تفسير سورة البقرة - ٥٩
درس صوتي · ٩١:٥١
جارٍ تجهيز الصوت
انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها
إعدادات
اختصارات لوحة المفاتيح
محتوى الدرس
واضح؟ لقوله: إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ. ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أنه ينبغي تهديد المؤتمن الذي لا يعلم بأمانته إلا الله عز وجل، ينبغي تهديده بذكر الله سبحانه وتعالى واليوم الآخر؛ لقوله: إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ. ومن فوائدها: إثبات اليوم الآخر؛ لقوله: وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، ومنكر البعث حكمه: الكفر، منكر البعث كافر، قال الله تعالى: زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [التغابن: ٧]. ومن فوائد الآية الكريمة: أن الرجعية في حكم الزوجات؛ لقوله: وَبُعُولَتُهُنَّ، فأثبت أنه بعل، فإن قال قائل: ألا يمكن أن يقال: بعولتهن فيما مضى؛ لأن الشيء قد يعبر عنه بعد انتهائه، كما أنه قد يعبر عنه قبل وجوده، ففي قوله تعالى: وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ [النساء: ٢]، هذا عبر بالشيء بعد انتهائه، وفي قوله: إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا [يوسف: ٣٦] قبل وجوده، أفلا يمكن أن يقال: إن قوله: وَبُعُولَتُهُنَّأي: باعتبار ما مضى؟ نقول: هذا خلاف الأصل، ويمكن أن يقال: لكنه خلاف الأصل؛ لأن الأصل أن الوصف متحقق في الموصوف حتى يتبين خروجه عن ذلك؛ ولهذا قال أهل العلم: إن الرجعية زوجة في حكم الزوجات، وينبني على ذلك كل ما يترتب على الزوجية فهو ثابت للرجعية، إلا أنهم استثنوا بعض المسائل، استثنوا مسائل أربعًا أو خمسًا وقد مرت علينا فيما سبق. ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا حق للزوج في الرجعة إذا لم يرد الإصلاح، من أين تؤخذ؟ من قوله تعالى: إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا، وقد مر علينا في التفسير أن بعض أهل العلم قال: إن هذا ليس على سبيل الشرط لكنه على سبيل الإرشاد، وهو: أن يريد الزوج بالمراجعة الإصلاح، وذكرنا أن هذا خلاف ظاهر الآية، وأن الواجب إبقاء الآية على ظاهرها، وأنه لا يحل للزوج وليس له الحق في أن يراجع إلا إذا كان يريد الإصلاح.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا رجعة بعد انقضاء العدة، من أين تؤخذ؟ طالب: فِي ذَلِكَ. الشيخ: نعم، أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن للزوجة حقًّا كما أن عليها حقًّا؛ لقوله: وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ. ومن فوائد الآية: إثبات الرجوع إلى العرف، من أين تؤخذ؟ من قوله: بِالْمَعْرُوفِ، وهكذا كل ما جاء ولم يحدد بالشرع، فإن مرجعه إلى العرف، وقد أنشدتكم فيما مضى بيتًا نحو هذا يعرفه من كان معنا من قديم:
طالب:
وَكُلُّ مَا أَتَـــــــــــى وَلَمْ يُحَــــــــــدَّدِ
بِالشَّرْعِ ...... فَبِالْعُرْفِ ....
الشيخ: لا، كمل الشطر.
الطالب: بالحرز. الشيخ:
وَكُلُّ مَا أَتَـــــــى وَلَمْ يُحَــــــــــــــدَّدِ
بِالشَّرْعِ كَالْحِرْزِ فَبِالْعُرْفِ احْدُدِ
ما هو الحرز؟ طالب: نعرف الحرز يطلق على الأذكار، لكن أيضًا فيه حرز حلال وحرز حرام؛ حروز اللي يعملون ها التمائم ذاك حرام والحرز الثاني هو الأذكار. الشيخ: لا، ما هو هذا، الحرز ما تحرز به الأموال. الطالب: يطلق على الأذكار.. الشيخ: المراد بالحرز في كلام الناظم هو ما تحفظ به الأموال فمثلًا العلماء يقولون: يجب على المودع أن يحفظ الوديعة في حرز مثلها، ما هو حرز مثلها؟ هل جاء في الشرع بيانه؟ لا، إذن يرجع إلى العرف، يقولون في السرقة: لا تقطع يد السارق إلا إذا سرق من حرز، الحرز من يحدده لنا؟ العرف، إي نعم، إذن الآية الكريمة اللي معنا تشهد بأن العرف مرجع في الأمور غير الشرعية. ومن فوائد الآية الكريمة: استعمال الاحتراز وأنه لا ينبغي الإطلاق في موضع يخشى فيه من التعميم؛ لقوله: وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌوَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ، يعني: حقوق الرجال أكثر من حقوق النساء وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ؛ ولهذا كان على الزوجة أن تطيع زوجها وليس على الزوج أن يطيع زوجته؛ لقوله: فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا [النساء: ٣٤] ولم يقل: فإن أطعتموهن فلا يبغين عليكم سبيلًا، وهذا هو معنى الدرجة.
وقد مر علينا في التفسير أن درجة الرجال على النساء من وجوه متعددة نحتاج أن نردها هنا ولا معروفة عندكم؟ الدرجة التي فضل الله بها الرجال على النساء: في العقل، والجسم، والدين، والولاية، وقد تكون الولاية داخلة في العقل، فعقل الرجل أكمل من عقل المرأة، وقد صح عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الْحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ»، قَالُوا: وَمَا نُقْصَانُ عَقْلِهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «أَلَيْسَ شَهَادَةُ الرَّجُلِ بِشَهَادَةِ امْرَأَتَيْنِ؟ فَذَلِكَ مِنْ نُقْصَانِ عَقْلِهَا» .
كذلك أكمل منها في الجسم ولَّا لا؟ أيهما أنشط؟ الرجل أنشط، أحيانًا قد تكون المرأة أنشط، يقال: إن امرأة أكرهت على أن تتزوج برجل فتزوجته وكانت أنشط منه، فلما جاء إلى الفراش سدحته في الفراش وطوت الفراش عليه وطلعته بره! لكن هذه صورة نادرة ما فيها عبرة، إنما جنس الرجال لا شك أنهم أقوى من جنس النساء في الأبدان.
وقلنا: في الدين؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال في المرأة: إنها ناقصة في الدين، وفسر ذلك بأنها إذا حاضت لم تصل، ولم تصم؛ ولهذا يجب على الرجل من الواجبات الدينية ما لا يجب على المرأة كالجهاد مثلًا. والرابع: في الولاية، فإن الله تعالى جعل الرجل قوامًا على المرأة الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ [النساء: ٣٤]؛ ولهذا لا يحل أن تتولى المرأة ولاية عامة أبدًا، لا وزارة ولا غير وزارة، الولاية العامة ليست من حقوق النساء أبدًا، و«لَا يُفْلِحُ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمْ امْرَأَةً» ، والصحيح أن الحديث عام وليس خاصًّا بالفرس الذين ولوا أمرهم تلك المرأة، إذن الرجل له درجة على المرأة في كل المجالات، لكن هذه المجالات التي تحضرنا الآن هي هذه الأربعة.
طالب: هذه واحدة. الشيخ: وهي؟ الطالب: بما أنفق. الشيخ: إي نعم، بالإنفاق، هي على كل حال إن شئنا دخلناها في الولاية، وإن شئنا قلنا: إنها منفصلة؛ لأنه يجب عليه أن ينفق، ولا يجب عليها أن تنفق عليه إلا على رأي ابن حزم رحمه الله، فإن ابن حزم يقول: إذا كان الزوج فقيرًا والمرأة غنية وجب عليها أن تنفق عليه، واستدل بعموم قوله تعالى: وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ [البقرة: ٢٣٣]، وقال: إن الزوجة ترث زوجها، فإذا كان فقيرًا، فإنه وهي غنية تلزم بالإنفاق عليه، وبعض العلماء يقول: تطالبه بالنفقة فإن لم ينفق ولو كان فقيرًا، فلها فسخ النكاح، فرق بين القولين هذا يقول: تبقى وتنفق، والآخرون يقولون: تطالب وتفسخ النكاح، (...) مت من الجوع، ولا لك زوجة! المسألة تأتي إن شاء الله تعالى في محلها. طالب: مسألة التعصيب يا شيخ (...)؟ الشيخ: لأن المرأة قد تكون عاصبة كالمعتقة مثلًا، إي نعم.
وفيها وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ، يستفاد من الآية الكريمة: أن الذين لهم درجة هم الرجال، الذين هم جديرون بهذا الوصف، وأما من جعل نفسه بمنزلة النسوة، فهذا يكون شرًّا من المرأة؛ لأنه انتكس من الكمال إلى الدون، ومن ثم لعن الرسول صلى الله عليه وسلم المتشبهينَ من الرجال بالنساء، والمتشبهاتِ من النساء بالرجال ، حتى لا يعتدي أحد على حق أحد، أو على اختصاصات أحد. ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات هذين الاسمين من أسماء الله وهما؟ العزيز والحكيم، وما تضمناه من صفة وهي: العزة والحكمة، على أن الحكيم تتضمن أيش؟ الحكم، صفتين: الحكم والحكمة، أليس كذلك؟ وقد مر علينا عدة مرات أن كل اسم من أسماء الله فهو متضمن لصفة ولا يتم الإيمان به بدون ذلك، لكن أهل العلم يقولون: إن كان الاسم لازمًا فإنه يجب الإيمان بالاسم وبما تضمنه من الصفة، وإن كان متعديًّا فإنه يجب لما تضمنه من الصفة والحكم الذي هو الأثر، واضحة هذه؟ ما هي بواضحة؟ الطالب: كيف المتعدي؟ الشيخ: المتعدي يعني يتعدى إلى الغير، مثال ذلك الآن: كلمة القوي، القوي من أسماء الله، متضمن لأيش؟ للقوة، وهل يتعدى أو القوة في ذات نفسه؟ الطالب: يتعدى. الشيخ: ما يتعدى، لكن السميع من أسماء الله متضمن للسمع ولَّا لا؟ ما نقول -كما قال المعتزلة-: سميع بلا سمع، متضمن للسمع يتعدى ولَّا لا؟ نعم، له مسموع يسمع؛ ولهذا قال: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا [المجادلة: ١]. (العليم) من أسماء الله العليم، متضمن لصفة وهي العلم، ولحكم يعلم، تمام؟ العظيم؟ لازم متضمن الاسم وهو العظيم، وللصفة وهي العظمة، لكن ما يتعدى، وقد أشار إلى هذه القواعد ابن القيم رحمه الله في كتاب بدائع الفوائد، وذكر أن أسماء الله كلها أعلام وأوصاف، فهي باعتبار دلالتها على الذات عَلَم أو أعلام، وباعتبار دلالتها على ما تضمنته من المعاني صفات، فهمت الآن؟ (عزيز) غير متعدي إلا إذا قلنا: من معانيه أنه غالب، فهناك مغلوب فيكون متعديًّا. وحكيم؟ نعم، فيه محكوم عليه؛ لأنه متضمن للحكم والحكمة، وذكرنا -نعيد ما قلناه في هذا وإن كان تكراره كثير ما هو طيب لكن فيه ناس يمكن ما فهموا- الحكيم مأخوذ منين؟ من الحكم والحكمة من حكم وأحكم، والحكم ذكرنا أنه نوعان: كوني وشرعي، فما تعلق بأفعال المكلفين أمرًا ونهيًا فهو شرعي، وما تعلق بأفعال الله إيجادًا أو إعدامًا فهو كوني، مثال الحكم الكوني: فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي [يوسف: ٨٠] حكمًا شرعيًّا ولا كونيًّا؟ كونيًّا، ما الذي أدرانا بأنه كوني؟ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي؛ لأن حكم الله الشرعي ثابت، لم يحرم الله عليه الرجوع إلى أرضه أو لا؟ فهو شرعًا محكوم له بذلك، له أن يرجع إلى أهله، لكن يحكم الله لي حكمًا كونيًّا. ولما ذكر الله عز وجل ما ذكر في معاملة النساء المهاجرات في سورة الممتحنة قال: ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ [الممتحنة: ١٠]، المراد؟ الطلبة: الشرعي. الشيخ: المراد: الشرعي، أما إذا جاءت غير مقترنة بما يدل على أنها كوني أو شرعي فهي عن الحكم فهو عام للشرعي والكوني، كما قال تعالى: أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ [الأنعام: ٦٢]، وكما قال تعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة: ٥٠]، مع أن هذه الآية الأخيرة قد يكون الظاهر فيها أنها شرعي، لكن نعم: لا أحسن من الله حكمًا لا كونًا ولا شرعًا، ومثل: أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ [التين: ٨] يعم الكوني والشرعي. ذكرنا أن الحكمة أيضًا -وهي: وضع الشيء في موضعه؛ لأنها من: أحكم الشيء: إذا أتقنه- أنها قسمان: غائية، وصورية، فكون الشيء على صورة معينة هذا حكمة، وكون له غاية محمودة هذا أيضًا حكمة، الحكمة الغائية، وكل منهما يتعلق بماذا؟ بالحكم الكوني والحكم الشرعي، فأحكام الله الكونية لها غاية حميدة، وهي على صورة محمودة أيضًا وكذلك الأحكام الشرعية. طالب: شيخ، ما فهمت هذه الصورة؟ الشيخ: كون الشيء على صورة معينة موافق للحكمة، مثل كون الصلاة على هذا الوجه موافق للحكمة، والغاية منها: الوصول إلى ثواب الله عز وجل وإلى كرامته، هذا أيضًا حكمة، كون -مثلًا- للذكر مثل حظ الأنثيين في الأولاد موافق للحكمة صورة مطابقة للحكمة، وكون الغاية من ذلك، الغاية من ذلك هو أن الولد عليه نفقات أكثر ومسؤولية أكثر فكان أحظ من المرأة. ثم قال تعالى: الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍفي هذه الآية الكريمة: حكمة الله عز وجل في حصر الطلاق بالثلاث؛ لأنهم كانوا في الجاهلية يطلق الإنسان زوجته عدة طلقات، فإذا قاربت انتهاء العدة راجع ثم طلق، فتستأنف العدة، فإذا شارفت الانقضاء راجع ثم طلق، فإذا شارفت الانتهاء راجع، وهكذا، فتبقى المرأة معذبة لا مزوجة ولا مطلقة معلقة، فجعل الله الأمر في ثلاث طلقات فقط. ومن فوائد الآية الكريمة: اعتبار التكرار بالثلاث، وهذه لها نظائر كثيرة، مثل: السلام ثلاثًا، الاستئذان ثلاثًا، رد الكلام إذا لم يفهم من أول مرة ثلاثًا، يعني وإن لم يفهم بالثلاثة فكيفه يدوّر على حد يفهمه. طالب: رفع اليدين. الشيخ: في الوضوء في العبادات أيضًا تكرار الثلاث كثير، فإذن الثلاث تعتبر تكرار مكتفى به في كثير من الأمور. ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى أن الطلاق المكرر بلفظ واحد ليس بطلاق، بمعنى لا يتكرر به الطلاق؛ لأن قوله: الطَّلَاقُ مَرَّتَانِوصف يجب أن يكون معتبرًا، فإذا طلقت امرأتك قلت: أنت طالق، فقد طلقت، فإذا قلت ثانية: أنت طالق، فكيف تورد طلاقًا على مطلقة؟ لأن الطلاق لا يرد إلا على من كانت غير مطلقة حتى يقال: طلقت، وهنا قال: الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ؛ ولهذا قال الفقهاء رحمهم الله: لو أن الرجل طلق امرأته وحاضت مرتين، ثم طلقها بعد الحيضة الثانية هل تستأنف عدة جديدة للطلقة الثانية أو تبني ما مضى؟ قالوا: إنها تبني على ما مضى، فلا تستأنف العدة، يكون إذا حاضت الثالثة وطهرت انقضت عدتها لأيش؟ قال: لأن الطلاق الثاني هذا ما له عدة، ليس له عدة، وهذا مما يؤيد اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أن الطلاق المكرر لا عبرة به إلا أن يصادف زوجة غير مطلقة، وقال: لأن الله قال: فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ [الطلاق: ١] وأنتم تقولون: إنه إذا كرر الطلاق بالمرة الثانية لا تستأنف العدة، فإذن هي مطلقة لغير عدة، فلا يقع الطلاق يكون على خلاف ما أمر الله به، وقد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» ، وقد قال شيخنا عن اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية: أن من تأمله تبين له أنه لا يسوغ القول بخلافه، بخلاف كلام شيخ الإسلام؛ لأنك إذا تأملت كلامه في أنه لا يقع طلاق على طلاق، وأنه لا يتكرر إلا على زوجة غير مطلقة، فلا يمكن أن يتكرر الطلاق إلا إذا راجعها أو عقد عليها عقدًا جديدًا، وهذا القول هو الراجح، وهو الذي أفتي به على أنه لا طلاق على طلاق، حتى لو قال ألف مرة: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، فليس إلا مرة واحدة فقط، ويدل على هذا قوله: الطَّلَاقُ مَرَّتَانِأي: مرة بعد مرة، فلا بد أن يقع على زوجة لا على مطلقة. ومن فوائد الآية الكريمة: أن الواجب على المرء الذي طلق زوجته أحد أمرين: إما إمساك بمعروف، أو تسريح بإحسان، وأما أن يردها مع الأذى والمنة والتقصير فلا يجوز، أو يسرحها بجفوة وعدم إحسان فلا يجوز. ومن فوئد الآية الكريمة: حكمة الله عز وجل أو بيان حكمة الله في تشريعه سبحانه وتعالى، الإمساك ويش قال فيه؟ بِمَعْرُوفٍ؛ لأنه إذا ردها جبر قلبها بالرد، والتسريح قال: بِإِحْسَانٍحتى ينضم إلى الفراق أيش؟ الإحسان، إي نعم، والله أعلم. (...) رحمة الله سبحانه وتعالى بالنساء، حيث كانوا في الجاهلية يطلق الرجل امرأته ثم يراجع، ثم يطلق ثم يراجع، إلى ما لا نهاية له، فيبقيها لا مطلقة ولا مزوجة، فحصره الله تعالى في مرتين، حصره في مرتين. ومن فوائد الآية الكريمة: تحريم أخذ الزوج شيئًا مما أعطى زوجته، ووجه ذلك: أنه إن كان من المهر فقد ملكته؛ إما نصفه بالعقد للمطلقة قبل الدخول، وإما كله إن حصل ما يقرره، وإن كان من غير المهر فإنه رجوع في الهبة، والرجوع في الهبة محرم إلا الوالد فيما يعطي ولده، واضح؟ من قوله: وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًاإلى آخره. ومن فوائد الآية: جواز افتداء المرأة نفسها من زوجها بعوض؛ لقوله: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ. ومن فوائدها: أن الخلع لا يجوز إلا حيث خيف أن لا تقام حدود الله؛ لقوله: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ، ظاهر؟ وقد يقال: إن المراد بالآية بيان ما تكون فيه الحاجة إلى الخلع، وليس ذلك بشرط، بيان ما تكون فيه الحاجة إلى الخلع وهو: أنه لا يحتاج إليه إلا إذا خيف أن لا يقيما حدود الله، لكن قوله: فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِيمنع هذا القيد، ويدل على أنه لا يجوز إلا حيث خيف أن لا تقام حدود الله، ويؤيد ذلك الحديث الوارد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «مَنْ سَأَلَتْ زَوْجَهَا الطَّلَاقَ مِنْ غَيْرِ مَا بَأْسٍ، فَحَرَامٌ عَلَيْهَا رَاِئَحَةُ الْجَنَّةِ» .
ومن فوائد الآية الكريمة: أهمية النكاح وبيان أنه راجع إلى الأسرة كلها، من أين يؤخذ؟ من قوله: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِولم يقل: فإن خافا أن لا يقيما حدود الله، وكذلك يؤيد هذا القراءة الثانية وهي: {إِلَّا أَنْ يُخَافَ أَلَّا يُقِيمُوا حُدُودَ اللَّهِ}. ومن فوائد الآية الكريمة: أن للوسائل أحكام المقاصد، من أين يؤخذ؟ من جواز أخذ الإنسان من امرأته ما آتاها أو بعضه إذا خيفت المفسدة وهي: عدم القيام بحدود الله، حرم الله أن يأخذ الإنسان من زوجته شيئًا إلا إذا خاف أن لا يقيما حدود الله، فأباح الله المحرم لدفع محرم آخر وهو عدم القيام بحدود الله عز وجل. ومن فوائد الآية الكريمة: مراعاة أو اعتبار المفاسد وسلوك الأهون لدفع الأشد؛ لأن الأخذ من مال الزوجة محرم بلا شك كما قال الله عز وجل، لكن إذا أريد به دفع ما هو أعظم من تضييع حدود الله عز وجل صار ذلك جائزًا، وهذه القاعدة لها أصل في الشريعة، منه قوله تعالى: وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ [الأنعام: ١٠٨]، فإن سب آلهة المشركين من الأمور المطلوبة بل هو واجب، ولكن إذا كان يخشى من ذلك أن يسبوا الله عدوًا بغير علم صار سب آلهتهم ممنوعًا وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ. ومن فوائد الآية الكريمة: جواز الخلع بأكثر مما أعطاها على أحد القولين في المسألة، من أين يؤخذ؟ فِيمَا افْتَدَتْ بِهِكيف نأخذ منها الجواز؟ لأن (ما) من صيغ العموم، فتشمل ما افتدت به من قليل أو كثير. ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا رجوع للزوج في الخلع، بمعنى أنه فراق بائن ليس فيه رجعة، من أين يؤخذ؟ من قوله: افْتَدَتْ بِهِ، فإذا كان فداء فالفداء فيه عوض، عوض عن شيء، فإذا استلم الفداء ما يمكن يرجع بالمفْدِي عنه، وهو الزوجة؛ ولهذا الخلع لا رجوع للزوج فيه؛ لأن المرأة ملكت نفسها لبذل أيش؟ الفداء، لبذل الفداء. ومن فوائد الآية الكريمة: جواز تصرف المرأة في مالها بغير إذن زوجها، من أين يؤخذ؟ من قوله: فِيمَا افْتَدَتْ بِهِولم يقل: بإذنه، وهو كذلك، فإن المرأة في مالها حرة تتصرف فيه كما تشاء، سواء وافق الزوج على هذا التصرف أم لم يوافق، ما دامت امرأة حرة رشيدة فلا اعتراض للزوج عليها. ومن فوائد الآية الكريمة: عظم شأن النكاح وما يتعلق به؛ لأن الله قال: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَافبين أن هذا من حدود الله ونهى عن اعتدائها، وقد مر علينا قاعدة فيما إذا قال الله عز وجل: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَاأو فَلَا تَعْتَدُوهَاوبينا الفرق بينهما، وأنه إذا كانت هذه الحدود من المحارم قال: فَلَا تَقْرَبُوهَا، وإذا كانت من الواجبات قال: فَلَا تَعْتَدُوهَا. ومن فوائد الآية الكريمة: أن لله عز وجل أن يشرع لعباده ما شاء؛ لقوله: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ. ومنها -أو يتفرع على هذه-: أنه لا حاكم للخلق ولا مشرع إلا الله؛ لقوله: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا، ولو كان هناك مشرع غيره لكان يمكن لكل مشرع أن يتبع ولو كان في ذلك تعديًا لحدود الله سبحانه وتعالى، هل يؤخذ من الآية أن الخلع لا بد فيه من رضا الزوجة؟ الطالب: نعم. الشيخ: من قوله: فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ، هذا إذا كان البذل منها فلا بد من رضاها، وأما إذا كان البذل من غيرها فإنه لا يشترط رضاها، كما لو أن أحدًا من الناس رأى أن بقاء هذه المرأة مع زوجها فيه ضرر عليه في دينه، فذهب إليه وأعطاه فدية ليطلق هذه المرأة ويسلم من شرها، فهذا جائز ولَّا لا؟ جائز، حتى وإن لم ترض بذلك، وقد ذكرنا في الفقه أن الخلع إذا بذله غير الزوجة فقد يكون لمصلحة نفسه -أي الدافع- أو مصلحة الزوج، أو مصلحة المرأة، أو مصلحتهما جميعًا، أو الاعتداء على الزوج، أو على الزوجة، أو عليهما جميعًا، كم هذه؟ سبعة أقسام، وبينا حكم كل واحد منها. ويستفاد من الآية الكريمة: تحريم تعدي حدود الله، من أين يؤخذ؟ من قوله: وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ. ومن فوائد الآية الكريمة: أن التعدي لحدود الله ظلم عظيم، ويؤخذ من حصر الظلم في هؤلاء المتعدين ومن الإتيان به في الجملة أيش؟ الاسمية الخبرية، فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ. ثم قال الله تعالى: فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ. يستفاد من هذه الآية الكريمة: جواز الطلاق الثلاث المتفرق؛ لقوله: فَإِنْ طَلَّقَهَافهنا لا شك أن الطلاق متفرق؛ لأنه قال: الطَّلَاقُ مَرَّتَانِثم أدخل الفداء بينهما وبين الطلقة الثانية، فدل هذا على أنه طلاق متفرق، وهذا جائز بالإجماع الطلاق المتفرق، يعني بأن يطلقها مرة ثم يراجع، ومرة ثم يراجع، ومرة ثالثة، أو يطلق مرة ثم يتزوجها بعقد جديد إذا بانت منه بتمام العدة أو بالفداء، وثم الثانية ثم الثالثة. أما إذا جمع الطلاق الثلاثة جميعًا في دفعة واحدة فقد اختلف أهل العلم في هذا هل يجوز إرسال الطلاق الثلاث جملة أو لا يجوز؟ فمنهم من قال بإباحته وإنه جائز ولكنه نافذ، ومنهم من قال بتحريمه مع نفوذه، ومنهم من قال: بتحريمه مع عدم نفوذه لكنه يكون واحدة، ومنهم من قال بأنه لا يقع لا واحدة ولا غيرها. فإذن الأقوال أربعة في الطلاق المجموع، والصحيح أنه حرام، وأنه لا يقع إلا واحدة، هذا هو الصحيح الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، وعليه يدل الكتاب والسنة؛ لأن الله لم يذكر البينونة إلا فيما إذا طلقها بعد طلاق مرتين، والطلاق مرتين ذكرنا فيما سبق أنه لا يكون إلا ما إذا كان بينهما رجعة أو عقد، أما أن يرسل طلاقًا بعد طلاق فهذا ليس بشيء. ويستفاد من الآية الكريمة: تحريم المطلقة ثلاثًا على مطلقها حتى تتزوج؛ لقوله: فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ. ومن فوائد الآية الكريمة: أن نكاح هذا الزوج الثاني على وجه لا يصح لا تحل به للأول، من أين يؤخذ؟ من قوله: حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ، فأكد هذا العقد بكونه تثبت به الزوجية، ولا تثبت الزوجية إلا بعقد صحيح. ويتفرع على هذه القاعدة: أنها لو نكحت من يحللها -يعني: نكحها إنسان نكاح تحليل فقط- فإنها لا تحل للزوج الأول، لماذا؟ لأن العقد غير صحيح على الصحيح؛ إذ إنه مخالف لمقتضى العقد الشرعي الصحيح في النكاح، ما هو مقتضى العقد الشرعي الصحيح في النكاح؟ ديمومة الزوجية، هذا مقتضاه، الإنسان ما يتزوج امرأة إلا وهو يريد أن تبقى معه طول حياته، إلا أن يستجد سبب يقتضي الفراق، فهذا شيء آخر، فإذا كان تزوجها لسبب معين ويريد فراقها أو إلى وقت معين صار النكاح باطلًا أو فاسدًا -بعبارة أصح- صار النكاح فاسدًا، ونقول: فاسدًا؛ لأن فيه خلافًا، والنكاح إذا كان فيه خلاف فإن العلماء اصطلحوا على أن يسموه فاسدًا، وإذا كان مجمعًا على بطلانه سموه باطلًا. إذن نقول: القول الراجح، أو نقول: يستفاد من هذه الآية: أن نكاح المحلل لا يحلها للزوج الأول، فإن قلت: ورد في الحديث أن الرسول صلى الله عليه وسلم لَعَنَ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ ، فلعن المحلِّل ظاهر؛ لأنه ارتكب الإثم وهو أشبه ما يكون بالزاني والعياذ بالله؛ ولهذا قال أمير المؤمنين عمر: لَا أُوتَى بِمُحَلِّلٍ وَمُحَلَّلٍ لَهُ إِلَا رَجَمْتُهُمَا ، فجعل ذلك من الزنا، فلعن المحلِّل ظاهر، لكن لعن المحلَّل له ما وجهه؟ هذا إذا كان عالمًا بأن النكاح الثاني تحليل ثم تزوجها بعده فقد ارتكب الإثم، وأما إذا كان لا يعلم فليس عليه شيء، هذه القاعدة العامة في الشريعة. ومن فوائد الآية الكريمة: جواز حلها للزوج الأول بعد مفارقة الثاني لها؛ لقوله: فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَافَإِنْ طَلَّقَهَاأي: الزوج الثاني، فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا، وظاهر الآية الكريمة: أنها تحل للأول بمجرد العقد للثاني وإن لم يطأها؛ لقوله: (...). أما لو كان معه مثل الخرقة ودخّلته بإصبعها، فإن ذلك لا يحلها للزوج الأول، ما الدليل؟ طلبة: حديث زوجة رفاعة. الشيخ: حديث زوجة رفاعة: أنه طلّقها ثلاثًا فتزوجها بعده عبدُ الرحمن بنُ الزَّبِير، فجاءت إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم تشتكي إليه، وأخبرته بأنَّ رفاعةَ طلَّقَها وبتَّ طلاقَها وتزَوَّجَ بها عبدُ الرحمن بن الزَّبير، وقالت: إنّ ما معه مثل هُدْبَةِ الثوْبِ وحرَّكَت ثوبَها، فقال الرسول عليه الصلاة والسلام:«تُرِيدينَ أنْ تَرْجِعِي إلى رِفَاعَةَ؟ لا، حَتّى تَذوقِي عُسَيْلَتَه ويَذُوقَ عُسَيْلَتَك» ، الناس الجدد الآن أخذوا من هذا الحديث ما يسمى بشهر العسل، وقالوا: هذا شهر العسل، لأيش تتكلمون في شهر العسل، هذا في الحديث. طالب: له أصل من السنة! الشيخ: له أصل من السنة! إي نعم، المهم أننا نقول: إن السنة دلت على ذلك أنه لا بد من جماع بانتشار، أفلا يقول قائل: إنا نحمل الآية على قوله: حَتَّى تَنْكِحَأي: تطأ زوجًا غيره، ونجعل العقد مفهومًا من قوله: زَوْجًا؛ لأنها لا تكون حلالًا إلا بزوجية؟ الجواب: لا؛ لأنه قال: حَتَّى تَنْكِحَما يقال: إنه نكح، هي منكوحة ولا ناكحة؟ طالب: منكوحة. الشيخ: منكوحة، وإن كان يطلق أحيانًا يقال: نكحت فلانًا، على سبيل التجوز والتوسع، وعلى كل حال فإننا نقول: إن السنة بينت ما في القرآن. ويستفاد من الآية الكريمة: أنها لو وطئت بملك اليمين، فإنها لا تحل للزوج الأول، من أين يؤخذ؟ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ، فلو كانت المرأة مملوكة لشخص وقد زوجها شخصًا آخر فطلقها الزوج الآخر ثلاث تطليقات، ثم انتهت عدتها وجامعها سيدها بحكم ملك اليمين، ثم جاء زوجها الأول يريد أن يتزوجها، يمكن ولَّا لا؟ لا يمكن؛ لأن الله قال: حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ. ومن فوائد الآية الكريمة: إطلاق المراجعة على عقد النكاح؛ لقوله: فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا، والمعروف عند الفقهاء أن الرجعة: إعادة مطلقة غير بائن إلى عصمة زوجها، هذه الرجعة عندهم، لكن هذا اصطلاح خاص، أما في القرآن -فكما رأيتم- تطلق المراجعة على عقد النكاح، كقوله: فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا. هذا وقد قسم بعض أهل العلم المراجعة شرعًا إلى ثلاثة أقسام: فقال: قد يراد بها العقد، كما هنا، وقد يراد بها إعادة المطلقة الرجعية إلى عصمة زوجها، كما في اصطلاح الفقهاء، وقد يراد بالمراجعة: أن تعاد المرأة إلى عصمة زوجها بدون طلاق، كما في حديث ابن عمر رضي الله عنهما حين طلق امرأته وهي حائض فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر: «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ لْيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا أَوْ حَامِلًا» ، قوله: «فَلْيُرَاجِعْهَا» ما هو معنى المراجعة المراجعة المصطلح عليها، وهي التي لا تكون إلا بعد طلاق، بل المراد «فَلْيُرَاجِعْهَا» يعني: يردها إلى عصمته، كما لو تبايع رجلان عقدًا فاسدًا وقلنا لهما: تراجعا، يعني: تراجعا العقد وألغياه، فالمراد بالمراجعة في حديث ابن عمر -على القول الصحيح، وإن كان الجمهور على خلاف ما أقول الآن- المراد بها إلغاء أيش؟ إلغاء الطلاق. ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا يجوز أن يتزوجها الزوج الأول حتى يغلب على ظنه وحتى يغلب على ظن المرأة أيضًا أنهما يقيمان حدود الله، بأن يقوم كل منهما بمعاشرة الآخر بما يجب عليه؛ لقوله: فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ، ووجه ذلك أنهما إذا تراجعا وهما يظنان أن لا يقوما بما يجب صار هذا العقد عبثًا، وعناءً، وتعبًا، خسارة مالية، وتعب. ومنها: الاكتفاء بالظن في الأمور المستقبلة؛ لأن طلب اليقين في المستقبل من باب تكليف ما لا يطاق، ولَّا لا؟ من أين تؤخذ؟ من قوله: إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ، فلا نقول: تجزم أنك ستقوم بالحدود ولَّا لا؟ يقول: ما أجزم، هذا شيء أمره إلى الله عز وجل، قلنا: صحيح، فالأمور المستقبلة يكتفى فيها بالظن، لماذا؟ لأن تكليف اليقين –هذه نأخذها قاعدة مهمة- في الأمر المستقبل من باب تكليف ما لا يطاق، وقد قال الله تبارك وتعالى: رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ [البقرة: ٢٨٦] فقال الله: «قَدْ فَعَلْتُ» .
ويتفرع على هذه الفائدة فائدة مهمة، وهي: أن حلف الإنسان على المستقبل بناء على غلبة الظن لا كفارة فيه، تصورتم هذه؟ حلف الإنسان على غلبة الظن في المستقبل لا كفارة فيه؛ لأنه يحلف على ما في نفسه وعلى ظنه، مثل أن يقول: والله لن يقدم فلان غدًا، ثم قدم فلان، هل عليه الكفارة؟ لا؛ لأن الرجل حلف على غلبة ظنه. أما لو حلف على فعل يتمكن منه، فإنه إذا لم يقم به صار حانثًا مثل أن يقول: والله لأفعلن كذا غدًا، ثم لا يفعل، أو قال: والله لا أفعل كذا غدًا، ثم فعل، فإنه يجب عليه أيش؟ يجب عليه كفارة؛ لأن هذا شيء من فعله وإمكانه وليس خبرًا عما في ضميره. وهذا القول -أعني أن الإنسان إذا حلف على أمر مستقبل بناء على ظنه ثم تبين بخلافه فلا كفارة عليه- هذا القول هو الراجح، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، أما المذهب، أصحاب الإمام أحمد رحمهم الله فيقولون: إذا حلف على ظنه في ماضٍ فتبين بخلافه فلا كفارة عليه، وإن حلف على ظنه في المستقبل فصار الأمر بخلافه فعليه الكفارة، والصحيح أنه لا فرق بين المسألتين. ويستفاد من الآية الكريمة: عناية الله سبحانه وتعالى بعباده في إقامة ما يجب عليهم؛ لأنه كما تشاهدون في عدة جمل بين سبحانه وتعالى لنا مراعاة الحدود وأنه يترتب عليها أمور مهمة جدًّا. هل يستفاد من هذه الآية الكريمة: أنه إذا لزم من فعل المباح شيء محرم صار ذلك الشيء المباح حرامًا؟
الطلبة: نعم. الشيخ: نعم؛ لأن الرجوع إلى الزوجة وعقد النكاح عليها حلال في الأصل، فإذا لم يظن الإنسان أنه سيقوم بالحدود صار حرامًا، وهو في الأصل حلال. وعلى هذا فنقول: إذا تضمن العقد إبطالًا لواجب أو وقوعًا في محرم صار ذلك حرامًا، وهو في مسائل كثيرة في الواقع، منها: لو تبايع رجلان تلزمهما صلاة الجمعة بعد النداء الثاني صار العقد حرامًا، ويش بعد؟ وباطلًا غير صحيح؛ لأنه وقوع فيما حرم الله. ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله عز وجل بين لنا حدوده؛ لقوله: وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا. ومن فوائدها: أنه لا يعرف هذه الحدود ويتبينها إلا من كان من ذوي العلم، وكلما كان الإنسان أعلم كانت الحدود في حقه أبين وأظهر، لاحظوا أن طالب العلم إذا علم حكم مسألة قد ينبني على علمه بهذه المسألة علمه بعدة مسائل، إما بالقياس أو بشمول اللفظ لمسائل أخرى، فالعلم -سبحان الله العظيم- يغذي بعضه بعضًا، فطالب العلم رابح بكل حال، ليس كطالب المال قد يشتري السلعة وهو يظن الربح ثم يخسر، فطالب العلم أي مسألة يدركها فإنها مفتاح له؛ ولهذا قال: يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَأي: لذوي العلم، فكلما كان الإنسان أعلم كان تبين حدود الله له أظهر وأبين؛ ولهذا قال: يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ. ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا شيء يجهل حكمه لا من العبادات ولا من المعاملات، كل شيء مبين، فإن قلت: هناك أشياء تشكل على أهل العلم، ولا يعرفون حكمه فما الجواب؟ الجواب: أن الخلل هنا ليس في النص، ولكنه فيمن يستنبط أحكام النص، فهو يكون ناقصًا في العلم، علمه قليل، ونقص العلم قد يشكل عليه ما لا يعلم، قطعًا سيشكل عليه ما لا يعلم؛ ولهذا الآن أنتم إذا قرأتم كتابًا من أوله فإنكم لا تعلمون آخره، متى تعلمون آخره؟ إذا وصلتم إليه، فهذا نقص في العلم، وقد يكون الخلل في قصور فهم الإنسان، قصور فهمه، أنه عنده علم لكنه قليل الفهم؛ ولهذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «رُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ» ، وقد يكون الخلل في إعراض الإنسان عن التدبر، يقصر في الاجتهاد وطلب الحق، يطالع كم من كتاب ثم يهمل ويتعب ويقول: خلاص بلا تعب، أقلد الإمام أحمد، أقلد الشافعي، أقلد ابن تيمية، أقلد فلان وفلان، ولأيش أتعب نفسي وتاعب بدني (...) أخبار الكتب، وعيوني دنَّرت، وما أشبه ذلك، فيقصر في تدبر النصوص، فيحصل (...)، وقد يكون الإنسان عنده علم، وفهم، وجلد، وتدبر، لكن هناك ذنوب تحول بينه وبين الوصول للحق، كما في قوله تعالى: إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٣) كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [المطففين: ١٣، ١٤]، الذي جعلهم يقولون عن كلام الله: إنه أساطير الأولين ولا يفهمونه هو ما ران على قلوبهم من المعاصي؛ لأن المعاصي تظلم القلب -نسأل الله أن يتوب علينا وعليكم- تظلم القلب، وإذا أظلم القلب كيف يستنير، وكيف يتبين له الحق وهو مظلم؛ ولهذا لما قال الله لنبيه: إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًاقال: وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا [النساء:١٠٥ - ١٠٦]، أخذ بعض أهل العلم من هذه الآية أنه ينبغي لمن سئل عن علم أن يستغفر الله عز وجل حتى تزول عنه الذنوب باستغفاره ويتبين له الحق. وعلى هذا فنقول: إن جميع الأحكام التي تتعلق بالعبادات أو المعاملات فإن الله بيّنها، ما في شيء مشكل، لكن الجهل بها ليس عيب النصوص ولكنه عيب المستدِل، فالأدلة وافية كافية، لكن المستدِل قد تخفى عليه الأحكام للأسباب التي ذكرناها وغيرها، المهم أن كل ما يحتاج الناس إليه فقد بينه الله. ويتفرع على هذه الفائدة فائدة أخرى وهي: غلط من قالوا: إن النصوص لم تستوعب جميع الأحكام وإننا محتاجون إلى العقول في الأحكام، ولَّا لا؟ لأن الله قال: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ، فالنصوص كافية من كل ناحية. وهل يستفاد من الآية الكريمة: أن كل ما خالف شريعة الله فليس من أحكام الله؟ نعم؛ لأن الله يقول: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا، فكل ما خالف ما بيّنه الله لنا فهو ليس من حدوده، وفي هذا يدخل تشريعات أولئك الكافرين بحدود الله الذين يشرعون في دين الله ما ليس منه، سواء كان يتعلق بالمعاملات أو بالعبادات إذا رغبوا عن شريعة الله فإنهم ليسوا من دين الله على شيء. (...) من أين يؤخذ؟ لأنه ذكر الخلع بعد الطلقتين وقال: فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ، فلو كان الخلع طلاقًا لكان قوله: فَإِنْ طَلَّقَهَايعني: الرابعة، وهذا خلاف إجماع المسلمين، وإنما الطلاق ثلاث فقط، ولكن هل يشترط له أن لا يكون بلفظ الطلاق؟ ذهب بعض أهل العلم إلى أنه يشترط، وقال: إذا وقع بلفظ الطلاق فهو طلاق، فلا بد أن يقع بلفظ الخلع أو الفسخ أو الفداء، لا يقع بلفظ الطلاق، واختار شيخ الإسلام ابن تيمية أن الخلع ولو بلفظ الطلاق لا يحسب منه الطلاق، وقال: إن هذا ظاهر الآية؛ لأن الله قال: فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِولم يذكر صيغة معينة، فكل ما حله المال وكان فيه المال من فراق الزوجة فهو أيش؟ خلع لا يحسب من الطلاق، سواء وقع بلفظ الخلع أو الفسخ أو الفداء أو أي لفظ كان؛ لأن العبرة في العقود بماذا؟ بمعانيها لا بألفاظها، فما دام هذا الطلاق الذي وقع من الزوج إنما وقع بفداء من المرأة افتدت نفسها به، فهذا لا يمكن أن نحسبه من الطلاق ولو وقع بلفظ الطلاق.
وما اختاره رحمه الله، فإنه منظور فيه إلى المعنى، وما اختاره غيره ممن قالوا: إذا وقع بلفظ الطلاق حسب من الطلاق، فإنهم نظروا فيه إلى اللفظ، ولا ريب أن من تأمل الشريعة وجد أنها تعتني بالمعنى أكثر من الاعتناء باللفظ، أما الألفاظ فهي قوالب للمعاني، وأنت إذا ألبست المرأة ثوب رجل هل تكون رجلًا؟ لا، ما تكون رجلًا، كما أنك لو ألبست رجلًا ثوب امرأة لم يكن امرأة، فالألفاظ عبارة عن قوالب تدل على ما وراءها، فإذا صار المعنى هو أن تتخلص من الزوج بهذا الفداء، فكيف يحسب طلاقًا؟
طالب: شيخ إذا تزوج المطلقة بعقد..؟ الشيخ: (...) أن الرجوع هو العود إلى ما كان عليه أولًا، ورجع إلى كذا، ورجع إلى مكانه، يعني إلى ما كان عليه أولًا، وهذا يقتضي أن تعود على ثلاث طلقات.
تفسير الآيتين (٢٣١-٢٣٢)
٠١:٠٨:٠٦
قال الله عز وجل: وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ، قوله: وَإِذَا طَلَّقْتُمُالخطاب هنا لعامة الناس، يعني: إذا طلق الواحد منكم، النِّسَاءَيعني: الأزواج؛ ولهذا لم يضفها الله عز وجل إلى أحد، بل قال: النِّسَاءَأتى بـ(أل) الدالة على العموم، كما في قوله: الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ [النساء: ٣٤]، فالمعنى: إذا طلق أحد منكم امرأته فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف. قال بعض العلماء: فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّأي: قاربن البلوغ؛ لأنها إذا بلغت الأجل انتهت العدة ولا إمساك حينئذٍ، ولكن الصحيح أن المراد بالبلوغ هنا حقيقة البلوغ؛ وذلك لأن الأصل أن يحمل الكلام على ظاهره وحقيقته حتى يوجد دليل على أنه لا يراد به ذلك، وهذه قاعدة عامة في كل نصوص الكتاب والسنة، بل حتى في كلام الناس بعضهم مع بعض، في العقود والمعاملات وغيرها يحمل الكلام على أيش؟ على ظاهره وعلى حقيقته حتى يوجد دليل يصرفه عن ذلك، وعلى هذا فيكون معنى بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّأي: انتهت عدتهن؛ وذلك لأن للرجل أن يراجع زوجته بعد الحيضة الثالثة ما لم تغتسل، كما جاء ذلك عن الصحابة رضي الله عنهم، فالمرأة إذا حاضت ثلاث مرات من الطلاق بلغت الأجل، لكن له أن يراجعها ما دامت لم تغتسل، وعلى هذا فيكون المراد بالآية ظاهرها، أي: أتممن العدة فأمسكوهن، ولكن قوله: فَأَمْسِكُوهُنَّيدل على الترتيب والتعقيب، وأنه لا يتأخر، وإن كان بعض العلماء قال: ظاهر ما ورد عن الصحابة أنها لو فرطت في الغسل سنوات متعددة، فله أن يراجع ما دامت لم تغتسل، لكن هذا فيه نظر، ولكن له أن يراجعها ما لم تغتسل إذا لم تدع الغسل الواجب، فأما إذا مرت عليها صلاة ولم تغتسل ترجو أن يراجعها زوجها فإنها تمنع من ذلك. طالب: شيخ، ما يكون يعني فَأَمْسِكُوهُنَّدليل على أنه معنى بَلَغْنَ: قاربن؟ الشيخ: لا.
الطالب: وإلا كيف يمسكها بعد أن..؟ الشيخ: إي نعم، له أن يراجعها ما لم تغتسل، هكذا ورد عن الصحابة، وإن كان العدة تنتهي بانقطاع الحيض؛ ولهذا لو مات أو ماتت بعد انقضاء الحيضة الثالثة ما ترثه ولا يرثها. الطالب: لكن قد يحتاج يسافر معها؟ طالب آخر: إذا كانت كتابية لا تغتسل.
الشيخ: الظاهر أن الكتابية التي لا تغتسل أنه ينتهي بانقضاء الحيض. الطالب: قد يكون أهلها ليسوا موجودين في البلد الذي هو فيه، فإذا انقضت العدة يضطر أنه يسافر بها وهي ليست محرمًا له إذا (...)؟ الشيخ: لا لا، ما دام ورد عن الصحابة رضي الله عنهم أن الإنسان له أن يراجع ما دامت لم تغتسل ولو مع تمام العدة، فهذا يعتبر تفسيرًا من الصحابة رضي الله عنهم للآية الكريمة. الطالب: لكن ما يفرق بين إذا كان أهلها في بلد (...)؟ الشيخ: لا لا، لا يفرق؛ لأنه حق له. الطالب: هو يسافر بها وليس محرمًا؟ الشيخ: لا، ما يسافر، خلها تبقى ويطلب من أهلها أن يحضروا ويسافروا بها. الطالب: ما هو بمحرم لها؟ الشيخ: نعم، إذا انتهت العدة ولا راجع واغتسلت، فهو ما يجوز أن تبقى في بيته إلا إذا كان ليس هناك خلوة، مثل إذا كان في البيت أحد فلا مانع.
إذن نقول: هذه الآية فيها قولان لأهل العلم: أحدهما: أن المعنى فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّأي: قاربن البلوغ، وقد مر علينا أن التعبير بالفعل قد يراد به ما قاربت، لكن القول الراجح أن الآية على ظاهرها بدليل ما ورد عن الصحابة رضي الله عنهم. قوله: فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّأَمْسِكُوهُنَّأي: ردوهن إلى عصمتكم وهو المراجعة، أَوْ سَرِّحُوهُنَّأي: دعوهن، والتسريح بمعنى الإطلاق، يعني: أطلقوهن يكن أحرارًا أو حرائر بالنسبة لأنفسهن، وهنا قال: أَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ، وهناك قال: الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ، وهنا قال: سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍفما هو الفرق؟ قد يقال: إن هذا هو الواجب، والتسريح بالإحسان على سبيل الندب والأفضلية؛ لأن الإحسان ليس بواجب، بل هو مندوب إليه، ويأتي إن شاء الله أيضًا التعرض لهذا في الفوائد.
قال: وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا(لا) ناهية، والفعل بعدها مجزوم بحذف النون، وضِرَارًامفعول لأجله، وقد قال ابن مالك في المفعول لأجله:
يُنْصَبُ مَفْعُولًا لَهُ الْمَصْدَرُ إِنْ
أَبَانَ تَعْلِيلًا كَجُدْ شُكْرًا وَدِنْ
وهنا أبان تعليلًا ولَّا لا؟ نعم، لا تمسكوهن لأجل الضرار، وكانوا في الجاهلية يراجعون الزوجات في العدة من أجل المضارة، يراجعها ويبقيها، ثم يطلقها وتستأنف العدة، ثم إذا قاربت راجعها ثم يطلقها فتستأنف العدة، وهكذا، وقد مر علينا أن الله عز وجل حدد ذلك بكم؟ بثلاث، فبعد الثالثة لا رجوع، وهنا قال: وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًاوفي الآية السابقة قال: وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًافيكون الرجعة مشروطة بإرادة الإصلاح، وتحريمها مشروط بماذا؟ بقصد الإضرار، فإذا قصد الإضرار صارت حرامًا، وإذا لم يقصد الإصلاح فلا حق له في الرجعة، لكن لو راجع وما قصد الإضرار فإنه لا يأثم، قال: وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوااللام هنا لام التعليل، ولكنها هنا يراد بها العاقبة، أي: لا تمسكوهن ضرارا فتكون عاقبتكم أو حالكم. واللام التي تعرف عند بعض النحويين بـ(لام كي) تارة يراد بها التعليل، وتارة تكون زائدة، وتارة تكون للعاقبة، فتكون للتعليل كما في قولك: حضرت لأقرأ، وكما في قوله تعالى: لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا [العنكبوت: ٦٦]. وتكون زائدة كما في قوله تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ [النساء: ٢٦]، إذا جاءت بعد الإرادة فهي زائدة؛ لأن الإرادة هي التعليل يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْأي: يريد الله أن يبين لكم. وتأتي للعاقبة وهي: إذا علم بأن ما بعدها غير مقصود لكن صارت العاقبة كذلك مثل قوله تعالى: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا [القصص: ٨] هل آل فرعون التقطوه لهذا الغرض؟ أبدًا، ولو أنهم ظنوا ذلك لقتلوه، لكن العاقبة أنه صار عدوًّا وحزنًا. هذه الآية على أي الأحوال الثلاث تنطبق؟ على العاقبة، وقد يقال: إن من أراد الإضرار فقد أراد العدوان، فكأنه قال: لا تمسكوهن ضرارًا وعدوانًا؛ لأن قصد الإضرار بلا شك عدوان. قال: وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُمَنْ يَفْعَلْهذه جملة شرطية، وجوابها: فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ، ولماذا ارتبط الجواب بالفاء؟ لأنه لا يصح أن يحل محل الشرط، وقد قال ابن مالك:
وَاقْرِنْ بِفَا حَتْمًا جَوَابًا لَوْ جُعِلْ
شَرْطًا لِـ(إِنْ) أَوْ غَيْرِهَا لَمْ يَنْجَعِلْ
فكل ما لا يصح أن يقع شرطًا، فإنه يجب إذا وقع جوابًا أن يقترن بالفاء، وقد نظمها بعض الناس تقريبًا لطالب العلم في قوله؟ جواب الشرط الذي يجب أن يقترن بالفاء ما هو؟ طالب: ما أعرف. الشيخ: هو دائمًا يتكرر علينا ما هو مشكل. طالب:
اسْمِيَّةٌ طَلَبِيَّــــــــــــــــــةٌ وَبِجَامِــــــــــــــــــــــــدٍ
وَبِمَا وَقَدْ وَبِلَنْ وَبِالتَّنْفِيسِ
الشيخ:
اسْمِيَّةٌ طَلَبِيَّـــــــــــــــــةٌ وَبِجَامِــــــــــــــــــــــدٍ
وَبِمَا وَقَدْ وَبِلَنْ وَبِالتَّنْفِيسِ
في هذه الآية أي الأحوال السبعة؟ قوله: وبقد، عرفتم؟ فإذا كان جواب الشرط أحد هذه الأمور السبعة وجب أن يقترن بالفاء. وهذا يقرب لطالب العلم المبتدئ، وإن كان الضابط الذي ذكره ابن مالك ضابطًا لا ينتقد. وقوله: وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُأصل الظلم في اللغة: النقص، ومنه قوله تعالى: كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا [الكهف: ٣٣] أي: لم تنقص، ثم صار مستعملًا في كل ما فيه نقص سواء كان ذلك حسيًّا أو معنويًّا، ومن فرط فيما يجب له، أو فيما يجب عليه، أو انتهك ما يحرم عليه فقد انتقص، انتقص نفسه حقها؛ لأن النفس عندك أمانة يجب أن ترعاها حق رعايتها، يجب أن لا توقعها فيما حرم الله عليك، ويجب أن تقوم بما أوجب الله عليك، وإلا كنت ظالمًا لنفسك. وقوله: فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُلم يقل: فقد ظلم الزوجة مع أنه في الواقع ظالم لزوجته، لكنه لما كان غيرة الإنسان على نفسه أقوى من غيرته على غيره قال: فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ؛ لأنه لو قال: فقد ظلم الزوجة، فإنه هو من الأصل قد أمسكها لأي شيء؟ للإضرار والعدوان، لكن الشيء الذي يثير الإنسان ويوجب له أن يدع الشيء هو أن يقال: إنك ظالم نفسك، وهذا الظلم للنفس قد لا يشعر به الإنسان في هذه الدنيا، بل قد يظن أنه قد انتصر لنفسه، ولكنه في الحقيقة يتبين له متى؟ في الآخرة حينما يؤخذ من أعماله الصالحة ويعطى لهذا المظلوم، فإن وجد شيئًا من أعماله الصالحة أخذ، وإلا أخذ من سيئاتهم فطرح عليه ثم طرح في النار. قال الله تعالى: وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا، وفيها قراءة: {هُزْءًا} {وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هَزْءًا} أو هُزُوًاقراءتان سبعيتان، لا تتخذوها أي: لا تجعلوها مهزوءًا بها وموضع استهزاء، وآيات الله عز وجل جمع آية، وهي: العلامة على الشيء، لكنها لا تكون آية إلا إذا كانت برهانًا موجبًا، فإنها تكون آية، فهي العلامة. وآيات الله عز وجل تنقسم إلى قسمين: آيات شرعية وهي: ما جاءت به الرسل من الوحي، وآيات كونية وهي: هذه الكائنات التي نشاهدها، أما وجه كون ما جاءت به الرسل آية، فلأنه كلام لا يمكن أن يأتي البشر بمثله لا في التنظيم، ولا في الأسلوب، ولا في الغاية، ولا في غير ذلك، ولا سيما القرآن الكريم، وأما وجه كون الموجودات آيات كونية فظاهر؛ لأن هذه المخلوقات لا يمكن لأحد أن يخلق مثلها، وقد تحدى الله عز وجل أولئك العابدين أن تخلق معبوداتهم شيئًا من هذه الآيات، فقال عز وجل: يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ [الحج: ٧٣]، هل يمكن أن يخلقوا السماوات والأرض؟ لا، هل يمكن أن يخلقوا بشرًا؟ لا، هل يمكن أن يخلقوا بعيرًا؟ لا، فهذه المخلوقات في انتظامها وحسنها كلها آيات تدل على أن الله تعالى هو الخالق وعلى وحدانيته سبحانه وتعالى:
وَفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ
تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ وَاحِـــــــــــــــــدُ
اتخاذ آيات الله الشرعية هزءًا ظاهر، بأن يهزأ الإنسان ويسخر من شرع الله عز وجل، سواء سخر بالشرع كله أو سخر بجزء منه، حتى لو سخر بغسل الوجه بالوضوء فقد سخر بآيات الله كلها واستهزأ بآيات الله كلها؛ لأن الاستهزاء ببعض الشريعة استهزاء بجميع الشريعة، فكيف بمن يستهزئ بكل الشريعة، أو بأركانها العظيمة بأن يستهزئ بالصلاة أو بالزكاة أو بالصيام أو بالحج أو ما أشبه ذلك، فإن هذا يكون أعظم وأعظم، فالمستهزئ بأي شيء من شريعة الله مستهزئ بجميع الشريعة، كما أن من كفر بأي شيء من شريعة الله فهو كافر بجميع الشريعة، ومن كفر بأي رسول من الرسل فهو كافر بجميع الرسل، واضح؟ إذا كان هذا الإنسان ما يتخذ آيات الله هزءًا، ولكنه لا يعمل بها هل يكون كالمستهزئ؟ الجواب: لا، لا يكون كالمستهزئ؛ لأنه فرق بين من يدع العمل مع تعظيمه لشرع الله عز وجل وبين من يسخر بالشرع ويستهزئ به، ويرى أنه عبث وأنه باطل وما أشبه ذلك، فالأول له حكم العصاة، إن كانت معصيته تبلغ به الكفر فهو كافر، وإلا فهو فاسق، وإلا فهو دون الفاسق، كما لو كانت من صغائر الذنوب ولم يصر عليها، وأما الثاني المستهزئ الذي يرى أن الشرع عبث، أو أنه لأناس انقرضوا ومضوا، أو أن هذا العصر لا يصلح أن يكون عصرًا للعمل بهذا الشرع، فهذا لا شك أنه كُفْر. إذا استهزأ الإنسان بغير الشريعة ولكن بحامل الشريعة فهل يكون كافرًا؟ الطلبة: نعم، فيه تفصيل.. الشيخ: إي لازم، فيه تفصيل، الكفر ما هو هين، الكفر ليس بهين، كل شيء كافر كافر كافر؟ إذا استهزأ بحامل الشريعة من أجل حمله الشريعة فهو كافر، كما لو استهزأ برجل قد أعفى لحيته وقصده الاستهزاء بإعفاء اللحية، سواء كان على هذا الرجل أو على رجل آخر، هذا كافر؛ لأنه استهزأ بشريعة من شرائع الله؛ ولهذا قال الله عز وجل في أولئك النفر الذين قالوا: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء -يعنون الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه- ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونًا ولا أكذب ألسنًا ولا أجبن عند اللقاء -يعنون رسول صلى الله عليه وسلم- أنزل الله فيهم: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ [التوبة: ٦٥، ٦٦]، والذي يقول عن حملة الشرع والعاملين به: هؤلاء دراويش ما يعرفون، ولا يعرفون المجتمع ولا الدنيا، وما أشبه ذلك من الكلمات هؤلاء أيضًا كفار؛ لأن الله يقول: إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ [المطففين: ٢٩، ٣٠] شوف شوف ها المسكين ها الدرويش، يتغامزون فيما بينهم، وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ [المطففين: ٣٢]، وفي العصر أبدلنا (ضالون) بـ(رجعيون)، إذا رأوهم قالوا: هؤلاء رجعيون، وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ [المطففين: ٣١] متنعمين، يعني: يرون أنهم حصلوا على شيء كثير أن يستهزئوا بهؤلاء الدراويش على زعمهم، قال الله تعالى: فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ [المطففين: ٣٤]، فدل هذا على أن أولئك الذين يسخرون بالمؤمنين كفار، فأما لو سخر بحامل الشرع غير الرسول عليه الصلاة والسلام من أجل لباسه، أو من أجل مشيته، أو من أجل هيئته فهذا..