ٥٤]؛ يعني: يتنعمون بهذه الفاكهة حال كونهم متكئين، وعلى هذا فكلمة مُتَّكِئِينَيكون مُتَّكِئِينَحالًا من فاعل الفعل المحذوف؛ أي: يتنعَّمون أو يتفكَّهون مُتكئين، والاتكاء قيل: إنه هو التربع وهكذا؛ لأن الإنسان أريح ما يكون إذا كان متربعًا، وقيل: متكئين؛ أي: مُعتمدين على مساند من اليمين والشمال ووراء الظهر. عَلَى فُرُشٍ؛ يعني: جالسين على فرش بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍيعني: بطانة الفراش وهو ما يُتحى به الفراش مِنْ إِسْتَبْرَقٍوهو غليظ الديباج، وأما أعلى هذه الفُرُش فهو من سُندس؛ وهو رقيق الديباج، وكله من الحرير. وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ [الرحمن: ٥٤] تأمل أو تصور هذه الحال! إنسان متكئ مطمئن مستريح، يريد أن يتفكَّه من هذه الفواكه هل يقوم من مكانه الذي هو مستقر فيه متكئ فيه؛ ليتناول الثمرة؟ لا، بَيَّن الله ذلك بقوله: وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ، قال أهل العلم: إنه كلما نظر إلى ثمرة وهو يشتهيها انْهَزَعَ الغصن حتى كانت الثمرة بين يديه، لا يحتاج إلى تعب وإلى قيام، بل هو متكئ ينظر إلى الثمرة مشتهيًا إياها، فتدلى له بأمر الله عز وجل مع أنها جماد، لكن الله تعالى أعطاها إحساسًا بأن تتدلى عليه إذا اشتهاها، ولا تستغرب الآن كل الأشجار في الغالب تستقبل الشمس! انظر إلى وجوه الأوراق في أول النهار تجدها متجهة إلى المشرق، في آخر النهار تتجه إلى المغرب، فيها إحساس، كذلك أيضًا: وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍقريب، يحس إذا نظر إليه الرجل أو المرأة فإنه يتدلى حتى يكون بين يديه. فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ [الرحمن: ٥٥].

تفسير الآيتين (٥٦-٥٧)

٠٠:٤٤:٠٩

{فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ} [الرحمن: ٥٦] فِيهِنَّأكثر الناس يقول: إن الضمير يعود إلى الجنتين، وأن الجمع باعتبار أن لكل واحدٍ من الناس جنة خاصة به، فيكون فِيهِنَّأي: في جنة كل واحد ممن هو في هاتين الجنتين قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ. وعندي أن قوله: فِيهِنَّيشمل الجنات الأربع؛ هاتين الجنتين والجنتين اللتين بعدهما. قَاصِرَاتُ الطَّرْفِيعني: أنها تقصر طرفها -أي: نظرها- على زوجها، فلا تريد غيره، هذا وجه. وجه آخر: قَاصِرَاتُ الطَّرْفِأي: أنها تقصر طرف زوجها عليها فلا يريد غيرها، وعلى القول الأول يكون قاصرات مضافة إلى الفاعل، وعلى الثاني: مضاف إلى المفعول؛ يعني: أن طرْفهن قاصِر على الأزواج، قاصرٌ طرفه عليها. لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ [الرحمن: ٥٦] لَمْ يَطْمِثْهُنَّأي: لم يُجامِعْهن، وقيل: إن الطمْث مُجامَعَة البكر، والمعنى: أنهن أبكار،لم يجامعهن أحدٌ من قبل، لا إنس ولا جن، وفي هذا دليلٌ واضح على أن المؤمنين من الجن يدخلون الجنة.

تفسير الآيتين (٥٨-٥٩)

٠٠:٤٥:٣٤

{كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ} [الرحمن: ٥٨] أي: في الْحُسن والصفاء كالياقوت والمرجان، وهما جوهران نفيسان، الْيَاقُوتُفي الصفاء، وَالْمَرْجَانُفي الْحُمرة؛ يعني أنهن مشربات بالحمرة مع صفاءٍ تام.

تفسير الآيتين (٦٠-٦١)

٠٠:٤٥:٥٤

ثم قال عز وجل: هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ [الرحمن: ٦٠] يعني: ما جزاء الإحسان إلا الإحسان، الإحسان الأول العمل، والإحسان الثاني الثواب؛ يعني: ما جزاء إحسان العمل إلا إحسان الثواب، فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ [الرحمن: ٦١].

تفسير الآيات (٦٢-٦٥)

٠٠:٤٦:١٢

قوله تبارك وتعالى: وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ [الرحمن: ٦٢] أي: من دون الجنتين السابقتين جنتان من نوعٍ آخر، وقد جاء ذلك مُبَيَّنًا في السُّنَّة، حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم: «جَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَجَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا» . والآية صريحة في أن هاتين الجنتين دون الأوليين، وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ (٦٢) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦٣) مُدْهَامَّتَانِ [الرحمن: ٦٢ - ٦٤] أي: سودوان من كثرة الأشجار، فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ [الرحمن: ٦٥].

تفسير الآيتين (٦٦-٦٧)

٠٠:٤٦:٥٠

{فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ} [الرحمن: ٦٦] أي: تنضخ بالماء؛ أي: تنبع، وفي الجنتين السابقتين قال: فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ [الرحمن: ٥٠] والجري أكمل من النَّبْع؛ لأن النَّبْع لا يزال في مكانه لكنه لا ينضب، أما الذي يجري فإنه يسيح، فهو أعلى وأكمل. فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ (٦٦) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ [الرحمن: ٦٦، ٦٧].

تفسير الآيتين (٦٨-٦٩)

٠٠:٤٧:١٧

{فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ} [الرحمن: ٦٨] وهناك يقول: فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ [الرحمن: ٥٢] أما هذا فقال: فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌوالنخل والرمان معروفان في الدنيا، ولكن يجب أن تعلموا أنه لا يستوي هذا وهذا، الاسم واحد والمسمى يختلف اختلافًا كثيرًا، ودليل ذلك قوله تعالى: فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة: ١٧] ولو كان النخل والرمان في الجنة كالنخل والرمان في الدنيا لكنا نعلم، لكننا لا نعلم، فالاسم إذن واحد ولكن الحقيقة مختلِفة؛ ولهذا قال ابن عباس رضي الله عنهما: ليس في الجنة مما في الدنيا إلا الأسماء فقط ، فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (٦٨) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ [الرحمن: ٦٨، ٦٩].

تفسير الآيتين (٧٠-٧١)

٠٠:٤٨:١٨

{فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ} [الرحمن: ٧٠] فِيهِنَّ، بالأول قال: فِيهِمَاهل هناك فرق؟ نعم، الأول مثنى (فيهما) اثنين، وهذا فِيهِنَّجمع، كيف قال: فِيهِنَّوقال قبل ذلك: فِيهِمَا؟ لأن هذا الجمع يعود على الجِنان الأربع كلها، ففي الجنان الأربع قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ [الرحمن: ٥٦] كما سبق، وفي الجنان الأربع خَيْرَاتٌ حِسَانٌفِيهِنَّأي: في الجنان الأربع، خَيْرَاتٌ حِسَانٌخَيْرَاتٌفي الأخلاق، أخلاق طيبة، حِسَانٌالوجوه والهيكل، فالأول حسن باطن، وهذا حسن الظاهر. فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ (٧٠) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ [الرحمن: ٧٠، ٧١].

تفسير الآيتين (٧٢-٧٣)

٠٠:٤٩:٠٦

{حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ} [الرحمن: ٧٢]، الحوراء هي الجميلة التي جملت في جميع خلقها، وبالأخص العين شديدة البياض، شديدة السواد، واسعة، مستديرة، من أحسن ما يكون. حُورٌ مَقْصُورَاتٌأي: مخبآت فِي الْخِيَامِجمع (خَيْمَة)، والخيمة معروفة، تعرفونها؟ الخيمة معروفة هي بناء له عمود وأروقة، لكن الخيمة في الآخرة ليست كالخيمة في الدنيا، خيمة من لؤلؤ، طولها في السماء مرتفع جدًّا، ويرى مَنْ في باطنها من ظاهرِها، ولا تسأل عن حسنها وجمالها، هؤلاء الحور مقصورات مُخبآت في هذه الخيام، على أكمل ما يكون من الدلال والتنعيم، فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ [الرحمن: ٧٣].

تفسير الآيتين (٧٤-٧٥)

٠٠:٤٩:٥٩

{لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ} [الرحمن: ٧٤] يعني: لم يجامعهن أحد، بل هي باقية على بكارتها إلى أن يغشاها زوجها إذا دخل الجنة، جعلنا الله وإياكم منهم. لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ، وَلَا جَانٌّأي: ولا جن، وهذا يدل على أن الجن يدخلون الجنة مع الإنس، وهو كذلك؛ لأن الله لا يظلم أحدًا، والجن منهم صالحون ومنهم دون ذلك، منهم مسلمون ومنهم قاسطون؛ أي كافرون، كالإنس تمامًا، كما أن الإنس فيهم مطيع وعاصٍ، وفيهم كافر ومؤمن، كذلك الجن. والجن المسلم فيه خير يدل على الخير، ويُنبئ بالخير، ويساعد أهل الصلاح من الإنس، والجني الفاسق أو الكافر مثل الفاسق أو الكافر من بني آدم سواء بسواء، كافرهم يدخل النار بالإجماع، بإجماع المسلمين، كما في القرآن: قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ [الأعراف: ٣٨]، وهذا نص القرآن، وأجمع العلماء عليه أن كافر الجن يدخل النار، مؤمن الجن يدخل الجنة؛ ولهذا سورة الرحمن: فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ [الرحمن: ٧٥] يعني: الجن والإنس، لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّيدل على أن الجن يدخلون الجنة وهو كذلك. لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (٧٤) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ [الرحمن: ٧٤، ٧٥].

تفسير الآيتين (٧٦-٧٧)

٠٠:٥١:٢٩

{مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ} [الرحمن: ٧٦]، مُتَّكِئِينَأي: معتمدين بأيديهم وظهورهم. عَلَى رَفْرَفٍأي: على مساند تُرفرف فيها رفرفة مثل (الشلش)، معروف هذا؟ الشلش يكون في المساند، يكون في الْأَسِرَّة، هكذا يُرفرف، متكئين على رفرف خُضر؛ لأن اللون الأخضر أنسب ما يكون للنظر، وأشد ما يكون بهجة للقلب. وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍالعبقري: هو الفُرُش الجيدة جدًّا، ولهذا يسمى الجيد من كل شيء: عبقري، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الرؤيا التي رآها حين نزع عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال: «فَمَا رَأَيْتُ عَبْقَرِيًّا يَفْرِي فَرِيَّهُ» أي: ينزع نزعه من قوته رضي الله عنه. وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ (٧٦) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ [الرحمن: ٧٦، ٧٧]. ومعنى: فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ [الرحمن: ٧٧] التقرير، يعني: أن النِّعم واضحة، فبأي شيءٍ تكذبون؟ الجواب: لا نُكذِّب بشيء، نعترف بآلاء الله -أي: بنعمه- ونقر بها، ونعترف أننا مُقَصِّرون، لم نشكر الله تعالى حق شكره، ولكننا نؤمن بأن عفو الله أوسع من ذنوبنا، وأن الله تبارك وتعالى عفوٌّ كريم، يحب توبة عبده، ويحب التوابين، ويحب المتطهرين، حتى قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ أَحَدِكُمْ» .

وذكر الرجل في فلاة أضل راحلته -ضيَّعَها- وعليها طعامه وشرابه، فطلبها ولم يجدها وهو في فلاة من الأرض، ليس حوله أحد، فأيس منها، فاضطجع في ظل شجرة ينتظر، ماذا ينتظر؟ ينتظر الموت -أي: يئس من الحياة مرة- فإذا بخطام ناقته متعلقًا بالشجرة، فأخذه وقال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، ماذا يريد؟ يريد: أنت ربي وأنا عبدك، لكن من شدة الفرح أخطأ، فقال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، فالله تعالى أشد فرحًا بتوبة عبده من هذا الرجل بناقته، اللهم تُبْ علينا يا رب العالمين.

تفسير الآية (٧٨)

٠٠:٥٣:٥٢

{تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} [الرحمن: ٧٨] لما ختم السورة بهذه الجملة العظيمة، يعني: ما أعظم بركة الله عز وجل، وما أعظم البركة باسمه، حتى إن اسم الله يُحَلِّل الذبيحة أو يحرمها، لو ذبح إنسان ذبيحة ولم يقل: باسم الله، ماذا تكون؟ تكون ميتة حرامًا نجسة، مُضرَّة على البدن، حتى لو نسي، ذبحها ونسي أن يقول: باسم الله فهي حرام، نجسة، تفسد البدن، فيجب أن يسحبها للكلاب؛ لأنها نجسة، قال الله تعالى: وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ [الأنعام: ١٢١] فانظر البركة، الإنسان إذا توضأ ولم يُسمِّ فوضوءه عند بعض العلماء وضوء فاسد، لازم يعيد؛ لأن البسملة واجبة عند بعض أهل العلم. الصيد، يرى الإنسان الصيد الزاحف أو الطائر فيرميه ولم يُسمِّ، ماذا يكون هذا الصيد؟ يكون حرامًا، ميتة، نجسًا، مضرًّا على البدن، فانظر إلى البركة.

الإنسان إذا أتى أهله -يعني: جامَعَ زوجته- وقال: باسم الله، اللهم جنِّبنا الشيطان وجنِّب الشيطان ما رزقتنا كان هذا حماية لهذا الولد الذي ينشأ من هذا الجماع حماية له من الشيطان، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا أَتَى أَهْلَهُ قَالَ: بِاسْمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ، وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا، فَإِنَّهُ إِنْ يُقَدَّرْ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ لَمْ يَضُرَّهُ الشَّيْطَانُ أَبَدًا» . الإنسان يسعى يمينًا وشمالًا لحماية ولده، ويخسر الدراهم الكثيرة، وهنا هذا الدواء من الرسول عليه الصلاة والسلام، غالٍ ولَّا رخيص؟ رخيص من ناحية العمل سهل، هذا يحميه من الشيطان أبدًا، كل هذا دليل على بركة اسم الله عز وجل؛ ولهذا قال: تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ؛ أي: ذي العظمة وَالْإِكْرَامِ، هل الإكرام يعني هو يُكْرَم ولَّا هو يُكْرِم؟ كلها؛ فهو يُكْرَم ويُحترم ويُعظَّم عز وجل، وهو -أيضًا- يُكْرِم، قال الله تعالى في أصحاب الجنة -اللهم اجعلنا منهم- قال: أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ [المعارج: ٣٥] فهو ذو الجلال والإكرام، يكرم من يستحق الإكرام، وهو يكرمه عز وجل عباده الصالحون، جعلنا الله وإياكم منهم بِمَنِّه وكرَمِه. وإلى هنا تنتهي قراءتنا في سورة الرحمن.