تفسير سورة البقرة - ٢٦
درس صوتي · ٩٣:١٥
جارٍ تجهيز الصوت
انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها
إعدادات
اختصارات لوحة المفاتيح
محتوى الدرس
لأن الداعي يريد حصول شيء، وحصول الأشياء من باب التقدير، والتقدير ألصق بالربوبية منه بالألوهية، مفهوم الكلام؟ رَبَّنَاأنت قلت: رب أعطني، العطاء يتعلق بالربوبية ولّا بالألوهية؟ الطلبة: بالربوبية. الشيخ: بالربوبية؛ لأنه فعل، وكل ما يتعلق بأفعال الله فهو من الربوبية، فإذا كان فعلًا فإنه يناسب أن ينادى الله تعالى بالوصف الذي يكون هذا الفعل ألصق به من الوصف الآخر، رَبَّنَا؛ لأن الربوبية هي التي بها الفعل، يفعل بها الله تبارك وتعالى ما يشاء. وقوله: رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّاهل هما يقولان ذلك بألسنتهما؟ يعني: كل واحد يقول: ربنا تقبل منا، أو أن أحدهما يقول والثاني يؤمن؟ يحتمل المعنيين، لكن ظاهر اللفظ أنهما كلهما يقول، فإما أن يكون إبراهيم يقول: ربنا تقبل منا ويتبعه إسماعيل، وإما أن هذا مرة، وهذا يقول مرة، ولا يقال: إن أحدهما يقول والثاني يؤمن مثل قصة موسى وهارون، ما نقول هكذا؛ لأن موسى وهارون ذكر الله أن القائل موسى وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٨٨) قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا [يونس: ٨٨، ٨٩]، هل هارون كان داعيًا؟ لا، ولكن قال أهل العلم: إنه كان يؤمن وموسى يدعو، وموسى هو الذي يدعو صريحًا في الآية، أما هذه فظاهر الآية أن كلًّا منهما يقول: رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا. وقوله: تَقَبَّلْ مِنَّاما معنى القبول؟ القبول أخذ الشيء والرضا به، ومنه ما يذكره الفقهاء في قولهم: ينعقد البيع بالإيجاب والقبول، تقبل الله تعالى للعمل أن يتلقاه بالرضا فيرضى عن فاعله، وإذا رضي الله تعالى عن فاعله فلا بد أن يثيبه الثواب الذي وعده إياه. وقوله: رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّاهذا هو المدار في الحقيقة، المدار على القبول وليس على العمل، وكم من إنسان عمل أعمالًا كثيرة ولم تقبل منه، فلم تنفعه، وكم من إنسان عمل أعمالًا قليلة قبلت منه، فنفعه الله بها، فالمدار على القبول. وقوله: تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُهذه جملة تعليل، وأيش نوع تعليله؟ لطلب القبول، ما هو للقبول، لطلب القبول، يعني: نسألك أن تقبل وأنت يا ربنا سميع عليم، وقوله: إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُهذه الجملة قلت لكم: إنها تعليل لما سبق، وهي مؤكدة بمؤكدين، أحدهما؟ الجملة مؤكدة بمؤكدين أحدهما؟ إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُهذه الجملة فقط مؤكدة بمؤكدين فما هما؟ طالب: الأول إنك، النون. الشيخ: إنَّ. الطالب: والثاني: أنت. الشيخ: أنت؛ لأن (أنت) ضمير فصل، قد سبق لنا في البلاغة وفي كلامنا دائمًا نقول: ضمير الفصل يفيد التوكيد، إِنَّكَ أَنْتَعلى هذا نقول: أَنْتَضمير فصل لا محل له من الإعراب. والسَّمِيعُخبر (إن)، والسميع من أسماء الله عز وجل وله معنيان: أحدهما: بمعنى المستجيب، والثاني: بمعنى السامع للأصوات، فهو بمعنى إدراك المسموع، وإجابة الدعاء، أما الأول الذي هو إدراك المسموع فأمثلته كثيرة، مثل قوله تعالى: أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ [الزخرف: ٨٠]، ومثل قوله تعالى: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا [المجادلة: ١]، ومثل قوله تعالى: لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ [آل عمران: ١٨١]، وأما الثاني الذي هو بمعنى الاستجابة، فمثل قوله تعالى: إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ [إبراهيم: ٣٩]، معنى سميع أي: مستجيب، وكذلك مثله قول المصلي: سمع الله لمن حمده، يعني: استجاب لمن حمده، هنا نسأل هل السمع بمعنييه من صفات الله الذاتية؟ أو من صفاته الفعلية؟ طالب: الذاتية والفعلية. الشيخ: كيف؟ كلهن الذاتية والفعلية؟ طالب: السمع اللي هو سمع الأصوات من الذاتية، والاستجابة من الفعلية. الشيخ: ما تقولون؟ صحيح؛ لأن الاستجابة تتعلق بمشيئته إن شاء استجاب، وإن شاء لم يستجب، وأما إدراك المسموعات فإنه ملازم لصفاته، لم يزل ولا يزال سميعًا؛ إذ إن خلاف السمع الصمم، والصمم عيب، والله تعالى منزه عن كل عيب. ما الذي يناسب الدعاء عندما تقول: رب أجب دعائي إنك أنت السميع العليم، أي المعنيين؟ طالب: الاستجابة. الشيخ: كلها؛ لأنه إذا لم يسمع مثلًا، لو قلت: إنه ما يسمع صوتك بالدعاء ما استجاب، ولو سمع الصوت ولكن أخر الإجابة ما حصل مطلوبك، فهو يشمل الأمرين، فأنت إذا قلت: إنك أنت السميع، يعني: يا رب إنك تسمعني وتجيبني.
وقوله: العَلِيمما هو العليم؟ العليم معناه ذو العلم، وعلم الله تبارك وتعالى شامل لكل موجود، ولكل معدوم، ولكل ممكن، ولكل مستحيل، ولكل واجب، يعني: يتعلق بكل شيء، علم الله يتعلق بكل شيء، يعلم ما كان، وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون، سبحانه وتعالى، الدليل على تعلقه بالمستحيلات؟
طالب: قوله تعالى: إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ [الأحقاف: ٣٣]. الشيخ: لا.
طالب: تعلق علمه؟ الشيخ: إي علمه. طالب: بالمستحيلات؟ الشيخ: نعم. طالب: إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [الشورى: ١٢]. الشيخ: لا، هذا للعموم، تأتي بصريح نص في أمور مستحيلة؟
طالب: وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا [الطلاق: ١٢]. طالب آخر: لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ [الزمر: ٤]. الشيخ: نعم، وهذا؟ الطالب: مستحيل.
الشيخ: لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا [الأنبياء: ٢٢]، فهو يعلم أن السماوات والأرض تفسد لو كان فيهما آلهة إلا الله، وهذا شيء مستحيل. تعلقه بالواجب، مثال؟
طالب: قوله تعالى: يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا [سبأ: ٢]. الشيخ: هذا واجب؟ أصل وجود الأرض من الأمور الجائزة، لو شاء الله ما وجدت الأرض. طالب: إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ [فاطر: ٣٨]. الشيخ: ما نبغي العموم، نبغي شيئًا خاصًّا، مرت علينا هذه في التوحيد. الواجب؟ طالب: يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى [طه: ٧]. الشيخ: لا. طالب: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِواجب مطلوب. الشيخ: وأيش لون؟ الساعة واجبة أن تكون؟ لكن هل وجوبها عقلي ولا سمعي؟ الطالب: كلا الأمرين؛ لأنها على الإطلاق. الشيخ: يمكن نقول هكذا، شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ [آل عمران: ١٨] تفرده بالألوهية أمر واجب، وقد شهد به، شهد به لنفسه، والشهادة تتضمن العلم بلا ريب، أما عن التعلق بالممكنات فهو كثير، كل ما تحدث الله أنه يعلمه من أمور الخلق، فهو مما يتعلق بالأمور الممكنات. واعلم أنه من أنكر علم الله فهو كافر، كل من أنكر علم الله فإنه كافر، سواء أنكره فيما يتعلق بفعله أو فيما يتعلق بخلقه، فلو قال: إن الله تعالى لا يعلم ما يفعله العبد، فهو كافر، كما لو قال: إن الله لا يعلم ما يفعله بنفسه؛ ولهذا كفَّر أهل السنة الجماعة كفَّروا غلاة القدرية الذين قالوا: إن الله تعالى لا يعلم أفعال العباد، وقد سبق لنا ذلك أيضًا في التوحيد، وقلنا: إن غلاة القدرية ينكرون علم الله بأفعال العباد، ويقولون: إن الله ما يعلم وأيش بيد الإنسان، فالذي ينكر علم الله بأفعال العباد لا شك أنه كافر؛ لأن الله يقول: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ [ق: ١٦]، ويقول سبحانه وتعالى: أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ [التوبة: ٧٨]. فالذي يقول: إن الله ما يعلم أفعال العبد يكون مؤمنًا بهذه الآيات ولّا كافرًا؟ يكون كافرًا بها؛ ولهذا قال العلماء -قال الشافعي وغيره- في القدرية ما هم اللي ينكرون العلم، القدرية الذين ينكرون أن الله خلق أفعال العباد وقدرها، قال: ناظروهم بالعلم؛ فإن أقروا به خُصِموا، وإن أنكروه كفروا. فتبين الآن أن علم الله سبحانه وتعالى محيط بكل شيء، في الواجبات وأيش بعد؟ طالب: والمستحيلات.
الشيخ: والمستحيلات، والممكنات، فيما يفعله بنفسه، وفيما يفعله العباد، إيمانك بهذا يوجب لك مراقبته، والخوف منه، وامتثال أمره، واجتناب نهيه؛ لأنك متى علمت أنه عالم بك، فإنك تخشاه، تستحي منه عند المخالفة، وترغب فيما عنده عند الموافقة. ثم قال سبحانه وتعالى حاكيًا ما قاله إبراهيم وإسماعيل: رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ، مُسْلِمَيْنِلأيش قال مسلمين؟ لأنهما اثنان، رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ، قوله: وَاجْعَلْنَاأتى بالواو؛ لأنه عطف على قوله: رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّايعني: ربنا واجعلنا، مع قبولك اجعلنا مسلمين لك. وقوله: اجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَأي: صيرنا مسلمين، وفي هذا إشكال، وهو أن إبراهيم وإسماعيل لا شك أنهما كانا مسلمين، ومن إسلامهما رفع قواعد البيت، فكيف يسألان الله أن يجعلهما مسلمين وهما قد أسلما؟ الجواب: المراد الثبات، أو تحقيق ذلك؛ لأن الإنسان بقطع النظر عن إبراهيم وإسماعيل قد لا يتحقق الإسلام في نفسه؛ لأن المسلم من أسلم قلبه لله وجوارحه، إسلام الجوارح هيّن كل يقدره حتى المنافقين، لكن الصعب هو إسلام القلب، وقد أقسم الرسول عليه الصلاة والسلام أنه لا يسلم أحدٌ حتى يسلمَ قلبُه ، إذن المراد بالإسلام هنا: الزيادة فيه والثبات عليه مُسْلِمَيْنِ لَكَ. واعلم أن الإسلام بالمعنى الأخص لا يراد به إلا ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، وبالمعنى الأعم يشمل كل ما جاءت به الرسل، كل ما جاءت به الرسل فهو إسلام، لكن بالمعنى الأخص الذي كان بعد بعثة الرسول عليه الصلاة والسلام لا يُعنى به إلا ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، وإلا كما رأيتم الآن إبراهيم وإسماعيل يقول: اجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ، وكانت تقول ملكة سبأ: رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [النمل: ٤٤]، وقال يعقوب لبنيه: يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [البقرة: ١٣٢]، وقال الحواريون: وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ [آل عمران: ٥٢] إلى غير ذلك، فالإسلام بالمعنى العام يشمل كل ما جاءت به الرسل؛ ولهذا لو سألنا سائل: هل اليهود والنصارى مسلمون؟ نقول: بالمعنى العام فيهم مسلمون، لكن بالمعنى الأخص وهو الإسلام الذي جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام لا، ليسوا مسلمين ما داموا على اليهودية والنصرانية، فإذا دخلوا في الإسلام صاروا مسلمين. طالب: يعني: يقال لهم: مسلمين (...) في الوقت الحاضر؟ الشيخ: لا لا، الآن ما يقال: مسلمين، مسلمين بالمعنى العام، ما هم بدول الموجودين، كل من كان بعد بعثة الرسول، فالمسلم من اتبع ما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام. وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَشوف الاحتراز، يعني: واجعل من ذريتنا، اجعل منها، ما قال: واجعل ذريتنا أمة مسلمة، قال: مِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ، وقوله: ذُرِّيَّتِنَاالمراد بهم؟ من تفرعوا منهم، الذرية للإنسان من تفرعوا منه. وقوله: أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَمَن هذه الأمة؟ هي أمة محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأنه ما يصدق على أحد أنه من ذرية إبراهيم وإسماعيل إلا أمة محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأن اليهود النصارى مسلمون في حال قيام شرائعهم، لكنهم ما هم من ذرية إبراهيم وإسماعيل، من ذرية من؟ إبراهيم فقط، أما إسماعيل فليسوا من ذريته، فعلى هذا يكون المراد بالأمة المسلمة أمة محمد صلى الله عليه وسلم (...). رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ. يستفاد من هذه الآية: فضل عمارة الكعبة؛ لأن الله تعالى أمر نبيه أن يذكر هذه الحال: واذكر إذ يرفع. ومنها: فضل إبراهيم وإسماعيل؛ حيث قاما برفع هذه القواعد. ومنها: أنه ينبغي بالباني أن يُقَعِّد للبناء فيضع القواعد؛ لقوله: وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ، إذا بنى على غير قاعدة فإنه ينهار. ومنها: أن الأصل في هذا البناء إبراهيم؛ لأنه ذكر: يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ، ثم عطف بقوله: وَإِسْمَاعِيلُ، فدل هذا على أن الأصل هو إبراهيم عليه الصلاة والسلام. ومنها: أهمية القبول، وأن المعول عليه ليس على العمل، فكم من عامل ليس له من عمله إلا التعب؛ يؤخذ من قوله -بعد عملهم هذا قال-: رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا. ومنها: إثبات اسمين من أسماء الله وهما: السميع والعليم، وقد ذكرنا أن كل اسم من أسماء الله يدل على صفة من صفاته، بل على صفتين أحيانًا أو أكثر، حسب التلازم بين هذا المعنى وهذا المعنى، وأن كل اسم من أسماء الله أيضًا يدل على الأثر إذا كان ذلك الاسم متعديًا. ومنها: التوسل إلى الله سبحانه وتعالى بأسمائه وصفاته، من أين تؤخذ؟ إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ؛ فإن هذا تعليل لقوله: تَقَبَّلْ مِنَّا، يعني: لأنك سميع عليم نسألك أن تتقبل منا. ثم قال تعالى: رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ. يستفاد من هذا: شدة افتقار الإنسان إلى ربه؛ حيث كرر كلمة: رَبَّنَا، وأنه بحاجة إلى ربوبية الله سبحانه وتعالى الخاصة التي تقتضي عناية خاصة. ومنها أيضًا: أن الإنسان مفتقر إلى تثبيت الله، وإلا هلك؛ لقوله: وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ، فإنهما مسلمان بلا شك، هما نبيان، لكن هل يدوم هذا الإسلام إلا بتوفيق الله؟ لا، قال الله تعالى للرسول عليه الصلاة والسلام: وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (٧٤) إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ [الإسراء: ٧٤، ٧٥]. ومنها أيضًا: أهمية الإخلاص؛ لقوله: مُسْلِمَيْنِ لَكَ، فإن هذا يدل على الإخلاص، إخلاص الإسلام لله عز وجل، كما قال تعالى في آية أخرى: بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ [البقرة: ١١٢]. ومنها: أنه ينبغي للإنسان أن يشمل ذريته في الدعاء؛ لأن الذرية الصالحة من آثار الإنسان الصالح؛ لقوله: وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ، وقال إبراهيم في آية أخرى: وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ [إبراهيم: ٣٥]، الذرية صلاحها له شأن كبير بالنسبة للإنسان. ومنها: أن الأصل في الإنسان الجهل؛ لقوله: وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا، يعني: أعلِمنا بها. ومنها: أن العبادة توقيفية، يعني: الإنسان ما يتعبد بحسب مزاجه، بل حتى يريه الله العبادة، تؤخذ؟ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا، العبادة إذن توقيفية. ومنها: تحريم التعبد لله بما لم يشرعه؛ لأنهما دعوا الله أن يريهما مناسكهما، ولولا أن العبادة تتوقف على ذلك لتعبدا بدون هذا السؤال.
ومنها: افتقار كل إنسان إلى توبة الله؛ لقوله: وَتُبْ عَلَيْنَا؛ إذ لا يخلو الإنسان من تقصير. ومنها: إثبات التواب والرحيم اسمين من أسماء الله سبحانه وتعالى، وقد تقدم تفسيرهما. ومنها: مشروعية التوسل إلى الله بأسمائه وصفاته؛ لأن قوله: إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ؟ تعليل للطلب السابق، فهو وسيلة يتوصل بها الداعي إلى حصول مطلوبه. ومنها: أنه ينبغي أن يكون التوسل باسم موافق للمسؤول أو للحاجة، أن يكون التوسل باسم موافق للحاجة، من أين نأخذها؟ طالب: وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ. الشيخ: إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ. طالب: إذا كان السؤال من سائل الآن أن يرزقه الله من رزق معين، ولكن أرفقه باسم من أسماء الله لا يناسبه؟ الشيخ: لا، فهمنا الآن أنه ينبغي أن يكون التوسل باسم موافق للحاجة؛ لقوله تعالى: وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا [الأعراف: ١٨٠]. إذن منها: أنه لا ينبغي أن يختم الدعاء باسم غير مناسب للحاجة، لو قال: اللهم اغفر لي إنك شديد العقاب، يناسب؟ ما يناسب، هذا لا يناسب، تسأل المغفرة وتتوسل إلى الله بشدة عقابه! ولهذا يقال: إن أعرابيًّا سمع قارئًا يقرأ: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ [المائدة: ٣٨] والله غفور رحيم، قال: والله غفور رحيم (...) يقطع ويغفر؟ هذا ما يمكن، فقال له: أعد الآية؟ أعاد الآية على هذا الوجه: فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِوالله غفور رحيم (...)، فأعادها الثالثة على الوجه الصواب، فقال: نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌفقال: الآن؛ فإن الله تعالى عزّ وحكم فقطع، ولو غفر ورحم ما قطع؛ ولهذا قال الله تعالى في الذين يحاربون الله ورسوله إنما جزاؤهم أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [المائدة: ٣٣، ٣٤]. ويش معنى هذا؟ وأيش معنى ختمه بأن الله غفور رحيم فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ؟
الطلبة: (...). الشيخ: معنى ختمه يا إخوان؟ معناه أن ترفع عنهم العقوبة، إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْما قال: فاتركوهم، قال: فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، أي: رفع العقوبة عنهم، مفهوم؟ طالب: الفرق بين قولك: ينبغي التوسل أن يكون باسم يوافق الحاجة، وقولك: لا ينبغي أن يختم الدعاء بما لا يوافق الحاجة (...)؟ الشيخ: لا، ينبغي، هذا مطلوب، يعني هذا غير محمود. الطالب: كلها: لا ينبغي. الشيخ: واحدة: ينبغي، وواحدة: لا ينبغي، الذي ينبغي أن يكون باسم موافق للحاجة، والذي لا ينبغي؟ الطالب: اسم لا يوافق. الشيخ: يعني: معناه لو قال قائل: هل إذا ختمت باسم لا يوافق الحاجة هل فيه ذنب؟ من أين نحكم أن فيه ذنبًا إلا من الفائدة الثانية عشر؟
تفسير الآيات (١٢٩-١٣٢)
٠٠:٣٢:٢٦
قال الله تعالى: رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْينمي أخلاقهم، والتزكية: التنمية والتطهير، ينمي أخلاقهم ويطهرها من كل رذيلة، وهكذا كانت شريعة الرسول عليه الصلاة والسلام تنمية الأخلاق الفاضلة، وتطهير من كل رذيلة، فهو يأمر بالبر، ويأمر بالمعروف، ويأمر بالإحسان، ويأمر بالصلة، ويأمر بالصدق، ويأمر بكل خير، كل ما فيه خير للإنسان في دينه ودنياه، فإن الإسلام يأمر به، وهذه تزكية، وينهى عن ضد ذلك: ينهى عن الإثم، وعن القطيعة، وعن العدوان، وعن العقوق، وعن الكذب، وعن الغش، وغير ذلك من مساوئ الأخلاق، هذه تزكية. تدرون الناس قبل الإسلام كيف حالهم؟ حالهم بالنسبة للعبادة لا تسأل: شرك، كفر، بالنسبة للأحوال الاجتماعية لا تسأل أيضًا عن حالهم: القوي يأكل الضعيف، والغني يأكل الفقير، يأكلون الربا أضعافًا مضاعفة، يغير بعضهم على بعض، يتعايرون بالأنساب، يدعون بدعوى الجاهلية إلى آخره، جاء الإسلام هدم كل هذا، ومن تدبر التاريخ قبل بعث الرسول عليه الصلاة والسلام وبعده، قبل بعثه وبعده، علم الفرق العظيم بين حال الناس قبل البعثة وحالهم بعدها، وظهر له معنى قوله تعالى: وَيُزَكِّيهِمْ. إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُنقول فيها هنا ما قلنا في إعراب: إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُونجعل أَنْتَضمير فصل، ومحله؟ طالب: لا محل له من الإعراب. الشيخ: لا محل له من الإعراب، ضمير فصل لا محل له من الإعراب، والْعَزِيزُخبر (إن)، والْحَكِيمُخبر ثانٍ. طالب: (...)؟ الشيخ: إِنَّكَالكاف اسم (إن)، والْعَزِيزُخبرها، والْحَكِيمُخبر آخر، وقد سبق الْعَزِيزُ الْحَكِيمُأظن؟ الْعَزِيزُمعناه ذو العزة، والعزة بمعنى القوة والغلبة، فهو سبحانه وتعالى ذو قوة وذو غلبة، لا يغلبه شيء ولا يعجزه شيء، والْحَكِيمُتقدم أنها مشتقة من؟ طالب: الحكمة. الشيخ: من الحُكْم والحِكْمة، منهما جميعًا، وقلنا: إن الحكم نوعان: كوني، وشرعي، وإن الحكمة أيضًا نوعان: حالية، وغائية، الحكم نوعان: شرعي وكوني، مثال الشرعي؟ طالب: الشرعي؟ الشيخ: نعم.
طالب: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [الإسراء: ٢٣]. الشيخ: لا، ما فيها حكم، قضى، من يعرف؟ طالب: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا [المائدة: ٣٨]. الشيخ: مادة حكم الدالة على الحكيم، والأحكام الشرعية نقول: الواجب والمستحب والمكروه والمحرم والمباح. طالب: قوله تعالى في آية الممتحنة: ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ [الممتحنة: ١٠]. الشيخ: صح، ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ، وكذلك قوله: أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة: ٥٠] هذا الشرعي اللي ذكرنا، الحكم الكوني مثاله؟ طالب: وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا [الإسراء: ١٦]. الشيخ: لا، هذا الأمر الكوني، نريد الحكم الكوني؟ قوله: فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي [يوسف: ٨٠] وأيش بعد؟ أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِيحكمًا هذا كونيًّا؛ لأن الحكم الشرعي ما منع من الأرض أن يرجع، فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي، فهمتم؟ الفرق بين الحكم الكوني والشرعي، الحكم الكوني لا بد من أيش؟ من وقوعه، والحكم الشرعي قد ينفذ وقد لا ينفذ، قد يمتثل الإنسان ويقوم بالحكم وقد لا يمتثل، أيضًا الحكم الشرعي يكون إثباته من قبل الشرع، يكون إقراره بما يحبه الله، والكوني بما يحبه وما لا يحبه، هذا بالنسبة للحكيم باعتباره مشتقًّا من؟ طالب: الحكم. الشيخ: وباعتباره مشتقًّا من الحكمة؟ قلنا: إن الحكمة حالية وغائية، فالحالية وجود الشيء على صورة معينة، هذه حكمة، كون الإنسان معتدل القامة، ورأسه على هذه الصفة ويداه، وكذلك رجلاه، وما فيه من خلق الله، هذه حكمة حالية، وكون -مثلًا- الصلاة بهذه الصفة، قيام، ركوع، سجود، وما أشبه، وقعود، والزكاة علي هذه المقادير، وعلى هذه الأوقات، هذا أيضًا حكمة أيش؟ حالية، وكون هذه الأمور لغاية حميدة وجدت لغاية حميدة، هذه حكمة غائية، فإن الله تعالى ما أوجد الأشياء كونًا أو شرعًا إلا لغاية حميدة، إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [البقرة: ١٢٩].
مناسبة العزة والحكمة هنا لبعث الرسول ظاهرة جدًّا؛ لأن ما يجيء به الرسول كله حكمة، وفيه العزة وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ [المنافقون: ٨]، شوف وَلِلْمُؤْمِنِينَولّا وللعرب؟ وللمؤمنين، عربًا كانوا أو عجمًا، من كان مؤمنًا بالله عز وجل قائمًا بأمر الله، فإن له العزة، ومن لم يكن كذلك، فإن الله لم يكفل له العزة، العزة لله ولرسوله وللمؤمنين؛ ولهذا يجب علينا أن تكون الرابطة بيننا هي رابطة الإيمان فقط؛ لأنه ما يمكن أن تكون هناك عزة واجتماع على الخير إلا بهذه الرابطة وحدها. طالب: شيخ، ما فيه حكمة (...)؟ الشيخ: قلنا: فيه حكمة (...)، ولكنها مقترنة بالحكمة الغائية؛ لأنه من أجل كذا شرع كذا أو وقع كذا. قال: وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ(من) اسم استفهام. طالب: لا (...).
الشيخ: وَمَنْ يَرْغَبُمَنْ يَرْغَبُ. طالب: خبرية. الشيخ: خبرية! مَنْ يَرْغَبُ(من) عندنا أولى وثانية مَنْ يَرْغَبُ(من) اسم استفهام. طالب: لا (...). الشيخ: اسم استفهام يراد به النفي؛ لقوله: إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ، فـ(من) هنا اسم استفهام، وهو مبتدأ، وجملة: يَرْغَبُخبره، جملة: يَرْغَبُيعني: فعل مضارع خبره، ولا نقول هنا: (من) شرطية، نعم لو كانت الآية: ومن يرغب عن ملة إبراهيم فقد سفه نفسه، صارت شرطية، لكن هذه أبلغ، مَنْ يَرْغَبُيعني: لا أحد يرغب عن ملة إبراهيم.
وقوله: يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِيقال: رغب في كذا، ورغب عن، والفرق؟ طالب: عدل عنه. الشيخ: رغب فيه، أي: طلبه، ورغب عنه؟ طالب: أي: تركه. الشيخ: تركه واجتنبه، هنا مَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَيعني: يتركها ولّا يطلبها؟ الطلبة: يتركها. الشيخ: يتركها. وقوله: مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَالملة بمعنى الدين، أي: دين إبراهيم، ودين إبراهيم عليه الصلاة والسلام هو أنه كان حنيفًا مسلمًا لله، ولم يكن من المشركين، وإبراهيم هو الخليل عليه الصلاة والسلام، الذي هو أبو الأنبياء وأشرفهم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجعله الله إمامًا إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا [النحل: ١٢٠]، وجعل ملته هي الملة الحنيفية القويمة، إذا كان كذلك، هل أحد يرغب عن الملة الحنيفية القويمة؟ نعم، يرغب عنها من سفه نفسه؛ ولهذا قال: إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُإِلَّا مَنْ سَفِهَ، سَفِهَ نَفْسَهُقيل معناها: جهل نفسه، أي: جهل ما يجب لها وضيعها، وقيل: سفهها: أوقعها في السفه، سَفِهَ نَفْسَهُ: أوقعها في السفه، والسفه ضده الرشد، والمعنى الأول السفه ضده؟ الطلبة: العلم. الشيخ: ضده العلم. ولنا أن نقول: حكمة التعبير بما يحتمل وجهين فيها نكتة عظيمة، وهي: أن تكون سَفِهَصالحة للأمرين: جهل، وكذلك سَفِهَأوقعها في السفه، فهو في الحقيقة جاهل إن لم يتعمد المخالفة، وسفيه إن تعمد المخالفة، فالإنسان اللي يرغب عن ملة إبراهيم أوقع نفسه في السفه، ولم يتصرف تصرفًا رشيدًا، ثم إن كان عن علم فهو سفيه. وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَاالجملة هنا مؤكدة بمؤكدات ثلاثة، وهي: القسم المقدر، واللام، وقد؛ لأن اللام هنا موطئة للقسم، والتقدير: والله لقد، واصْطَفَيْنَاهُافتعال من الصفوة، يعني: مشتقة من هذا، أصل المادة هذه من (صفا يصفو)، فمعنى اصطفيناه، أي: اخترناه حتى كان صفوة من الخلق، اصطفاه الله تعالى في الدنيا على كل الأنبياء ما عدا محمدًا صلى الله عليه وسلم، وقوله: اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَاأي: جعلناه صفيًّا من الخلق، واتخذه الله تعالى خليلًا.
وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ(إنه) هذه (إن) واسمها، وفِي الْآخِرَةِ؟ طالب: خبر. الشيخ: لا، مِنَ الصَّالِحِينَخبر، لكن فِي الْآخِرَةِفي موضع نصب على الحال: وإنه في حال كونه في الآخرة من الصالحين، في الدنيا اصطفاه الله واختاره، وفي الآخرة يكون من الصالحين الذين أدوا ما أوجب الله عليهم لنفسه ولخلقه، وهذه الجملة مؤكدة بمؤكدين: (إن) واللام فقط، وهنا ذكر الله تعالى الاصطفاء في الدنيا والصلاح في الآخرة، هل هناك نكتة لتغاير الحالين أو لا؟ يبدو لي -والله أعلم- أن هناك نكتة، وهو يقين فيه هناك نكتة، لكن بس ما نعرفها هل نعرفها أو لا؟ ولَّا لا شك أن التعبيرين مختلفان لكن لماذا؟ نلتمس، الدنيا دار شهوات وابتلاء، فلا يصبر عن هذه الشهوات ولا على هذا الابتلاء إلا واحد دون الآخر، أليس كذلك؟ الطلبة: بلى. الشيخ: فإذا أخلص الإنسان نفسه لله صار صفوة من عباد الله، أليس كذلك؟ الطلبة: بلى. الشيخ: الآخرة ليست هكذا، الآخرة حتى الكفار يؤمنون، ولكن الفرق بين من يكون من الصالح ومن غير الصالح؛ لأنهم هم إذا عرضوا على النار أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا [الأنعام: ٣٠]، أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى [غافر: ٥٠]، قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ [يس: ٥٢]، وهكذا تدل على أنهم يؤمنون لكنهم ليسوا من الصالحين. إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْهذه أيضًا تابعة للثناء على إبراهيم، شوف لما عظَّم بيت الله كيف أن الله سبحانه وتعالى شكور حليم، أثنى عليه هذا الثناء العظيم، وجعله إمامًا، وبيّن اصطفاءه في الدنيا، وأنه في الآخرة من الصالحين، أيضًا هذه الحال من الثناء عليه، إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْهذه يحتمل أن تكون متعلقة بقوله: لَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ: ولقد اصطفيناه إذ قال له ربه، ويحتمل أن تكون متعلقة بمحذوف تقديره: اذكر إذ قال له ربه، فيكون أمرًا للرسول صلى الله عليه وسلم أن ينوه بهذه الحال التي كان إبراهيم صلى الله عليه وسلم عليها.
إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْقال: سمعًا وطاعة؟ الطلبة: نعم. الشيخ: نعم، ما تأنى، ولا تأبى قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَإسلام يتضمن التوحيد، توحيد العبادة، لِرَبِّ الْعَالَمِينَيتضمن توحيد الربوبية والأسماء والصفات، أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ، فأسلم إسلامًا كاملًا بدون تردد، وما أكثر الذين قال لهم ربهم: أسلموا، ولكن لم يسلموا، تسع مئة وتسع وتسعون من بني آدم قيل لهم: أسلموا ولم يسلموا؛ لأنهم كلهم من أهل النار، تسع مئة وتسع وتسعون بالألف من بني آدم كلهم في النار، وواحد منهم في الجنة، لكن هذا قال له ربه: أسلم، قال: أسلمت لرب العالمين، وهذه صفة حميدة جدًّا استحق أن ينوه بها عنه. وهي عامة لأصل الإسلام ولفرائع الإسلام، حتى الفروع أسلم فيها، رأى في المنام أنه يذبح ابنه فنفذ؟ الطلبة: نعم.
الشيخ: نفذ، قال الله له: وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا [الصافات: ١٠٤، ١٠٥]، فنفذ مع أنه ابنه وحيده، ما له غيره، أتاه على كبر، وبلغ معه السعي، يعني: بلغ أن يمشي معه، وهذا وقت تعلق الإنسان بابنه؛ لأن الطفل الصغير قد لا تتعلق به النفوس، والكبير قد انعزل وزالت الرغبة فيه، لكن اللي في هذا المستوى هذا هو غاية ما يكون من تعلق القلب به، فرأى في منامه أنه يذبحه فنفذ، إلا أنه أراد أن يختبر ابنه؛ حيث قال: إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ [الصافات: ١٠٢]، وذكر الله القصة. طالب: قوله: اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَاما ذكر الرسول ولا الأنبياء قبله؟ الشيخ: إي؛ لأن السياق في إبراهيم، ذكر وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ [ص: ٤٧]، يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ [آل عمران: ٤٢]، لكن هنا السياق في الثناء على إبراهيم.
طالب: قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ(...)؟ الشيخ: لأن الرب لا بد أن يكون كاملًا، الرب اللي ربوبيته عامة للعالمين كلها لا بد أن يكون كاملًا، وإلا ما صح أن يكون ربًّا للعالمين. طالب: شيخ، وأيش وجه يعني الله سبحانه وتعالى أوحى إلى الرسول أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ [النحل: ١٢٣]، وفي الحديث: «إِنَّ خَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم» ؟
الشيخ: نعم، أحسنت، هذا هدي النبي عليه الصلاة والسلام متضمن لهدي إبراهيم وزيادة؛ لأن هدي إبراهيم هو الإخلاص والتوحيد عمومًا، لكن فرائع الإسلام تختلف؛ لأن الله يقول: لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا [المائدة: ٤٨]، في الأصل التوحيد والإخلاص ملة إبراهيم هي الملة المقتدى بها، لكن فروع الإسلام كملت بالشريعة التي كان عليها الرسول عليه الصلاة والسلام؛ فلهذا كان خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم.
وَوَصَّى بِهَاوفي قراءة: {وَأَوْصَى بِهَا}. طالب: شيخ، ما نوع قوله: إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُهل هو وحي أم إلهام؟ الشيخ: الأصل إذا قال: إِذْ قَالَالقول: الوحي، كلمه. وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُفيها قراءة: {أَوْصَى بِهَا}، أما (إبراهيم) في الموضع الأول والثاني ففيها القراءة التي ذكرناها لكم من قبل وهي: { إِبْرَاهَام}، {وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهَامَ} وتقول: إِبْرَاهِيمُ.. طالب: في كل القرآن؟ الشيخ: لا، ما في كل القرآن، ولكن في السورة هذه في أكثر القرآن، في بعض المواضع القليلة ما فيها (إبراهام). طالب: شيخ، زاد حرف؟ الشيخ: وهو؟ طالب: الألف. الشيخ: ونقص حرف، زاد حرفًا ونقص حرف، فين النقص؟ طالب: تضعيف. الشيخ: تضعيف، إي نعم، وَوَصَّى بِهَا{وَأَوْصَى بِهَا إِبْرَاهِيمُ}، وهذه في الحقيقة ما تنطبق على الشروط الثلاثة في القراءة، وأيش الشروط الثلاثة في القراءة؟ أمليناها عليكم في بيتين؟ شروط القراءات؟
طالب: قوله:
فَكُلُّ مَا وَافَقَ وَجْهَ نَحْوِ
وَكَانَ ِللرَّسْمِ احْتِمَالاً يَحْوِي
وَصَحَّ نَقْلًا فَهُوَ الْقُرآنُ
فَهَذِهِ الثَّـلَاثَةُ الْأَرْكَــــــــــــــــــــانُ
الشيخ: هذه الآن
فَكُلُّ مَا وَافَقَ وَجْهَ نَحْوِ
وَكَانَ ِللرَّسْمِ احْتِمَالاً يَحْوِي
وَصَحَّ نَقْلًا فَهُوَ الْقُرآنُ
فَهَذِهِ الثَّـلَاثَةُ الْأَرْكَــــــــــــــــــــانُ
الآن وَصَّى بِهَاو{أَوْصَى بِهَا}، يحوي (...)؟ طالب: ما يحوي. الشيخ: ما يحوي؟ إذن الأركان اللي ذكر بناء على الأغلب، وقد مر علينا سقوط حرف عطف حرف له معنى ما هو مثل هذا، هذا حرف ما له معنى، الهمزة والتضعيف ما لهم معنى، لكن مر علينا فيما سبق سقوط حرف معنوي، وأيش هي؟ طالب: {قَالُوا} وَقَالُوا. الشيخ: {قَالُوا} وَقَالُوا، وين هي؟
الطالب: وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا [البقرة: ١١٦]. الشيخ: صح، وقراءة؟ الطالب: {قَالُوا}. الشيخ: وقراءة {قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ}، {إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ}، وَاسِعٌ عَلِيمٌ (١١٥) وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ. وَوَصَّى بِهَا(بها) الضمير يعود على هذه الكلمة العظيمة، وهي: أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ، ويجوز أن يكون الضمير يعود على الملة، وصى بهذه الملة، والمعنى واحد، يعني: ملة إبراهيم هي إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ. وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ، والتوصية: العهد المؤكد في الأمر الهام، ولَّا لا؟ وأيش التوصية؟
طالب: التوصية العهد في الأمر الهام. الشيخ: العهد المؤكد في الأمر الهام. وقوله: إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِبَنِيهِوأيش محله من الإعراب؟ طالب: مفعول به. الشيخ: مفعول وَصَّى؛ ولهذا نصبت بالياء؛ لأنها؟ الطلبة: ملحق بجمع المذكر السالم.
الشيخ: ملحق بجمع المذكر السالم. قال: وَيَعْقُوبُ، وَيَعْقُوبُمعطوفة على إِبْرَاهِيمُ، يعني: وكذلك وصى بها يعقوب بنيه.
طالب: (...)؟ الشيخ: ما ذكر إسحاق؛ لأن إسحاق موصى، مين اللي موصيه؟ إبراهيم، ثم عاد يعقوب اللي هو حفيد إبراهيم ابن ابنه، وصى بها بنيه، يعني: وكذلك وصى بها يعقوب، وسمي يعقوب لأنه عقب إسحاق، هذا إذا قلنا: إنه مشتق، أما إذا قلنا: إنه اسم جامد، فإنه لا حاجة إلى أن نعلل هذا التعليل، نقول: يعقوب اسم جامد ولا هو مشتق. وقوله: يَعْقُوبُمَن أشهر أولاد يعقوب؟ يوسف، يعقوب قال: يَا بَنِيَّ، ولّا (يا بُنَيَّ)؟ الطلبة: يَا بَنِيَّ. الشيخ: يَا بَنِيَّ، وأيش الفرق بين (يا بَني) (يا بُني)؟ الطلبة: (بَني) جمع. الشيخ: (بَني) جمع، (بُني) واحد مصغر، (يا بَني) جمع أين النون التي هي عوض عن التنوين في الاسم المفرد؟ طالب: راحت.
الشيخ: وين؟ طالب: لأنها منادى. الشيخ: ولو كانت منادى تقول: يا بَنون، نادِ، تقول: يا بنون؟ طالب: المنادى مضاف، حذفت النون للإضافة. الشيخ: حذفت النون للإضافة، تقول: هؤلاء مسلمو مكة، وقاتل النبي صلى الله عليه وسلم مشركي مكة، فهمتم؟ فالنون تحذف للإضافة مثل ما إن التنوين يحذف للإضافة، تقول: اشتريت كتابًا، وتقول: اشتريت كتاب النحو، (كتاب) بدون تنوين. طالب: مضافة إلى ياء المتكلم؟
الشيخ: إلى ياء المتكلم، إي نعم. يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَشوف قال: يَا بَنِيَّ؛ لأجل الترقيق والقبول، قبول الدعوة، هذا من باب الرقة لأجل أن يقبلوا الدعوة، إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَاصطفاه: اختاره، ولَكُمُ: لأجلكم، اصْطَفَى لَكُمُلأجلكم، الدِّينَما هو الدين؟ الدين هو العبادة والعمل، ويطلق على الجزاء، ففي قوله تعالى: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة: ٤] وأيش المراد بالدين؟ طالب: الجزاء.
الشيخ: الجزاء، وفي قوله تعالى: وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا [المائدة: ٣]؟ العبادة، فالدين يطلق على هذا وهذا، على العمل والجزاء عليه، ومنه قولهم: كما تدين تدان، يعني: كما تعمل تجازى. طالب: إعراب لَكُمُ؟ الشيخ: جار ومجرور متعلق بـاصْطَفَى. طالب: في محل نصب مفعول لأجله؟ الشيخ: لا، اللام للتعليل بس.
الطالب: ما يسمى مفعول لأجله؟ الشيخ: لا، ما يسمى مفعول لأجله. لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّالفاء للتفريع، أي: فعلى هذا الاختيار تمسكوا بهذا الدين، ولَا تَمُوتُنَّ(لا) هذه ناهية، ومعروف أن (لا) الناهية تجزم الفعل، وهنا تَمُوتُنَّوأيش آخر الفعل؟ التاء، ما جزم؟ طالب: مجزوم بحذف النون.
الشيخ: هذا من الأفعال الخمسة، فهو مجزوم بحذف النون، فَلَا تَمُوتُنَّوالنون هنا اللي فيها للتوكيد، وأصلها: تموتونَنَّ، فحذفت النون للجزم وصارت: فلا تموتون، ثم حذفت الواو لالتقاء الساكنين، الواو اللي هي الضمير، لالتقاء الساكنين؛ لأن النون المشددة أولها ساكن، والواو ساكنة، فتحذف الواو، قال ابن مالك:
إِنْ سَاكِنَانِ الْتَقَيَا اكْسِرْ مَا سَبَقْ
وَإِنْ يَكُنْ لَيْنًــــــــا فَحَذْفَــــــــــــــهُ اسْتَحَقْ
قال الله تعالى في بقية دعاء إبراهيم وإسماعيل: رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ. من فوائد الآية: ضرورة الناس إلى بعث الرسل؛ ولذلك دعا إبراهيم وإسماعيل، دعوا الله سبحانه وتعالى أن يبعث فيهم الرسول.
ومن فوائدها أيضًا: أن كون الرسول منهم أقرب إلى قبول دعوته؛ لأنهم يعرفونه، كما قال الله تعالى: مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى [النجم: ٢]، تأمل قوله: مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ؛ حيث أضافه إليهم، يعني: صاحبكم الذي تعرفونه، وتعرفون رجاحة عقله، وتعرفون أمانته، ما ضل وما غوى، هذه الفائدة تؤخذ من أين؟ من قوله: مِنْهُمْ. ومن فوائد الآية: أن الرسول عليه الصلاة والسلام جعل الله تعالى فيه من الخير أنه يتلو الآيات، ويعلم الكتاب، ويعلم الحكمة، يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ. ومنها: أن رسالة النبي صلى الله عليه وسلم تتضمن ذكر آيات الله الكونية والشرعية، وتتضمن تعليم الكتاب تلاوة ومعنًى، وتتضمن أيضًا الحكمة، وهي: معرفة أسرار الشريعة، وتتضمن تزكية الخلق؛ لقوله: وَيُزَكِّيهِمْ. من فوائدها إذن: أن هذه الشريعة كاملة؛ لتضمن رسالة النبي صلى الله عليه وسلم لهذه المعاني الجليلة مما يدل على كمال شريعته. ومنها: إثبات العزة والحكمة لله في قوله: إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. ومنها: إثبات هذين الاسمين لله، الاسمين: العزيز والحكيم، وقد سبق لنا معنى العزة ومعنى الحكمة في التفسير. ثم قال تعالى: وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ. يستفاد من هذه الآية الكريمة: أن الرشد في اتباع ملة إبراهيم؛ لقوله: إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ. ومن فوائدها أيضًا: أن مخالفة هذه الملة سفه، مهما كان الإنسان حليمًا في قومه، فإنه يعتبر سفيهًا إذا لم يلتزم بشريعة الله. ومنها: فضيلة إبراهيم؛ حيث اصطفاه الله تعالى واختاره على العالمين؛ لقوله: وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا. ومنها: إثبات الآخرة؛ لقوله: فِي الْآخِرَةِ. ومنها: أن الصلاح وصف للأنبياء ومَن دونهم، فيوصف النبي بأنه صالح، ويوصف متبعو الرسول بأنهم صالحون؛ ولهذا كانت الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يحيون الرسول صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج بقولهم: «مَرْحَبًا بِالْأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ» ، فوصفوه بالصلاح.. طالب: العطف تغاير (...)؟ الشيخ: ما يقبل التغاير، تغاير الصفات يمكن تجتمع الصفات في الواحد، التغاير في الصفات ما هو تغاير في الأشخاص. ومنها أيضًا -من فوائد الآية-: أن ملة إبراهيم عليه الصلاة والسلام أفضل الملل، وهي التوحيد الحنيفية السمحة؛ لأنه قال: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي [الزخرف: ٢٦، ٢٧]. ومنها: أن هؤلاء المخالفين للرسل سفهاء، كما وصفهم الله بقوله: صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ [البقرة: ١٧١]، فهم وإن كانوا أذكياء وعندهم علم بالصناعة وبالسياسة، فإنهم في الحقيقة سفهاء؛ لأن العاقل هو الذي يتبع ما جاءت به الرسل فقط، قال الله تعالى: إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ. طالب: شيخ، تخصيص اتباع إبراهيم رغم أن فيه أنبياء قبله نفس الدعوة؟ الشيخ: إي نعم، تخصيصه؛ لأنه عليه الصلاة والسلام هو أبو الأنبياء بالنسبة لبني إسرائيل وللعرب؛ إذ إن جميع الأنبياء من بعده كانوا من ذريته، كانوا من ذرية إبراهيم؛ فلذلك خص بهذا؛ ولهذا يقال: إن الخلق لهم آباء ثلاثة: آدم، ونوح، وإبراهيم، إلا أن إبراهيم كان أبًا للعرب والإسرائيليين فقط.
طالب: شيخ، مدح النبي صلى الله عليه وسلم في وجهه؟
الشيخ: في وجهه؟ طالب: في وجهه، يعني: في حضوره، ما يكون هذا خارجًا عن عموم الحديث؟ الشيخ: أي حديث؟ الطالب: حديث: «إِيَّاكُمْ وَالتَّمَادُحَ؛ فَإِنَّهُ الذَّبْحُ» ، والنهي عن التمادح؟ الشيخ: هذا سؤال ليس بهذا الدرس.
الطالب: (...)؟ الشيخ: على كل حال، الرسول إنما نهى عن المدح إذا كان يخشى منه؛ ولهذا قال: «وَيْحَكَ قَطَعْتَ عُنَقَ صَاحِبِكَ» ، وقال: «إِذَا رَأَيْتُمُ الْمَدَّاحِينَ فَاحْثُوا فِي وُجُوهِهِمُ التَّرَابَ» ، أما إذا لم يخش منه فلا بأس، فهذا كعب بن زهير مدح النبي عليه الصلاة والسلام في حديث: بانت سعاد مدحًا عظيمًا والرسول يسمع، وكذلك حسان بن ثابت وغيره من الشعراء كانوا يمدحون النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه أهل لذلك؛ ولأنه لا يخشى منه. طالب: وإذا ادعى واحد من الناس يقول: أنا لا يخشى علي؟ الشيخ: إذا ادعى نقول: الآن يخشى عليك، ما دام زكيت نفسك، فالآن فيك البلاء. طالب: شيخ، قوله: يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَفيه فرق بين التعليم والتلاوة؟ الشيخ: إي نعم، الفرق التعليم يشمل التعليم اللفظ والمعنى، والتلاوة وإن لم يعلمهم. طالب: (...)؟ الشيخ: بالمعنى أو يدرسهم تدريسًا؛ لأن التعليم أخص، الآن عندما أقرأ أنا القرآن أتلو عليك، وليس هذا تعليمًا، لكن عندما أهجيك على حرف حرف وكلمة كلمة، هذا التعليم. طالب: (...) يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ؟ الشيخ: المراد بالكتاب القرآن. طالب: والآيات؟ الشيخ: الآيات الأولى ما يخص بالآيات الدالة على الله. قال: إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَهذه الآية يستفاد منها: فضيلة إبراهيم عليه الصلاة والسلام؛ حيث لم يتوان ولم يستكبر، لم يستكبر؛ لأنه قال: أَسْلَمْتُ، لم يتوان؛ لأنه قال إِذْ قَالَقَالَ، فكان هذا معقبًا لقوله: إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْإِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ.
ومنها: إثبات ربوبية الله تعالى العامة لكل أحد؛ لقوله: لِرَبِّ الْعَالَمِينَ. ومنها: الإشارة إلى أن الخلق من آيات الله؛ لأنهم سموا عالمين؛ حيث إنهم علم على خالقهم سبحانه وتعالى. ومنها: المناسبة بين قوله: أَسْلَمْتُورَبّ، كأن هذا علة لقوله: أَسْلَمْتُ؛ فإن الرب هو الذي يستحق أن يسلم له، الرب: الخالق؛ ولهذا أنكر الله سبحانه وتعالى عبادة الأصنام، وبيّن علة ذلك بأنهم لا يخلقون وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ [النحل: ٢٠، ٢١]، فتبين بهذا مناسبة ذكر الإسلام مقرونًا بالربوبية. ثم قال تعالى: وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ. من هذه الآية يستفاد: أولًا: أهمية هذه الوصية؛ لأنه اعتنى بها من؟ طالب: إبراهيم. الشيخ: إبراهيم ويعقوب، فإبراهيم أبو العرب والإسرائيليين، ويعقوب أبو؟ طالب: الإسرائيليين. الشيخ: الإسرائيليين، فهذان الرسولان الكريمان اعتنيا بها؛ حيث جعلاها مما يوصى بها.
ومنها: أنه ينبغي العناية بهذه الوصية اقتداء بمن؟ طالب: إبراهيم. الشيخ: بإبراهيم ويعقوب. ومنها: أن الله سبحانه وتعالى اختار لعباده من الدين ما هو أقوم لمصالحهم؛ لقوله: اصْطَفَى لَكُمُأي: اختار، فلولا أنه أقوم ما يقوم بمصالح العباد ما اختاره الله تعالى لعباده. ومنها: أنه ينبغي التلطف بالخطاب، من أين نأخذ؟ طالب: يَا بَنِيَّ. الشيخ: يَا بَنِيَّ؛ فإن نداءهم بالبنوة يقتضي قبول ما يلقى إليهم.
ومنها أيضًا: أنه يجب على المرء أن يعاهد نفسه دائمًا حتى لا يأتيه الموت وهو غافل؛ لقوله: فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ. ومنها: أن الأعمال بالخواتيم؛ لقوله: فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ، ما يكفي أن الإنسان يسلم في أول حياته أو في وسط حياته، لا بد أن يستمر إلى أن يموت، إلى أن يلقى الله تعالى وهو على الإسلام. طالب: قوله: يَا بَنِيَّهذا قول يعقوب ولَّا؟ الشيخ: كلهم يقول، الوصية من الاثنين. الطالب: قال: وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ؟ الشيخ: إبراهيم قال لبنيه: يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَويعقوب كذلك قالها. طالب: وَوَصَّى بِهَاالضمير يعود على أي شيء؟ الشيخ: قيل: إنه يعود على الملة، وقيل: يعود على قوله: أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ.
طالب: أي يوصيهم بأن يقولوا: أسلمنا؟ الشيخ: إي نعم، يقولون بألسنتهم وقلوبهم.
تفسير الآيات (١٣٣-١٣٥)
٠١:٢٢:١٤
قال: أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ(أم) هنا متصلة ولّا منقطعة؟ طالب: منقطعة. طالب آخر: متصلة. الشيخ: متصلة؟ المتصلة هي التي تأتي بين شيئين متعادلين، كما مرت علينا في البلاغة، وهنا لم تأت بين شيئين متعادلين، فهي إذن منقطعة، والمنقطعة يقول المعربون: إنها بمعنى (بل) والهمزة، (بل) وهمزة الاستفهام، الهمزة يعني: همزة الاستفهام، فمعنى أَمْ كُنْتُمْ: بل أكنتم شهداء. وقوله: كُنْتُمْالضمير يعود على اليهود، اليهود الذين ادعوا أنهم على الحق، وأن هذه وصية أبيهم يعقوب، والتزموا ما هم عليه، ويحتمل أن يكون عائدًا على جميع المخاطبين، ويكون المقصود بذلك الإعلام بما حصل من يعقوب حين حضره الموت، وهذا الاحتمال أولى؛ لأنه ما في هنا دليل على أنه يعود على اليهود، بل الآيات كلها عامة، وهي أيضًا منقطعة عن اليهود، من آيات سابقة كثيرة، فالمعنى تقرير ما وصى به يعقوب حين موته. وقوله: شُهَدَاءَجمع شهيد أو شاهد، بمعنى: حاضر. وقوله: إِذْ حَضَرَإذهذه ظرف مبني على السكون في محل نصب، أي: وقت حضور يعقوب الموت، وقوله: حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُلأيش إنها منصوبة وهي بعد الفعل؟ تقول: حضر يعقوبُ ولّا حضر يعقوبَ؟ طالب: حضر يعقوبَ. الشيخ: أي هي منصوبة بعد الفعل؟ لو تقول مثلًا: حضر عبدُ الله؟ الطالب: مفعول به. الشيخ: مفعول به؟ وين الفاعل؟ طالب: الفاعل الْمَوْتُ. الشيخ: جيد ما شاء الله، إي نعم، يَعْقُوبَمنصوب؛ لأنه مفعول مقدم، والْمَوْتُفاعل مؤخر، فهمتم؟ لأن الحاضر الموت والمحضور يعقوب، فهو إذن مفعول به مقدم. إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَهذه إِذْبدل من الأولى، بدل من إِذْالأولى، يعني: إذ حضر إذ قال، يعني: أم كنتم أيضًا شهداء إذ قال. لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِيبنو يعقوب من هم؟ إسحاق؟ يوسف وإخوته، أحد عشر رجلًا، حضره الموت، فكان أولاده حاضرين أو أحضرهم، فقال لهم: مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي. قوله: مِنْ بَعْدِيأي: من بعد زمني، وليس من بعد ذاتي؛ لأنهم ما هم بيعبدونه، هم يعبدون الله، فالمراد مِنْ بَعْدِي، أي: من بعد موتي، أي: من بعد الزمن الذي أنا حاضر فيه معكم، فأنتم الآن تعبدون الله، فماذا تعبدون من بعدي، فهمتم؟ وليس المعنى: ماذا تعبدون من بعدي، أي: أني أنا معبودكم الآن، فمن الذي تعبدونه من بعدي؟ هذا ليس المراد قطعًا. قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَنَعْبُدُ إِلَهَكَبدؤوا به؛ لأنهم يخاطبونه، وَإِلَهَ آبَائِكَجمع أب، فمن هم؟ إبراهيم وهو بالنسبة إليه جد، أو لا؟ الطلبة: نعم. الشيخ: وإسماعيل وهو بالنسبة إليه عم، وإسحاق وهو بالنسبة إليه أب مباشر، أما إطلاق الأبوة على إبراهيم وعلى إسحاق، فالأمر فيها ظاهر، أو لا؟ الطلبة: نعم. الشيخ: لأن إسحاق أبوه، وإبراهيم جده، والجد أب، بل قال الله لهذه الأمة -وهي بينها وبين إبراهيم عالم- قال: مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ [الحج: ٧٨]، لكن الإشكال في كون إسماعيل أبًا له مع أنه عمه، فيقال كما قال النبي عليه الصلاة والسلام لعمر: «أَمَا شَعَرْتَ أَنَّ عَمَّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ» ، والصنو: الغصن أو الغصنان أصلهما واحد، فذكر مع الآباء؛ لأنه صنو الأب؛ لأن العم صنو الأب، وكما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «الْخَالَةُ بِمَنْزِلَةِ الْأُمِّ» ، كذلك نقول: العم بمنزلة الأب، مفهوم يا جماعة؟ وقيل: إن هذا من باب التغليب، وإن الأب ما يطلق حقيقة على العم إلا مقرونًا بغيره، بالأب الحقيقي، وعلى هذا إذا قلنا مثلًا ما فيها إشكال إطلاقًا؛ لأن التغليب سائغ في اللغة العربية، فيقال: القمران والمراد بهما؟ الطلبة: الشمس والقمر.
الشيخ: الشمس والقمر، ويقال: العمران، وهما؟ طالب: أبو بكر وعمر. الشيخ: أبوبكر وعمر. وقوله: قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ، وأيش إعراب إِبْرَاهِيمَ؟
طالب: بدل. الشيخ: بدل من آبَائِكَ، وفيها قراءة {إِبْرَاهَامَ}. إِلَهًا وَاحِدًاإِلَهًاهذه حال، حال يسمونها حال موطئة، ولكنها بناء على أن الإله غير مشتق، والصحيح أنه مشتق، وأنه بمعنى مألوه، وعليه فتكون حالًا مؤسسة حقيقية ما هي موطئة؛ لأن الحال الموطئة التي تكون تمهيدًا لمشتق، مثل قُرْآنًا عَرَبِيًّا [يوسف: ٢]، فإن (قرآنًا) ما هي مشتقة، والحال كما تقدم لنا تكون مشتقة، هذه قال بعضهم: إنها كذلك، وهو مبني على أن الله والإله غير مشتق، والصحيح أنه مشتق، وعلى هذا فيكون إِلَهًامنصوبًا على؟ طالب: الحال. الشيخ: الحال، وَاحِدًاحال أخرى مكررة، إِلَهًا وَاحِدًا: نعبده إلهًا واحدًا، وفي هذا دليل على أن العبادة والألوهية معناهما واحد، لكن العبادة باعتبار العابد، والألوهية باعتبار الإله؛ ولهذا يقول أهل العلم يسمون التوحيد: توحيد العبادة، وبعضهم يقول: توحيد الألوهية. طالب: وعلى كونها حالًا موطئة يكون إعراب وَاحِدًاأيش؟ الشيخ: حال، على كل حال. طالب: ما تصير بدل، ياشيخ؟ الشيخ: لا، ما تكون بدلًا. الطالب: بدل من إِلَهًا. الشيخ: لا ما تكون بدلًا؛ لأن البدل معناه أنك إذا حذفت المبدل منه استقام الكلام، وهذا ما يستقيم الكلام. طالب: وأيش فائدة إذا قلنا: حال؛ لأن (واحد) مفهوم من قولك (إله)؟ الشيخ: لا، (إلهًا) نكرة، والنكرة تفيد الإطلاق ولا تمنع الاشتراك، فلو قلت لك -مثلًا-: أكرم رجلًا، هل معناه: ولا تكرم غيره؟ طالب: لا. الشيخ: لا، ما تفيده. طالب: ما تكون توكيد يا شيخ؟ الشيخ: لا، ما تكون، لو قالوا: ما نعبد إلا إلهًا، فربما، لكن ما تدل على الوحدانية إلا إذا قالوا: (واحدًا). إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَنَحْنُمبتدأ، ومُسْلِمُونَخبره، ولَهُجار ومجرور متعلقة بـمُسْلِمُونَ، قدمت عليها لإفادة الحصر من حيث المعنى، ولمراعاة فواصل الآيات من حيث اللفظ، وَنَحْنُ لَهُأي: لهذا الإله الواحد سبحانه وتعالى مسلمون، والإسلام بمعنى الانقياد والإخلاص، فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ [آل عمران: ٢٠]، أي: جعلته خالصًا لله، فيطلق على الانقياد، وهو الإسلام الظاهر والباطن.