تجاوز إلى المحتوى

تفسير سورة البقرة - ٧٧

درس صوتي · ٩٣:٣١

جارٍ تجهيز الصوت

انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها

إعدادات

اختصارات لوحة المفاتيح

Space أو K تشغيل وإيقاف ←→ خمس ثوانٍ JL خمس عشرة ثانية HomeEnd بداية ونهاية الدرس

محتوى الدرس

وقد سبق لنا فائدة ذكر الأمر بالكتابة بعد النهي عن الامتناع من الكتابة، ما هي الفائدة؟ ذكرنا أثناء التفسير أنه قال: وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ، ثم قال: فَلْيَكْتُبْ، ذكرنا أن هذا له فائدة يعني: ليست المسألة تكرارًا كما يظن بعض الناس. طالب: للتأكيد. الشيخ: لا، تأكيد.

طالب: المبادرة للكتابة. الشيخ: نعم، المبادرة؛ لأن قوله: وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌقد يقول: ما آبي عليكم، ولكن ايتوا العصر، يجيؤون العصر يقول: ايتوا بكرة، بكرة يقول: بعد بكرة، وهكذا. وقال: فَلْيَكْتُبْفنستفيد من الأمر هنا الفورية والمبادرة، إذن نأخذ من ذلك فائدة، وهي: طالب: المبادرة. الشيخ: مبادرة الكاتب إلى الكتابة بدون مماطلة كذا؟ لقوله: فَلْيَكْتُبْ. ثم قال تعالى: وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ. يؤخذ من هذه الجملة من الآية: أن الرجوع في مقدار الدين إلى من عليه الدين لا إلى الدائن، الدليل؟ طالب: وَلْيُمْلِلِ. الشيخ: وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ؛ لأنه لو أملى الذي له الحق ربما يزيد، لكن إن قال قائل: وإذا أملل الذي عليه الحق ربما ينقص؟

طالب: صاحب الحق موجود. الشيخ: وذاك أيضًا يقول: صاحب الحق موجود. الطالب: وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا. الشيخ: نعم؟ الطالب: وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا. الشيخ: الآن يعني لو قال قائل: إذا أملى مَنْ له الحق وقلتم: إنه لا يمكن أن يملي؛ لأنه ربما يزيد، نقول: أيضًا الذي عليه الحق ربما ينقص. طالب: (...) الشيخ: إذا نقص قال له صاحب الحق: لا، الحق كذا، وذاك أيضًا إذا زاد قال الذي عليه الحق: لا، هذه زيادة. طالب: لأنه في الغالب.. الشيخ: نعم؟ طالب: (...) ولذلك يستحي مثلًا أو من لا يسكت إذا زاد. الشيخ: لا أبدًا إذا صار الدائن طماعًا ما يهمه، نعم؟ طالب: لأن الأصل براءة الذمة. الشيخ: صح. الطالب: (...) الشيخ: نعم، لأن الأصل هذا ذكرناه لكم في أثناء الشرح، الأصل براءة الذمة، والقول قول من عليه الدين، هذا وجه الترجيح الذي عليه الحق. ومن فوائد الآية الكريمة: أن مَن عليه الحق لا يكتب، وإنما يكتب كاتب بين الطرفين؛ لأنه جعل الذي عليه الحق جعل وظيفته الإملاء، جعل وظيفته الإملاء، ولكن لو كتب صحت كتابته إلا أنه لا يؤخذ من هذه الآية، يؤخذ من أدلة أخرى، مثل قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ [النساء: ١٣٥]، وكتابة الإنسان على نفسه إقرار، وإقرار الإنسان على نفسه مقبول.

ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب تقوى الله عز وجل على من عليه الحق وأن يتحرى العدل؛ لقوله: وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ. ومن فوائدها: أنه ينبغي في مقام التحذير أن يُذكر كل ما يكون به التحذير؛ لأنه هنا قال: اللَّهَفيذكر الإنسان مقام الألوهية، رَبَّهُيذكر مقام الربوبية، ففي مقام الألوهية يتخذ التقوى عبادة؛ لأن الألوهية هي توحيد العبادة، وفي مقام الخوف من الانتقام يكون مشهده الربوبية؛ لقوله: رَبَّهُ؛ لأن الرب عز وجل مالك خالق متصرف. ومن فوائد الآية الكريمة: أنه يحرم على من عليه الدين أن يبخس منه شيئًا، لا كمية ولا نوعًا ولا صفة، الكمية بأن يقول: عشرة بدل؟ الطلبة: خمسة عشر. الشيخ: خمسة عشر، النوع بأن يقول مثلا طالب: (...) الشيخ: لا، بأن يقول مثلًا في التمر يقول: شجر بدل سكري مثلًا، هذا النوع. الصفة؟ بأن يقول: ردي بدل جيد، كل هذا يؤخذ من قوله: وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا. ومن فوائد الآية الكريمة: أن الولي يقوم مقام المولَّى عليه في الإملاء؛ لقوله: فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ. ومن فوائد الآية الكريمة: أن أسباب القصور ثلاثة: السفه، والضعف، وعدم الاستطاعة، السفه: أن لا يحسن التصرف، إذا أراد يملي قال: اكتب في ذمتي لفلان عشرة آلاف، فقال له الدائن: عشرة آلاف، أنت رجل كريم وطيب اجعلها عشرين ألف، قال: ما يخالف، عشرين ألف، هذا سفيه ولا غير سفيه؟ الطلبة: سفيه. الشيخ: سفيه، لا يحسن أن يكون هو الذي يملي. ضعيف يشمل الصغير والمجنون، الصغير والمجنون ما يمكن يملل. لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّلإعياء أو خرس أو ما أشبه ذلك، فهذه الأسباب هي التي يقوم الولي في هذه الأحوال مقام المولَّى عليه. من فوائد الآية الكريمة: قبول قول الولي فيما يقر به على مُولَّاه، من أين يؤخذ؟ من قوله: فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ، وهذا يدل على أنه يقبل قوله على مُولَّاه، لا في البيع ولا في الشراء ولا في التعجيل ولا في الرهن ولا في الدين ولا غيره، الولي مقبول قوله على مُولَّاه. ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب مراعاة العدل على الولي؛ لقوله: بِالْعَدْلِ، فلا يبخس من له الحق، ولا يبخس من عليه الحق، ممن هو مُولًّى عليه. طالب: نقول: الذي عليه الحق الأصل براءته يا شيخ بالنسبة للذي له الحق كذلك نقول: الأصل البراءة.

الشيخ: لا؛ لأن الذي له الحق مُدعي، وذاك مُدعًى عليه، فهذا يدعي الثبوت وهذا يدعي النفي، والأصل البراءة. طالب: شيخ، يؤخذ من قوله: وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْأنه لا بد من حضور الرجلين الذي له الحق والذي عليه الحق في المجلس ولَّا يمكن بالمراسلة؟ الشيخ: نعم، كيف يؤخذ هذا؟ حضور كل من الدائن والمدين لقوله: بَيْنَكُمْ، ولا تتحقق البينية إلا بوجودهما، إي نعم، تضاف هذه إلى ما سبق. طالب: قوله في الآية الكريمة: أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُهل يؤخذ من هذه الآية عدم جواز اشتراط مثلًا أخذ جُعل أو شيء من (...) لو اشترط يا شيخ يجوز؟ الشيخ: وأيش تقولون في هذا السؤال؟ يعني الكاتب لو قال: أنا ما أكتب إلا بجعل؟ طالب: فيه تفصيل. الشيخ: ما هو التفصيل؟ الطالب: (...). الشيخ: يعني إذا كان له رزق من بيت المال فلا يجوز طلب الأجرة، كذا؟ الطالب: نعم. الشيخ: طيب وإلا؟ وإلا فله الطلب. لكن إذا قال: أنا لا أريد عوضًا عن عملي، لكن عن القلم والدواة والأوراق، نقول: له ذلك إلا إذا كان مؤمنًا من قبل الدولة. طالب: إذا كان الذي عليه الحق رجل يعني غير معروف بالأمانة يعني يبخس الناس حقوقهم وكذا، والذي له الحق رجل متصف بالأمانة فمن نقل: يملي؟ الشيخ: لا، يملي من عليه الحق، وفي هذا الحال لو جحد صاحب الحق بيطالب (...)، إذا أملى مثلًا بعشرين والواجب عليه ثلاثون قال: قف، الواجب ثلاثون.

طالب: (...). الشيخ: إي نعم، من باب التوكيد. طالب: الصغير المميز ما يقبل أن يمل؟ الشيخ: لا، ما يقبل إلا فيما يمكن تصرفه فيه.

الطالب: إذا قيل يا شيخ: يقبل في باب العبادات، باب المعاملات من باب أولى؟ الشيخ: لا، العبادات بينه وبين الله عز وجل، المعاملات بينه وبين الناس، والصغير قد يخدع. طالب: بالنسبة لإقرار الولي على المُولَّى يقبل مطلقًا؟

الشيخ: نعم، في كل ولايته. طالب: في كل ولايته يقبل الإقرار، لو افترضنا أن الدين المقر به له سببه قبل وفاة الرجل، مثلًا ابن إنسان عليه دين، مثلًا إنسان عليه حق وتُوفي بعد ذلك أقام القاضي شخص ولي عليه. الشيخ: على أي شيء؟ على مال المتوفى؟ الطالب: على القاصر، فلما سأله القاضي عن هذا قال: نعم، وقد يكون لا يعلم السبب. الشيخ: يعلم بأيش؟ الطالب: فهل يُقبل؟ الشيخ: إذا كان هذا السبب موجودًا قبل أن يكون وليًّا على هؤلاء ما له حق التصرف فيه؛ لأنه قبل ولايته؛ لأن هذا قبل ولايته، ثبوت الحق على الميت قبل أن يتولى هذا، وقبل أن يكون الحق للقُصَّر أيضًا. طالب: الراجح في البينية أنها تشمل حتى المكان؟ الشيخ: نعم؛ ولهذا ذكرنا أثناء التفسير أن بعض العلماء قال: ينبغي أن يكون الكاتب بينهما: واحد على اليمين وواحد على اليسار، ولا يخلي واحد على اليمين والثاني من ورائه. طالب: لكن هاد ليس على سبيل الوجوب. الشيخ: هذا هو الأحسن، والأصل البينية بينية المعاملة، الأصل بينية المعاملة، لكن لا بأس أن نقول أيضًا: بينية المكان؛ لأن ذلك أقرب إلى سماع الجميع على حد سواء، ولئلا ينكسر خاطر الآخر اللي أبعد. طالب: إذا بقي مال ولم يكتب؟ الشيخ: لا بأس، ما فيه مانع. طالب: إذا لم يكن كاتب إلا اللي لم يُقرأ كتابته، هل يقبل هذا؟ الشيخ: وأيش الفائدة من هذا؟ الطالب: ممكن عند يعني عند الاستعجال فيه ويؤتى بنفس الكاتب فيقرأ الكتابة. طالب آخر: وممكن يعيده.

الشيخ: والله ما أدري، (...) ممكن، لكن.. الطالب: لكن يكتب نهائي؟ الشيخ: لا، الظاهر اللي ما يعرف ما يجوز، لكن كأنه يعني يمكن بالتأمُّل أو أحد يعرف أيضًا بعض الخطوط إذا مارسها الإنسان عرفها وغيره لا يعرفها، ربما، على كل حال هو خير من عدمه. طالب: اتفقنا على تفاضل الأعمال حتى في المعاملة. طلبة: العندية يا شيخ (...) على العندية.

الشيخ: ذلكم أقسط عند الله. طالب: (...) الشيخ: لا لا، تعتبر فرع، ما هي مستقلة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. قال الله تبارك وتعالى: اسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْأخذناها أظن؟ وبيّنا ما تضمنه من شروط الشاهدين، وأظن أننا استثنينا من اشتراط الإيمان أولا شهادة الكافر عند الضرورة، ما ذكرناها؟ طالب: لا.

الشيخ: قوله: ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِتفاضل الأعمال حتى في المعاملات. ويستفاد من الآية الكريمة: أن الشهادات تتفاوت، فمنها القيم ومنها الأقوم، ومنها ما ليس بقيم، فالذي ليس بقيم هو الذي لم تتم فيه الشروط، والقيم هو الذي صار فيه أدنى الواجب، والأقوم ما كان أكمل من ذلك، بدليل قوله: وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ، إذا قيل مثال القيم؟ نقول: مثل شاهد ويمين، الشاهد واليمين كافٍ، لكن أقوم منه الشاهدان، أليس كذلك؟ لأن الشاهدين أقرب إلى الصواب من الشاهد الواحد؛ ولأن الشاهدين لا نحتاج معهما إلى يمين المدعي، فكانت شهادة الشاهدين أقوم للشهادة. ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي للإنسان أن يتجنب كل ما يكون له فيه ارتياب وشك؛ لقوله: وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا. ويتفرع على هذه الفائدة: أن الدين الإسلامي يريد من مُعتنقيه أن يكونوا دائمًا على اطمئنان وسكون.

ويتفرع أيضًا منه: أن دين الإسلام يحارب ما يكون فيه القلق الفكري أو النفسي؛ لأن الارتياب يوجب قلق الإنسان واضطرابه؛ ولهذا قال هنا: وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا، يعني: أقرب لعدم ارتيابكم.

ويتفرع على ذلك أيضًا: أنه ينبغي للإنسان إذا وقع في محل قد يُستراب منه أن ينفي عن نفسه ذلك؛ ولهذا لما رأى النبيُّ صلى الله عليه وسلم الرجليْنِ الأنصاريين اللَّذين أقبلا وكان معه صفيةُ بنتُ حُيَيّ إحدى أمهات المؤمنين، قال: «عَلى رِسْلِكُمَا، إِنَّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ» ، وأخبرهما أن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وأنه خاف أن يقذف في قلوبهما شرًّا، وربما يؤيد هذا الأثر المشهور: رَحِمَ اللَّهُ امرءًا كَفَّ الغِيبَةَ عَن نَفْسِهِ .

لا تقل: إن الناس يحسنون الظن بي، ولن يرتابوا في أمري، لا، لا تقل هكذا؛ لأن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، ربما لا يزال في الناس حتى يتهموك بما أنت منه بريء، والحمد لله ما يضر. من أين نأخذها؟ من قوله: وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا. ثم قال: إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَاإلى آخره. يستفاد من هذه الجملة من الآية الكريمة: جواز التجارة؛ لقوله: إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً، وهو كذلك، ولكن هذا الإطلاق مُقيَّد بالشروط التي دلت عليها النصوص، فلو اتجر الإنسان بأمر محرَّم، فهل يجوز؟ لا، من أين نعرف ذلك؟ من النصوص الأخرى، لو رابى الإنسان يريد التجارة والربح قلنا: هذا حرام، من نصوص أخرى، إذن هذا المطلق إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةًأيش؟ مقيد، أنا أقول الآن: هذا المطلق، هل كلامي صحيح؟ وقولي ووصفي إياه بالمطلق أو هذا العام؟

طالب: عام. طالب: عموم.

طالب: هذا مطلق. الشيخ: نعم، الصواب مطلق، ما عشان الاستثناء؛ لأن تجارة نكرة في سياق الإثبات، والنكرة في سياق الإثبات للإطلاق لا للعموم، النكرة للعموم إذا كانت في سياق أيش؟ طلبة: النفي. الشيخ: النفي أو النهي أو الشرط أو الاستفهام الإنكاري، أما هنا فهي في سياق الإثبات، لكن نقول: هذا المطلق مقيد بماذا؟ بالنصوص الدالة على أن التجارة لا بد فيها من شروط. يستفاد من هذا: أن التجارة نوعان: تجارة حاضرة وتجارة غائبة. فهل يجوز الاتجار بالغائبة؟ الجواب: نعم؛ لأن الأصل في قوله: حَاضِرَةًالأصل فيه أن يكون قيدًا، والقيد يخرج غير المقيد، فيفيد بأن التجارة إما حاضرة تُدار بيننا، وإما غائبة، والغائبة إما بدين مؤجل، وإما غير مؤجل، فإذا قلت: بعتُ عليك سيارتي، وليست حاضرة بين أيدينا، هذا نقول: دين، ولكن لاحظ أني ما عينتها بذاتها، قلت: بعت عليك سيارة صفتها كذا وكذا وكذا بعشرين ألف، هذا نقول: دين؛ لأن السيارة لم تعين، لكنه حاضر ولا غائب؟ الطلبة: غائب. الشيخ: هو غائب عن النظر لكنه غير مؤجل، فيكون حاضرًا، أما الدين المؤجل فسبق في أول الآية. ومن فوائد الآية الكريمة: أن الأصل في التجارة الدوران تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ. فأما الشيء الراكد الذي لا يدار، فهل يسمى تجارة أو لا يسمى؟ يرى بعض العلماء أنه ليس بتجارة؛ ولهذا يقولون: إنه ليس فيه زكاة، وأن الزكاة إنما في المال الذي يدار، يعني يتبادل، ويرى آخرون أنها تجارة، لكنها تجارة راكدة، وهذا يقع كثيرًا فيما إذا كسدت التجارة وكسد البيع، فهنا ربما تبقى السلع عند أصحابها مدة طويلة ما حركوها، لكن هي في حكم أيش؟ المدارة في حكم المدارة؛ لأن هذا الرجل ينتظر أي إنسان يأتي فيبيع عليه. ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا يجب كتابة التجارة الحاضرة المدارة، ولو كان ثمنها غير منقود، بخلاف ما إذا تداينا بدين إلى أجل مسمى، فإنه تجب كتابة الدين على ما سبق من الخلاف في ذلك؛ لقوله هنا: فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا، أي: في عدم كتابتها. ثم قال: وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَإلى آخره. يستفاد من هذه الجملة: الأمر بالإشهاد عند التبايع، وهذا الأمر هل هو للوجوب أو للاستحباب أو للإرشاد. طالب: الاستحباب.

الشيخ: يجري فيه الخلاف الذي أشرنا إليه من قبل، فمنهم من قال: إنه للوجوب؛ لأنه الأصل في الأمر، ومنهم من قال: إنه للاستحباب؛ لأن الناس ما زالوا يتبايعون في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام ومن بعد عهده من غير إشهاد، ولو كان هذا واجبًا ما ترك في هذه الأعصار الكثيرة، كل الناس يشترون الأشياء الزهيدة والأشياء الثمينة ولا يرون واجبًا عليهم أن يُشهدوا. ومنهم من قال: للإرشاد بناء على قاعدة أصَّلها، وهي: أن الأوامر التي لا يقصد بها التعبد تكون للإرشاد، والمعاملات التي بين الناس كلها لا يُقصد بها التعبد؛ لأنها ليست لله، بل هي معاملة فيما بين الإنسان وبين غيره، فلا يكون شيء منها واجبًا، اللهم إلا أن يتعلق بولاية، مثل أن يكون الإنسان وليًّا على غيره ويبيع له شيئًا ثمينًا يعدّ ترك الإشهاد فيه تفريطًا، فحينئذٍِ نقول: يجب من حيث أيش؟ من حيث الائتمان وتعلق حق الغير به، قالوا: ويؤيد ذلك أن هذا الذي حصل به التبايع لو أن الرجل أعطاه إياه بدون شيء يجوز ولَّا لا؟ لو أعطاه إياه بدون شيء بدلًا من أن أبيع عليك سيارتي وأروح أجيب شهود قلت: خذ السيارة هبة مجانًا، يجوز ولَّا لا؟ الطلبة: يجوز. الشيخ: يجوز، ما أحد يقول: غير جائز، إذن فالمقصود بالإشهاد حفظ الحق الذي هو من اختصاصي أنا، وإذا كان يجوز أن أتنازل عنه من أول الأمر وأقول: خذ السيارة وهي لك، فإن ذلك يدل على أن الأمر هنا ليس للوجوب. قالوا: ويدل على ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم اشترى فرسًا من أعرابي ولم يُشهِد ، والقصة مشهورة معروفة، ولو كان الإشهاد واجبًا لكان أول من يقوم به الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [الأنعام: ١٦٣]. وقد مر علينا أن معنى الآية ليس معناها: أولهم زمنًا، لكن أولهم استسلامًا، بمعنى أنه إذا أمَر بشيء أو أُمر به فهو أول من ينفذه ويستسلم له عليه الصلاة والسلام، فلو كان هذا أمرًا واجبًا لكان الرسول عليه الصلاة والسلام أول من يُنفذه ويُشهد عليه. على أن في هذا الاستدلال شيئًا من المناقشة، وما هو؟ هو أن الرسول عليه الصلاة والسلام لا يساويه غيره في أن دعواه مقبولة بكل حال، وغيره غير مقبولة؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام إذا ادَّعى دعوى، فقوله مقبول بلا يمين ولا شهود، ويجب على كل مؤمن أن يصدق ما ادعى به، وهذا من خصائصه عليه الصلاة والسلام؛ ولهذا لما طلبَ الإعرابيُّ مَن يشهدُ له قام خُزَيمةُ بن ثابت رضي الله عنه وشهد، قال: «كَيْفَ تَشْهَدُ عَلَى مَا لَمْ تَرَهُ؟» قال: نُصدّقُكَ بخبرِ السماء ولا نُصدّقك بخبرِ الأرض .

فكان على كل مؤمن أن يشهد بأن هذا الأعرابي باع على الرسول عليه الصلاة والسلام وإن لم يحضر؛ لأن دعواه عليه الصلاة والسلام مقبولة بلا شك. إذا كان الأمر كذلك صار في الاستدلال بهذا الحديث نظر، ولكن قد يقال: لو كان الأمر كذلك ما استشهد النبي صلى الله عليه وسلم أحدًا، ولا قال لخزيمة: لا حاجة لشهادتك؛ لأن قولي مقبول. على كل حال اللي يظهر أن الإشهاد ليس بواجب. القول الثالث: أن الأمر للإرشاد هو أقرب الأقوال، إلا إذا تعلق به حق الغير بأن يكون الإنسان وليًّا على غيره، أو وكيلًا على غيره وربما ضاع، فهذا يجب من حيث أيش؟ من حيث الأمانة وتعلق حق الغير.

وكذلك ربما نقول: إنه ينبغي إذا كان الأمر كبيرًا يترتب عليه ضرر عظيم على الإنسان، فقد يقال: إن الإشهاد هنا مأمور به، إما استحبابًا وإما وجوبًا.

ويستفاد من الآية الكريمة: جواز التبايع؛ لقوله: إِذَا تَبَايَعْتُمْ. ولكن قد يقول قائل: كل الآية هذه كلها في المعاملات، ومنها البيع، إلا أننا يمكن أن نستبدل هذه القاعدة، ونقول: يستفاد منه أن الإشهاد ينبغي أن يكون حين التبايع، بمعنى أنه لا يتقدم ولا يتأخر، لماذا؟ لأن المبيع قد يتغير؛ ولأن العقد لم يتم، وأن العقد لم يتم إذا كان الاستشهاد قبله، فإن كان بعده فربما يكون قد تغير. ومن فوائد الآية الكريمة: تحريم مضارة الكاتب والشهيد، هل هذا مضاف إلى الفاعل أو إلى المفعول؟ طالب: يصلح لكلا الأمرين. الشيخ: صالح للأمرين، كما أن قوله: كَاتِبٌوَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌصالح لأن يكون فاعلًا وأن يكون نائب فاعل. إذن يحرم على الكاتب أن يضار في الكتابة، على الكاتب أن يضار، مثل أيش؟ مثل أن يزيد أو أن ينقص أو يُسقط كلمة لا بد منها أو ما أشبه ذلك، يقول إنه مثلًا: باعه بعشرة، يكتب: باعه بتسعة، أو يكتب: باعه بأحد عشر، أو يُسقط كلمة لا بد منها، هذا من المضارة. وكذلك أيضًا نحن لا نُضار الكاتب، يعني: يحرم على المكتوب له أو عليه أن يُضارّ الكاتب، مثل إذا رآه في السوق بعد أن كتب عليه صار يتكلم عليه، يسخر به، يؤذيه بالقول أو بالفعل، هذا حرام وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ. كذلك الشاهد، لا يضار الشاهد غيرَه أو لا يضاره غيرُه؟

طالب: كلاهما. الشيخ: كلاهما، فلا يجوز للشاهد أن يضار في شهادته، ولا يجوز لنا أن نضار الشاهد في شهادته، كيف نضاره؟ المضرات كثيرة؛ ولهذا ما قُيِّدت بالآية، قد تكون المضارة في صفة استدعائه، إذا بغينا نجيبه يشهد دوّرنا أكبر ضابط في الشرطة وأعنفهم قلنا: روح جيبه، هذا فيه إضرار ولَّا لا؟ الطلبة: نعم. الشيخ: طيب، كذلك أيضًا إذا أتينا به للشهادة نجعله في مكان مُتعِب، بارد في الشتاء وحار في الصيف، أو نجعله في مكان رائحته ما هي طيبة، المهم أي نوع من المضارة لا تجوز، لا بالنسبة للكاتب ولا بالنسبة للشاهد. ومن فوائد الآية الكريمة: أن المضارّة فسوق، والفسق تعرفون ما يترتب عليه من زوال الولايات العامة والخاصة إلا ما استُثني. وتعرفون أيضًا أن الفاسق يُهجر إما جوازًا، أو استحبابًا، أو وجوبًا على حسب الحال، فيستفاد من هذه: أن المضارة سواء وقعت من الكاتب أو الشاهد أو عليهما تكون فسقا. فإن قال قائل: أفلا يُشكل هذا على القاعدة المعروفة أن الفسق لا يتصف به الفاعل إلا إذا تكرر منه أو كان كبيرة؟ فما الجواب؟ نقول: هذه تكون كبيرة؛ لأن ترتب حكم الكبيرة عليها وإن لم يُصرح بأنها كبيرة تكون كبيرة؛ ولأننا إذا أخذنا بالقاعدة العامة التي ذكرها شيخ الإسلام، ما هي القاعدة العامة التي ذكرها شيخ الإسلام في تعريف الكبيرة؟ طالب: ما توعد على صاحبها بالعذاب.

الشيخ: بأيش. الطالب: بالعذاب في الآخرة. الشيخ: بس؟ طالب: شيخ؟ الشيخ: نعم. الطالب: ما رتب عليها عقوبة خاصة. الشيخ: صح، ما رُتب عليه عقوبة خاصة، فهذا كبيرة، سواء في الدنيا أو في الآخرة. إذن نأخذ من الآية الكريمة: أن مضارة الكاتب والشهيد الواقعة منهما أو عليهما أيش؟ الطلبة: كبيرة. الشيخ: كبيرة من الكبائر، الدليل ترتيب الفسق أو ترتب الفسق على ذلك، وهو لا يترتب إلا على فعل كبيرة. يُستفاد من ذلك أيضًا: أن مجرد الفسق لا يُخرج من الإيمان، كيف؟ لأن هؤلاء الذين ضاروا لا يخرجون من الإيمان عند أهل السنة والجماعة، فمجرد الفسق لا يخرج من الإيمان، ولكن الفسق المطلق يخرج من الإيمان، يعني الخروج عن الطاعة خروجًا مطلقًا عامًّا يخرج من الإيمان ويوجب الخلود في النار، كما قال الله تعالى: أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ (١٨) أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٩) وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا [السجدة: ١٨ - ٢٠]. ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب تقوى الله سبحانه وتعالى؛ لقوله: وَاتَّقُوا اللَّهَ، والتقوى اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه، وسبق لنا من أحدكم أنه ذكر لها عدة تعريفات، لكن أجمعها هذا: أنها اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه. ومن المعلوم أنه لن يفعل الأوامر إلا من كان عالمًا بها، ولن يترك النواهي إلا من كان عالمًا بها، ومن المعلوم أيضًا أن فاعل الأوامر ماذا يريد؟ طالب: الثواب. الشيخ: يريد ثواب الله، وتارك النواهي يخشى عقاب الله، إذن يكون هذا شاملًا لقول من قال في التقوى: أن تعمل بطاعة الله، على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك ما نهى الله، على نور من الله، تخشى عقاب الله. ومن فوائد الآية الكريمة: امتنان الله عز وجل علينا بالتعليم، حيث قال: وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ. ومن فوائد الآية الكريمة: أن الدين الإسلامي شامل للعلم بما يتعلق في المعاملة بين العبد وبين ربه وهي العبادة، وفيما يتعلق في المعاملة بين الإنسان وبين الناس؛ لأنه بعد أن ذكر سبحانه وتعالى هذه التوجيهات قال: وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ. أخذ بعض العلماء من هذه الآية: أن التقوى سبب للعلم؛ لقوله: وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُبعد الأمر بالتقوى، ونازع في ذلك آخرون وقالوا: إن التقوى سبب للعلم لو قال: واتقوا الله فيعلمكم الله، لو قال: واتقوا الله فيعلمكم، صارت الفاء للسببية، وصارت التقوى سببًا للعلم، أما لما قال: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ، فالواو هنا للاستئناف؛ لأن يُعَلِّمخبر، وَاتَّقُواإنشاء أمْر، والخبر لا يُعطف على الإنشاء على خلافٍ في هذا بين النحويين في هذا أيضًا، فمنهم من قال: إنه يصح أن يعطف الخبر على الإنشاء، كما في قوله تعالى: قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا [هود: ٩٢] فـأَرَهْطِي أَعَزُّجملة إنشائية، ووَاتَّخَذْتُمُوهُجملة خبرية. على كل حال بعض الناس دافع بشدة أو دفع بشدة القول الأول: أن التقوى سبب للعلم، وقال: إن هذا فتح بابًا سيئًا، هذا الاستنباط، كيف؟ قال: لأن الصوفية تعلقوا به، فقالوا: إننا لتقوانا صار يأتينا إلهام من الله بكذا وكذا، فمن أجل ذلك اشتد دفعه لمن قال: إن التقوى سبب للعلم.

ونحن نقول: إن التقوى سبب للعلم لكن لا من هذه الآية، فإن الله يقول: وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى [محمد: ١٧]، ويقول: وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى [مريم: ٧٦]، ولا شك أن الإنسان إذا لم يتقِّ الله، فإن عدم تقوى الله مصيبة من المصائب أكبر من الزلازل والفيضانات، أقول: إن إعراض الإنسان عن التقوى من أعظم المصائب، بل هي أعظم المصائب في الحقيقة، قال الله تعالى: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ [المائدة: ٤٩]، يعني: إذا تولوا عن الحق فهذه مصيبة عاقبهم الله تعالى بها بما أذنبوا، وهذا يدل على إذا كان الذنب سببًا لذنب آخر وإعراض، صارت التقوى سببًا للإقبال على الله عز وجل وللعلم، فنحن نقول: إن التقوى سبب للعلم، وإن التقوى أيضا سبب للإقبال على الله، فكلما أطاع الإنسان ربه زاده الله تعالى محبة للطاعة، حتى إن بعض السلف يقول: من علامة قبول الحسنة الحسنة بعدها، فكلما رأيت من نفسك أن الله أعانك على الطاعة والتقوى، فاعلم أنك سوف تزداد، لكن البلاء أن تجد من نفسك فتورًا، فإن هذا ربما يؤدي إلى العقوبة بأن تتولى توليًا أكثر وأكبر. ومن فوائد الآية الكريمة: أن الأصل في الإنسان الجهل، من أين تؤخذ؟ الطلبة: وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ. الشيخ: من قوله: وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ، وهو كذلك، قال الله تعالى: وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [النحل: ٧٨]. ومن فوائد الآية الكريمة: ثبوت صفة العلم لله، غير الجملة الآتية، من أين؟ طالب: وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ.

الشيخ: نعم؛ لأن المعلَّم عالم أوْلى بالمعلََّم من العلم، أليس كذلك؟ طالب: فعل هذه يا شيخ؟ الشيخ: إي نعم، فعل، صفة. طالب: جاء الله، نقول: نسبتها إلى المجيء. الشيخ: كيف يجيء؟ لا لا، أنه عالم. ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن العلم من منة الله على عباده، وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ، كما قال تعالى: لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ [آل عمران: ١٦٤]، ولا شك أن العلم من أكبر النعم، أيهما أكبر؟ نعمة المال أو نعمة العلم؟ الطلبة: العلم. طالب: ولا تقارن. الشيخ: العلم؟ طالب: نعم، جزمًا.

الشيخ: ما هو جزمًا؟ الطالب: جزمًا. الشيخ: عجيب.

طالب: العلم يا شيخ، العلم أعظم. الشيخ: هذا اللي قاله الإخوان. الطالب: والدليل يا شيخ، نجيب الدليل. الشيخ: طيب. الطالب: الحديث الصحيح الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: «ثَلَاثٌ أُقْسِمُ عَلَيْهِنَّ: مَا نَقَصَ مَالٌ مِنْ صَدَقَةٍ، وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزَّةً، وَمَا فَتَحَ عَبْدٌ عَلَى نَفْسِهِ بَابَ مَسْأَلَةً إِلَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ بَابَ فَقْرٍ، وَأُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا فَاحْفَظُوهُ: هَذِهِ الدُّنْيَا لِأَرْبَعَةٍ: رَجُلٍ آتَاهُ اللَّهُ عِلْمًا وَمَالًا، فَهُوَ يُحكِّم عِلْمَهِ بِمَالِهِ -أو كما قال صلى الله عليه وسلم- فَهُوَ فِي أَعْلَى الْمَنَازِلِ، وَرَجُلٍ آتَاهُ اللَّهُ عِلْمًا وَلَمْ يُؤْتِهِ مَالًا، فَهُوَ يَقُولُ: يَا لَيْتَ لِي مَالَ فُلَانٍ فَأَعْمَلَ بِعَمَلِهِ، فَهُمَا فِي الْأَجْرِ سَوَاءٌ، وَكَذَلِكَ رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا وَلَمْ يُؤْتِهِ عِلْمًا فَهُوَ يَتَخَبَّطُ فِي مَالِهِ، وَرَجُلٌ لَمْ يُؤْتِهِ مَالًا وَلَا عِلْمًا وَيَقُولُ: يَا لَيْتَ لِي مَالَ فُلَانٍ فَأَعْمَلَ بِعَمَلِهِ، فَهُمَا فِي الْوِزْرِ سَوَاءٌ» ، لما كان هذا عالمًا استفاد بنيته وعلمه أن يتمنى عمل الخيرات فأصبح أجره عظيمًا. الشيخ: أحسنت، وعلى كل حال هذه دالة على فضل العلم، لكن هل قال الله: يرفع الله الذين أوتوا المال درجات؟ الطلبة: لا، العلم. الشيخ: بل قال: الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ [المجادلة: ١١].

طالب: والعلم ميراث الأنبياء. الشيخ: نعم ميراث الأنبياء. طالب: ما قال التجار ورثة الأنبياء. الشيخ: إذن العلم أفضل، العلم أفضل بلا شك ولا مقارنة، والعلم مع كونه فاضلًا، فهو في الحقيقة جهاد في سبيل الله؛ لأن الدين الإسلامي لم ينتشر إلا بالعلم والسلاح، السلاح يُذلّل العدو، والعلم ينير له الطريق؛ ولهذا إذا ذل العدو أمام الإسلام وخضع لأحكامه وإن لم يُسلم، ما علينا منه، إذا بذل الجزية وجب الكف عنه، ولا يُقاتل، لكن العلم جهاد، يجب أن يكون لكل أحد. ثم الجهاد بالسلاح لا يكون إلا للكافر المعلِن كفره ولا يكون للمنافق، والجهاد بالعلم يكون لهذا ولهذا، للمنافق وللكافر المعلِن بكفره؛ ولهذا نقول: المعلِن بكفره لا يمكن أن يُقاتل حتى يُبلغ، فإذا بُلِّغ وعاند لم يُسلم ولم يستجب للجزية حينئذٍ يُقاتل. فالمهم أن نقول: إن العلم أفضل بكثير من المال، والعلم جهاد في سبيل الله ولا سيما في وقتنا الحاضر، الآن تفتح الناس والحمد لله، وصاروا يأخذون الثقافات من يمين ويسار، وترد عليهم من يمين ويسار، واحتاج الناس الآن للعلم الراسخ المبني على الكتاب والسنة حتى لا يقع الناس في ظلمات بعضها فوق بعض؛ لهذا تجد رجلًا يمر به حديث أو حديثان ثم يقول: أنا ابن جلا وطلاع الثنايا! من ينال مرتبتي؟! أنا الذي أفتي بعشرة مذاهب مو بأربعة مذاهب، ثم مع ذلك يُندد بمن خالفه ولو كان من كبار العلماء، وربما يُضخم الخطأ الذي يقع منه ولو كان ممن يشار إليه بالفضل والعلم والدين، وهذه خطيرة جدًّا، هذه خطيرة؛ لأن العامي وإن كان إذا وثق بشخص ما هو بهامّه هذا الكلام، لكن كلما حصل زاد الضرب أو كُرر الضرب على الحديد لا بد أن يتأثر؛ لذلك نرى أن طلب العلم الآن من أهم الأمور خصوصًا في هذا الوقت، يعني: هذا التفتح. سئل بعض الناس قيل له: كيف يجوز أن نطبخ الجراد بماء يغلي على النار؟ قال: طيب تحب أن نذبح كل جرادة على حِدة؟ فأشكل عليه الأمر قال: كيف نعذب هذا الجراد بالنار؟! شي يعني إما نشويه شيًّا أو نغمسه في الماء الذي يغلي، فتذكر هذا الرجل قصة إنسان أتى إلى بيته وأعطاهم كيسًا من الجراد، وقال لزوجته: يعني اصنعيه لنأكله، فلما خرج ورجع وإذا الزوجة تأخذ كل الجراد وتذبحه بالسكين، يقول: يطير (...) وتأخذ واحدة فما تقول في هذا؟ طالب: جهل مركب. الشيخ: هذه جاهلة مركبة، لكن هذا الذي سئل تحير، قال: صحيح، لا يُعذب بالنار إلا رب النار، ومشكل إن شويناه شيًّا عذبناه بالنار، وإن غمسناه في الماء يغلي عذبناه في النار؟ طالب: قتلناه. الشيخ: إي قتلناه بشيء يغلي، قتلناه بالنار، طيب ما رأيكم لو حطه بالفريزر، يموت من الثلج؟ طالب: أشد. الشيخ: ما أدري والله.

طالب: النار فيها زمهرير. طالب: لكن لماذا يا شيخ لا يوضع في النار (...) عذبناه، هذا طريق (...). الشيخ: المهم الآن وقع السؤال ماذا تقولون؟ طالب: حلال يا شيخ. الشيخ: ويش اللي حلال؟ طالب: النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أُحَلَّتْ لَنَا دَمَانِ وَمَيْتَتَانِ» . الشيخ: إيه ميتتان ودمان، هو ما هو مشكل عليه أنه مات، المشكل عليه التعذيب بالنار. طالب: الموت جماعي. طالب: ما يطبخونها. الشيخ: يعني: لا طريق إلى الوصول للانتفاع به إلا هذا؟ طالب: نعم.

الشيخ: ما يمكن يتوصل إليه إلا بهذا؟ طالب: إذا وجد يربط حتى يموت. الشيخ: متى تموت الجرادة؟ الجرادة قطع كل رجليها وخليها تقعد يومين أو أسبوع، ما هو بصحيح. طالب: (...) بالماء يا شيخ. الشيخ: هو الفقهاء تكلموا على هذا وقالوا: إنه لا يكره شيّ الجراد بالنار، شيّه يعني: إدخاله النار يشوي، وذكروا أثرًا عن الشافعي، عن أبي بن كعب رضي الله عنه أنه شوى جرادتين وهو محرم شيًّا ، وهذا يدل على أن من عادتهم أنهم يشوونها، ما أخبر أنه جاء هذا السؤال في الزمن الماضي لما كان الناس يفعلون هذا، لكن الناس الآن تفتحوا -والحمد لله- وصاروا يناقشون. طالب: كانوا جاهلين عن الجراد ما يعرفون؟ الشيخ: إي نعم، هذا كله من الشباب التالي اللي ما يعرف الجراد، لكن استنكر هذه الحال قال: فيه ناس اشتروا أيام اللي جلب وفعلوا به هكذا، على كل حال أنا جئت بهذا الشاهد، إنه يجب علينا الآن أن نعتني بالعلم حتى لا نقع في جهل في أدنى الأمور. طالب: الجواب يا شيخ؟ الشيخ: الجواب أنه يفعل به هكذا، يعني: يُغمس في الماء حتى يموت أو يُشوى، وهذا ذكاته، نعم هذا ذكاته. ومن فوائد الآية الكريمة: آخر جملة فيها وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ: إثبات هذا الاسم من أسماء الله وهو عليم، وإثبات ما دل عليه من الصفة وهي العلم، وإثبات عموم علم الله؛ لقوله: وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ [البقرة: ٢٩]. وفيه أيضًا الرد على القدرية سواء الغلاة منهم أو غير الغلاة؛ القدرية ماذا يقولون؟ طالب: يقولون: إنه لا يعلم. الشيخ: يقولون: إن الله لا يعلم شيئًا من أفعال الإنسان حتى يقع، وهؤلاء غلاتهم، لكن يقول شيخ الإسلام في العقيدة الوسطية: إن هؤلاء قليل، هذا في عهده ما ندري الآن زادوا أم نقصوا، لكن فيه رد حتى على غير الغالية وهم الذي يقولون: إن الله يعلم، لكنه لم يُرد أفعال الإنسان، وأن الإنسان مُستقل بإرادته وفعله، وجه ذلك ما قاله الشافعي رحمه الله، قال: ناظِروهم بالعلم، فإن أقروا به خُصموا، وإن أنكروه كفروا، وعلى هذا فنقول: في هذه الآية الكريمة دليل على أن أفعال العباد مرادة لله عز وجل؛ لأنها إن لم تكن مرادة، فهي إما أن تقع على وفق علمه أو على خلافه، فإن كان على خلافه فهو إنكار للعلم، وإن كان على وفقه فلا بد أن يكون مرادًا له؛ لأنه أراده أن يقع على حسب علمه. طالب: في حديث جابر في بيعه الناقة للرسول صلى الله عليه وسلم ما يجري على عدم اشتراطه المبايعة؛ ذلك أنه جابر هو البائع للرسول صلى الله عليه وسلم ولَّا (...)، بينما في الحال تلك الرسول صلى الله عليه وسلم هو اللي باع للأعرابي. في الحالة الأولى. الشيخ: الرسول مشتري منهم كلهم.

الطالب: في قصة الأعرابي. الشيخ: إيه الرسول مشتري الفرس. طالب: قلنا: إن الأثر الذي ورد عن الشافعي أنه شوى جرادتين وهو محرم أليس منهيًا عنه، عن قتل الجراد إذا كان الإنسان محرمًا؟ الشيخ: هذا فيها خلاف، فبعض العلماء يرى أنه بحري، والبحري ما فيه جزاء. الطالب: والصحيح. الشيخ: لا، الصحيح أنه بري، لكن ذكر عن كعب أنه قال: إنه نخرة حوت، ورأى أن أصله بحري، فليس فيه جزاء.

تفسير الآية (٢٨٣)

٠٠:٥٩:٤٦

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌفيها قراءتان، رِهَانفيها قراءتان؟ طالب: فيها قراءة {فَرُهُنٌ}. الشيخ: {فَرُهُنٌ}. ورِهَانٌهل بينهما فرق من حيث الصيغة؟ طالب: {فَرُهُنٌ مَقْبُوضَةٌ} يعني: بمعنى. الشيخ: من ناحية الصيغة يعني، هل كلهم مفرد ولا يختلفن؟ الطالب: {فَرُهُنٌ} مو مفرد أكثر من واحد. الشيخ: جمع. ورِهَانٌ؟ الطالب: مفرد.

الشيخ: مفرد، ورهن؟ الطالب: رهان (...). الشيخ: إذن هي جمع، يعني هما في الصيغة سواء، كلها جمع رهن. قوله: فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُويش معنى اؤْتُمِنَ؟ طالب: الذي اؤتمن أي الذي يعطي (...) الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُالذي يعطي (...) يعني إذا كنتم في الحضر فإن أمن بعضكم بعضًا (...). الشيخ: وأيش معنى اؤْتُمِنَبس، ما نبغي إلا هذا؟ الطالب: أي كان أمينًا. الشيخ: أي جُعل أمينًا، صح. قوله: فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُإعرابه؟ طالب: آثِمٌ قَلْبُهُفعل وفاعل. الشيخ: لا. طالب: نقول: الفاء على حسب ما قبلها أو عاطفة. الشيخ: لا، ما هي على حسب ما قبلها ولا عاطفة، هي على حسب ما قبلها لكن مفهومة؟ طالب: واقعة في جواب الشرط.

الشيخ: نعم، واقعة في جواب الشرط. الطالب: إنَّ حرف توكيد ينصب الاسم ويرفع الخبر، والهاء ضمير متصل مبني على الضم في محل نصب اسم إن. وآثِمٌخبر مرفوع، وقَلْبُهُفاعل، وهو مضاف، والضمير مضاف إليه.

الشيخ: صح. فيها وجه آخر؟ فيها وجه آخر. طالب: مبتدأ وخبر. طالب: (...)

الشيخ: لا. طالب: مبتدأ.

الشيخ: أيها؟ الطالب: قَلْبُهُخبر، آثِمٌ قَلْبُهُ، آثِمٌمبتدأ، قَلْبُهُخبر، والجملة خبرها. الشيخ: فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ.

الطالب: إنه: إن واسمها. الشيخ: وآثِمٌخبرها. الطالب: لا، وآثِمٌ قَلْبُهُالجملة خبر، ما هي مبتدأ وخبر. الشيخ: وين المبتدأ فيها؟

الطالب: آثِمٌ. الشيخ: آثِمٌهو المبتدأ؟ الطالب: لا، قَلْبُهُ. الشيخ: قَلْبُهُمبتدأ، وآثِمٌ؟ الطالب: خبره. الشيخ: خبره، يعني: فإنه قلبه آثم. يقول الله عز وجل: وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌإلى آخره. يستفاد من هذه الآية الكريمة: أن للسفر أحوالًا تخالف حال الحضر، وهو كذلك، له أحوال تخالف حال الحضر في العبادات والمعاملات وغيرها، ففي العبادات يختلف في الصلاة والصيام والطهارة، في المعاملات مر علينا الوصية في السفر إذا لم يجد الإنسان من يُشهده من المسلمين، فإنه يشهد كفارًا، إما أهل الكتاب أو عموم الكفار على القول الراجح، في غيرها: أن المسافر له دعوة لا تُرد؛ يعني السفر من أسباب إجابة الدعاء، فالمهم أن للسفر أحكاما تخالف أحكام أيش؟ الحضر، ومنها هذه الآية فيستفاد منها: أن الإنسان إذا كان مسافرًا وداين شخصًا ولم يجد كاتبًا، فإن الطريق لإثبات حقه أن يرهن أو أن يرتهن ويقبض الرهن، أن يرتهن ويقبض الرهن، مثال ذلك: أقرضت شخصًا وأنت وإياه في السفر وليس عندكما كاتب، فقلت: أعطني رهنًا أرتهنه للتوثق بحقي فأعطاك، واضح؟ ومن فوائد الآية الكريمة: عناية الله عز وجل بحفظ أموال عباده؛ يعني: أن سبحانه وتعالى ذكر حتى هذه الصورة: أن الإنسان إذا داين غيره ولم يجد كاتبًا، فإنه يرتهن، حفظًا لماله وخوفًا من النزاع والشقاق في المستقبل، فينكر من عليه الحق وتحصل الخصومة والنزاع. ومن فوائد الآية الكريمة: جواز الرهن؛ لقوله: فَرِهَانٌ، ولكن ذلك مشروط حسب ما في الآية بالسفر، سواء كان قصيرًا أو طويلًا، وبأن لا نجد كاتبًا، فهل هذا الشرط معتبر؟

الجواب: دلت السنة على عدم اعتباره، لا عدم الكاتب ولا السفر، فقد اشترى النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثين صاعًا من الشعير لأهله ورهن درعه عند يهودي حتى مات ، وهذا يدل على جواز الرهن في الحضر حتى مع وجود الكاتب. إذا قال قائل: إذا كان الأمر هكذا فما الجواب عن الآية؟ الجواب عن الآية: أن الله تعالى ذكر صورة إذا تعذر فيها الكاتب، فلدينا ما يثبت به الحق أو ما يتوثق به الحق وهو الرهن، فذكر هذه الصورة لا على أنها شرط للحكم، يعني: كأنه قال: إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه، وإن كنتم في السفر وليس عندكم كاتب فأيش؟ الطلبة: فارتهنوا. الشيخ: فارتهنوا، فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ. نحن قلنا: جواز الرهن، وأظن سبق لنا تعريف الرهن، سبق في هذه الآية. استدل بعض العلماء في هذه الآية على: أن من شرط صحة الرهن القبض، واستدل آخرون بهذه الآية على: أن من شرط لزوم الرهن القبض، ولم يعتبر آخرون هذا الشرط، فلدينا الآن ثلاثة أقوال: هل قبض الرهن شرط لصحته؟ هل قبض الرهن شرط للزومه؟ هل قبض الرهن من باب التوثقة أو من باب زيادة التوثقة وليس شرطا للصحة ولا للزوم؟ فهذه ثلاثة أقوال، فمن العلماء من يقول: إن قبض الرهن شرط للصحة؛ لأن الله قال: فَرِهَانٌوصفها ما أطلقها قال: مَقْبُوضَةٌ، وعلى هذا: فرهن بلا قبض لا يصح، وهذا قال به بعض العلماء، وهو رواية عن أحمد بن حنبل رحمه الله. والقول الثاني: أن الرهن شرط للزوم، فالرهن يصح، لكن إن قبضه المرتهن صار لازمًا وإن لم يقبضه، فإن قبضه وكيله أو من اتفق عليه الراهن والمرتهن ليقبضه فالرهن أيضًا لازم، وإن بقي عند الراهن فالرهن غير لازم، وهذا هو المشهور من المذهب. والقول الثالث: أن القبض ليس شرطًا للزوم ولا للصحة، وأن الرهن يصح ويلزم بدون قبض إذا كان مُعينًا، وهذا القول هو الصحيح وهو الذي عليه العمل. لا بد أن نبحث: الآية الكريمة على أي الأقوال تدل، الذين قالوا: إن القبض شرط للصحة وأنك لو رهنت شيئا ولم تُقبِّضه، فالرهن غير صحيح والمرهون تتصرف فيه كما شئت، وإذا أردتما أن تعيدا الرهن فلا بد من عقد جديد، يقول: إن الله قال: فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌفوصفها بأنها مقبوضة، والوصف قيْد في الموصوف، فإن لم تكن مقبوضة فلا تصح.

والذين قالوا بأنها شرط للزوم، قالوا: لأن الرهن يتم بجميع شروطه وأركانه بدون قبض، فإذا قال: رهنتك هذه السيارة وشاهدها وعرفها، فقد تم العقد لتمام الشروط وانتفاء الموانع، وأما القبض فهو شرط للزوم، وعلى هذا: فإذا بقي عند الراهن، ثم جاء المرتهن من الصباح مثلًا من الليل أو ما أشبه ذلك وأخذه يحتاج إلى تجديد عقد؟ لا يحتاج؛ لأن العقد صحيح، لكنه ما دام عند الراهن فهو ليس بلازم، بمعنى أن الراهن له أن يتصرف في هذا الرهن بما شاء من بيع أو هِبة أو وقف أو غير ذلك. وهؤلاء احتجوا لصحة العقد بأنه عقد تام الشروط واقع من أهله، فلزم أن يكون صحيحًا، وأما لزوم الرهن فلا يلزم إلا بالقبض؛ لقوله: فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ. القول الثالث: قالوا: إنه ليس شرطًا للصحة –أي: القبض- قالوا: إن القبض ليس شرطا للصحة ولا شرطًا للزوم، وأن الرهن يصح ويلزم بدون قبض ولو كان عند الراهن، إذا كان المرتهن قد أذن ببقائه عند الراهن، قلنا: هذا القول هو الصحيح، وإذا كان هذا القول هو الصحيح فإننا نحتاج إلى الجواب عن أيش؟ عن الآية الكريمة. الجواب عن الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى ذكر الرهن في صورة لا يمكن أن يتم التوثق فيها به إلا بقبضه؛ لأن المسألة مفروضة، والمتعاملان أو المتداينان في السفر وليس عندهما كاتب، كيف يتوثق الدائن بدينه إلا برهن مقبوض؟ إذا لم يقبض قد ينكر من عليه الدين، قد ينكر أصل الرهن فيحصل النزاع، فلا يمكن أن يتوثّق بدينه إلا بقبض، فهي عبارة –أي: الآية الكريمة- عبارة عن قضية معينة القبض فيها من تمام التوثقة وليس بشرط. ثانيًا: يقولون: ألستم قد ألغيتم قيد السفر مع أنه صريح في الشرطية؟ وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ، فسيقولون: بلى، وسيقول بعضهم: لا؛ لأن بعض العلماء قال: لا يجوز الرهن إلا في السفر، وأخذ بالشرط والقيد، لكن من لم يأخذ به سيقول: نعم، ألغي شرط كونه في السفر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم رهن وهو في الحضر ، وهذا صحيح، لكننا نحتجّ به عليه ونقول: هذا دليل على أن الشروط المذكورة في الآية ليست شروطًا للصحة، لو كانت شروطًا للصحة ما رهن النبي صلى الله عليه وسلم درعه في الحضر، ما رهنه في الحضر.

إذن فالقول الراجح هو: أن هذا من باب تمام التوثق فقط، وليس شرطًا للصحة ولا للزوم، وهذا هو الذي عليه العمل، ما زال الناس يرتهنون أموال المدينين وهي باقية عندهم، ربما تسمعون أن الشخص يُسلم في التمر أو في البُرّ على صاحب البستان ويرهن البستان أيضًا، وصاحب البستان لم يُقَبِّضْه اللي هو باقٍ فيه يعمل فيه، الآن الرهن صندوق التنمية العقاري البيوت مرهونة وهي عند من؟ الطلبة: عند أصحابها. الشيخ: عند أصحابها، ولا يزالون يرون أن هذا رهن لازم تام، وهو كذلك. من فوائد الآية الكريمة: أن القول قول المرتهِن فيما إذا اختلفا في قدر الدين، وهذه المسألة فيها خلاف بين العلماء، فمنهم من يقول: إن القول قول الراهن، ومنهم من يقول: إن القول قول المرتهِن، ومنهم من يُفصّل. صورة المسألة: أعطيتك قرضًا مقداره عشرة آلاف ريال ورهنت السيارة، سيارتك وأخذتها أحرزتها عندي قبضتها؛ لأني خشيت إن بقيت في يدك أن تتلفها، فأبقيتها عندي، ثم عند طلب الوفاء زعم الراهن صاحب السيارة أن القرض خمسة آلاف ريال فقط، وأنا قلت: إنه عشرة، من القول قوله؟ الطلبة: (...) الشيخ: فيه خلاف أو فيه تفصيل، قال بعض العلماء: إن القول قول الراهن، وهذا هو المذهب، القول قول الراهن من الراهن؟ طالب: صاحب السيارة. الشيخ: المدين، صاحب السيارة، لماذا؟ قالوا: لأنه غارم، والقاعدة أن الغارم هو المقبول قولُه، وهذه القاعدة مأخوذة من قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» ؛ لأن الغارم مُدعًى عليه، فنحن مثلا في المثال اللي ذكرنا اتفقنا على خمسة آلاف أو لا؟ طالب: عشرة. الشيخ: يا أخي، على خمسة، اتفقنا على خمسة أنا أقول: عشرة، والخمسة داخلة في العشرة، وأنت تُقر بها، إذن اتفقنا على خمسة آلاف أو لا؟ الخمسة الزائدة على الخمسة أنا مدعيها وأنت غارمها تنفيها، فالقول قول الراهن؛ لأنه غارم بناءً على هذا الحديث: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ»، كذا ولَّا لا؟ القول الثاني: أن القول قول المرتهِن، وعلّلوا ذلك بأن الله تعالى جعل الرهن بدلًا عن الكتابة: وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ، وإذا اختلف الدائن والمدين في قدر الدين نرجع إلى أيش؟ إلى الكتابة، فكما أن الكتابة الوثيقة اللي مكتوبة كما أنها حُجة للدائن، فكذلك الرهن حجة له، فيكون له بمنزلة الوثيقة، وهذا ظاهر كلام شيخنا عبد الرحمن في التفسير. ولكن القول الثالث: التفصيل في المسألة وهو الصحيح، التفصيل يقول: إن القول قول المرتهِن ما لم يدعِ أكثر من قيمة الرهن، فهمتم؟ الطلبة: نعم. الشيخ: القول قول المرتهن ما لم يدعِ أكثر من قيمة الرهن، فمثلًا هذه السيارة تساوي عشرة، وأنا أقول: أيها المرتهن، إن الدين عشرة، يقبل قولي، أنت تقول: خمسة وأنا أقول عشرة، يقبل قولي؛ لأن معي قرينة وهي: أن الغالب أن الإنسان لا يرهن شيئًا إلا إذا كان مقدار دينه أو أكثر، أو أقل، هذا بالنسبة للراهن، ما يعطي إلا مقدار دينه أو أقل، ما يعطي أكثر من دينه هذا الغالب، فإذا ادعى أن مقداره كذا وكذا وهو لا يزيد على ثمن أيش؟ الرهن، فالقول قول المرتهِن، وإن زاد فما زاد فالقول فيه قول الراهن، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ومذهب الإمام مالك، وهو أقرب من القولين السابقين. فإذا طبقنا هذه المسألة على القول بأنه القول قول الراهن، هذا الرجل رهن سيارة بعشرة آلاف ريال، ولما جئنا للتقاضي قال صاحب السيارة الراهن: إن دينك الذي تطلبني عشرة ريالات من القول قوله؟ الطلبة: المرتهن. الشيخ: لا، على المذهب القول قول الراهن، هل جرى العرف بأن شخصًا يرهن سيارة تساوي عشرة آلاف ريال بعشرة ريال؟ الطلبة: لا. الشيخ: أبدًا، هذا شيء يكذبه الواقع؛ ولهذا نقول: إن قول شيخ الإسلام رحمه الله كما تشهد له القرينة يشهد له الواقع أيضًا، لو قبلنا قول الراهِن مطلقًا لأدى بنا أن نقول ما لا يصدقه أحد. ولو ادعى المرتهن أيضًا ما لا يصدقه الواقع ما هو أكثر ما نقبل، لو أنه مثلًا أعطاه السيارة قيمتها عشرة آلاف ريال وعند الاستيفاء قال: إن الدين مليون ريال، يقبل؟ الطلبة: لا يقبل. الشيخ: لأيش؟ لأنه ما جرت العادة أن شخصًا يعطي مليونًا من الدراهم ويرهن سيارة بعشرة آلاف ريال، هذا بعيد، بل ظاهر كلام الشيخ: لو أنه ادَّعى أن الدين خمسة عشر ألف ريال وهي عشرة أنه لا يُقبل؛ لأنه ادعى ما قيمته ما هو أكثر من قيمة الرهن، فلا يُقبل. ألا يمكن أن يقال في هذه المسألة: إن التفصيل على وجه آخر، وإنه إذا ادعى ما يُقارب، فالقول قوله ولو زادت على قيمة الرهن؟ يعني: مثلًا لو قال: إنه اثني عشر ألفا والرهن يساوي عشرة يمكن؟ الطلبة: يمكن. الشيخ: يمكن؛ لأن هذا أحيانًا يقع يقول: أنا أرهن السيارة بعشرة ولا يضيع حقي كله، لكن على كل حال كلام شيخ الإسلام هو من أحسن الأقوال وهو الأرجح، وإن كان القول الثاني: إنه يرجع إلى القرائن قولًا قويًّا، لكن ما أدري هل قال به أحد أم لا. ومن فوائد الآية الكريمة: أنه إذا حصل الائتمان من بعضنا لبعض لم يجب رهن ولا إشهاد ولا كتاب؛ لقوله: فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ؛ ولهذا قال كثير من العلماء: إن هذه ناسخة لما سبق من قوله: إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ، ومن قوله: أَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ، وقوله هنا: إِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍفَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ، وأنه عند الائتمان لا يجب شيء من ذلك. ولكن القول بأنها ناسخة على سبيل العموم فيه نظر، ولو قيل: إنها ناسخة فيما ليس فيه الخطر لكان له وجه، يعني: فيما جرت العادة بالتبادل فيه بدون إشهاد ولا كتابة لكان قولًا لا بأس به، أما أن نجعله في الأمور اللي فيها الخطر، عقارات أو ديون كثيرة عظيمة تحتاج إلى كتابة أو إشهاد، فالقول بأن هذه الآية ناسخة، في النفس منه شيء؛ ولهذا اعترض بعض العلماء على القول بأنها ناسخة وقال: كيف يكون ناسخة في سياق واحد أول الآية ثم يجيء آخرها ينسخ؟! ولكن هذا الاعتراض عليه اعتراض، فها هو الصيام في آيتين؛ الآية الأولى منهما تخيير، والثانية إلزام، يعني: فلا مانع من أن يكون النسخ في آيتين متجاورتين كما في هذه الآية.

لكن نحن نقول: إنه إذا كان الشيء هامًّا وله خطر، فإن الكتابة قد تكون واجبة لا سيما إذا كان الإنسان يتصرف لغيره. ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب أداء الأمانة على من ائتمن. ويتفرع من ذلك: تحريم الخيانة؛ لقوله: فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ، فإذا وجب أداء الأمانة حرُمت الخيانة، كذا؟ ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لو تلفت العين بيد الأمين، فإنه لا ضمان عليه ما لم يتعدَّ أو يُفرط؛ لقوله: فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ، فسماها الله أمانة، والأمين يده غير متعدية، فلا يضمن إلا إذا حصل تعدٍّ أو تفريط. ومن التعدي: إذا أُعطي الإنسان أمانة للحفظ تصرّف فيها كما يفعل بعض الناس، يُعطى أمانة للحفظ ثم يتصرف فيها ببيع أو شراء أو غير ذلك، ويقول: إذا جاء صاحبها فأنا مستعد أن أعطيه، نقول: هذا حرام ما يجوز، لا يجوز لك أن تفعل هذا، إذا أردت أن تفعل فاستأذن من صاحبها، وإذا أذن لك صارت عندك قرضًا. ومن فوائد الآية الكريمة: أنه يجب على هذا الذي ائتمن أن لا يغتر بثقة الناس به؛ لقوله: وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ، فإن الإنسان إذا ائتمن ربما يغتر بثقة الناس به ولا يهتم بالأمور، فيقول: الناس واثقون بي، ولا يهتم، فأمره الله تعالى بأن يتقي الله قال: وَلْيَتَّقِ اللَّهَ.

والتقوى سبقت لنا مرارًا بأنها: اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل أوامره وترك نواهيه. قال: وَلْيَتَّقِ اللَّهَ، وأردفها بقوله: رَبَّهُ، ففيه فائدة، وهي: أن الإنسان في هذه المقامات ينظر إلى مقام الربوبية كما ينظر إلى مقام الألوهية، فبنظره إلى مقام الألوهية يفعل هذا تعبدًا لله تعالى وتقرُّبًا له، وبالنظر إلى مقام الربوبية يحذر المخالفة؛ لأن الرب هو الذي له الخلق والملك والتدبير، فلا بُدَّ أن يقرن الإنسان بين مقام الألوهية ومقام الربوبية. ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات ما دل عليه هذان الاسمان، وهما: الله والرب، وهو توحيد الألوهية، وتوحيد الربوبية، ويتضمنان توحيد الأسماء والصفات؛ لأن المعبود لا بد أن يكون أهلًا للعبادة، والرب لا بد أن يكون أهلًا للربوبية، ولا يتحقق ذلك إلا بكمال الصفات؛ ولهذا نقول: توحيد الربوبية يستلزم توحيد الألوهية، والتوحيدان يتضمنان توحيد الأسماء والصفات؛ إذ لا يُعبد إلا من كان متصفًا بصفات الكمال؛ ولهذا قال إبراهيم لأبيه: يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا [مريم: ٤٢]. ثم قال عز وجل: وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ. يستفاد من الآية الكريمة: تحريم كتمان الشهادة؛ يعني إخفاءها، وهل المراد الشهادة على الغير، أو على الغير والنفس؟

الطلبة: تشمل الاثنين. الشيخ: تشمل المعنيين؛ لأن الإنسان يشهد على نفسه، كما في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ [النساء: ١٣٥]. وشهادته على نفسه إقراره واعترافه بالحق الذي عليه، فالآية فيما يظهر شاملة للأمرين: شهادة الإنسان لغيره على غيره، ولغيره على نفسه. ومن فوائد الآية الكريمة: أن كتم الشهادة من الكبائر لوجود العقوبة الخاصة بها، وهي قوله: فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ. ومن فوائدها: عظم كتم الشهادة؛ لأنه أضاف الإثم فيها إلى القلب، وإذا أثم القلب أثمت الجوارح؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ» ، ولقوله: «التَّقْوَى هَاهُنَا» .

التقوى في القلب، ليست التقوى في اللسان ولا في الأفعال ولا في الأحوال، التقوى في القلب، قد يكون الإنسان مُتقيًا بفعله، متقيًا بقوله، غير مُتقٍ بقلبه.