تفسير سورة البقرة - ٧
درس صوتي · ٦٢:٠٢
جارٍ تجهيز الصوت
انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها
إعدادات
اختصارات لوحة المفاتيح
محتوى الدرس
طالب: لا، ليس في الدرس، أثناء ذهابنا إلى المنزل.
الشيخ: ما أذكر، كأنك أنت يمكن فهمت خطأ، إما أنك سألت سؤال وأجبتك عليه وفهمت هذا، لا يا أخي، اللهم اجعلني من الصابرين القانتين، الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، اصبروا إن الله مع الصابرين. الطالب: يعني يجوز أن.. الشيخ: لا، فهمنا الجواب عقب اليوم. طالب: لو مثلًا شخص كان صابرًا على طاعة الله وكان غير صابر على أقداره، هل يسمى صابرًا؟ الشيخ: لا، على سبيل الإطلاق لا، كما أن من تاب من ذنب دون غيره لا يطلق عليه اسم تائب على الإطلاق، لكن يقال: تائب من كذا، وهذه النقطة ينبغي الإنسان أن يعرفها، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ [البقرة: ٢٢٢]، هل نقول مثلًا: الإنسان إذا أصر على معصية مع توبته منها يدخل في ذلك؟ لا؛ لأن الوصف المطلق إنما هو للعمل المطلق، نعم. طالب: في قوله تعالى: وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَوَسَمْنا الكبيرة بأنها: لشاقة، هل يُفهم من هذه الآية أن لفظ (الكبيرة) يخرج عن أصله، عن معناه الحقيقي؟ الشيخ: أنت من المحدِّثين، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ» ، أي شاقًّا عليهم. وفي رواية البخاري: «بَلَى إِنَّهُ كَبِيرٌ» ، فهو كبير في الإثم غير كبير في الفعل.
تفسير الآية (٤٦)
٠٠:٠٢:٠٣
طالب: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (٤٧) وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٨) وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٤٩) وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٠) وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (٥١) ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [البقرة: ٤٧- ٥٢]
الشيخ: نعوذ بالله من الشيطان الرجيم، كل هذه الآيات في بني إسرائيل؛ لأن هذه السورة مدنية، واليهود في المدينة كانوا كثيرًا، ثلاث قبائل حين قدم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى المدينة، فلهذا قص الله من نبئهم في هذه السورة كثيرًا. منها يقول الله عز وجل: الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ [البقرة: ٤٦]، الَّذِينَ يَظُنُّونَأي: يتيقنون، والظن يُستعمل في اللغة العربية بمعنى اليقين، وله أمثلة كثيرة، منها قول الله تبارك وتعالى: حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ [التوبة: ١١٨]، ظَنُّوابمعنى أيقنوا، فالظن يُستعمل بمعنى اليقين، كما أن العلم يُستعمل بمعنى الظن، يعني يتعاكسان، فالعلم يستعمل بمعنى الظن كقوله تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ [الممتحنة: ١٠]، إِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّأي: ظننتموهن، وإنما قلنا ذلك؛ لأن ما في القلب لا يعلمه إلا الله، فلا يمكن الاطلاع عليه إلا بالقرائن، والقرائن لا تفيد إلا الظن، والمهم أن الظن يستعمل بمعنى اليقين، والعلم يستعمل بمعنى الظن، يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ، أي: يتيقنون أنهم سيلاقوا الله عز وجل، وذلك في يوم القيامة، كما قال تعالى في عموم الناس: يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ [الانشقاق: ٦]، فلا بد من ملاقاة الله، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تَرْجُمَانٌ»، كل إنسان يكلمه الله ليس بينه وبينه ترجمان، «فَيَنْظُرُ أَيْمَنَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ، وَيَنْظُرُ أَشْأَمَ مِنْهُ -يعني عن يساره- فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ، وَيَنْظُرُ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ فَلَا يَرَى إِلَّا النَّارَ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، فَاتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ» ، فكل إنسان سيلاقي ربه، لكن لا شك أن المؤمن سوف تناله البشارة في هذه الملاقاة، كما قال الله تبارك وتعالى: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ [البقرة: ٢٢٣]، إذن الحمد لله نحن نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من المؤمنين، يعني لن نخاف من هذا اللقاء؛ لأن الله يقول: بَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ، معناها لا خوف عليهم، ولهذا يخلو الله بعبده المؤمن ويضع عليه كنفه -يعني ستره- فيقول: «عَمِلْتَ كَذَا، عَمِلْتَ كَذَا، عَمِلْتَ كَذَا؟ فَيُقِرُّ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: إِنِّي قَدْ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ» . مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، إِلَيْهِ رَاجِعُونَيعني يوم القيامة، أو إليه راجعون في جميع أمورنا؟ الجواب أن نقول: إذا كانت الآية تحتمل معنى أعم فخذ بالمعنى الأعم؛ لأن كلام الله عز وجل معلوم عنده، ويعلم سبحانه وتعالى ما تتضمنه الكلمة وما يترتب عليها، ولذلك كان لازم كلام الله حقًّا، ولازم كلام النبي حقًّا، ولازم كلام غير الله ورسوله قد يكون حقًّا، وقد يكون باطلًا، وقد يلتزم به المتكلم، وقد لا يلتزم به، وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَأي: يوم القيامة، أو إن شئت فقل: راجعون إليه في كل أمورهم. في هذه الآية الكريمة إثبات ملاقاة الله عز وجل؛ لأن الله مدح الذين يتيقنون بهذا الإثبات، ومنها كما ذهب إليه كثير من العلماء إثبات رؤية الله عز وجل؛ لأن اللقاء لا يكون إلا مع المقابلة، وهذا يعني ثبوت الرؤية، فإن استقام الاستدلال بهذه الآية على رؤية الله فهذا المطلوب، وإن لم يستقم الاستدلال وصار فيه المنازعة فلدينا أدلة أخرى كثيرة تدل على ثبوت رؤية الله عز وجل يوم القيامة. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء المؤمنين يوقنون أنهم راجعون إلى الله في جميع أمورهم، وهذا يستلزم أمورًا، أولًا: الخوف من الله؛ لأنك ما دمت تعلم أنك راجع إلى الله فسوف تخف منه، كذلك أيضًا يستلزم مراقبة الله عز وجل، والخوف في القلب، والمراقبة في الجوارح، أي أنهم إذا علموا أنهم يرجعون إلى الله فسوف يخشونه في السر والعلانية، وكذلك أيضًا يستلزم الحياء منه أن يفقدك حيث أمرك، وأن يجدك حيث نهاك.
تفسير الآية (٤٧)
٠٠:٠٩:٣٧
ثم قال تعالى: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ، وقبلها بآيات ذكّرهم الله بهذا، قال: اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ، فهل أنعم الله على بني إسرائيل نعمًا؟ نعم، نعمًا كثيرة جدًّا، لكنهم كفروها، ومن أراد مزيد علم في هذا الأمر فليقرأ كتاب إغاثة اللهفان لابن القيم رحمه الله فإنه بيّن ما أعطى الله هؤلاء من النعم، وكشف أسرارهم وهتك أستارهم رحمه الله. وقوله: اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ، نِعْمَتِيَاسم مفرد لكنه مضاف فيفيد العموم، والمراد بتذكّرها ليس أن يذكر الإنسان أن الله أنعم عليه بكذا أو أنعم عليه بكذا، بل المراد أن يقوم بشكر هذه النعمة، وشكر النعمة هو العمل الصالح، والدليل على أن شكر النعمة هو العمل الصالح قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ، فَقَالَ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ، وقال في الرسل يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا» ، فقال: اعْمَلُوا صَالِحًابإزاء قول الله للمؤمنين اشكروا نعمة الله. وقوله: الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ، فيها إظهار المنة لله عليهم؛ حيث إن هذه النعمة من نعم الله عز وجل أنعم بها عليهم، وأيضًا وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ، وهذا رفعة الجاه وعلو المنزلة، وخصه بالذكر؛ لأنه أعظم النعم؛ فإن المراتب أفضل من العطاء، انظر إلى سورة البينة ذكر الله في الكفار من المشركين وأهل الكتاب، ذكر الله جزاءهم قبل أن يثني عليهم بالسوء فقال: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ [البينة: ٦]. أما المؤمنون فقال: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ [البينة: ٧، ٨]؛ لأن علو المرتبة والمنزلة أعظم من كل نعيم، وهنا قال: وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ، فعطف هذا الخاص على العام؛ لأن تفضيله إياهم على العالمين من نعمه، لكنه خصه بالذكر بعد التعميم إشارة إلى أهميته، إن الله تعالى فضلهم على العالمين، والعالمون تطلق ويراد بها جميع الخلق، ومن ذلك قول الله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة: ٢]، المراد بالآية؟ هنا الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَمن المراد بهم؟ طالب: جميع العالمين. الشيخ: جميع العالمين، تمام، طيب، وهنا الْعَالَمِينَلا يراد بها كل العالم قطعًا؛ لأن الله قال لهذه الأمة: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [آل عمران: ١١٠]، إذن المراد بالعالمين مَن سبقهم، أو عالمي زمانهم، ففيها احتمالات؛ أما عالم زمانهم فقطعًا أن الله فضلهم على العالمين، وأما هذه الأمة فنقطع بأنها لم تفضل عليهم، وأن هذه الأمة أفضل منهم، وأما مَن سبقهم فمحل تردد، محل تردد، فلدينا الآن ثلاثة احتمالات، الأول: هل فُضِّلوا على هذه الأمة؟ قطعًا لا، ثانيًا: هل فُضلوا على عالم زمانهم من آل فرعون وغيرهم؟ قطعًا نعم، ثالثًا: هل فضلوا على من سبقهم من العالمين؟ هذا عندي محل تردد، يحتمل أن يكون فُضلوا عليهم، ويحتمل أن لا، على كل حال حتى إذا قلنا: فضلوا على عالم زمانهم فهو نعمة كبيرة عليهم أن يشكروا الله عليها. في هذه الآية الكريمة في خطاب بني إسرائيل بالذات إشارة إلى بلاهتهم، وأنهم لن يصحوا إلا بالخطاب المباشر: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ. ومن فوائدها أيضًا- من فوائد الآية الكريمة -: أنه يجب على بني إسرائيل أن يذكروا نعمة الله عليهم فيقوموا بشكرها، ومن شكرها أن يتبعوا من؟ محمدًا صلى الله عليه وسلم. ومن فوائدها، فوائد الآية الكريمة: إظهار أن هذه النعمة لم تأت بكسبهم ولا بكدهم، ولا إرثًا عن آبائهم، إنما هي بأيش؟ بنعمة الله عليهم، أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْففيها إظهار المنة. ومن فوائد الآية الكريمة: أن بني إسرائيل أفضل العالم في زمانهم؛ لقوله: وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ. ومن فوائدها: أن الله تعالى إذا فضل أحدًا بعلم أو مال أو جاه فإن ذلك من النعم العظيمة؛ لقوله: وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ، خصّها بالذكر لأهميتها. ومن فوائد الآية الكريمة: تفاضل الناس، وأن الناس درجات، وهذا أمر معلوم، حتى الرسل يفضَّل بعضهم على بعض، كما قال تعالى: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ [البقرة: ٢٥٣]، وقال تعالى: وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ [الإسراء: ٥٥]، فبماذا يكون الفضل؟ يكون الفضل أولًا هو منة من الله عز وجل، وقد لا تدرك العقول لماذا فضل الله هؤلاء على هؤلاء، لكن المعنى الشامل أن كل من آتاه الله علمًا وإيمانًا وعملًا صالحًا فإن هذا سبب لتفضيله، قال الله تعالى: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ [المجادلة: ١١].
تفسير الآية (٤٨)
٠٠:١٧:٠٤
ثم قال تعالى: وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا، اتَّقُوا يَوْمًاأي: اتخذوا وقاية من هذا اليوم، والمراد به عذاب ذلك اليوم، يعني اتقوا العذاب الذي يكون في ذلك اليوم، ويعني به يوم القيامة. لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًاأي: لا تدفع عنها شيئًا، و(نفس) نكرة في سياق أيش؟ في سياق النفي؛ لأن (نفس) فاعل (تجزي)، فهي في سياق النفي، والنكرة في سياق النفي تفيد العموم، إذن لا يمكن لأي نفس أن تجزي عن نفس شيئًا، أي أن تدفع عنها شيئًا، لا أب عن أولاده، ولا أبناء عن آبائهم، ولا صديق عن صديقه، ولا أحد عن أحد إطلاقًا، حتى النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا» ، ويريد بذلك الدنيا والآخرة. وقوله: شَيْئًاأيضا نكرة في سياق النفي، وإذا كانت النكرة في سياق النفي فإنها تشمل أن يجلب له نفعًا أو يدفع عنه ضررًا، فيوم القيامة لا أحد يجلب لأحد نفعًا ولا يدفع عنه ضررًا مهما كان، ولا يرد علينا أن من الناس من يأخذ من حسنات ظالمه فينتفع بها، نقول: لأن هذا الظالم هو الذي أهدر حسناته بظلمه لعباد الله. وَلَا يُقْبَلُ، وفي قراءة: {وَلَا تُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ}، فعلى قراءة: {تُقْبَلُ} الأمر فيها واضح، ليش؟ لأنه مؤنث، الفاعل مؤنث، والفعل إذا كان فاعله مؤنثًا يكون مؤنثًا، وعلى قراءة الياء نقول: المسوِّغ لكونه بغير التأنيث شيئان؛ الشيء الأول: أن التأنيث غير حقيقي، والشيء الثاني: الفصل بين الفعل والفاعل، أو نائب الفاعل، ولهذا قال ابن مالك رحمه الله:
وَإِنَّمَــــــــا تَـــــلْزَمُ فِــــــــعْلَ مُضْمَرِ
مُتَّصِلٍ أَوْ مُفْهِمٍ ذَاتَ حِرِ
ثم ذكر أنه يجوز التذكير مع الفصل، إذا قلت: قامت هند، وجب التأنيث؟ الشمس طلعت، يجب التأنيث. ابن مالك اسمع ماذا يقول:
وَإِنَّمَــــــــــــا تَـــــــــلْزَمُ فِـــــــــــعْلَ مُضْمَرِ
مُتَّصِل......................
إذن يجب التأنيث، وإذا قلت: قالت لقومها هند، يجوز التذكير والتأنيث؟ نعم، يجوز التذكير والتأنيث؛ لوجود الفصل، وإذا قلت: سارت السيارة، يجوز التذكير والتأنيث؛ لأن التأنيث غير حقيقي، انتهي الشرح، عندكم أسئلة ولّا نمشي؟ طالب: السؤال في الدرس السابق، التفسير. الشيخ: السابق سابق إلا إذا كان هذا السؤال وقع عندك في ذاك الوقت. الطالب: إي وقع عندي في ذاك الوقت، قلنا: إن الميت لا يُسب ولا يلعن؛ لعدم الفائدة فيه، بعض الناس شرّع بدعًا في الدين وتمسك به بعض الناس، يعني فمن لازم مَن يرد على هذه المبتدعة اللي يتكلم في هذا الرجل بسوء وقد يلعنه لسوء عمله، هل له، يعني، وجه؟ الشيخ: هذا سؤال مبهم في مبهم، نعم، ألّف رجل وقال رجل أيش؟ أعطني شيء محدود. الطالب: بعض الناس شرع بدعًا مثلًا بدعة وبعض الناس يمسكون بهذه البدعة. الشيخ: وأيش البدعة هذه؟ الطالب: بدعة يقولون الصلاة التيجانية يسمونها الصلاة التيجانية.
الشيخ: الفاتحة. الطالب: مثل (...) أصحابها، واحد يضطر الآن أنه يلعنهم. الشيخ: يلعن الذي أسس البدعة هذه. الطالب: هذا ما تقول فيه؟
الشيخ: ما أراه، نفس الشيء اللي قلنا، هو إذا كان مستحقًّا للعنة فقد لعنه الله، سواء لعنت أم لا، لكن لك أن تلعن مثلًا المبدأ، تقول: هذا مبدأ ملعون، أو الطائفة عمومًا، الطائفة عمومًا لا بأس، تقول مثلًا: الطائفة هذه ملعونة، اليهود ملعونون، النصارى ملعونون، وما أشبه ذلك. طالب: قال الله تعالى في القرآن: أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ [هود: ١٨]، قوله فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ [آل عمران: ٦١]، فهل هذا على إطلاقه، وأن الإنسان إذا كذب وتحقق كذبه فهو يحتمل أن يُلعن والظالم كذلك أو أن في المسألة تفصيل؟ الشيخ: يجوز على سبيل العموم، تقول: لعنة الله على الظالمين، أما فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَفهذا خاص في المباهلة. طالب: إذا منعنا من لعن المعيَّن فلنمتنع من تكفير المعين لمن كان أصلهم مسلمًا كغلاة الفلاسفة والملاحدة؛ لأنه إذا حكمنا بكفرهم عينًا فقد حكمنا لهم بالنار. الشيخ: لا، أصل إذا حكمنا بكفرهم عينًا فلا يلزم أن نلعنهم، لماذا؟ لكن أما أن نبدعهم ونضللهم لا بد أن نبدعهم ونضللهم، ونكفّرهم عينًا، إي نعم، لكن بشرط أن تقوم عليهم الحجة، ونحن لا ندري عن هؤلاء الفلاسفة، هل نُوظِروا، هل بُيِّن لهم الحق، ثم هم الآن قد ماتوا. طالب: كثيرًا منهم يا شيخ نُقِل في تراجمهم، فمثلًا ابن كثير قال في ترجمة ابن سينا أنه قيل (...) في آخر حياته ولعله تاب يعني يحتمل هذا الاحتمال أليس ذلك يكون مانعًا لنا من تكفيرهم لما يثبت عنهم أقوال كفرية؟ الشيخ: على كل حال كما قلت، نقول: من قال بكذا فهو كافر.
طالب: (...) فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ [المائدة: ١٣] إنها منسوخة، وكثير من (...) المفسرون مثل هذا المعنى بآية السيف، فماذا نقول في غير هذا..؟ الشيخ: ما تكلمنا على هذا، قلنا: إن بعض المفسرين قالوا: هذه منسوخة بآية السيف، وبيّنّا أن هذا غلط، وقلنا: المائدة من آخر ما نزل.
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٤٩) وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٠) وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (٥١) ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥) وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (٥٣) وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [البقرة: ٤٩- ٥٤]. الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى مذكِّرًا بني إسرائيل بما أنعم الله به عليهم، قال: وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ، أي: واذكروا إذ نجيناكم، أي: اذكروا هذا الوقت الذي كان فيه نجاتكم، ونَجَّيْنَاكُمْأي: خلَّصناكم. طالب: وقفنا عند قوله تعالى: وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ. الشيخ: متأكد؟ الطالب: نعم. الشيخ: وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ، أي: لا يقبل من النفس أن يُشفع لها، والشفاعة هي التوسط للغير بجلب منفعة أو دفع مضرة، هذه الشفاعة، التوسط للغير بجلب منفعة أو دفع مضرة، فشفاعة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في أهل الموقف أن يُقضى بينهم من باب دفع المضرة؛ لأنهم يلحقهم من الهم والغم ما لا يطيقون، وشفاعته صلى الله عليه وسلم في أهل الجنة أن يدخلوها من باب جلب المنافع، والشفاعة تدور على هذا، يوم القيامة لا يُقبل من نفس شفاعة. وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌأي: لا يؤخذ منها ما يعادل نفسها، بمعنى لا يؤخذ منها فداء، فهي لا يشفع لها ولا يمكن أن تقدم فداء، وأنتم تعلمون الآن أن الإنسان لو أُخِذ بذنب ثم أتى بفداء فإنه ربما يُقبل منه، ولو طلب من ذي جاه أن يشفع له ربما يُقبل منه، لكن يوم القيامة ما فيه لا شفاعة ولا عدل. وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ، أي: لا يُمنعون من عذاب الله، وقوله: وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَفيها التفات من الخطاب إلى الغيبة؛ لأنه قال: وَاتَّقُوا يَوْمًا، ولم يقل: ولا أنتم تُنصرون، بل قال: وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ، وجعل الضمير جمعا؛ لأن نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍنكرة في سياق النفي فهي للعموم. في هذه الآية: التحذير من يوم القيامة، وهذا يقع في القرآن كثيرًا، كقوله تعالى: وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ [البقرة: ٢٨١]، وقوله تعالى: يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا [المزمل: ١٧]. ومن فوائد هذه الآية: أنه لا تجزي نفس عن نفس شيئًا بخلاف الدنيا فإنه قد يجزي أحد عن أحد، لكن يوم القيامة لا. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنها لا تُقبل الشفاعة في النفس المجرمة، وهو كقوله تعالى: فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ [المدثر: ٤٨]، ولكن هل هذا على إطلاقه؟ نقول: أما أهل البدع فقالوا: إنه على إطلاقه، وأن المجرم لا تنفع فيه الشفاعة، وهؤلاء هم المعتزلة، والثاني الخوارج، والصواب أن الذي لا تنفع فيه الشفاعة هو الكافر، الكافر لا تنفع فيه الشفاعة، أما غير الكافر فقد دلت النصوص على أن الشفاعة قد تُقبل، وعلى هذا فيكون العموم في قوله: وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌمخصوصًا بماذا؟ بما دلت عليه النصوص الأخرى من كون العصاة يُشفع لهم، وأحاديث الشفاعة في هذا متواترة، كما تُلِي عليكم كثيرًا:
مِمَّا تَوَاتَرَ حَدِيثُ مَنْ كَذَبْ
وَمَنْ بَنَى لِلَّهِ بَيْتًا وَاحْتَسَبْ
وَرُؤْيَةٌ شَفَـــــــــــاعَةٌ وَالْــــــــــــحَوْضُ
وَمَسْحُ خُفَّيْنِ وَهَذِي بَعْضُ
الشاهد قوله: شفاعة. ومن فوائد هذه الآية: إثبات الشفاعة، وأن منها ما يُقبل ومنها ما لا يقبل. فإن قال قائل: إثباتكم الشفاعة قد ينافي قول الله تبارك وتعالى: لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ [البقرة: ٢٥٤]، فنفى الشفاعة، وهي نكرة في سياق النفي تَعُم، قلنا: الحمد لله، ليس هذا أول نص يدخله التخصيص، أي لا شفاعة بدون إذن الله، ويقيد ذلك النصوص الكثيرة الدالة على أن الشفاعة ثابتة بإذن الله.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه في يوم القيامة ما في فداء، لا يمكن أن يقدم الإنسان فداء يُعدل به؛ لقوله: وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ. ومن فوائدها: أنه لا أحد يُنصر يوم القيامة إذا كان من العصاة، ولهذا قال الله تعالى: مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ (٢٥) بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ [الصافات: ٢٥، ٢٦]، فلا أحد ينصر أحدًا يوم القيامة، لا الآلهة ولا الأسياد ولا الأشرار ولا غيرهم.
تفسير الآية (٤٩)
٠٠:٣٣:٤٥
ثم قال تعالى: وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ، يعني: اذكروا إذ نجيناكم من آل فرعون، والخطاب لمن؟ لبني إسرائيل، بدليل قوله: مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ، ونَجَّيْنَاكُمْأي خلصناكم منهم، وأنقذناكم من عدوانهم وسيطرتهم. وقوله: مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ، يعني أتباعه وحاشيته وزبانيته الذين يأتمرون بأمره فيُقَتِّلون أبناء بني إسرائيل ويستحيون نساءهم، وهل المراد كل أتباعه أو أتباعه الذين يعاملونه معاملة القريب؟ الظاهر والله أعلم أنهم كل أتباعه، وأن رجال فرعون يفعلون ذلك، وكذلك آل فرعون أتباعه يعتدون على بني إسرائيل في مصر. ثم قال: يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ، أي: يصيبونكم به، وسوء العذاب من باب إضافة الموصوف إلى صفته، أي العذاب السيئ أو الأسوأ، ثم بيّن هذا المجمل بقوله: يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ، وفي آية أخرى: يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ [إبراهيم: ٦]، وفي آية ثالثة: يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ [الأعراف: ١٤١]، فتكون العقوبات، بل فيكون العدوان من آل فرعون على بني إسرائيل على ثلاثة أوجه: الوجه الأول: القتل بأي سبب، برمي حجر، بخنق، بكسر ظهر، وما أشبه ذلك. الثاني: التذبيح، أن يأتوا بالإنسان من بني إسرائيل ويذبحونه بالسكين كما تُذبح الشاة. الثالث: أن يجمعوا بين سوء العذاب والذبح، يعني مثل أن يضربوهم، يعصروا بطونهم، يجرحوا شفاههم، وما أشبه ذلك، ثم بعد ذلك الذبح، فيجمعون لهم بين الأمرين، ولا تستغرب هذا، وقع في هذه الأمة، وأعني أمة الدعوة، ما هو أعظم من ذلك وشر من ذلك، لكن المهم أن التعذيب والإجرام الذي يحصل من آل فرعون على بني إسرائيل هو هذه الأمور الثلاثة: ذبح، وقتل، وجمع بين الذبح وسوء العذاب. وقوله: أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ، لماذا سُلِّطوا على الأبناء وأبقوا النساء، يَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْيعني يستبقونهن، وإلا فحياتهن موجودة من قبل، لكن يستحيونهن أي يُبقوهن على قيد الحياة، وأما الأبناء فيقتلونهم، لماذا؟ قال بعض الإسرائيليين: إنه قد قيل لآل فرعون إنه يولد من بني إسرائيل ولد يكون زوال ملككم على يده، فجعلوا يقتلون الأبناء خوفًا من أن يظهر ذلك الولد، فقال الله عز وجل بقوله القدري: إن هذا الولد سيتربى في حضن فرعون؛ لأنه لما ولدته أمه أوحى الله إليها أن أرضعيه، فأرضعته اللِّبَأ الذي لا بد لكل مولود من رضاعه، وقال لها: إِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ [القصص: ٧]، ابنها، لما خافت عليه امتثلت أمر الله، جعلته في تابوت وألقته في اليم أي في البحر، وهذا من كمال إيمانها، ولكن قال: وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ [القصص: ٧]، فوقع في أيدي آل فرعون، الْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا [القصص: ٨]. واللام هنا للعاقبة وليست للتعليل؛ لأن آل فرعون ما التقطوه لهذا الغرض، إنما التقطوه فصار عدوًّا وحزنًا، ثم ذكر الله عز وجل القصة ولسنا بصدد سياقها؛ لأنها معروفة وليست معنا في هذه الليلة، المهم أن هذا ما قاله بعض العلماء بأخبار منقولة عن بني إسرائيل؛ لماذا؟ ما الذي قالوه؟ طالب: (...). الشيخ: ليش يذبّحون أبناءهم ويستحيون النساء؟ الطالب: (...). الشيخ: طيب، فقالوا: نقتل الأبناء لأجل أن لا يخرج هذا الابن، ولكن هناك قول آخر قد يكون أشد وقعًا، وهو أنهم يذبّحون الأبناء ويستحيون النساء من أجل أن يكون لهم تمام السيطرة، فتضعف الأمة وتُضطر النساء إلى آل فرعون، وهذا غاية ما يكون من الإذلال، أن يستبيح أعراض حرمك من كان عدوًّا لك، وهذا غاية الإذلال، ولو صح ما قيل عن بني إسرائيل لقلنا: يمكن أن يكون المراد هذا وهذا، لكان يمكن أن يراد هذا وهذا. وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌبلاء أي: اختبار، وقوله: فِي ذَلِكُمْأتى بالجمع (ذلكم) مع أن اسم الإشارة مفرد (ذا)، فلماذا؟ نقول: لأن اسم الإشارة بحسب المشار إليه، والكاف المتصلة به بحسب المخاطب، انتبه للقاعدة، اسم الإشارة بحسب المشار إليه، والكاف المتصلة به بحسب المخاطب، فإذا أشرت إلى اثنين مخاطبًا واحد تقول: ذانك، قال الله تعالى: بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ [القصص: ٣٢]، وإذا أشرت إلى واحد تخاطب اثنين ما تقول؟ طالب: ذلكما. الشيخ: تقول: ذلكما، كما قال يوسف: ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي [يوسف: ٣٧]، هنا وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌالمشار إليه؟ طالب: واحد.
الشيخ: واحد، يشير إلى العذاب، والمخاطب؟ طلبة: جماعة. الشيخ: جماعة؛ لأنه قال: وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ، فقوله: وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ، أي: اختبار ومحنة من ربكم الذي له ملك السماوات والأرض والمتصرف فيكم كما يشاء، ولهذا قال: بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ، لم يقل: من الله، قال: مِنْ رَبِّكُمْ، إشارة إلى أنه إذا كان هو الرب فله أن يفعل فينا ما يشاء. عَظِيمٌأي مستعظَم مستكبَر، وصدق الله عز وجل، هو بلاء عظيم -نسأل الله أن يقينا شر الفتن- يعني يسلَّط عليك عدوًّا يذبحك كما يذبح الخراف، ويستبقي النساء ينتهك حرمتهن ويستذلّهن ويجعلهن عنده من الخدم، بينما هي ملكة في بيتها قبل أن يُذبح قيّمها، هذا بلاء عظيم، نسأل الله السلامة.
طالب: أحسن الله إليك، الآن ماذا يقال عن قتلهم على كلام بني إسرائيل أنه (...)؟ بسبب إيمانهم بعض الناس يقول: إن بني إسرائيل كلهم مؤمنون. الشيخ: ليس بصحيح؛ لأنه ما بينهم وبينهم حرب.
طالب: ما معني الوحي الإلهامي؟ الشيخ: الوحي الإلهامي هو الذي ليس بشرع، يعني لمصلحة من يوحَى إليه، كقوله تعالى: وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ [النحل: ٦٨]، ألهمها؛ لأن أصل الإلهام في اللغة الإعلام بسرعة وخفاء، هذا أصله في اللغة، فإذا ألهم الله مثلًا هذا النحل ليس معناه أنه أرسل جبريل ليوحِي إليه، وإنما جعل له فهمًا وألهمه مصالحه. طالب: شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لأبي طالب؟ الشيخ: هذه خاصة بالرسول وخاصة بأبي طالب أيضًا، فالنبي عليه الصلاة والسلام لم يشفع لأبيه لكن شفع لعمه كما ذكرنا سابقًا، قلنا: الشفاعة لعمه لا لأنه عمه ولكن لما حصل منه من نصرة الإسلام والدفاع عنه، والله عز وجل شكور حليم، أذن لنبيه أن يشفع في هذا الرجل خاصة. طالب: أحسن الله إليك، كيف يكون إذا وعدها الله أم موسى عليه السلام بقوله: إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ، كيف يكون هذا إلهام هي صراحة غيب؟
الشيخ: وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ، يعني ألقى الله في فهمها وفي عقلها أن تفعل هذا، وكذلك في قلبها ألهمها هذا اليقين أنه يرده إليها ويجعله من المرسلين. طالب: قلنا: لام الفعل لِيَكُونَاللام هذا يقولون: لام الجحود. الشيخ: ويش؟ الطالب: لِيَكُونَلام العاقبة.
الشيخ: وين؟ الطالب: (...). الشيخ: لا لا، لام الجحود بارك الله فيك هي التي سبقها كون منفي. الطالب: هذه تسمى لام العاقبة.
الشيخ: هذه لام العاقبة فقط، واضح؟ طالب: (...)؟ الشيخ: الذكاء معروف ولّا ما هو معروف؟ طيب من لم يعرف الذكاء فليس بذكي، الذكاء معروف ولاّ لا؟ الزكاء زكاء النفس يعني ما أعطوا أنفسهم زكاءها من التزكية، وأُعطوا فهومًا ولم يُعطوا علومًا؛ لأنه ما عندهم علم، ولذلك لا تكاد تجد في كتب أهل الكلام آية من كتاب الله يستدلون بها ولا حديثًا عن رسول الله.
يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ [البقرة: ٤٩]، هذه الآية يذكر الله بها بني إسرائيل، فيقول: إذ نجيناكم من آل فرعون. قال: وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ، أي: فيما وقع ابتلاء من الله عز وجل عظيم، والله سبحانه وتعالى يبتلي من شاء إما بالخير وإما بالشر، كما قال تعالى: وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ [الأنبياء: ٣٥]، والمؤمن والحمد لله -جعلنا الله وإياكم من المؤمنين- المؤمن إذا ابتلي بهذا أو بهذا صار على أعلى المقامات، إن أصابته سراء شكر، وإن أصابته ضراء صبر، وكان خيرًا له في الحالين، لكن من الناس من إذا ابتلي بالضراء انتكس - والعياذ بالله - كما قال الله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ [الحج: ١١]، يعني على طرف، فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ [الحج: ١١]، فالله تعالى يبتلي الإنسان بهذا وبهذا، فعليك بالصبر وانتظار الفرج، فإن الله تعالى قد يبتلي وهو سبحانه وتعالى أحكم بعباده. وقوله: عَظِيمٌ، عظّمه الله عز وجل؛ لأنه حقيقة عظيم، أن يسلَّط عليهم عدو يذبح أبناءهم ويستحي نساءهم وتبقى النساء أرامل ويبقى الرجال المدافعون عنهن مُتلَفين بالذبح تارة وبالقتل تارة. في هذه الآية من الفوائد: خطاب آخر الأمة بما كان نعمة في أولها؛ لقوله: وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ، ومعلوم أن الذين في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام لم يقع هذا الإنجاء عليهم مباشرة، لكنه وقع على آبائهم وأسلافهم، فيكون ما حصل لأول الأمة من الخير حاصلًا لآخر هذه الأمة، وعلى هذا فلنا أن نقول: نحن انتصرنا في بدر، وانتصرنا في حنين، وانتصرنا في غزوة الفتح؛ لأن نصر مَن سلفنا نصر لنا. ومن فوائد الآية الكريمة: أنه يجب على متأخري الأمة شكر الله على نعمته على أول الأمة؛ لأن الله تعالى يذكّرهم بهذا ليقوموا بشكره. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله تعالى قد يسلط بعض الناس على بعض، حيث سلط فرعون على بني إسرائيل، وهذه سنة الله في الأولين والآخرين، ولهذا لما قال الله عز وجل: قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أَعُوذُ بِوَجْهِكَ»، أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْقال: «أَعُوذُ بِوَجْهِكَ»، قال: أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ، قال: «هَذِهِ أَيْسَرُ»، أو قال: «هَذِهِ أَهْوَنُ» ، ولا شك أنها أيسر وأهون؛ لأن الإنسان فيما يُبتلى به من بأس الغير قد يدافع عن نفسه ويكون الانتصار له، لكن إذا جاء من الله من فوق أو من تحت ما يستطيع؛ ولهذا قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «هَذِهِ أَيْسَرُ» أو قال: «هَذِهِ أَهْوَنُ». ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان شدة حنق فرعون على بني إسرائيل، حيث استعمل فيهم هذه العقوبة، وهي أيش؟ ذبح الأبناء واستبقاء النساء، وهذه لا شك أنها نكاية عظيمة، لا بالأموات ولا بالأحياء، نسأل الله السلامة والعافية. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله تبارك وتعالى يبتلي الإنسان بما يكره ليعلم جل وعلا من يصبر ومن لا يصبر، وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ [محمد: ٣١]. ومن فوائد الآية الكريمة: أن من مقتضى ربوبية العامة أن يبتلي الإنسان بما يكره، الربوبية الخاصة يذكر الله تعالى فيها ما يحبه المرء، والعامة تكون فيما يكرهه العبد وفيما يحبه العبد؛ لقوله: وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ. ومن فوائدها: عظم هذا البلاء الذي أصاب بني إسرائيل وكذلك لو أصاب غيرهم، فإنه من البلاء العظيم، الإنسان، الأم تشهد ابنها يُقتل أمامها أو يُذبح كما تذبح الشاة، وكذلك البنت تشاهد أباها يفعل به هكذا لا شك أنه بلاء عظيم.
تفسير الآية (٥٠)
٠٠:٥٤:٥٤
ثم قال تعالى: وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ، يعني اذكروا نعمة أخرى حين نجاكم من آل فرعون، فرق الله بهم البحر، وفرق بمعنى فصل، وذلك حين انفلق، فلق البحر لهم، يعني فصله وفلقه حتى مروا منه فنجوا، إِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ، ومتى كان هذا؟ كان هذا حين أُمِر موسى عليه الصلاة والسلام أن يسري بمن معه من المؤمنين خوفًا من آل فرعون؛ لأن فرعون لما رأى ما رأى من صنيع السحرة جمع الناس وقال: إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (٥٤) وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ (٥٥) وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ [الشعراء: ٥٤ - ٥٦]، وجمع الناس وخرج من مصر، وأوحى الله تعالى إلى موسى أن يسري بعباده المؤمنين ليلًا إلى نحو الشرق، فخرج بهم، فاتبعهم فرعون بجنوده، ولما وصلوا إلى البحر قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ [الشعراء: ٦١، ٦٢]، انظر الفرق بين قوة التوكل من موسى وضعفه من المؤمنين مع أنهم مؤمنون، ولكن عند الشدائد قد يضيع الحزم، قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ، كأنه يقول: إن الله لم يأمرني أن أخرج إلا ليهديني، فأمره الله تعالى أن يضرب البحر بعصاه، فضربه، في لحظة انفلق البحر، كم كان من طريق؟ كان اثني عشر طريقًا، وفي لحظة يبس البحر، سبحان الله، في لحظة، وصار المنفلِق صار كل فرق كالطود العظيم، أي كالجبل العظيم، حتى قال بعضهم: إن الله سبحانه وتعالى أراد أن يطمئن بنو إسرائيل، فجعل في كل قطعة من هذا الماء الذي صار كالجبال جعل فيها ثقبة، فرجة، حتى يشهد بعضهم بعضًا ويطمئن بعضهم إلى بعض، المهم لما تكامل موسى وقومه خارجين دخل فرعون فأمر الله تعالى أن ينطبق البحر عليهم فانطبق، ولهذا يذكّرهم مرة بهذه النعمة، إِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ، أي: فلقناه لكم حتى عبَرتموه، فَأَنْجَيْنَاكُمْيعني خلّصناكم من الغرق، وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ، والغرق معروف، وآل فرعون هنا أول من يدخل فيهم فرعون، ولكنه عبّر بالآل عن فرعون؛ لئلا يظن ظان أن الغرق أو أن العقوبة اختصت بفرعون فقط، فقال: آلَ فِرْعَوْنَ، وهذا أخصر من فرعون وآله؛ لأن العبارة إما أن يقال: وأغرقنا فرعون، أو أغرقنا آل فرعون، أو أغرقنا فرعون وآله، أما آل فرعون فمن المعلوم أنهم إنما أُغرقوا لتبعهم فرعون، وهل يمكن أن يُغرق الفرع دون الأصل؟ غير ممكن، ولهذا قال الله تعالى عن فرعون: يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ [هود: ٩٨]، أغرق الله آل فرعون حتى هلكوا عن آخرهم، وحين أدرك فرعون الغرق قال: آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ [يونس: ٩٠]، فقيل له: آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١) فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً [يونس: ٩١، ٩٢]، أي لمن يبقى بعدك، ولم يبق إلا بنو إسرائيل؛ لأن آل فرعون كلهم غرقوا، وإنما نجاه الله عز وجل ببدنه ليطمئن بنو إسرائيل على غرقه؛ لأن بني إسرائيل كانوا قد رهبوا منه رهبة عظيمة، فأراهم الله عز وجل بدنه حتى يتيقنوا أنه قد غرق؛ إذ لو لم يروا بدنه لكان يأتيهم كل احتمال أنه نجا وأنه سيخرج، فأراهم الله تعالى بدنه غارقًا للاطمئنان.
وقوله: وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ، الجملة هنا حالية، أي: والحال أنكم تنظرون، وهذا من أكبر النعم أن يهلك الله عدوك وأنت تنظر إليه؛ لأنه سوف يزداد فرحك وسرورك أن ترى عدوك يمزَّق كل ممزق وأنت قد نجيت من هذا، ولهذا ذكّرهم الله هذه النعمة وهي أن عدوهم أُغرق وهم ينظرون. ففي هذه الآية الكريمة أيضًا من فوائدها: تذكير بني إسرائيل بما أنعم الله تعالى به عليهم حين فرق بهم البحر، ووجه توجيه الخطاب إلى من كانوا موجودين في عهد الرسول أن إنعام الله على الأمة في أولها إنعام عليها في آخرها، هذا وجه، وجه آخر أيضًا أذكره الآن وهو ينسحب على ما سبق: أن هؤلاء الموجودين ذرية السابقين، ولو هلك السابقون ما وُجد الآخِرون، فيكون إنجاء الأولين إنجاء لهم في الواقع لكنه غير مباشر، فصار خطاب هؤلاء بالنعم السابقة من الإنجاء من الغرق أو من قتل فرعون له وجهان: الوجه الأول: أن ما حصل لأول الأمة فهو لآخرهم، الوجه الثاني: أن هؤلاء ذرية السابقين، ولو هلك السابقون ما بقي هؤلاء، فيكون في بقائهم بقاء هؤلاء المتأخرين. من فوائد هذة الآيات الكريمة: بيان قدرة الله عز وجل.