تفسير سورة البقرة - ٣٨
درس صوتي · ٩١:٥٧
جارٍ تجهيز الصوت
انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها
إعدادات
اختصارات لوحة المفاتيح
محتوى الدرس
الشيخ: المتعلقة بمشيئته، من أين تؤخذ؟ أن الكلام من صفات الله الفعلية المتعلقة بمشيئته، من أين تؤخذ؟ طالب: (...). الشيخ: لا، (...) لفظ الآية، يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فتخصيصه باليوم يدل على أنه يتعلق بالمشيئة. ومن فوائد الآية: أن كلام الغضب ليس بكلام؛ فإن الله يكلمهم كلام غضب قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ [المؤمنون: ١٠٨]، لكنه في الحقيقة ليس بكلام، لو أن أحدًا من الناس كلمك يوبّخك ما قيل: هذا تكلم معك كلام رضا، بل كلام توبيخ قد يكون عدمه خيرًا من وجوده. طالب: هذا التوبيخ يا شيخ بعد القيامة وهم في النار؟ الشيخ: إي نعم، وهي من القيامة، هذه في النار، كل ده داخل في يوم القيامة. ما كملنا الآية. (...) مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا، أولًا نريد خبر (إنّ) في هذه الجملة (...)، يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ، الاستثناء هذا ما نوعه؟ طالب: مفرغ. الشيخ: مفرغ، إذن النار وأيش إعرابها؟ الطالب: مفعول به. الشيخ: لأيش؟
الطالب: لـ(يأكلون). الشيخ: من فوائد هذه الآية: إثبات يوم القيامة؛ لقوله تعالى: وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. ومن فوائدها: أن يوم القيامة يزكَّى فيه الإنسان، وذلك بالثناء القولي والفعلي؛ فإن الله يقول لعبده المؤمن في ذنوبه: «سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ» ، وأما الفعلي فإن محل الثناء أنه يعطَى كتابه بيمينه ويشهد الناس كلهم على أنه من المؤمنين، وهذه تزكية بلا شك. ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الجزاء؛ لقوله: وَلَهُمْ عَذَابٌ. ومنها: أن عذاب هؤلاء الكافرين عذاب مؤلم ألمًا نفسيًّا أو ألمًا جسمانيًّا؟ الجميع، لو لم يكن من الألم النفسي إلا أن الله يقول لهم: اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ، هذا من أبلغ ما يكون - والعياذ بالله - من الألم النفسي. فإذا قال قائل: كيف تجمعون بين هذه الآية الكريمة وبين قوله تعالى: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس: ٩، ١٠]؟ نشوف. طالب: التزكية توفيق من الله عز وجل، الإنسان يزكي نفسه بتوفيق من الله عز وجل، فبمعنى أنه توفيق من الله عز وجل فالمزكي حقيقة هو الله تبارك وتعالى. طالب: قوله: مَنْ زَكَّاهَاأي: فعل ما يزكيها، أما المزكي في الحقيقة فهو الله. الشيخ: إي، مثل ما قال الأخ. طالب: (...). الشيخ: طيب الأخ يقول: ما بينهم تعارض؟ طالب: (...)؟ الشيخ: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا [الشمس: ٩] لأنه قال: وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا [الشمس: ٧ - ٩] فيه احتمال أن المزكي هو الله، قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَاأي: من زكاها، قد أفلح من زكاها الله، وتكون (من) بمعنى (التي)، ولكن هذا بعيد، ويدل على هذا قوله: وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس: ١٠]. فالجمع بينهما أن يقال: تزكية الإنسان نفسه أن يعمل ما فيه زكاتها، وتزكية الله للإنسان خَلقًا وتقديرًا.
تفسير الآيتين (١٧٥ - ١٧٦)
٠٠:٠٥:٤٤
ثم قال الله عز وجل: أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى [البقرة: ١٧٥] (أولئك) المشار إليهم الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنًا قليلًا، اشْتَرَوُابمعنى اختاروا الضلالة على الهدى، ولكنه عبر بهذا لأن المشتري طالب راغب، فكأن هؤلاء والعياذ بالله طالبون راغبون للضلالة بمنزلة المشتري، الإنسان المشتري للسلعة معناه أنه طالب لها راغب فيها، وقوله: الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى، الضلالة هنا كتمان العلم فإنه ضلال، وأما الهدى فهو بيان العلم ونشره، فالإنسان الذي يكتم العلم لا شك أنه ضال، وذلك لأنه جاهل بما يجب على العالم في علمه من النشر والتبليغ، ولأنه جهل على نفسه حيث منعها هذا الخير العظيم في نشر العلم؛ لأن من أفضل الأعمال نشر العلم، فإنه - أعني العلم- ليس كالمال، المال يفنى والعلم يبقى، أرأيت الآن في الصحابة رضي الله عنهم أناس أغنياء أكثر غنى من أبي هريرة رضي الله عنه، وذِكْر أبي هريرة بين الخاص والعام الآن أكثر، والثواب الذي يأتيه مما روى عن النبي عليه الصلاة والسلام من الأحاديث أكثر وأعظم، أرأيت أيضًا من في زمن الإمام أحمد بن حنبل ونحوه من الأئمة من الخلفاء والوزراء والرؤساء والأغنياء هل بقي ذكرهم كما بقي ذكر هؤلاء؟ لا، وهكذا مَن قبلهم ومن بعدهم، فالعلم في الحقيقة كتمانه لا شك أنه ضلالة من الإنسان وجهالة، وقوله تعالى: بِالْهُدَىالباء هنا للعوض، الباء للعوض، ويقول الفقهاء: إن ما دخلت عليه الباء هو الثمن سواء كان نقدًا أم عينًا غير نقد، اللي تدخل عليه الباء هو الثمن، فإذا قلت: اشتريت منك دينارًا بثوب، وأيش الثمن؟ الثوب، وقال بعض الفقهاء: إن الثمن هو النقد مطلقًا، ولكن الصحيح خلاف ذلك، الصحيح أن الثمن ما دخلت عليه الباء، إذن ما هو الثمن الذي دفعه هؤلاء؟ الهدى، فهم دفعوا الهدى - والعياذ بالله- لأخذ الضلالة، واشْتَرَوُاأيضًا هذا من جهة العمل، من جهة الجزاء: وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ، اشتروا العذاب بالمغفرة، هذا باعتبار الجزاء، فلو أنهم بيَّنوا وأظهروا العلم لَجُوزوا بالمغفرة، ولكنهم كتموا فجوزوا بالعذاب، وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ. قال: فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِهذه (ما) تعجبية، اسم تعجب، و(أصبر) فعل ماض فعل التعجب، والهاء مفعول (أصبر)، إلا على رأي من يرى أن فعل التعجب ليس فعلًا ولكنه اسم فنقول منصوب على شبه المفعول به، ولكن الصحيح أنه فعل، وأن الضمير هنا مفعول به، أين الفاعل؟ مستتر، يعود على؟ طالب: الواو. الشيخ: لا، يعود على (ما)، ومعنى (ما أصبرهم) وما أشبهها من بناء التعجب معناها: شيء عظيم أصبرهم، يعني: جعلهم يصبرون، وقوله: فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِقلنا: إن هذا تعجب، يعني: ما أعظم صبرهم على النار، ولكن هذا التعجب يتوجه عليه سؤالان؛ السؤال الأول: هل هذا تعجب من الله أو تعجيب منه؟ يعني بمعنى: هل أنه يرشدنا إلى أن نتعجب وليس هو موصوفًا بالعجب، أو أنه من الله؟
طالب: من الله. الشيخ: هذه واحدة، إي نعم نبغي (...)، الشيء الثاني: أن قوله: فَمَا أَصْبَرَهُمْيقتضي أنهم يصبرون ويتحملون مع أنهم لا يتحملون ولا يطيقون، ولهذا يقولون لخزنة جهنم: ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ [غافر: ٤٩]، يخفف ما هو بمعنى يدفع العذاب نهائيًّا ولو تخفيف، ولا هو بدائم - والعياذ بالله- ولو يومًا، يخفف عنا يومًا من العذاب، ومن قال هكذا فليس بصادق، والذين يقولون: يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ [الزخرف: ٧٧]: ليهلكنا، صابرون؟ لا، الذي يتمنى الهلاك للخلاص مما هو فيه ما صبر، أليس كذلك؟ طالب: بلى. الشيخ: إذن كيف يقول: مَا أَصْبَرَهُمْ؟ يقول، نعم هذان سؤالان، أما الجواب عن السؤال الأول وهو هل هو تعجب أو تعجيب؟ فقد اختلف فيه المفسرون، فمنهم من رأى أنه تعجب من الله عز وجل؛ لأن المتكلم به هو الله، والكلام يُنسب إلى من تكلم به، ولا مانع من ذلك لا عقلًا ولا سمعًا، أي لا مانع يمنع من أن الله تعالى يتعجب، وقد ثبت لله العجب بالكتاب والسنة، فقال الله في القرآن: {بَلْ عَجِبْتُ وَيَسْخَرُونَ} [الصافات: ١٢]. طالب: بَلْ عَجِبْتَ. الشيخ: {بَلْ عَجِبْتُ} قراءة سبعية {بَلْ عَجِبْتُ وَيَسْخَرُونَ}، وهذه قراءة سبعية ثابتة عن النبي عليه الصلاة والسلام، وهي في القرآن، والتاء هنا فاعل يعود على من؟ على الله عز وجل، على المتكلم، وأما السنة فإنها في الحديث الصحيح عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «عَجِبَ رَبُّنَا مِنْ قُنُوطِ عِبَادِهِ وَقُرْبِ غِيَرِهِ» ، وعلى هذا العجب لله ثابت بالكتاب والسنة، فلا مانع من أن الله يتعجب من صبرهم، لا مانع من هذا، فإذا قال قائل: العجب يدل على أن المتعجب مباغَت بما تعجب به أو منه، بما تعجب منه، وهذا يستلزم ألَّا يكون عالمًا بالأمر من قبل، فالجواب أن هذا ليس هو السبب الوحيد في التعجب، قد يكون التعجب لهذا السبب الذي قيل إن الإنسان أو المتعجب يباغَت بالأمر وهو لا يدري عنه أولًا، لكن قد يكون التعجب سببه خروج هذا الأمر عما ينبغي أن يكون عليه أو عن نظائره، أو ما أشبه ذلك، وليس المعنى أنه بغت وبهت هذا الذي تعجب، بل لأنه خارج عن نظائره أو عمَّا ينبغي أن يكون عليه لا لأنه من أجل خفاء السبب، وهو بهذا المعنى قريب من معنى التوبيخ واللوم. أما القول الثاني فإنهم يقولون: إن معنى مَا أَصْبَرَهُمْالتعجيب، يعني يقولون: ما أصبرهم، وتعجبوا من صبرهم على النار، وهذا ذهب إليه من ينكر صفة التعجب لله من أهل التأويل الذين ينكرون مثل هذه الصفات لله عز وجل، ولكن هذا القول كما مر علينا كثيرًا قول ضعيف، قول ضعيف جدًّا ولا يُلتفت إليه؛ لأنه خلاف ما كان عليه السلف الصالح رحمهم الله من إجراء نصوص صفات الله عز وجل على ظاهرها اللائق بالله، وقد تقدم لنا هذا كثيرًا وبيّنّا أن النصوص في صفات الله ليست نصوصًا مطلقة، بل هي نصوص مضافة إلى مَن؟ إلى الله، فتكون لائقة به كغيرها من الصفات، كل صفة تضاف إلى موصوف فإنها لائقة به، حتى ما أضيف إلى المخلوقات، ليست الصفة المضافة إلى هذا النوع من المخلوقات كالصفة المضافة إلى هذا النوع من المخلوقات، أو لا؟ الطلبة: نعم. الشيخ: طيب، بل إنه أبلغ من ذلك، ليست الصفة المضافة إلى شخص ما من بني آدم كالصفة المضافة إلى شخص آخر، تقول مثلًا: هذا الرجل تصدق بمال كثير وهو فقير، يمكن أن يكون هذا المال الكثير كم من ريال بالنسبة له؟ خمسين ريال، لكن تقول لمن يملك ملايين خمس مئة ألف مثلًا، فالحاصل أن الصفة بحسب ما تضاف إليه، فصفات الخالق جل وعلا تليق به، ولا يمكن أن نتصور أنها تماثل صفات المخلوقين حتى نحتاج إلى تأويلها، طيب، إذن القول الراجح على هذا أيش؟ أن التعجب على ظاهره وعلى بابه، وأنه واقع من الله عز وجل. أما السؤال الثاني فهو: هل هم صبروا على النار؟ فكيف يُتعجب من صبرهم؟ قال أهل العلم: إنهم لما صبروا على ما كان سببًا لها من كتمان العلم صار كأنهم صبروا عليها، مثل ما يقال للرجل الذي يفعل أشياء يُنتقد فيها، يقال له: ما أصبرك على لوم الناس عليك! مع أنه ربما أنه ما لاموه أصلًا، لكن فعل ما يقتضي اللوم، يصير معنى مَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِأي أنهم لما كانوا يفعلون هذه الأفعال الموجِبة للنار صاروا كأنهم يصبرون عليها؛ لأن الجزاء من جنس العمل، بل الله عز وجل دائمًا يقول: إنهم يُجزون ما كانوا يعملون، فيجعل الجزاء هو العمل؛ لأنه سببه المترتب عليه. طالب: إذا أثبتنا صفة العجب يلزمنا الآن نثبت كيف إن هذه العبارة مَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِخارجة عن نظائرها كيف (...)؟ الشيخ: نشوف، لا، أو ما ينبغي عليه، يعني الحال التي ينبغي أن يكون عليها هؤلاء العلماء الذين من الله عليهم ما هي؟ الطالب: أن يبينوا. الشيخ: أن يبينوا للناس ويظهروا الحق، فكل إنسان يتعجب من هذا الذي من الله عليه بالعلم ومع ذلك يكتم من أجل أن ينال غرضًا من الدنيا. طالب: إذن العجب المضاف إلى الله يعني هو حكم خروج الشيء عن نظائره أو ما ينبغي عليه؟
الشيخ: أو ما ينبغي أن يكون عليه، إي نعم، وقلنا: إن هذا العجب قريب من معنى أيش؟ التوبيخ واللوم. طالب: شيخ ما يمكن نقول بالمعنيين جميعًا بأن الله يتعجب ويوحي للعباد أن يتعجبوا منه؟
الشيخ: ظاهر الآية أنه واقع من الله فقط، ما يحتمل المعنى: فتعجبوا منه. طالب: شيخ لكن لولم نجد سببًا للتعجب إلا خفاء السبب؟ الشيخ: هذا ما يمكن أن يكون، يعني كلما وجدت عجبًا مضافًا إلى الله فإنه يجب أن نلغي منه السبب هذا. الطالب: نلغي السبب نقول: عجب يليق بجلال الله. الشيخ: لا، ما هو بصحيح؛ لأننا إذا علمنا أن أحد أسباب العجب الخفاء هذا لا يليق بالله عز وجل، يجب أن ننفيه. الطالب: لو لقصور فهمنا مثلًا لم نجد سببًا آخر للعجب..
الشيخ: لا، ما يخالف، أنت لا تجعل السبب هو الخفاء، أنت امنع هذا السبب وأسباب أخرى، يمكن يكون غير أنه خرج عن نظائره أو غير أنه خرج عما ينبغي أن يكون عليه، لكن هذا اللي إحنا فهمنا، وقد يكون معنى آخر يليق بالله ما نعلمه، إنما الكلام على الشيء الفاسد ما يجوز، ما يمكن أبدًا، ولهذا لا يصح أن نقول: إنه يجوز أن نصف الله بكل شيء بدون مماثلة، هذا ما هو بصحيح. طالب: (...) الصفات هل إذا وردت صفة سلبية كما ذكرنا أنه يثبت كمال ضدها لله؟ الشيخ: نعم. طالب: لكن مثلًا السِّنَة ما يثبت لله أنه يقظان، يوصف الله باليقظة؟ الشيخ: بلى، إنه ما يجيه النعاس ولا النوم. الطالب: نقول: الله سبحانه وتعالى يقظان دائمًا؟
الشيخ: ما نقول: يقظان؛ لأننا إذا قلنا: يقظان، فاليقظان إنما تقال فيمن يأتيه النوم، فيقال: هو يقظان، نقول: هو حي لا تأخذه سنة ولا نوم، حي قيوم. الطالب: (...). الشيخ: أصل اليقظة تقال فيمن يقبل النوم، ولهذا يقال: يقظة ونوم ويقظان ونائم، فهذه من الصفات التي تتقابل تقابل العدم والملكة كما هو معروف، بمعنى أنه إذا انتفى واحد منها ثبت الآخر فيمن يكون قابلًا لها، أما الباري جل وعلا ما يكون قابلًا للنوم حتى نقول: إنه يقظان. طالب: التقدير صعب جدًّا. الشيخ: لا واضح، اليقظان معناه الذي من شأنه أن ينام، فيكون الآن يقظان، لكن نقول: حي قيوم لا تأخذه سنة ولا نوم، إي نعم. قال: فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ، النار هي الدار التي أعدها الله سبحانه وتعالى للكافرين والظالمين، لكن الظلم إن كان ظلم كفر فهم مخلَّدون فيها، وإن كان ظلمًا دون الكفر فإنه يعذَّب بحسب حاله حتى يخرج منها. ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ [البقرة: ١٧٦] ذَلِكَالمشار إليه ما ذُكِر من جزائهم، يعني: ذلك الجزاء الذي يجازَون به، بِأَنَّالباء هنا للسببية، بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ، قد تقول: ما هو الرابط هنا بين السبب والمسبَّب؟ ما هو الرابط أنهم عُذِّبوا لأن الله نزل الكتاب بالحق؟ فنقول: الرابط واضح جدًّا؛ لأنه ما دام الكتاب نازلًا بالحق فهل من اللائق بهذا الكتاب المنزل بالحق أن يُكتم ولّا لا؟ لا، الحق يجب أن يبيَّن، فلما أخفاه هؤلاء استحقوا هذا العذاب؛ لأن الكتاب حق، نزل بالحق مصاحبًا له وحاكمًا به، إذا رأينا في القرآن نزل بالحق فالمعنى أنه نزل مصاحبًا للحق، فليس نزوله باطلًا، وحاكمًا بالحق أيضًا فليس حكمه جائرًا، وكذلك مخبرًا بالحق فليس خبره كاذبًا؛ لأنها دائمًا تأتي في القرآن، نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّأي: مصحوبًا به حال نزوله، فليس مكذوبًا ولا مغيَّرًا فيه ولا محرفًا، لا من جبريل ولا من محمد صلى الله عليه وسلم. ثانيًا: حاكمًا به حاكمًا بالحق، المعنى الثالث: مخبرًا بالحق؛ لأنه كتاب نزوله يحتاج إلى أن يوصف بالحق حتى لا يكون مكذوبًا على الله عز وجل. ثانيًا: أحكامه تحتاج إلى الوصف بأيش؟ بالحق، حتى لا يكون فيها جور وظلم، ثالثًا: أخباره أيضًا موصوفة بالحق حتى لا يكون فيها كذب، سواء كانت هذه الأخبار مما يتعلق بالله سبحانه وتعالى وأسمائه وصفاته، أو مما يتعلق بالأخبار الماضية، أو بالأخبار المستقبلة. ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّالكتاب المراد به هنا الجنس: القرآن والتوراة والإنجيل وغيرها من الكتب. وقوله: بِالْحَقِّهو الصدق بالنسبة للأخبار، والعدل بالنسبة للأحكام، قال الله تعالى: وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا [الأنعام: ١١٥]. وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا، يشكل على بعض الطلبة وَإِنَّمع أنه معطوف على بِأَنَّ، وكان مقتضى العطف أن يقال: وأن الذين اختلفوا.
طالب: هذه استئنافية، (...). طالب آخر: شيخ؛ لأنها في موضع الحال. الشيخ: طيب، لا ما هذا، هي معطوفة، لكن فيه مانع يمنع منه، فيه وجود سبب الآن، ولكن كل الأشياء ما تتم إلا بوجود الأسباب وانتفاء المانع، وهنا فيه مانع يمنع من الفتح. طالب: كونها سببية (...) الفتح.
الشيخ: لا. طالب: اقتران جوابها باللام. الشيخ: نعم صح، خبرها، اقتران خبرها باللام هو اللي يمنع من الفتح، حتى إنك تقول: علمت إن زيدًا لقائم، وتقول: علمت أن زيدًا قائم، شوف، علمت إن زيدًا لقائم، أو لا، يجب الكسر؛ لوجود اللام المانعة من الفتح في خبرها. وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍاختلفوا فيه، ما نوع هذا الاختلاف؟ اختلفوا فيه بأن قال بعضهم: إنه حق، وقال بعضهم: إنه باطل. وقوله: لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍالشقاق: النزاع، وسمي النزاع شقاقًا لأن كلًّا من المتنازعَيْن في شق، هذا في شق وهذا في شق، والبعيد معروف، البعيد في المكان، فقوله سبحانه وتعالى: إِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِقلت: في كونه حقًّا أو باطلًا، لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ، هل أحد من هؤلاء الذين كتموا اختلفوا؟ الجواب: نعم، فإن من هؤلاء مَن بَيَّن ووضّح، لكن الذين اختلفوا هم الذين في الشقاق البعيد، أما من بين ووضح فهو على الحق، فمثلًا عبد الله بن سلام بيّن ووضح وهو من اليهود، والنجاشي من أين؟ من النصارى وبيّن ووضح وآمن، لكن البقية مختلفون ومتنازعون فهم في شقاق بعيد، والآية هذه واضحة في أن الاختلاف ليس رحمة، بل إنه شقاق وبلاء، وبه نعرف أن ما يروى عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «اخْتِلَافُ أُمَّتِي رَحْمَةٌ» لا صحة له ولا يصح، وليس الاختلاف برحمة، بل قال الله تعالى: وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ [هود: ١١٨، ١١٩]، فإنهم ليسوا مختلفين، نعم الاختلاف رحمة بمعنى أن من خالف بحق باجتهاد فإن الله تعالى رحمه بأيش؟ بالعفو عنه إذا أخطأ، وجعل له أجرًا، هذا صحيح، وأما أن يقال: إن الاختلاف رحمة، كان معناه يجب علينا كلنا الآن أننا نسعى إلى الاختلاف؛ لأنه هو سبب الرحمة على زعم هذا المروي، فالصواب أن الخلاف شر، لكن رحمة الله تعالى وسعت المختلفين، بمعنى أن من خالف باجتهاد فإن رحمة الله تعالى تسعه. طالب: لكن فيه إشكال في وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ، بعض العلماء يقول: ما خُلقوا للاختلاف، وبعضهم قال: خُلقوا للاختلاف (...) الآية التي بعدها. الشيخ: فيه خلاف في قوله: وَلِذَلِكَ، هل هو للرحمة، أو هو عائد على الاختلاف، والصواب أنه عائد على الاختلاف؛ لقوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ [التغابن: ٢]. لكن المرحومون الذين رُحِموا متفقون على الحق. طالب: شيخ، ولكن اختلاف العلماء من عهود الصحابة إلى عهدنا هذا كثرت حتى في المذهب الواحد، يختلفون العلماء كثيرًا، هل هو رحمة بالنسبة للعوام لعامة الناس أو لا؟ الشيخ: الظاهر أنه لعامة الناس بلبلة، لكن بالنسبة للمجتهد إذا أخطأ، وأما العامي فإن تتبع الرخص هو حرام عليه كما هو معروف، إذا تتبع الرخص وقال: والله أنا باخذ بالأسهل من المذاهب أو من الأقوال، هذا ما يجوز؛ لأنه اتبع هواه. طالب: بس مشكلة يا شيخ، نقول يعني من عهد الصحابة إلى الآن ولا عصر يعني خلا من الخلاف نقول: إنه شر؟ الشيخ: نعم، لكن هذا الخلاف اللي حصل بالنسبة للمختلفين ما اختلفوا في الواقع؛ لأن الهدف واحد وهو الوصول إلى الحق، أنا مثلًا عندما أخالفك في مسألة، وأنا أعرف أنك رجل مخلص وناصح وتريد الحق ما أعتقد إنك خالفتني الآن.
الطالب: صحيح. الشيخ: لأن الهدف واحد، الخلاف خلاف الأهواء اللي يريد الإنسان أن يتعصب لهواه. الطالب: هو لأهل العلم واضح، لكن أنا سؤالي للعوام لعامة الناس؟
الشيخ: عامة الناس بارك الله فيك عامة الناس يسألون أهل العلم، وكل يسأل من يثق به من عصر الصحابة إلى اليوم، كل يسأل من يثق به، وحينئذ يكون مطمئنًّا إلى قوله، فلا يبقى شر عليه؛ لأن القول أمامه واحد، القول أمامه واحد، حتى العلماء قالوا: لو اختلف عليه شخصان في الفتوى ولم يترجح عنده أحدهما يخيَّر. الطالب: خلني أضرب مثال ليوضح، يعني واحد عندنا يسأل عالمًا عن حكم مثلًا الوضوء من لحم الإبل، وهو (...)، فيفتيه يقول: توضأ من لحم الإبل. (...) الشيخ: نعم لكن لا بد أن يكون هذا مثل ما قال الله عز وجل: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ، أما بالنسبة للمؤمنين فلا شك أنهم لو اتفقوا لكان أحسن، ولكن الله تعالى يبلوهم بهذا الشيء، فهو باعتبار تقدير الله لا شك أنه حكمة. طالب: هذا الأحسن من هذا الصحابي (...) أبدًا؟ الشيخ: نعم حكمة، ونقول بالنسبة لتقدير الله حكمة لا شك، ولهذا مسائل الإجماع يطمئن الإنسان إليها أكثر ويرتاح لها أكثر من مسائل الخلاف. طالب: توجيه الوجه الذي ذكرته آخرًا يا شيخ، تقول: هذا خاص في اليهود والنصارى ولّا في غيرهم؟ الشيخ: الظاهر أنه كل من خالف الحق عنادًا واستكبارًا ولهوى فهو داخل في الآية، سواء اليهود والنصارى أو غيرهم، فيه مثلًا من هذه الأمة من خالف الحق عنادًا، مثل كثير من رؤساء المبتدعة تبين لهم الحق وعرفوه ولكنهم عاندوا -والعياذ بالله- وأصروا فهم في شقاق بعيد. الطالب: ذكرت في الوجه الثاني معطوف عليه ويش المعنى؟ هل هو من السبب؟ الشيخ: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَنعم من السبب. الطالب: الوجه؟ الشيخ: الوجه أن عذابهم هذا بسبب شقاقهم البعيد. ثم قال الله تعالى: لَيْسَ الْبِرَّ.. طالب: (...) أَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ [البقرة: ١٧٦] الإقرار هنا..؟ الشيخ: يعني تقول: إظهار في موضع الإضمار؟ الطالب: إي نعم. الشيخ: هذا ظاهر من باب تعظيم الاختلاف، يعني كأن هذا لما ذكر الكتاب الأول وذكره ثانيًا كأنهم من باب تعظيم الاختلاف أنه إن هذا الكتاب ما ينبغي أن يُختلف فيه، فالإظهار هنا - والله أعلم- أنه من أجل تعظيم هذا الاختلاف، يعني اختلفوا في الكتاب اللي ما ينبغي أن يُختلف فيه؛ لأنه من عند الله وهو الحق، إي نعم. طالب: قلتم: بعيد المكان يعني ولّا بعيد عن الحق؟
الشيخ: لا، بعيد المكان، لكن أصل المسألة ما هي بالمشاقة في المكان، المشاقة في النزاع والمخالفة، لكن مشبهة (...) في المكان، نحن قلنا: إنه يكون هذا في شق وهذا في شق. طيب نأخذ الفوائد، قال الله عز وجل: أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِمن فوائد هذه الآية الكريمة: أن سبب ضلال هؤلاء وكتمانهم الحق أنهم ما أرادوا الهدى، إنما أرادوا الضلال والفساد - والعياذ بالله- لقوله: أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا. ومن فوائدها: إضافة الفعل إلى الفاعل، فيكون فيه رد على من؟ على الجبرية. ومن فوائدها: أن عقوبة الله لهم ليست ظلمًا منه، بل هم الذين تسببوا لها حيث اشتروا الضلالة بالهدى، والله عز وجل ليس بظلام للعبيد. ومن فوائد الآية: أن الجزاء من جنس العمل؛ لقوله: وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ. ومن فوائد الآية: أن نشر العلم وإظهاره وبيانه من أسباب المغفرة؛ لأنه جعل لهم العذاب في مقابلة الكتمان، وجعل العذاب بالمغفرة فدلّ ذلك على أن نشر العلم من أسباب مغفرة الذنوب، كما أن الذنوب أيضًا تحول بين الإنسان وبين العلم، فكذلك كتم العلم يحول بين الإنسان وبين المغفرة، وقد استدل بعض العلماء بأن الذنوب تحول بين الإنسان وبين معرفة العلم بقوله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا [النساء: ١٠٥، ١٠٦] فقال: لِتَحْكُمَ، ثم قال: وَاسْتَغْفِرِ، فدل هذا على أن الاستغفار من أسباب فتح العلم، وهو ظاهر؛ لأن الذنوب - والعياذ بالله - رين على القلوب، كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [المطففين: ١٤]، فإذا كانت رينًا عليها فإن الاستغفار يمحو هذا الرين وتبقى القلوب نيرة مدركة واعية. ومن فوائد هذه الآية: إثبات العجب لله عز وجل؛ لقوله: فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ، وهو من الصفات الذاتية أو الفعلية؟ الفعلية؛ لأنه يتعلق بمشيئته، وكل صفة من صفات الله تتعلق بمشيئته فهي من الصفات الفعلية، فإذا قال لنا قائل: ما هو دليلكم على أن العجب يتعلق بمشيئته؟ قلنا: دليلنا على ذلك أن له سببًا، وكل ما له سبب فإنه متعلق بالمشيئة؛ لأن وقوع السبب بمشيئة الله، فيكون ما تفرع عنه كذلك بمشيئة الله.
ومن فوائد الآية: توبيخ هؤلاء الذين يكتمون ما أنزل الله؛ لقوله: فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ، وكان الأجدر بهم أن يتخذوا وقاية من النار لا وسيلة إليها. من فوائد الآية: إثبات العلل والأسباب؛ لقوله: ذَلِكَ بِأَنَّ، والباء للسببية، وقد ذكر بعض أهل العلم أن في القرآن أكثر من مئة موضع كلها تفيد إثبات العلة خلافًا لمن؟ خلافًا للجبرية الذين يقولون: إن فعل الله عز وجل ليس لحكمة بل لمجرد المشيئة، والغريب أن بعض العلماء ذهب إلى هذا المذهب حتى إنه في مختصر التحرير للفتوحي هو من كتب أصول الفقه للحنابلة قال: وفعله وأمره تعالى لا لعلة وحكمة في قول، يعني إيه (في قول) وهو قاعدته إذا قال: (في قول) فمعناه أن القولين متقابلان في الترجيح، وهذا لا شك أنه غلط، والصواب أن فعله وأمره كله مقرون بالحكمة. ومن فوائد الآية الكريمة: الثناء على كتب الله عز وجل؛ لقوله: بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ. ومن فوائدها: ثبوت العلو لله؛ لقوله: بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ. ومن فوائد الآية الكريمة: أن المختلفين في كتب الله لا يزالون في شقاق، وأنهم بعيد بعضهم من بعض، لا تتقارب أقوالهم، وإن تقاربت أبدانهم لكن أقوالهم لا تتقارب؛ لقوله: لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ.
تفسير الآيات (١٧٧ - ١٧٩)
٠٠:٤١:١٧
(...) الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ [البقرة: ١٧٧] في هذه الآية قراءتان: لَيْسَ الْبِرُّ أَنْ تُوَلُّواولَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا، فأما على قراءة الرفع فإن (البر) تكون اسم (ليس)، و(أن تولوا) خبرها، وكذلك إذا كانت (ليس البرَّ) تكون (البر) خبرها مقدمًا، و(أن تولوا) اسمها مؤخرًا، يعني تقدير الكلام على الأول: ليس البرُّ توليتَكم وجوهَكم، وتقديره على الثاني: ليس البرَّ توليتُكم، بالرفع. يقول الله عز وجل: لَيْسَ الْبِرَّوالبر هو في الأصل الخير الكثير، ومنه سمي البَرّ؛ لسعته واتساعه، ومنه اسم من أسماء الله إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ [الطور: ٢٨]، المعنى: ليس الخير وكثرة الخير والبركة أن يولي الإنسان وجهه قبل المشرق، أي: جهة المشرق أو جهة المغرب، وهذا نزل عندما ساء بعضَ الناس تحويلُ النبي صلى الله عليه وسلم من بيت المقدس إلى الكعبة، فبيّن الله عز وجل إنه ليس البر أن الإنسان يتوجه إلى هذا أو هذا، ليس هذا هو الشأن، الشأن إنما هو في الإيمان بالله إلى آخره، أما الاتجاه فإنه لا يكون خيرًا إلا إذا كان بأمر الله، ولا يكون شرًّا إلا إذا كان مخالفًا لأمر الله، فأي جهة توجهتم إليها بأمر الله فهي البر. على هذا لا نقول: إن العبرة بالعمل، العبرة بنوع العمل، ما هو نوع العمل؟ هل هو طاعة لله أو ليس بطاعة؟ إن كان طاعة فهو بر وخير، وإلا فليس ببر ولا خير، ولهذا السجود لغير الله كفر وشرك، وفي وقت من الأوقات صار السجود لغير الله عبادة وتركه كفرًا، قتل النفس بغير حق من أكبر الكبائر، وفي وقت من الأوقات صار من أفضل الطاعات، قطيعة الرحم من الكبائر، وفي وقت من الأوقات صارت خيرًا، فإن قتل الأب لابنه من أكبر القطيعة، ومع ذلك حين أمر به إبراهيم صار من أفضل القربات، فالشأن إذن في طاعة الله عز وجل، ليس في العمل الذي تفعل، وإنما المقياس هل هو من أمر الله أو ليس من أمر الله، إذن كوننا نتجه إلى المشرق أو إلى المغرب هذا ليس هو البر، إلا إذا كان اتجاهنا طاعة لله، فحينئذ يكون برًّا. طالب: أقول: قطيعة الرحم وأيش مثاله؟
الشيخ: مثل ذبح الابن. طالب: لا غيره قبله؟ الشيخ: قبله، ذكرنا على سبيل العموم. الطالب: قتل النفس؟ الشيخ: قتل إبراهيم لابنه. قوله: الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، إذا قال قائل: أنتم ذكرتم هذا في تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، وليس هذا قِبَلًا للمشرق ولا للمغرب، وإنما هو للجنوب أو الشمال، أليس كذلك؟ قلنا: بلى، لكن أظهر وأبين الجهات هي جهة المشرق وجهة المغرب؛ لأن جهة المشرق والمغرب ما تخفى على أي إنسان (...) والنصارى يستقبلون المشرق، وكل منهما يقول: إنه هو فاعل البر، فأنزل الله هذه الآية، لكن الأول أصح.
طالب: (...) وردت.. الشيخ: لا لا، يعني هذا باعتبار التعبد لله. طالب: معنى هذا يا شيخ قبلة النصارى واليهود، قبلة اليهود وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً [يونس: ٨٧] أيش معنى قبلة؟ الشيخ: يعني قبلة مستقبلة للناس، يعني افتحوها للناس. قال: وَلَكِنَّ الْبِرَّفيها أيضًا قراءتان، وهي: وَلَكِنِ الْبِرُّبالرفع، وعلى هذا فتكون (لكن) عاطفة غير عاملة، والقراءة التي في المصحف وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِفتكون عاملة. قوله: وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ، البر من آمن، كلنا يعرف أن البر عمل، و(من آمن) عامل، فكيف يصح أن يكون العامل خبرًا عن العمل؟ في هذا وجهان؛ الوجه الأول: أن الآية على تقدير مضاف، وتقديره: ولكن البرَّ بِرُّ من آمن بالله واليوم الآخر، ثانيًا: أن الآية على سبيل المبالغة، ولا فيها تقدير مضاف، كأنه جعل المؤمن هو نفس البر، مثلما يقال: رجل عدل، بمعنى عادل. ووجه ثالث: أن نجعل البر بمعنى البارّ: ولكن البارّ، فيكون مصدرًا بمعنى اسم الفاعل، يعني: ولكن البار حقيقة القائم بالبر من آمن بالله، وقوله: مَنْ آمَنَوأيش محلها من الإعراب (مَن)؟ محلها الرفع على كل تقدير، على قراءة التخفيف وعلى قراءة التشديد. قال: مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، آمن به، تقدم أن الإيمان في اللغة بمعنى التصديق، لكنه إذا قُرِن بالباء صار تصديقًا متضمنًا للطمأنينة والثبات والقرار، فليس مجرد تصديق، لو كان بمعنى التصديق المطلق لكان يقال: آمَنَه أي صدَّقه، لكن (آمن به) مضمنة معنى الطمأنينة والاستقرار لهذا الشيء، وإذا عُدِّيت باللام مثل فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ [العنكبوت: ٢٦]، فمعناه أنها ضُمِّنت معنى الاستسلام والانقياد. قال: مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ، الإيمان بالله يتضمن أربعة أمور: الإيمان بوجوده، والإيمان بربوبيته، والإيمان بألوهيته، والإيمان بأسمائه وصفاته، لا بد من هذا، الإيمان بوجوده، والإيمان بربوبيته، والإيمان بألوهيته، والإيمان بأسمائه وصفاته. أما الإيمان بوجوده فإنه كما سبق دل عليه الشرع والحس والعقل والفطرة، أو لا؟ طيب، دلالة الشرع عليه واضحة: إنزال الكتب وإرسال الرسل، كل هذه من أين جاءت؟ من الله عز وجل، ودل عليه الحس، دل على وجوده الحس - سبحانه وتعالى - فإننا نسمع ونلمس أن الله سبحانه وتعالى يُدْعَى فيجيب، وهذا دليل حسي على وجوده تبارك وتعالى، كما في سورة الأنبياء وغيرها وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ [الأنبياء: ٧٦]. وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ [الأنبياء: ٨٣، ٨٤]. إلى آخره كثير، وهذا أيضًا شيء يلمسه الإنسان بنفسه أنه يدعو الله عز وجل بجلب خير له أو دفع شر عنه، فيحس بذلك، أما دلالة العقل على وجود الله عز وجل فما هو؟ ما من حادث إلا وله محدِث كما قال الله عز وجل: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ [الطور: ٣٥]، هذا الكون العظيم بما فيه من النظام والتغيرات والأحداث لا بد أن يكون له موجِد محدِث يُحدث هذه الأشياء فهو الله عز وجل، وإلى هذا الدليل أشار الله بقوله: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ. ودل على وجوده الفطرة، فإن الإنسان لو تُرك وفطرته لكان مؤمنًا بالله، والدليل على هذا قوله تعالى: تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ [الإسراء: ٤٤]، حتى غير الإنسان مفطور على أنه يعرف الرب عز وجل. الثاني: الإيمان بربوبيته، وهذا فرع عن الإيمان بوجوده، يعني ليس مجرد وجود الله عز وجل، بل هو رب سبحانه وتعالى يحكم في عباده بما يشاء كونًا وشرعًا، الأحكام الكونية هي ما يتعلق بالإيجاد والخلق، والأحكام الشرعية ما يتعلق بالتنظيم والسَّنّ، يعني يسُنّ لعباده سُنَنًا ويشرع لهم شرائع، هذه أحكام شرعية، فمسألة الأحكام متعلقة بتوحيد الربوبية لا بتوحيد الألوهية؛ لأن الرب معناه هو الذي يتصرف في عباده كما يشاء خَلقًا وحكمًا، فله الخلق والأمر، كما قال الله تعالى: أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ [الأعراف: ٥٤]. أما الإيمان بألوهيته فهو أن تعتقد أنه لا إله في الوجود يستحق أن يُعبد سوى الله عز وجل، كل الآلهة التي تُعبد من دونه من أنبياء وملائكة وأولياء وأشجار وأحجار ونجوم وشمس وقمر كلها باطلة، ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ [لقمان: ٣٠]. طالب: هُوَ الْبَاطِلُ [الحج: ٦٢]. الشيخ: فيه آيتان. ففيه أن الله سبحانه وتعالى هو الإله الحق، ولا يكفي كما يفعله كثير من المؤلفين المعاصرين في تقرير التوحيد، وكذلك المتقدمون، لا يكفي أن نقرر التوحيد بتوحيد الربوبية، المتكلمون يقولون: الإله هو القادر على الاختراع، ولو كان هذا معنى (لا إله إلا الله) لكان المشركون موحدين؛ لأن المشركين وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [الزخرف: ٨٧]، ولكن الألوهية غير، الألوهية تتعلق بالعبادة، بمعنى أنه لا أحد يُعبد بحق سوى الله عز وجل. أما الإيمان بأسمائه وصفاته فهو أيضًا من تمام الإيمان بالله عز وجل، تؤمن بكل اسم سمى الله به نفسه، وتؤمن بكل صفة وصف الله بها نفسه، ولا تستنكر أو تشمئز من صفة أثبتها الله لنفسه، أو أثبتها له رسوله صلى الله عليه وسلم؛ فإنها حق، كثير من الناس إذا سمع شيئًا من آيات الصفات أو أحاديثها وقُرِّرت له يستنكر ويشمئز، ويظن أنها دالة على التشبيه والتمثيل، فيأخذ بتأويلها وتحريفها إذا لم يمكنه إنكارها، فإن أمكنه إنكارها أنكرها ولا يبالي. فأهل البدع بالنسبة لما يتعلق بالأسماء والصفات وبغيرها مما يخالفون فيه حتى في مسائل القدر، في مسائل الإيمان، لهم مذهبان، الطريق عندهم كلهم على حد سواء إذا جاءت النصوص على خلاف ما يذهبون إليه إن تمكنوا من إبطالها قالوا: هذه باطلة، هذه ما تصح، كما يقولون: أخبار الآحاد لا تثبت بها العقائد، هذه القاعدة التي من أبطل القواعد يريدون أن يقضوا بها على كل ما جاء من أسماء الله وصفاته في أخبار الآحاد، فإذا وجدوا خبرًا يخالف مذهبهم وطريقتهم البدعية وهو من أخبار الآحاد على طول ما يحتاج لا ينظرون في رواته، ولا في تلقي الأمة له بالقبول، ولا يفكرون في هذا أبدًا، خلاص يشطب عليها، هذا خبر آحاد مخالف لما يُعلم بالضرورة من العقيدة عندهم، فيجب أن يكون باطلًا مكذوبًا. الطريق الثاني لهم إذا عجزوا عن رد الخبر بأن كان في القرآن أو في متواتر السنة سلّطوا عليه معاول المجاز، كل واحد معه معول، هذا معول خشب، وهذا معول فولاذ، وهذا معول حديد، هذا يقول: مجاز مرسل، وهذا يقول: مجاز عقلي، وهذا يقول: إنه استعارة، وما أشبه ذلك، حتى يقضوا عليه بهذا التحريف، هذه طريقتهم، طريقة أهل البدع ما تخلو من هذا، لكن أهل السنة والجماعة يقولون: ما لنا وللأمر، الذي أخبرنا عن نفسه مَن؟ الله، وهو أعلم بنفسه وأصدق حديثًا من غيره، وهو يريد البيان لخلقه أو التعمية عليهم؟ الطلبة: البيان. الشيخ: البيان، يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا [النساء: ١٧٦]، فكيف إذا كان الله عز وجل لا يريد إلا البيان لخلقه، وهو سبحانه وتعالى أصدق القائلين وأعلم من نطق بما نطق به، كيف نقول: هذا مجاز، هذا ليس بحق، هذا يجب أن يُصرف؟ الواجب علينا أن نؤمن به ونأخذه على ظاهره. لكن يجب علينا كما قررناه ونقرره كثيرًا الحذر من أمرين، وهما: التمثيل والتكييف، ما نقول: هذا الظاهر مثل ما نعرفه من نفوسنا، أو كيفية هذا الشيء كذا وكذا، كل هذا أمر باطل لا يجوز اعتقاده، وهذه القاعدة يا إخواننا إذا أخذنا بها استرحنا طردًا وعكسًا؛ استرحنا طردا بحيث ما يخرج عنها شيء، كل الأحاديث أو الآيات الواردة في صفات الله نجريها على هذا، ونقول: هي ثابتة لله لكن بدون تمثيل ولا تكييف، هذا الطرد، العكس ما أحد يعترض علينا يقول: لأيش أوّلتم في كذا وتركتم التأويل في كذا؟ لأن بعض الناس قد يستوحش من بعض الصفات، يستوحش منها كثيرًا، وإن كان يثبت غيرها بنفسٍ منقادة. كثير من الناس تأتيه مثلًا صفات المعاني يقبلها ويسلّم بها بكل سهولة، لكن تأتيه بعض الصفات التي هي من جنس الأبعاض لنا، ولا نقول: إنها بعض لله؛ لأنه حرام أن نقول هكذا، فتجده يتوقف ويقشعر ويقدم رِجلًا ويؤخر أخرى في إثباتها، والواجب علينا، أيش الواجب؟ أن نسلّم له، فنقول: لا فرق بين هذا وهذا، ونؤمن بأن هذا الذي أخبر الله به عن نفسه لا يشبه ولا يماثل صفات المخلوقين، وبهذا نستريح، والحمد لله أن الشيء الذي لا يليق بالله يبينه الله ورسوله، الشيء الذي لا يليق به يُبَيَّن ما يترك هكذا، لما قال الله لعبده: «إِنِّي اسْتَطْعَمْتُكَ وَلَمْ تُطْعِمْنِي، وَاسْتَسْقَيْتُكَ وَلَمْ تَسْقِنِي، وَمَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي» ، هذا وأيش ظاهره؟ ظاهره أنه لا يليق بالله عز وجل أن يستطعم أحدًا وهو يُطعِم ولا يُطْعَم، أو أن يستسقي أحدًا، أو أن يمرض، ما هذا ظاهره؟ الطلبة: بلى.
الشيخ: ولهذا لما كان هذا ظاهره بيّن الله تعالى أنه ليس بمراد، إذا قال له عبده: «كَيْفَ أَعُودُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلَانًا مَرِضَ؟ فَلَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ، كَيْفَ أُطْعِمُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلَانًا اسْتَطْعَمَكَ؟ فَلَوْ أَطْعَمْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي، كَيْفَ أَسْقِيكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ فَقَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلَانًا اسْتَسْقَاكَ فَلَمْ تَسْقِهِ؟ أَمَا أَنَّكَ لَوْ سَقَيْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي». شوف الآن بيّن، الشيء الذي ما يليق بالله يبيَّن، والشيء الذي أثبته الله لنفسه يبقى على ما هو عليه. هذه القاعدة اللي هي الحكم الرابع من الإيمان بالله اختلف فيها أهل الملة؛ فمنهم السلف، وهم فقط أهل السنة الجماعة، أثبتوها لله تعالى على ظاهرها على ما يليق بالله عز وجل، ونفوا عنها التمثيل والتكييف، وبعض الناس أنكرها، صار يؤمن بالأسماء دون الصفات، وبعضهم يؤمن بالأسماء وبعض الصفات دون بعض، وبعضهم ينكر الأسماء والصفات، وبعضهم لا يصف الله تعالى لا بالإثبات ولا بالنفي، وهذا شيء معروف عند من يتكلمون في هذه الأمور، المهم أن الإيمان بالله يتضمن أربعة أمور: الإيمان بوجوده، وربوبيته، وألوهيته، وأسمائه وصفاته، نعم. الثاني: وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، اليوم الآخر هو يوم القيامة، وسُمِّي آخرًا لأنه ليس بعده يوم؛ إذ هو يوم مستمر ما فيه لا ليل ولا نهار، ولا شمس ولا قمر، ولا شيء، يوم دائم مستمر، فلذلك سمي اليوم الآخر. الإيمان باليوم الآخر يتضمن الإيمان بكل ما أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام مما يكون بعد الموت كما قاله شيخ الإسلام في العقيدة الواسطية ، يتضمن الإيمان بكل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم مما يكون بعد الموت، فيدخل في ذلك فتنة القبر وعذاب القبر ونعيم القبر وحشر الناس حفاة عراة غرلًا، والحساب والميزان والصراط والحوض والشفاعة، وغير ذلك مما أخبر الله به أنه يكون يوم القيامة داخل في هذا، كل ما أخبر الله به مما يكون بعد الموت فإنه داخل في الإيمان باليوم الآخر، والإيمان باليوم الآخر كما يتضمن ذلك فإن كل مَن آمن بالشيء استعد له، ولّا لا؟ فالذي يقول: إنه مؤمن باليوم الآخر لكن ما يستعد له هذه الدعوى منه ناقصة، ومقدار نقصها بمقدار ما خالف في الاستعداد له. كما أنه لو قيل مثلًا: إنه سينزل اليوم مطر، فظلِّل الحَبّ، إنسان عنده حب قمح قيل له: سينزل اليوم مطر، فظلل الحب، معلوم أن اللي ما هو مؤمن بهذا الكلام ما هو مغطي، كذلك لو قيل: سيأتي اليوم عدو فشدِّد في الحراسة، إذا آمن بأنه سيجي عدو شدَّد في الحراسة بجميع ما يمكن، إذا لم يؤمن ما يهمه، ولا شك أن الإنسان المخالف لما أمر الله به ورسوله أن عنده نقصًا في الإيمان باليوم الآخر، ولهذا كثيرًا ما يقرن الله سبحانه وتعالى الإيمان باليوم الآخر بالإيمان به في القرآن، يقرن ذلك كثيرًا، مما يدل على أن الإيمان باليوم الآخر يستلزم الإيمان بآيات الله عز وجل. (...) والشفاعة والصراط والجنة والنار كل هذا داخل في اليوم الآخر. قال: وَالْمَلَائِكَةِ، الإيمان بالملائكة، الملائكة جمع (ملَك) وأصل (ملَك) (مَلْأَك)، وأصل (مَلْأَك) (مَأْلَك)؛ لأنها مأخوذة من (الْأَلُوكة) وهي الرسالة، هكذا يقولون اللغويون، فصار فيها إعلال بالحذف وبالقلب، وجُمِعت على أيش؟ ملائكة، والملائكة هم عباد من عباد الله سبحانه وتعالى خلقهم الله سبحانه وتعالى من نور، وسخرهم لعبادته ليلًا ونهارًا، يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ [الأنبياء: ٢٠]، وهم أجسام ذوو عقول، الدليل على ذلك قوله تعالى: جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ [فاطر: ١]، والأجنحة أجسام ولّا لا؟ أجسام، جبريل عليه الصلاة والسلام رآه النبي عليه الصلاة والسلام على صورته وله ست مئة جناح سد الأفق ، وجاءه على صورة رجل ، وعلى صورة دحية الكلبي ، وكل هذا يدل على أنهم أجسام، ولهم عقول؟ طالب: نعم. الشيخ: ما في شك، نعم، ولهذا يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ [الأنبياء: ٢٠]، ولو كان ما لهم عقول كما قاله بعض الزائغين لكان هذا أكبر قدح في رسالة الرسل كلهم؛ إذ إنه يكون الواسطة بينهم وبين الله مجنونًا لا عقل له، ولا أكبر من هذا القدح - والعياذ بالله- في الرسل وفيمن أرسلهم أيضًا، ولّا لا؟ كيف يأتمن على وحيه مَن ليس له عقل؟ فهو قدح في الله، وقدح في الملائكة، وقدح في الرسل، والعياذ بالله. ومن الغرائب أن هذه شاعت في أوساط بعض الناس، وقالوا: إنهم ليسوا أجسامًا وليس لهم عقول، وهذا لا شك أنه قول باطل من أبطل الأقوال، والصواب بلا ريب أن لهم عقولًا، وأنهم أجسام، لكن الله سبحانه وتعالى أعطاهم قوة ونفوذًا أشد من نفوذ الجن، الجن لهم قوة ونفوذ، الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، والملَك أشد، قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ [النمل: ٣٩]، وقَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ [النمل: ٤٠]، فجاءت به الملائكة من سبأ إلى الشام قبل أن يرتد إليه طرفه، عرش عظيم، وهذا دليل على أن الملائكة أقوى وأشد نفوذًا من الجن، على ما للجن من نفوذ، اللي يشوف سرعتهم يصعدون إلى السماء ويقعدون مقاعد للسمع، فالحاصل أن الملائكة لا شك أنها أجسام، وأن لهم عقولًا، وأنهم يأتمرون بأمر الله عز وجل، وأنهم يسجدون له، وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ [النحل: ٤٩]. طالب: لهم شهوة يا شيخ؟ الشيخ: إي لهم شرائع. الطالب: لهم شهوة؟ الشيخ: إي ما أظن. واعلم أن الملائكة عليهم الصلاة والسلام منهم مَن عُيِّن لنا وعرفناه باسمه، ومنهم من لم يُعَيَّن، فمن عُيِّن لنا وجب علينا أن نؤمن باسمه مثل؟ طالب: جبريل عليه السلام. الشيخ: إي. طالب: إسرافيل. الشيخ: إسرافيل، وأيش بعد؟ طالب: ومالك. الشيخ: ومالك خازن النار. طالب: ومنكر ونكير. الشيخ: ومنكر ونكير إن صح الحديث بهذا اللفظ، وفيه نظر.
طالب: ميكال. الشيخ: إي، هو ميكال هو ميكائيل. طالب: هو نفسه مالك؟ الشيخ: لا لا، مالك خازن النار. طالب: وملك الموت. الشيخ: وملك الموت لكن ما نعرف اسمه، بعض الناس يقول: عزرائيل ولكن ما صح هذا. طالب: هاروت وماروت ملكين. الشيخ: نعم وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ [البقرة: ١٠٢] صح، صحيح نعم. طالب: تقول: مالك يا شيخ هو خازن النار وليس هو ميكال، بس ورد في حديث أن الرسول صلى الله عليه وسلم سأل جبريل: «مَا لِي لَا أَرَى مِيكَالَ يَضْحَكُ» ؛ لأنه لم يضحك قط. الشيخ: إي تأكد منه، تأكد منه، مفهوم هذا؟ طيب، اللي علِمناه باسمه يجب علينا أن نؤمن به باسمه، ثم كذلك أعمالهم منهم من علمنا أعماله ومنهم من لم نعلم، لكن علينا أن نؤمن على سبيل الإطلاق بأنهم عباد مُكرَمون ممتثلون لأمر الله عز وجل، طيب هل لهم نصيب من تدبير الخلق بغير إذن الله؟ لا، لكن بإذن الله نعم، الموكَّل بالقطر والنبات، موكل بنفخ الصور، وفيه ملائكة موكلة بالأجنة، وملائكة موكلة بكتابة أعمال بني آدم، وملائكة موكلة بحفظ بني آدم لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ [الرعد: ١١]، لكن كل هذا بأمر الله عز وجل وبإذنه، وليس لهم أي شيء في الكون منازعة لله عز وجل ولا معاونة، قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢ ) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ [سبأ: ٢٢، ٢٣]، فنفى جميع ما يتعلق به المشركون، لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍانفرادًا، وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍمشاركة، وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍمعاونة، وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُشفاعة ووساطة، ثم قال: حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ [سبأ: ٢٣] من هم؟ الملائكة، وهم الملائكة إذا سمعوا الوحي صعقوا، فليس لهم أي شيء في التصرف في الكون، لكنهم يمتثلون أمر الله عز وجل. طالب: شيخ، من قال: إنه لا بد أن نؤمن أن من الملائكة من ليسوا بأجسام؟ الشيخ: ما يجوز. الطالب: بأن يقول: الملك الموكل بأن يكتب عملك يقول ما نراه، والملائكة الذين..؟ الشيخ: حتى جبريل ما نراه، وغير جبريل ما نراه، يجيء جبريل ويلقي الوحي على الرسول عليه الصلاة والسلام وهم ما يرونه، أن ما ترى، كل الذي لا ترى لا يكون جسمًا؟ الطالب: لا، نقول: ممكن أن.. الشيخ: لا ما نقول: ممكن، كل الملائكة كلهم أجسام. الطالب: ما يمكن أن يتحولوا عن صورتهم؟ الشيخ: لا، يمكن، بإذن الله يتحولون، هذا جبريل تحوّل إلى صورة إنسان. طالب: يعني ممكن أن يتحولوا يقولون ليس..
الشيخ: بإذن الله. الطالب: بإذن الله. الشيخ: ما أدري عن هذه، لكن ما أظنه يمكن. الطالب: لأنه الملائكة الذين يكونون معنا في المسجد ليسوا بأجسام؟ الشيخ: إي نعم، ما هو بلازم تشاهدهم، الآن الجن أجسام يأكلون ويشربون ويبولون، ويبولون بأذن اللي ما يقوم يصلي الفجر، ومع ذلك تشوفهم؟ الطالب: نقول: أجسام حسية؟ الشيخ: أجسام حسية، لكن ما تشوفهم، الآن فيما بين أيدينا كما يقول الأطباء يقول: في هذا ممتلئ، الجو ممتلئ جراثيم وما جراثيم وأشياء ما عاد نصدقهم ولّا نكذبهم. الطالب: لا هذا نراه بأعيننا. الشيخ: إي لكن بس هل تراه بالعين المجردة؟ الطالب: لو جعلت ثقب الشمس يدخل في غرفة مظلمة. الشيخ: لا ما هم دولا ما هذا جراثيم، هذا هباء، المهم على كل حال هم محجوبون عنا، الرسول صلى الله عليه وسلم خرج من عند قريش وهم قريش يشوفون وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ [يس: ٩].
الطالب: بس لا ترى يا شيخ أن الجسم لا بد أن يكون محسوسًا؟ الشيخ: نعم نقول: هو محسوس، لكن ما يلزم من كونه محسوسًا أن نشاهده. طالب: إذن ما يكون جسمًا.
الشيخ: أعوذ بالله سبحان الله، يمكن يصير جسم لكن ما نراه، الله على كل شيء قدير. طالب: قوله يا شيخ: قَعِيدٌ [ق: ١٧] ما يدي معنى الجسم؟ قعيد يعني قاعد.
الشيخ: ما فيه شك، الأدلة واضحة، واضحة جدًّا ما فيها إشكال، ولا أيضًا يعني ربما يشكل علينا قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «يَجْرِي مِنِ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ» أكثر من أنهم عندنا ولا نشاهدهم، وكيف يدخل في الإنسان يجري منه مجرى الدم وهو ما يحس به، ولكن يجب علينا نصدق، نقول: هذه، الآن روحك تجري منك مجرى الدم كل عظم كل عصب وكل لحم، وتُنزع منك عند الموت ومع ذلك تشوفها ولّا لا؟ طالب: نعم نراها. الشيخ: ترى إذا مات الإنسان رآها، لكن قبل ما يراها ولا يحس بها إذا دخلت عند الاستيقاظ، ولا يحس بها إذا خرجت عند النوم. طالب: ما نعلل ذلك بأنه ضعف قوة البصر بالنسبة للمخلوق؟ الشيخ: لا لا، يمكن ضعف، المهم أنهم محجوبون عنا وهم أجسام، المهم أنهم محجوبون عنا، لو يجيء أقوى الناس بصرًا وبأكبر مكبر ومجهر ما رآهم أبدًا. طيب الملائكة إذن عرفنا أنهم مخلوقون من نور، وبهذا نعرف أن الشيطان ليس منهم؛ لأن الشيطان خُلق من نار لا من نور بنص القرآن والسنة وإجماع المسلمين، قال الله تعالى عن إبليس: إنه قال لربه: أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ [الأعراف: ١٢]، وقال الله عز وجل: وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ [الحجر: ٢٧]، وأخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن الملائكة خُلِقت من نور، وأن الجن خُلِقوا من نار، وأن آدم خُلِق مما وُصِفَ لنا من التراب. يبقى الإشكال في قوله تعالى: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ [البقرة: ٣٤]، وقد تقدم لنا في التفسير أن هذا الاستثناء منقطع، وأن إبليس كان منهم في المجتمع، مجتمِع بهم، فوُجِّه الخطاب إلى الملائكة وهم لا يحصيهم عددًا إلا الله، والشيطان واحد منهم، والواحد قد يوجَّه الخطاب للجماعة وهو منهم وإن لم يكن من جنسهم، العرب يقولون: جاء القوم إلا حمارًا، مع أن الحمار ما هو من جنس القوم، فالمهم أنه يوجه الكلام إلى الجماعة وإن كان فيهم واحد من عدد لا يحصيه إلا الله عز وجل. وقوله: وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ، الكتاب المراد به الجنس، فيشمل كل كتاب أنزله الله عز وجل، واعلم أنه ما من رسول إلا معه كتاب، الدليل لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ [الحديد: ٢٥]، أنزلنا معهم مع هؤلاء الرسل الذين أُرسلوا بالبينات، فما من رسول إلا معه كتاب، أما النبي فقد لا يكون معه كتاب، بل الظاهر أنه لا كتاب معه؛ لأنه يحكم بشريعة من قبله، إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا [المائدة: ٤٤]، بِهَا: بالتوراة، النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا، والكتب المعروفة لدينا هي خمسة. طالب: (...). الشيخ: أربعة؟ نعد: التوراة، والإنجيل، والزبور، والقرآن، صحف إبراهيم، وصحف موسى، صحف موسى اختلف العلماء هل هي التوراة ولّا غيرها، فمنهم من قال: إنها غيرها، ومنهم من قال: إنها هي، على كل حال الخمسة ما فيها إشكال، والسادس؟ طالب: الزبور. الشيخ: عددناه. الطالب: المزامير. الشيخ: المزامير عبارة عن فصول من الزبور. طيب، وأما ما لم نعلم به فنؤمن به أيش؟ الطلبة: إجمالًا. الشيخ: إجمالًا، فتقول بقلبك ولسانك: آمنت بكل كتاب أنزله الله على كل رسول، ثم إن المراد أن تؤمن بأن الله أنزل على موسى كتابًا يسمى التوراة، وعلى عيسى كتابًا يسمى الإنجيل، وعلى داود كتابًا يسمى الزبور، أما أن تؤمن بالموجود منها الآن فليس بواجب عليك، لماذا؟ لأنه محرَّف ومغيَّر ومبدَّل، لكن تؤمن بأن له أصلًا نزل على هؤلاء الأنبياء، وثانيًا.. طالب: نقول: لا يجب الإيمان بها ولّا ينبغي عدم الإيمان بها؟ الشيخ: نعم، نؤمن بالأصل. الطالب: لا، التي هي الآن. الشيخ: اللي الآن، نعم، اللي الآن ما يجب علينا أن نؤمن بها، ولكننا نؤمن بأن لها أصلًا، أما بكل ما فيها لا، فيها تحريف، ولهذا قلنا: إننا نؤمن بأن الله أنزل على موسى كتابًا يسمى التوراة، أما التوراة التي في أيدي اليهود الآن فإنها محرفة ومغيرة، وإلا أصلها لا شك أنه حق، طيب، هذا الإيمان بهذه الكتب هل يلزمنا العمل بما فيها؟ أو لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا [المائدة: ٤٨]؟ الطلبة: الثاني. الشيخ: الثاني، الثاني هو الذي يجب على المؤمن، فنحن نؤمن بأنها حق، وأن العمل بها واجب مفروض ما دامت رسالة النبي الذي أُرسل بها باقية، فإذا نُسخت بشريعة أخرى صار العمل للشريعة الثانية، ثم إذا نُسخت الثانية صارت العمل بالثالثة، وهكذا، ولهذا النصارى الآن بعضهم، بعض بسطائهم، يقولون: أيما أول؟ يعني نحن حصل لنا معهم محاضرة وأوردوا هذا السؤال، أيما أول الإنجيل أو القرآن؟ وأيش الجواب؟ الطلبة: الإنجيل. الشيخ: الإنجيل، لكن وأيش الغاية من هذا السؤال؟ يقولون: إذن العمل على الأول، هذا وارد، فالعمل على الأول، نقول بكل بساطة.. طالب: العمل بالتوراة. الشيخ: نعم مثل ما قلت، بكل بساطة إذا قررتم هذه القاعدة فلا عمل أيضًا بالإنجيل، العمل بالتوراة، وكذلك نرتقي إلى أن نصل إلى آدم، فالمهم على كل حال أن الأمر بالعكس في الحقيقة؛ أن المتأخر ناسخ للأول، ولا عكس، اختلف أهل العلم رحمهم الله فيما جاء في هذه الكتب من الشرائع الصحيحة إذا لم يرد شرعنا بخلافها، أما إذا ورد شرعنا بخلافها فبإجماع المسلمين أن العمل بما جاء به شرعنا، لكن إذا وُجد في التوراة أو الإنجيل شيء لم يرد شرعنا بخلافه فهل يجب علينا أن نعمل به وأنه شرع لنا أو لا يجب؟ فقال بعض أهل العلم: إنه لا يجب؛ لأن الله تعالى قال في القرآن: وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ [المائدة: ٤٨] وقال تعالى: وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ [النحل: ٨٩]، فلسنا بحاجة إلى شرعهم ولا يلزمنا أن نعمل به ما دام ليس في القرآن ما نعمل به وإن كان لا يخالف القرآن، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ فَهُوَ بَاطِلٌ وَإِنْ كَانَ مِئَةَ شَرْطٍ» ، وقال بعض أهل العلم: بل يجب علينا أن نعمل بما في التوراة والإنجيل وغيرها من الكتب السابقة إذا لم يرد شرعنا بخلافها، واستدلوا بقوله تعالى: أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ [الأنعام: ٩٠]، فقال: إن الله أمر النبي عليه الصلاة والسلام أن يقتدي بهداهم، وفعلًا الرسول أشار إلى هذا، إلى شيء من ذلك، فقال: «أَفْضَلُ الصِّيَامِ صِيَامُ دَاوُدَ كَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا، وَأَفْضَلُ الْقِيَامِ قِيَامُ دَاوُدَ كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ وَيَقُومُ ثُلُثَهُ وَيَنَامُ سُدُسَهُ» ، والنبي عليه الصلاة والسلام كان يفعل ذلك أكثر أحيانه، ينام في السحر ويقوم في ثلث الليل، فقالوا: الرسول عليه الصلاة والسلام أرشد إلى هذا، ثم إنه إذا لم يرد شرعنا بخلافه ما صار مخالفًا لشرعنا، وهو من عند الله، فيجب أن نعمل به، وهذا القول أصح من حيث النظر، لكنه يبقى الإشكال فيما يوجد الآن من الكتب السابقة، كيف الإشكال؟
طالب: محرفة. الشيخ: إي نعم، الشك في صحته، هذا هو الذي يوجب للإنسان أن يتوقف، ومن هنا نعرف خطأ من يأتي أحيانًا بشيء من التوراة أو من الإنجيل أو من الزبور يريد أن يرغّب به الناس في العمل، فإن هذا خطأ ولا سيما في هذا الوقت الذي التبس على بعض الناس الأمر، صار بعض الناس يجيب من نصوص الإنجيل، وإذا جاء بها حجة على النصارى لا بأس، لكن أحيانًا يجيء بها ليقرر ما في القرآن، كأن القرآن في حاجة إلى أن يشهد له ما في الكتب السابقة، وليس بحاجة، لا سيما عند عامة الناس، العلماء قد ينتفعون من هذا في الحقيقة ولا سيما في المناظرات، مناظرات النصارى، لكن العامة ما ينبغي أبدًا أن نجعل في قلوبهم إلا شيئًا واحدًا، وهو القرآن، والسنة طبعًا؛ لأنها من القرآن مبينة له ومفسرة، كوننا نُدخل على العامة أشياء من هذا يلبّس عليهم الأمر ويظنون أن هذا الأمر أو أن هذا الدين ما زال قائمًا، دين غير المسلمين، وهذا خطره عظيم، وقد لمسنا خطره الآن، فأصبح بعض الناس يقولون: إن الأديان ما هي إلا أفكار كفكر أرسطوطاليس وغيرهم من هؤلاء القوم الفلاسفة، أفكار وكلٌّ له فكره وكل له رأيه، ولا ينبغي أن ننكر على أحد، وهذا تراه شيئًا علمنا به من هؤلاء الجهال الذين ما عرفوا أن الدين الإسلامي دين من الله تعبَّدَنا اللهُ به وليس لنا فيه رأي، ولّا لأ؟ هل هو فكر؟ لا، شيء أنزله الله لعباده يتعبدون له به عقيدة وقولًا وعملًا، كل العباد وليس هناك مجال لاجتهاد يخالف هذا الدين. الْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ، (النبيين) عليهم الصلاة والسلام يدخل فيهم الرسل هنا ولّا لا؟ يدخل فيهم الرسل بلا شك إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ [النساء: ١٦٣] إلى آخره، فعند الإطلاق إذا أُطلق النبيون دخل فيهم الرسل، أما الرسل لا يدخل فيهم النبيون. قوله: النَّبِيِّينَيشمل الرسل، وقد ورد في حديث صححه ابن حبان «أَنَّ عِدَّةَ الرُّسُلِ ثَلَاثُ مِئَةٍ وَبِضْعَةَ عَشَرَ رَسَولًا، وَأَنَّ عِدَّةَ الْأَنْبِيَاءِ مِئَةٌ وَأَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفًا» ، فإن صح الحديث فهو خبر معصوم يجب علينا الإيمان به، وإن لم يصح فإن الله يقول: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ [غافر: ٧٨]، ونحن لا نكلَّف الإيمان إلا بما بلغنا، فالذين علمناه من الرسل يجب علينا أن نؤمن بهم بأعيانهم، والذين لم نعلمهم نؤمن بهم إجمالًا، كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ [البقرة: ٢٨٥]. طالب: الحديث ما يخالف الآية يا شيخ؟ الشيخ: لا، ما يخالف الآية.
الطالب: (...) مِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ؟ الشيخ: إي، ما قُصُّوا علينا لكن عُلم عددهم، علم العدد لا يدل على القصة، طيب الآن يمكن نشوف القرآن، كم في القرآن من رسول؟ طالب: خمسة عشر. طالب: ثمانية عشر. الشيخ: أو خمس وعشرون. طالب: خمس وعشرون. الشيخ: خمس وعشرين؟ إي. طالب: خمس وعشرون نبيًّا. الشيخ: خمس وعشرون رسولًا، أو لا؟ وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ، وَوَهَبْنَا لَهُ: لإبراهيم إسحاق ويعقوب، وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٥) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ [الأنعام: ٨٤ - ٨٦]، بس كام دوله؟ الطلبة: ثمانية عشر. الشيخ: ثمانية عشر، طيب من بقي؟ طالب: آدم. الشيخ: آدم نبي وليس برسول. طالب: شعيب وصالح. الشيخ: شعيب وصالح، هود ومحمد. طالب: وإدريس. الشيخ: إدريس موجود.
طالب: لا. الشيخ: إدريس ما هو موجود؟ طالب: ما هو موجود في الآية. الشيخ: ما هو موجود في الآية؟ طيب إدريس وذو الكفل. طالب: وإلياس. الشيخ: وإلياس موجود، موجود عددناه، هم خمس وعشرون، ومحمد عليه الصلاة والسلام. طالب: عددناه. الشيخ: محمد؟ لا ما عددناه.