تفسير سورة البقرة - ٢٤
درس صوتي · ٩١:٥٩
جارٍ تجهيز الصوت
انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها
إعدادات
اختصارات لوحة المفاتيح
محتوى الدرس
صلي الله عليه وسلم. ويجوز أن يكون لكل من يصح منه الخطاب؛ يعني: لن ترضى عنك أيها المؤمن. وقوله: الْيَهُودهم أتباع موسى الذين ينتسبون إليه، مأخوذة إما من يهوذا جدهم نسبوا إليه، وإما من الهَوْد وهو الرجوع؛ لقولهم: إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ [الأعراف: ١٥٦]. وأما النصارى فإنه مأخوذ من بلد يسمى نَصْران معروف في فلسطين ينتسبون إليه، وقيل: من النُّصرة؛ لأنهم نصروا عيسى عليه الصلاة والسلام؛ فسموا بهذا الاسم، وهم الذين ينتسبون إلى عيسى بن مريم. طالب: نصران ولا ناصرة، يا شيخ؟ الشيخ: نصران، وفيه بلد تسمى ناصرة ما أدري هم ينسبون إليها، ولَّا إلى الثانية، لكن المعروف عندي أنها نصران، وهم ينتسبون إلى عيسى عليه الصلاة والسلام وتسموا أخيرًا بالمسيحيين؛ لأجل أن يعطوا أنفسهم صبغة المشروعية، ولكن المسيح عيسى بن مريم بريء منهم لو خرج لقاتلهم؛ لأنهم كافرون به كما هم كافرون بمحمد صلى الله عليه وسلم. يقول: لَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى [البقرة: ١٢٠]. وقوله: وَلَا النَّصَارَى(لا) هنا للتوكيد، وليست مستقلة، فإنه لو حذفت وقيل: ولن ترضى عنك اليهود والنصارى لاستقام الكلام، لكنها زيدت للتوكيد؛ لأجل أن لا يظن الظان أن المراد: أن الجميع لا يرضون مجتمعين؛ لأنه لو قال: لن ترضى عنك اليهود والنصارى لظن الظانُّ أنهم لن يرضوا في حال اجتماعهم، مع أن الواقع أن كل طائفة لن ترضى. حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ(حتى) حرف غاية، وهي تنصب المضارع بنفسها عند الكوفيين، وعلى تقدير (أن) عند البصريين. تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْالملة: الدين، أي: دينهم الذي كانوا عليه، فاليهود لن يرضوا عنك حتى تكون يهوديًّا، والنصارى لن يرضوا عنك حتى تكون نصرانيًّا. ولكن ما هو الجواب الوحيد لهؤلاء الذين يقولون: إنك يا محمد، لا نرضى بك حتى تتبع ملتنا؟
الجواب: قوله قُلْمجيبًا لهم في عدم رضاهم: إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى، وليس الهدى ما أنتم عليه، بل إن هدى الله وحده، لا الهدى الذي تزعمون أنكم عليه. هُوَ الْهُدَىهُوَضمير فصل، وقد تكرر علينا أن لضمير الفصل ثلاث فوائد: الفائدة الأولى؟ طالب: التوكيد. الشيخ: التوكيد، والثانية: الحصر، والثالثة: بيان أن ما بعده خبر لا صفة، فعلى هذا يكون هذا الضمير لا محل له من الإعراب، ويكون قوله: الْهُدَىخبر (إن)، وأما اسمها فهو قوله: هُدَى اللَّهِ. قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىوما عداه فهو ضلال، قال الله تعالى: فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ [يونس: ٣٢]، فكل ما لا يوافق هدى الله فإنه ضلال، وليس ثمة واسطة بين هدى الله والضلال. ثم قال: وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِوَلَئِنِ اتَّبَعْتَالخطاب لمن؟ للرسول صلى الله عليه وسلم أو لكل من يتأتى خطابه، ولكن الأقرب رجوعه للرسول صلى الله عليه وسلم. وقوله: لَئِنِ اتَّبَعْتَالجملة هذه فيها شرط وقسم، وإذا اجتمعا أي الشرط والقسم، فإنه يحذف جواب المؤخر منهما، قال ابن مالك في الألفية:
وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وَقَسَمْ
جَوَابَ مَا أَخَّرْتَ فَهُـــــــــــــــــــوَ مُلْتَزَمْ
وين القسم؟ القسم هو الذي دل عليه اللام في قوله: وَلَئِنِ اتَّبَعْتَإذ إن التقدير: والله لئن اتبعت، وأين الشرط؟ طالب: (إنْ). الشيخ: (إنْ)، الجواب: مَا لَكَ مِنَ اللَّهِمَا لَكَهذا جواب القسم، لو كان جواب الشرط لوجب اقتران الفاء به؛ لأنه نفي، ولكنه كان جوابًا للشرط فلم تقترن به الفاء، أو جوابًا للقسم فلم تقترن به الفاء، أين جواب الشرط؟ قيل: إنه محذوف دل عليه جواب القسم، وقيل: إنه لا يُحتاج إليه لتمام الكلام بدونه، وهذا القول هو الراجح أنه لا يحتاج إليه لتمام الكلام بدونه، والدليل على ذلك أنه لم يأت مذكورًا في أي أسلوب من أساليب اللغة العربية، فإذا كان لم يأت في أي أسلوب من أساليب اللغة العربية دل على أن الكلام مستغنٍ عنه وأنه لا حاجة له. قال: وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْشوف، قال: مِلَّتَهُمثم قال: أَهْوَاءَهُمْلأن هذه الملة التي هم عليها ليست ملة هدى، ولكنها ملة هوى؛ ولهذا قال: وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِلأنهم على هوى، وليسوا على هدى إذ لو كانوا على هدى لوجب على اليهود أن يؤمنوا بالمسيح عيسى بن مريم، ولوجب عليهم جميعًا أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، لكن دينهم هوى وليس هدى، وهكذا كل إنسان يتبع غير ما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام، ويتعصب له فإننا نقول: إن ملتك هوى، وليست هدى. وقوله: بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِيشير إلى الوحي الذي جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم سواء كان القرآن أو السنة. وقوله: جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِهل هو علم الذي جاء الرسول عليه الصلاة والسلام؟ نعم، علم، فإن الله يقول له: وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ [العنكبوت: ٤٨] الرسول ما كان عالمًا، كان نبيًّا أميًّا عليه الصلاة والسلام ما يعلم، لا يقرأ ولا يكتب، ولكن الله أنزل عليه هذا العلم حتى صار بذلك نبيًّا جاء بالعلم النافع والعمل الصالح. مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ(ما لك من ولي) ما إعرابه؟ ويش إعراب (ما)؟ طالب: نافية.
الشيخ: نافية، إي مَا لَكَ. وقوله: مِنْ وَلِيٍّإعرابه؟
طالب: حرف جر. الشيخ: حرف جر، ووَلِيٍّ؟ طالب: مجرور. الشيخ: مجرور؟ الطالب: (...). الشيخ: ويش محلها من الإعراب وَلِيٍّ؟ طالب: (...). الشيخ: ما لها محل من الإعراب؟ يعني هو مفعول به مثلًا، عامل بالشيء؟ ويش محله من الإعراب؟ طالب: مجرور لفظًا مرفوع محلًا. الشيخ: أيش معناه من الإعراب؟ طالب: على أنه مبتدأ. الشيخ: على أنه مبتدأ، صح. وَلِيٍّمبتدأ مرفوع بضمة مقدرة على آخره منع من ظهوره اشتغال المحل بحركة حرف الجر مِنْ وَلِيٍّوأصلها: ما لك من الله وليٌّ، ولَكَجار ومجرور خبر مقدم، وجملة مَا لَكَ مِنَ اللَّهِلا محل لها من الإعراب؛ لأنها جواب؟
الطلبة: جواب القسم. الشيخ: لأنها جواب القسم. مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّأما اسم الله سبحانه تعالى فقد تقدم الكلام عليه، ومعناه واشتقاقه. وقوله: مِنْ وَلِيٍّالولي هو الذي يتولى غيره بحفظه وصيانته، فالمعنى ما أحد يتولى حفظك سوى الله عز وجل، ولا أحد يتولى نصرك ولا نصير فيدفع عنك، وحينئذ تنزل بك عقوبة الله حتى لو كثر الجنود عندك، ولو كثرت الشُّرَط، ولو كثرت القوة فإنك إذا اتبعت غير شريعة الله ما أحد يحفظك من الله، ولا أحد ينصرك من دونه؛ لأن النصر والولاية تكون بالهداية باتباع هدى الله عز وجل الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ [الأنعام: ٨٢] فالأمن إنما يكون بالإيمان، وعدم الظلم، مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ. طالب: شيخ وَلِيٍّمصدر (...)؟ الشيخ: لا، ما هو مصدر، (ولي) هذه على وزن (فعيل) من الولاية. طالب: شيخ، القيد هنا بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِله مفهوم؟ الشيخ: إي، له مفهوم؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان قبل أن ينهى عن متابعتهم كان يحب موافقة أهل الكتاب فلما أُمر بمخالفتهم صار ما يتمكن لمخالفتهم. طالب: من ناحية أصولية الذي يتبع (...) معذور..؟ الشيخ: نعم، اللي يتبع غير الإسلام بدون علم فهو معذور، لكنه إذا كان مفرطًّا، وهذه ستأتينا في الفوائد تأتينا في فوائد الآية إن شاء الله.
الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ [البقرة: ١٢١]، الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَمبتدأ، ويَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِقيل: إنها خبر مبتدأ، وعلى هذا فتكون الجملة الثانية: أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِتكون استئنافية. وقيل: إن قوله: يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِجملة حالية، وأن أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِالجملة خبر المبتدأ، نشوف بالمعنى أيهم أرجح. الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَأعطيناهم الكتاب، والإيتاء هنا إيتاء شرعي ولَّا كوني؟
الطلبة: شرعي. الشيخ: أو كله؟ إيتاء شرعي كوني؛ لأن الله قدر أن يعطيهم الكتاب فأعطاهم إياه، وهو أيضًا إيتاء شرعي؛ لأنه فيه الشرائع والبيان، والمراد بمن آتاهم الكتاب إما هذه الأمة أو هي وغيرها، وهذا هو الأرجح أنه شامل لكل من آتاه الله الكتاب، والكتاب المراد به الجنس فيشمل القرآن والتوراة والإنجيل والزبور وغيرها من كتب الله عز وجل.
وقوله: يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِيَتْلُونَهُالتلاوة تطلق على تلاوة اللفظ وهي القراءة، وعلى تلاوة المعنى وهو التفسير، وعلى تلاوة الحكم أي: اتباعه وهو الاتباع، فالتلاوة تطلق على تلاوة اللفظ، تلاوة المعنى يعني الإنسان يتبع المعنى ولا يحرفه، وعلى تلاوة الحكم وهو اتباع الحكم، هذه المعانى الثلاثة للتلاوة داخلة في قوله: يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِالتلاوة اللفظية أن يقرأ القرآن باللفظ الذي يجب أن يكون عليه، يكون معربًا كما جاء معربًا ما يغير، فلا يقول مثلًا: الْحَمْدَ للهِ ربَّ العالمين، هذا ما تلاه حق تلاوته بل يقول: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَبدون تغيير؛ لأنه نزل هكذا فوجب أن يتلى هكذا، التلاوة المعنوية أن يفسره بحسب ما أراد الله ورسوله، فيقول مثلًا: المراد بالآية كذا على حسب ما أراد الله، ونحن نعلم مراد الله بها بأي طريق؟ هل الله يقول: أردت بكلامي كذا؟ الجواب: لا، ما قال ذلك، لكنه قال: بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ [الشعراء: ١٩٥]. فنحن نعلم ما يريد الله تعالى بهذا القرآن؛ لأنه جاء باللغة العربية، وهذا المعنى في اللغة العربية هو ما يقتضيه هذا اللفظ أو هذا السياق، فنكون بذلك قد علمنا معنى كلام الله عز وجل، هذه تلاوة المعنى. تلاوة الحكم: امتثال الأوامر واجتناب النواهي والإقرار بالأخبار، هذه تلاوة الحكم أن تتبع ما حكم به هذا القرآن، وتُقِر بما أخبر به، تفعل، أيش تفعل؟ وتترك النواهي وتصدق بالأخبار، فتكون الآن تاليًا حق التلاوة، فإن استكبرت أو جحدت فإنك لم تتلوه حق تلاوته. وفي قوله: حَقَّ تِلَاوَتِهِهذا من باب إضافة الوصف إلى موصوفه، يعني: التلاوة الحق، يعني تلاوة الجد والثبات وعدم الانحراف يمينًا وشمالًا، وهو من حيث الإعراب مفعول مطلق؛ لأنه مضاف إلى المصدر، مثل قوله في الألفية:
.....................
كَجِدَّ كُلَّ الْجِدِّ............
هنا اتلو حق تلاوته يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ، أُولَئِكَالإشارة تعود إلى الذين أوتوا الكتاب، أوتوا الكتاب وهم يتلونه حق التلاوة، يعني: أولئك المتصفون بهذا الوصف الذين يتلون الكتاب حق تلاوته يؤمنون به، وأما من لم يتلوه حق تلاوته فليس مؤمنًا به، بل عنده من نقص الإيمان بقدر ما عنده من المخالفة، فالإيمان يزيد وينقص؛ ولهذا قال: أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ، وفي الإشارة إليهم بلفظ البعيد دليل على علو مرتبتهم كقوله في أول سورة البقرة: أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ [البقرة: ٥] فهذا دليل على علو منزلتهم ومرتبتهم. قال: أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِالإيمان في اللغة: التصديق، لكنه في الشرع تصديق مقيد بالقبول والإذعان، فلا يكفي التصديق وحده، بل لا بد من القبول والإذعان، والدليل على ذلك أن أبا طالب لا يسمى مؤمنًا، مع أنه مصدق ومعترف، لكنه فاته القبول والإذعان، فكون الإنسان يصدِّق ما يقال: مؤمن، ولقد فرح بعض الناس بجاجرين، جاجرين أظنكم تذكرونه؟ رجل من الروس هو أول من صعد إلى القمر، أظن هكذا وقال: أنا أعترف الآن أن هذا الخلق له خالق مدبر. ففرح الناس فرحًا عظيمًا، إنه آمن الرجل، هل هذا إيمان؟ أبدًا، ما آمن؛ لأن هذا مجرد استنتاج عقلي كل إنسان عاقل يعرفه، يعرف أن هذا الكون العظيم المنظم البديع يعرف أن له خالقًا مدبرًا منظمًا كما نعرف أن لهذا المسجد من بناه، ونعرف أن لهذا النور من أضاءه وهكذا، فالحاصل أن هذا ليس بإيمان، مجرد الاعتراف بالله سبحانه وتعالى لا يعد إيمانًا، ولا بالرسول صلى الله عليه وسلم، المنافقون يقولون: نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ [المنافقون: ١]، ولكن مع هذا إن كانوا صادقين في شهادتهم، لكن الله كذبهم يكذبون، يقولون: نشهد وهم كاذبون؛ لأن ما عندهم انقياد ولا قبول، بل قلوبهم منكرة -والعياذ بالله- إذن أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِلأنهم يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ، فمن لم يتلو القرآن حق تلاوته بالمعاني الثلاثة التي ذكرنا، فإنه ناقص الإيمان، وقد يفقده بالكلية. قال: وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ.
طالب: إذن ما هو الخبر يا شيخ؟ الشيخ: ذكرنا أن الخبر فيه رأيان للعلماء: رأي يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ، ورأي آخر أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِوعلى هذا الرأي الأخير تكون يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِجملة حالية، يعني: الذين آتيناهم الكتاب حال كونهم يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به، فيكون الحكم عليهم بالإيمان به مشروطًا بوصفهم بتلاوته إياه حق تلاوته، فالجملة على هذا الإعراب واحدة، لكن المبتدأ مقيد، أما على الرأي الثاني فالكلام جملتان: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ} {أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِولكن الأقرب الإعراب الأول؛ لأنه الكلام هنا على الإيمان بما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام، ما يؤمن به إلا من يتلو الكتاب حق تلاوته سواء التوراة أو الإنجيل أو القرآن، ما يؤمن به حق الإيمان إلا من يتلوه حق التلاوة، وعلى هذا فقَيْد الذين آتيناهم الكتاب بكونهم يتلونه حق التلاوة أحسن، يعني: أنه من أوتي الكتاب، وصار على هذا الوصف يتلوه حق تلاوته فهو الذي يؤمن به.
طالب: هل ينظر لإعراب قول الله تعالى: يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِخبر يشكل، لكنه قدم أوتوا الكتاب من لا يتلوه حق التلاوة (...)؟ الشيخ: لا لا، ما هو بخبر (...) خبر محض، هذا أيضًا مما يقوي أن جملة يَتْلُونَهُحال. وقوله: وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ. طالب: شيخ ما يصلح أن يكون خبرًا ثانيًا (أولئك)؟ الشيخ: لا لا، مسألة إنه خبر ثاني أو جملة مستأنفة هذه متفرع عن قولنا: يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِهو الخبر.
طالب: إذا كان هو الخبر؟ الشيخ: الأرجح أنه يكون حالًا. طالب: ما يصلح أن يكون هو الخبر. الشيخ: أقول: الأرجح أنه يكون حالًا، وكونه خبرًا مرجوح.
قوله: وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَمَنْشرطية جازمة هنا أو لا؟ يَكْفُرْمجزوم، بِهِأي: بالكتاب فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ، الجملة فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَهي جواب الشرط، واقترنت بالفاء؛ لأنها جملة اسمية، والجملة الاسمية إذا كانت جوابًا للشرط وجب اقترانها بالفاء كأخواتها المذكورة في البيت:
اسْمِيَّـــــــــــــةٌ طَــــــــلَبِيَّةٌ وَبِجَــــــــامِدٍ
وَبِمَا وَقَدْ وَبِلَنْ وَبِالتَّنْفِيسِ
هذه السبعة إذا جاءت جوابًا للشرط فإنه يقترن بالفاء.
وقوله: وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَما قال: ومن يكفر به فقد خسر، بل أتى بالجملة الاسمية المفيدة شنو؟ للثبوت والاستمرار، وأتى بضمير الفصل في قوله: هُمُلإفادة الحصر والتوكيد يعني فأولئك الذين كفروا به هم الخاسرون لا غيرهم، وعليه فكل من ليس بمؤمن فهو خاسر، هذا الرجل عنده ملايين الدراهم، عنده سيارات، عنده عقارات، عنده بنون، عنده زوجات عنده أهل، عنده ملك، لكنه كافر ويش نقول؟ خاسر، هو خاسر، هو في الحقيقة لم يربح من هذا المال، ولا من الأولاد قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [الزمر: ١٥] هذا المال ما ينفعه، بل سيكون حسرة عليه؛ لأنه سيفقده، سيفقده هو أو يفقد المال، يعني إما أن يموت عن المال، أو أن المال يفوت عنه. وقوله: فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَما معنى الْخَاسِرُونَ؟ أصل الخسران النقص؛ ولهذا يقال: ربح، ويقال: في مقابله خسر، فهؤلاء هم الذين حصل عليهم النقص لا غيرهم؛ لأنهم مهما أوتوا من الدنيا فإنها زائلة وفانية فلا تنفعهم. ثم قال الله تعالى: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ [البقرة: ١٢٢]. يَا بَنِي إِسْرَائِيلَإسرائيل هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، والمراد بـ(بنيه) هنا: كل من ينتسب إليه من ذكر أو أنثى؛ لأنه مر علينا في الوقت أن كلمة (بني) تختص بالذكور ما لم يكونوا قبيلة، فإن كانوا قبيلة شملت الذكر والأنثى. وقوله: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَالتذكير هنا بالنعمة ليس لمجرد أن يذكر الإنسان أن الله أنعم عليه نعمة قبل، ولكن المراد أن يتخذ من هذه النعمة، أو من هذا التذكر للنعمة طريقًا إلى شكره، بامتثال أمره واجتناب نهيه، يعني: لا تنسَوْا ما أنعمت به عليكم فتكفروا برسول الله صلى الله عليه وسلم، بل آمنوا به واتبعوه جزاء لهذه النعمة. وقوله: نِعْمَتِيَهو مفرد مضاف فيشمل جميع النعم التي أنعم الله بها عليهم، والله تعالى أنعم عليهم بنعم كثيرة.
وقوله: وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَهذا أيضًا من باب عطف الخاص على العام، وإلا فالتفضيل على العالمين لا شك أنه نعمة، لكنه لما كان مرتبة عالية، التفضيل على الناس خصه الله تعالى بالذكر. وقوله: وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْعليهم أي: جعلتكم أفضل منهم، وقد أشار موسى صلى الله عليه وسلم إلى ذلك بقوله: يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ [المائدة: ٢٠] هذا من تفضيله على العالمين. وقوله: اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُماضية ولا حاضرة؟
الطلبة: ماضية. الشيخ: إذن وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْماضٍ أيضًا، فالله تعالى فضلهم على العالمين حين أنعم عليهم، وذلك قبل أن توجد هذه الأمة، أما بعد وجود هذه الأمة فإن هذه الأمة أفضل، أفضل من بني إسرائيل كما دل على ذلك نصوص الكتاب والسنة.
وقوله: عَلَى الْعَالَمِينَالعالم من المراد بهم؟ المراد بهم ما سوى الله، وقد يراد بهم بنو آدم فقط، فهنا إن كان المراد بـ(العالمين) من سوى الله كان دليلًا على أن بني إسرائيل فُضلوا حتى على الملائكة، وإذا قلنا: المراد بالعالمين عالَم بني آدم الذين هم من جنسهم، صار لا يشمل الملائكة ولا الجن، وذلك لأن (العالم) قد يراد به ما سوى الله، وقد يراد به شيء مخصوص وهم بنو آدم إذا دل السياق عليه، كما تقول: عالم الحيوان، عالم الإنس، عالم الجن وتقول أخص من هذا: عالم البهائم، عالم الحشرات، عالم كذا. وسُمي عالمًا؛ لأنه علم على خالقه سبحانه وتعالى، فإن هذه المخلوقات كلها فيها دليل وآيات عظيمة على وجود الله سبحانه وبحمده، فهي علم على وجود الله، وعلى ما تتضمنه هذه المخلوقات من بيان الرحمة والحكمة والنعمة. طالب: أي المعنيين أصح، العالمين؟ الشيخ: الأقرب -والله أعلم- الأخير، العالم الخاص الذي من جنسه. وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا [البقرة: ١٢٣]. اتَّقُوا يَوْمًاأيش معنى اتَّقُوا؟ اتخذوا وقاية من العذاب الذي يقع فيه؛ لأن التقوى أصلها على حسب التصريف اللغوي أصلها (وَقْوَى) فقلبت الواو تاء فصارت (تقوى)، وهي من الوقاية، والممتثل لأوامر الله سبحانه تعالى لا شك أنه اتخذ وقاية من عذاب الله.
اتَّقُوا يَوْمًالا شك أنه لا يراد اتقوا يومًا أن لا يقع، فإن هذا اليوم لا بد أن يقع، لكن اتقوا ما يكون فيه من أين؟ من العذاب والنكال للمخالف، وقال: لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًافليس تفضيل آبائكم على العالمين بمغنٍ عنكم شيئًا، لا تقولوا: لنا آباء مفضلون على العالمين، وسنسلم بهم من النار أو من عذاب هذا اليوم، لا، لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًاإلا الوالد فيجزي عن ولده؟ الطلبة: ما يجزي. الشيخ: ما يجزي؟ ولا المولود؟ الطلبة: ولا المولود. الشيخ: يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ [عبس: ٣٤ - ٣٧]. والدليل على العموم أن قوله: نَفْسٌنكرة في سياق؟ طالب: النفي. الشيخ: النفي، فتكون؟ طالب: للعموم. الشيخ: تكون للعموم، النكرة في سياق النفي والنهي والشرط والاستفهام الإنكاري تكون للعموم، فهنا النكرة في سياق النفي فتكون للعموم، أي نفس ما تجزي عن نفس أخرى شيئًا، هذا النبي صلى الله عليه وسلم لا يجزي عن أبيه شيئًا، قال للرجل: «أَبِي وَأَبُوكَ فِي النَّارِ» ، ولا يجزي عن أمه شيئًا استأذن من الله عز وجل أن يستغفر لأمه فمنعه ، ومَن دون الرسول صلى الله عليه وسلم من باب أولى. فـلَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا. وقوله: شَيْئًانكرة في سياق النفي أيضًا، فتعم أي شيء، ولا يرد على هذا الشفاعة الشرعية التي ثبتت بها السنة، فإن هذه الآية مخصوصة بها. وقال: وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌلا يقبل منها أي: من نفسٍ عدلٌ، والذي يقبل أو يرد من؟ الله سبحانه وتعالى، والعدل بمعنى المعادل، يعني: لو أتت بالفداء ما يقبل إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ [المائدة: ٣٦] ولن يقبل الله منهم ذلك. طالب: وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا. الشيخ: نعم وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [الزمر: ٤٧]. على كل حال لو جاء هؤلاء بما في الأرض جميعًا ومثله معه ليفتدوا به من العذاب ما نفعهم، وهذا معنى قوله: وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ، فالعدل معناه الشيء المعادل كما قال الله تبارك وتعالى في سورة المائدة: أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا [المائدة: ٩٥] أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًاأي: ما يعادله من الصيام، فالعدل إذن بمعنى المعادلة. وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌالشفاعة في اللغة العربية من الشِّفْع أو من الشَّفْع بالفتح، وهو ما يسمى بالزوج، يعني: الاثنين شفع؛ لأن كل واحد منهما شفع الآخر، فالشفاعة في اللغة العربية من الشَّفع وهو الزوج، لكنها في الاصطلاح: التوسط للغير بجلب منفعة أو دفع مضرة، هذه الشفاعة: أن تتوسط لغيرك بجلب منفعة أو دفع مضرة، فالشفاعة لأهل النار أن يخرجوا منها، هذه بدفع مضرة، والشفاعة في أهل الجنة أن يدخلوا الجنة، هذه في جلب منفعة، في هذا اليوم لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ، وشَفَاعَةٌنكرة في سياق النفي فتعم أي شفاعة، كما قال تعالى: فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ [المدثر: ٤٨]، وهذه الآية الكريمة عامة، لكنها مخصوصة بما ثبتت به السنة من إثبات الشفاعة العامة والخاصة، فقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم يشفع في أهل الموقف أن يقضى بينهم ، وثبت عنه أيضًا أنه يشفع في أهل الكبائر ألا يدخلوا النار، وفيمن دخل النار أن يخرج منها ، فعلى هذا يكون العموم في قوله: وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌمخصوص بما ثبتت به السنة من أيش؟ الشفاعة. وقوله: وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَكيف هم ينصرون مع أن السياق يرجع إلى مفرد، شوف نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍوَلَا يُقْبَلُ مِنْهَاأي: النفس وَلَا تَنْفَعُهَاأي: النفس، فمقتضى السياق أن يقول: ولا هي تنصر ولا هي -أي النفس- تنصر، فقال: وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَنقول: أعاد الضمير إليها باعتبار المعنى؛ لأنه ما دامت للعموم نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ، فالعموم يدل على الجمع وعلى الكثرة، فعاد الضمير إلى النفس باعتبار أيش؟ الطلبة: المعنى. الشيخ: باعتبار المعنى ما هو باعتبار اللفظ، لا، لو كان باعتبار اللفظ، لقال: ولا هي تنصر، باعتبار المعنى لأن (نفس) عامة. ثم إن هناك ملاحظة لفظية وهي مراعاة الفواصل، فواصل الآيات، ومراعاة الفواصل أمر ورد به القرآن حتى إنه من أجل المراعاة يقدم المفضول على الفاضل، تستحضرون هذا؟ الطلبة: نعم آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى [طه: ٧٠]. الشيخ: بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَىلأن سورة طه كلها على فاصلة ألف إلا بعض الآيات القليلة، فمراعاة الفواصل إذن من بلاغة القرآن، فهنا نقول: إنه عبر بالجمع مراعاة للمعنى، هذا باعتبار المعنى، ومراعاة للفواصل باعتبار اللفظ.
طالب: سؤال يا شيخ، في قوله: يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ [عبس: ٣٤، ٣٥]. هنا قدم (أخيه) على (أمه وأبيه)؟ الشيخ: لا، ما هو منها؛ لأنه ما تختلف الفواصل، لو قال: من أبيه وأمه وأخيه ما اختلف، لكن التقديم. طالب: الأخ على الأم والأب وبعده صاحبته وبنيه؟ الشيخ: إي، بالترتيب؛ لأن كون الإنسان يألف أخاه أقل من كونه يألف أمه وأباه. طالب: (...) صاحبته وبنيه..؟ الشيخ: إي صاحبته وبنيه ألصق من أمه وأبيه، أليس كذلك؟ طالب: (...) إزالة دليل شرعي بدليل..؟ الشيخ: قلنا: إزالة حكم دليل شرعي أو لفظه بدليل شرعي، إزالة أو رفع حكم دليل شرعي أو لفظه بدليل شرعي، قلنا لكم هذا. طالب: خمس رضعات يحرمن .
الشيخ: تأكد. طالب: (...) لفظها وحكمها كله. الشيخ: إي نعم الخمس. طالب: الخمس. الشيخ: الظاهر أن الجماعة ما يوافقونك، (...)؟ طلبة: العشر. الشيخ: العشر، الخمسة حكمها باقي. طالب: العشر من الأول. طالب: إي، من الأول. الشيخ: هل النسخ جائز عقلًا واقع شرعًا أو لا؟
طالب: واقع. الشيخ: واقع شرعًا، ويش الدليل؟ طالب: الدليل مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا. الشيخ: الدليل قوله تعالى: مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا [البقرة: ١٠٦]. وهل هو جائز عقلًا؟ طالب: (...). الشيخ: ويش وجهه؟ طالب: (...).
الشيخ: (...). طالب: (...). الشيخ: فهمتم الآن؟ بعض العلماء يقول: ما هو جائز عقلًا وهذا خطأ؛ لأن ما وقع شرعًا فهو جائز عقلًا بلا شك، الشرع ما يأتي بالمحال، لكن نحن نقول: جائز عقلًا، بل واجب عقلًا، وجهه؟ أن النسخ يعتبر فيه تطور المحكوم عليه، ومدى تقبله للحكم، وكون هذا الحكم في هذا الزمان بالوقت بالذات مصلحة، وفي الزمن الأول ليس مصلحة، وليس يلزم منه -كما قيل- تجدد علم الله، هذا مستحيل، بل الحكم تغير؛ لاختلاف المصلحة، إما بتغير الزمان أو بتغير حال المحكوم عليه أو بتغير المكان أيضًا. طالب: لماذا لا نقول: سمعي، وليس بعقلي؟ الشيخ: لا، نقول: عقلي أيضًا.
الطالب: يا شيخ، يجيبون عن هذا يقولون مثلًا: الحالة التي أوجبت الحكم الأول قد تتجدد، قد تحدث مرة ثانية. الشيخ: نعم، إذا حدثت ثبت. الطالب: يعني مثلًا نكاح المتعة اللي أبيح في حال المشقة يمكن يجيء حال أشق منها على هذه الأمة؟ الشيخ: إي نعم، يمكن أن يجيء حال أشق، ولولا أن الرسول قال: «إِلَى يَوْمِ الْقِيامَةِ» لقلنا بها، ولهذا رأي ابن عباس رضي الله عنه أنها جائزة للضرورة. الطالب: إذا قلنا (...) ما أدخلوا علينا من هذا الباب. الشيخ: لا، يُدْخلون علينا، يقول؛ لأن المصلحة اقتضت الآن اتضحت أنه محرم ممنوع إلى يوم القيامة، ولا يمكن يكون فيه مصلحة إطلاقًا في المستقبل.
الطالب: كان فيه مصلحة في السابق؟ الشيخ: إي نعم، فيه مصلحة. الطالب: هذا وهم. الشيخ: لكن الله يعلم أن المصلحة بعد هذا الوقت ما يمكن تحدث أبدًا، ما يمكن تحدث؛ لأننا لو لم نقل بذلك لزم أن تكون أحكام الله سبحانه وتعالى غير تابعة للمصالح. الطالب: لا، مش كل الأحكام تعبدية. الشيخ: يا سلام، المنسوخات كلها تجد أنها موافقة للحكمة، إذا وجدنا مثلًا نسخ الخمر، وجدنا أنه متطور، إيجاب الصلاة وجدنا أنه متطور، إيجاب الصيام وجدنا أنه متطور، وهكذا. طالب: يا شيخ، بالنسبة للخمر، لو قلنا بالمصلحة قلنا: لو أسلم واحد بيديم على الخمر لتدرجنا معه؟ الشيخ: نعم، ربما نقول بهذا، لو فرضنا لو منعناه من الخمر حالًا أنه ينفر من الإسلام، ويرجع إلى دينه، ممكن أن نقول: نعامله بالأهم فالأهم، إحنا نرى هذا، نرى التطور في الدعوة حتى في الوقت الحاضر. قوله تعالى: إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ [البقرة: ١١٩] الباء هنا أيش معناها؟ طالب: للمصاحبة. الشيخ: المصاحبة، وكيف إرساله بالحق؟ هل المعنى أن رسالته حق؟ أو أن ما أرسل به حق؟ طالب: كلا المعنيين. الشيخ: كلا المعنيين؟ يعني: ونأخذ بواحد ولَّا بالمعنيين جميعًا؟ طالب: بالمعنيين جميعًا. الشيخ: طيب، جميل، ويش إعراب بَشِيرًا وَنَذِيرًا؟ طالب: حال. الشيخ: حال من أين؟
طالب: حال من إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ. الشيخ: من كل ها الدنيا؟
طالب: لا، أَرْسَلْنَاكَ.
الشيخ: من أَرْسَلْنَاكَجميع، فعل وفاعل ومفعول؟ طالب: لا، (أرسلنا).
الشيخ: من الفعل؟ طالب: إي. الشيخ: لا، ما يصلح. طالب: من الكاف. الشيخ: من الكاف؟ صح. قوله تعالى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ [البقرة: ١١٤]، ما معنى الاستفهام هنا؟ طالب: لا أظلم. الشيخ: لا أحد أظلم، يعني بمعنى أيش؟ لا أظلم، ويش معناه؟ (لا)، ويش تعربها؟ طالب: نافية. الشيخ: نافية، إذن فالاستفهام بمعنى النفي. ما هي البلاغة في كون الاستفهام يأتي بمعنى النفي؟
طالب: هنا توكيد عظم هذا الأمر. الشيخ: لا. طالب: أنه يكون مشربًا بالتحدي. الشيخ: مشربًا بمعنى التحدي، يعني: كأن لقوة النفي كأنه قيل: من أظلم؟ أخبروني، إن كان هنا أحد أظلم هاتوه، فهو مشرب بمعنى التحدي. قوله: مَنْ أَظْلَمُترد في القرآن كثير مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ [البقرة: ١١٤] وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا [الأنعام: ٢١]، وما أشبه ذلك، كيف نجمع بينها؟ طالب: هذه للتوكيد. الشيخ: إي نعم، لكن هنا مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِيعني: ما هنا أحد أظلم منه، وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًايعني ما هنا أحد أظلم منه أيش (...)؟ طالب: كلهم ظالمين. الشيخ: كلهم ظالمين، يعني. طالب: اللي يعمى عن الشهادة ظالم. الشيخ: كلهم ظالمين، لكن هنا (أظلم)، يعني: أعظم ظلمًا، ومن أعظم ظلمًا ممن منع مساجد الله، لا أحد أعظم منه ظلمًا، لا أحد أعظم ظلمًا ممن افترى على الله كذبًا. طالب: يدخل فيها.. الشيخ: أحد يعرف؟
طالب: (من)، تقدير (من). الشيخ: شو تقدير (من)؟ طالب: يعني: فمن أعظم، لا أحد أعظم، أي: ما في أحد أعظم. الشيخ: اللي يمكن تقدر (من) غيرها يصير. طالب: أو (من)، تبعيض. الشيخ: لا. طالب: لا أحد أكبر منه في هذا الجانب. الشيخ: في افتراء الكذب على الغير، ما هنا أحد أظلم ممن يفتري على الله، فالذي يفتري على غير الله أهون منه، هذا وجهه، يعني: تنزل كل آية على المعنى الخاص بها، فمن منع أحدًا أن يدخل بيتًا، أعظم المانعين لدخول البيوت الذين يمنعون مساجد الله، الذين يكذبون على غيرهم أعظمهم الذي يكذب على الله، فتكون الجهة هنا منفكة. جواب آخر؟ طالب: إنها تكون في منزلة واحدة. الشيخ: نعم. طالب: يعني باعتبار أن هذا ليس فيه نفي إلا أحدًا يماثل الظلم. الشيخ: إي، يعني النفي؛ لا أحد أظلم منه. طالب: لا أظلم منه.
الشيخ: وليس فيه نفي المساواة، يكون المعنى أنهم كلهم اشتركوا في الأظلمية. طالب: على مرتبة سواء. الشيخ: على مرتبة سواء، لكن المعنى الأول أدق؛ لأنه ليس من يفتري على الله كذبًا يساوي من منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه، بل لكل شيء جهته.
قوله تعالى: بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ [البقرة: ١١٧]، أيش معنى بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ؟ طالب: أنشأها على غير مثال سابق. الشيخ: إذن (بديع) بمعنى؟ طالب: مبدع. الشيخ: مبدع، هل تأتي (فَعِيل) بمعنى (مُفْعِل)؟ لأن المعروف أن (فَعِيل) بمعنى (فاعل)؟ طالب: تأتي.
الشيخ: مثل؟ طالب: عَلِيم بمعنى مُعْلِم، سَمِيع بمعنى مُسْمِع. الشيخ: تجبها من عندك؟ أجل قَدِير بمعنى مُقْدِر، وجَمِيل بمعنى مُجْمِل، وحَكِيم بمعنى مُحْكِم، شيء بين، من كلام العرب. طالب: سميع بمعنى مسمع؟
الشيخ: مثل؟ طالب: شاهد، من كلام العرب؟ الشيخ: من كلام العرب أو من القرآن.
طالب: مثل قول الشاعر:
أَمِنْ رَيْحَانَةَ الدَّاعِي السَّمِيعُ
يُؤَرِّقُنِـــــــــــي وَأَصْحَابِـــــــي هُجُـــــــوعُ
الشيخ: نعم، هذا شاهد، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [البقرة: ١٠] بمعنى؟
الطلبة: مؤلم. الشيخ: وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌأي: مؤلم، فبديع هنا بمعنى مبدع، وله شواهد في اللغة العربية وفي القرآن. قوله تعالى: وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُما معنى (إذا قضى)؟ طالب: أي: إذا أراد قضاها. الشيخ: إذا أراد قضاها، وهل يعبر بالفعل عن إرادته؟ هل جاء التعبير عن الفعل باعتبار إرادته؟ طالب: نعم. الشيخ: مثل؟ طالب: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ [المائدة: ٦].
الشيخ: أي؟ الطالب: أي: إذا أردتم الصلاة. الشيخ: وغيرها؟ ما فيه شاهد؟
طالب: قوله تعالى: فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ [النحل: ٩٨]. الشيخ: فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِأي؟ طالب: إذا أردت القراءة. الشيخ: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل الخلاء قال: «أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ» أي: أراد الدخول. استدل بعض العلماء بقوله تعالى: حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْبأن الكفر ملة واحدة وأن اليهودي يرث من النصراني وبالعكس، ما رأيك في هذا الاستدلال؟ طالب: ما أخذنا الفوائد. الشيخ: ما أخذنا فوائدها؟ عجيب، من وَلَنْ تَرْضَى؟ طالب: إي نعم.
قوله تعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ [البقرة: ١١٠]. لماذا لم يقل: تجدونه؟ طالب: جواب (ما) الشرطية. الشيخ: جواب ما الشرطية، وجواب الشرط يكون؟ طالب: مجزومًا. الشيخ: مجزومًا، نعم (...). حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى. يستفاد من هذه الآية الكريمة: عناد اليهود والنصارى؛ حيث لا يرضون عن أحد إلا أن يتبع دينهم. ويستفاد منها أيضًا: أن من كان لا يرضى إلا بذلك فسيحاول إدخال غير اليهود والنصارى لليهودية والنصرانية. ومن فوائدها: الحذر من اليهود والنصارى؛ إذ لا يرضون لأحد حتى يكون يهوديًّا أو نصرانيًّا. ومنها: أن الكفر ملة واحدة؛ لقوله: مِلَّتَهُمْوهو باعتبار مضادة الإسلام ملة واحدة، أما باعتبار أنواعه فإنه ملل، اليهودية ملة، والنصرانية ملة، والبوذية ملة، وهكذا بقية الملل، لكن كل هذه الملل باعتبار مضادتها للإسلام تعتبر ملة واحدة؛ لأنه يصدق عليها اسم الكفر، فتكون جنسًا، والملل أنواعًا. ومنها: الرد على أهل الكفر بهذه الكلمة هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى، والمعنى: إن كان معكم هدى الله فأنتم مهتدون، وإلا فأنتم ضالون.
ومنها: أن البدع ضلالة؛ لقوله: هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى(وهو) هنا ضمير فصل كما مر علينا وتفيد حصر الهدى بأي شيء؟ بهدى الله، إذن فالبدع ليست هدى مَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ [يونس: ٣٢] فعليه يستفاد من هذه الآية الكريمة: أن جميع البدع ضلالة كما ثبت بذلك الحديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم . ومنها: تحريم اتباع أهواء اليهود والنصارى؛ لقوله:وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ. ومنها: أن ما عليه اليهود والنصارى ليس دينًا، بل هو هوى؛ لقوله: أَهْوَاءَهُمْ، ولم يقل: ملتهم كما قال بالأول، في الأول قال: لَنْ تَرْضَىحَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ؛ لأنهم يعتقدون هم أنهم على ملة ودين، لكن وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْبيَّن الله أن هذا ليس بدين ولا ملة، بل هو هوى وليس هدى. ومنها: أن من اتبع الهوى بعد العلم فهو أضل وأشد ضلالًا؛ لقوله: بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ. ومن فوائد الآية أيضًا: أن من أراد الله به سوءًا فلا مرد له؛ لقوله: مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ. ومنها: أنه يجب تعلق القلب بالله خوفًا ورجاء؛ لأنك متى علمت ذلك أنه ليس لك ولي ولا نصير، فأين يتعلق قلبك؟ بالله أو بمن سواه؟ بالله، فلا تُعَلِّق قلبك أيها المسلم إلا بربك. ثم قال تعالى: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ. يستفاد من هذه الآية الكريمة: منة الله سبحانه وتعالى على من آتاه الله الكتاب فتلاه حق تلاوته. ومن فوائدها: أنه ليس مجرد إتيان الكتاب فضيلة للإنسان، بل الفضيلة بتلاوته. ومنها: أن للإيمان بالشيء علامة، الإيمان له علامة، وعلامته العمل؛ لقوله لما قال: يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِقال: أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ. ومن فوائد الآية: أن من خالف القرآن في شيء كان ذلك دليلًا على نقص إيمانه، من أين تؤخذ؟ لقوله: يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ، فمعنى ذلك: إذا لم يتلوه حق تلاوته ما آمنوا به، نقص من إيمانهم بقدر ما نقص من تلاوتهم له. ومنها: أن تلاوة القرآن نوعان: تلاوة حق، وتلاوة ناقصة ما هي حقيقة، فالتلاوة الحق أن يكون الإنسان تاليًا للفظه ولمعناه، عاملًا بأحكامه، مصدقًا بأخباره، كل الأربعة التي مرت علينا هذه تلاوته حق تلاوته. من فوائد الآية: أن الكافر بالقرآن مهما بلغ من الدنيا فهو خاسر؛ لقوله: وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ، وكيف يكون خاسرًا وهو قد حصل له أموال، وبنون، ومراكب ضخمة، وقصور مَشِيدَة؟ لأن هذه كلها سوف تذهب وتزول، أو هو يزول عنها ولا تنفعه، فإذن يصدق عليهم أنهم هم الخاسرون، كما في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ [المنافقون: ٩] ولما كان الذي يتلهى بذلك عن ذكر الله يظن أنه يربح، قال: وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ، يعني: ولو ربحوا. ثم قال تعالى: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ. من فوائد هذه الآية: تذكير بني إسرائيل بنعمة الله عليهم؛ لقوله: اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ.
ومنها: أن ذكر النعمة ليس معناه أن يتذكرها الإنسان بقلبه، بل معناه أن يقوم الإنسان بشكرها، مجرد أنه يذكر أن الله أنعم عليه ما يكفي هذا، لا بد أن يقوم بالشكر، وهذا هو الذي أمر الله به بني إسرائيل.
ومنها: أن النعمة من الله وحده؛ لقوله: الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ، ولو كان أحد له نعمة لقال الله تعالى؛ لأن مقتضى العدل أن يقول الله: ونعمة فلان بن فلان، كما قال لنبيه: وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ [الأحزاب: ٣٧]. ومنها: تفاضل الناس عند الله عز وجل؛ لقوله: وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ، وسبق لنا ماذا فضلهم الله به؛ جعل فيهم أنبياء، وجعلهم ملوكًا، وآتاهم ما لم يؤت أحدًا من العالمين. ومنها: أن هذا التفضيل ليس على عمومه إلى يوم القيامة؛ لأن هذه الأمة أفضل منهم؛ لقوله تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [آل عمران: ١١٠] فيكون (العالمين) عامًّا أريد به الخاص، ما الذي أريد به يا إخوان؟ الطلبة: عصرهم. الشيخ: عالم زمانهم.
وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ. يستفاد من هذه الآية: إثبات يوم القيامة. ويستفاد منها: أن هذا اليوم شديد يجب اتقاؤه والحذر منه. ومن فوائدها: أن ذلك اليوم لا تنفع نفس نفسًا شيئًا كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ [المدثر: ٣٨]. ما ينفعك لا ابنك، ولا أبوك، ولا أختك، ولا أخوك. ومنها: أن من استحق العذاب ذلك اليوم لا يُقبل منه عدل، أي ما يَعْدِل به العذاب عن نفسه. ومنها: ثبوت الشفاعة في ذلك اليوم، من أين نأخذ؟ طالب: (...). الشيخ: لكن هذا نفي؟ طلبة: (...).
الشيخ: إذن يقال: لا تنفعها شفاعة، ما قال: ما فيه شفاعة، لا تنفعها، إذن ففيه أصل الشفاعة، ففيه إثبات الشفاعة في ذلك اليوم، ولكنه مقيدة بشرطين: إِذْنُ الله للشافع، ورضاه عن المشفوع له، كما قال الله تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [البقرة: ٢٥٥]، وقال سبحانه وتعالى: وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى [الأنبياء: ٢٨]. ومنها: أن الكافرين لا تنفعهم الشفاعة؛ لقوله تعالى في آية أخرى: فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ [المدثر: ٤٨]. ومنها: أنه لا ينصر أحد أحدًا من عذاب الله؛ لقوله: وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ. طالب: مناسبة قول الله تعالى قبل وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ [البقرة: ٤٨]، لكن هنا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ.
الشيخ: التقديم والتأخير، المناسبة والله أعلم، الحكمة في هذا تنوع الأساليب فقط، ما يظهر لي غير هذا.
تفسير الآيات (١٢٤-١٢٦)
٠١:١٤:١١
ثم قال: وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ [البقرة: ١٢٤] من المبتلِي؟ الله، (إبراهيم) هو الذي يلي الفعل؟ وابن مالك يقول:
وَالْأَصْلُ فِي الْفَاعِلِ أَنْ يَتَّصِلَا
وَالْأَصْلُ فِي الْمَفْعُولِ أَنْ يَنْفَصِلَا
ولكنه قال:
وَقَدْ يُجَاءُ بِخِلَافِ الْأَصْلِ
.........................
وهذا مما جاء على خلاف الأصل، فـإِبْرَاهِيمَمفعول مقدم، ورَبُّهُفاعل مؤخر، وهذا الترتيب على هذا الوصف على هذا الوجه واجب ولَّا جائز؟ الطلبة: واجب. الشيخ: واجب؛ لأن الضمير لو قدمت فاعل عاد الضمير إلى متأخر لفظًا ورتبة وهذا ممنوع؛ ولهذا قال:
........................
وَشَذَّ نَحْوُ زَانَ نَوْرُهُ الشَّجَرْ
وهذا شاذ ما يقاس عليه، أما نظير الآية:
وَشَاعَ نَحْوُ خَافَ رَبَّهُ عُمَرْ
.....................
وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُإبراهيم فيها قراءة: {إِبْرَاهَامَ}، {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهَامَ رَبُّهُ} إبراهام، لغة عربية تقرأ باللغة العربية (إبراهام).
طالب: إبراهام؟ الشيخ: بالميم، المهم أنه بدل الياء الألف، بدل (إبراهيم) (إبراهام). طالب: سبعية؟ الشيخ: إي، سبعية.
طالب: اختلفت الحروف؟ الشيخ: لا، ما اختلفت. طالب: فالياء؟ الشيخ: إي، لكن تكتب الألف ياء بالرسم العثماني تكتب قصاد الياء. وقوله: إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُرَبُّهُفاعل، وهنا أضاف الربوبية إلى إبراهيم، وهي من الربوبية الخاصة؛ لأنه سبق لنا أن قلنا: إن الربوبية بإزاء العبودية، فكما أن العبودية نوعان: خاصة وعامة، فالربوبية أيضًا نوعان: خاصة، وعامة، وقد اجتمعا في قول السحرة: قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ [الأعراف: ١٢١] هذه عامة رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ [الأعراف: ١٢٢] هذه خاصة، فهنا ربوبية خاصة، ولا شك أن ربوبية الله سبحانه وتعالى للرسل، ولا سيما أولو العزم منهم وهم؟ طالب: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: نعم، أنها أخص الربوبيات. وقوله: بِكَلِمَاتٍهذا الذي ابتلي به، والابتلاء هو الاختبار والامتحان، هذه الكلمات، ما هذه الكلمات؟ هل هي كونية، أو شرعية، أو من الكونيات والشرعيات؟ الله سبحانه وتعالى أطلقها، فهي كلمات كونية وشرعية، أو جامعة بينهما، فما هذه الكلمات؟ اختلف فيها المفسرون، وأصح الأقوال فيها: أنها كل ما أمر الله به إبراهيم كونًا أو شرعًا، كل ما أمره به، أو قدَّره عليه فهي كلمات، فمن ذلك مثلًا ابتلي بالأمر بذبح ابنه، ذبحه ولَّا لا؟ الطلبة: ذبحه.
الشيخ: ذبحه؟ طالب: ما ذبحه. الشيخ: إي نعم، يعني قال الله له: قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا [الصافات: ١٠٥] فهو ذبحه حكمًا، وإن لم يذبحه حقيقة، امتثل لأمر الله، وهذا امتحان ولَّا لا؟ امتحان من أعظم الامتحانات، كذلك أيضًا امتحنه الله تعالى بأن أوقدت له النار وألقي فيها، وهذا من الكلمات الكونية، صبر ولَّا لا؟ صبر، صبر واحتسب، وكل ما قدره الله عليه مما يحتاج إلى صبر ومصابره، أو أمره به كذلك فهو داخل في قوله تعالى: بِكَلِمَاتٍهذا هو الصحيح، ومنهم من قال: إن الكلمات التي ابتلاه بها: قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا، وهذا في الحقيقة ما فيه امتحان، بل هذا نتيجة الامتحان لما امتحنه الله فَأَتَمَّهُنَّ، أتم هذه الكلمات الكونية أو الشرعية، من الذي يستطيع أن يتم كل كلمات الله عز وجل الكونية والشرعية؟ ما كل أحد يصبر على ذلك إلا من وفقه الله؛ ولهذا وصف الله إبراهيم بأنه وَفَّى، فقال: وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى [النجم: ٣٧] أي: تمم ما أمره الله به، وابتلاه به. لما أتمهن، الله جل وعلا أكرم من عبده، أعطاه الله هذه الإمامة، وبالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين ولَّا لا؟ بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين، وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا [السجدة: ٢٤]، هذه واحدة، وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَهذه الثانية، إبراهيم من هؤلاء الجنس قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا. جَاعِلُكَمُصَيِّرك، وهي تنصب مفعولين؛ لأنها مشتقة من (جعل) التي بمعنى (صَيَّر)، والمفعول الأول الكاف اللي هي في محل جر بالإضافة، والمفعول الثاني إِمَامًا.
والإمام من يقتدى به سواء في الخير أو في الشر، لكن لا ريب أن المراد هنا إمامة الخير. فإذا قال قائل: أرونا دليلًا على أن الإمامة في الشر تسمى إمامة؟
قلنا: قوله تعالى: وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ [القصص:٤١]، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وُزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» ، وهذا لأنه إمام، صار متبوعًا. قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًالِلنَّاسِعامة ولَّا لا؟ عامة فيمن أتى بعده، لا من كان قبله، لكن فيمن أتى بعده صار إمامًا، حتى لخاتم الرسل محمد عليه الصلاة والسلام، ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [النحل: ١٢٣] فهو إمام. قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِييعني: واجعل من ذريتي إمامًا، وهنا مِنْهذه للتبعيض ولَّا لبيان الجنس؟ يحتمل لبيان الجنس، وبناء على ذلك تصلح ذُرِّيَّتِيلجميع الذرية، يعني: واجعل ذريتي كلهم أئمة، ويحتمل أن يكون للتبعيض، وعليه فيكون المقصود: اجعل بعض الذرية إمامًا، أيهما أقرب؟
الطلبة: للجنس. الشيخ: يعني: أنه سأل الله أنه يجعل كل ذريته أئمة؟ يحتمل هذا وهذا، لكن مهما كان، سواء قلنا: إنها لبيان الجنس أو للتبعيض، فالله تعالى أعطاه ذلك مقيدًا فقال: لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ. طالب: (...). الشيخ: لا حتى البعض ما كل البعض يكون إمام، على كل حال إنه سواء قلنا للجنس أو للتبعيض، فالله تعالى أجابه إجابة مقيدة فقال: لَا يَنَالُأي: لا يصيب، عَهْدِيأي: تعهدي لك بهذا، الظَّالِمِينَالظالمين من ذريتك، سواء كان الظلم عامًّا أو خاصًّا، أكبر أو أصغر، فالظالم لا يكون إمامًا؛ ولهذا قال: لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَعَهْدِيفاعل، والظَّالِمِينَ؟ مفعول به، يعني: أجعل من ذريتك إمامًا، ولكن الظالم لا يدخل في ذلك؛ ولهذا لم يول الله تعالى ظالمًا على وجه التعهد، ولكنه قد يرد عليك أن من ذرية إبراهيم من هو ظالم، ولكن ليس ظلمًا أكبر ولَّا لا؟ مثل من؟
طالب: الحجاج. الشيخ: أي بس ما هم بأئمة، مثلًا من خلفاء بني أمية من هو ظالم، من خلفاء بني عباس من هو ظالم، لكنه ما سمعنا أن أحدًا منهم ظلم ظلمًا أكبر يخرج به من الإسلام، ويأتي إن شاء الله تحقيق لهذه المسألة. قوله: وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ، ما معنى الابتلاء؟ طالب: الاختبار. الشيخ: الاختبار، وما الذي نصب إِبْرَاهِيمَ؟ الطالب: مفعول.
الشيخ: مفعول لأيش؟ الطالب: مفعول لـابْتَلَى. الشيخ: أين الفاعل؟ الطالب: رَبُّهُ. الشيخ: رَبُّهُ. في إِبْرَاهِيمَقراءتان؟ طالب: فيه إِبْرَاهِيمَ، وفيه {إِبْرَاهَامَ}. الشيخ: إبراهام، في كل موضع في البقرة، كل ما جاءت في البقرة ففيها قراءتان إبراهام وإبراهيم، في غير البقرة فيه اختلاف. ما هي الكلمات التي ابتلى الله بها إبراهيم؟ ما هي الكلمات؟ هل هي كونية ولا شرعية؟ طالب: كونية وشرعية.
الشيخ: كونية وشرعية؟ طالب: نعم. الشيخ: اثبت؟ نعم، زين، الكونية مثل؟ الطالب: الكونية مثل: (...) في النار.
الشيخ: إلقاؤه في النار، زين، والشرعية؟ الطالب: الشرعية، مثل ما ترك زوجته وابنه، وعندما قتل ابنه.
الشيخ: أُمِر بذبح ابنه. الطالب: أُمِر بذبح ابنه. الشيخ: وكذلك أيضًا تكسير الأصنام وغيره، إذن الصحيح أن هذه الكلمات معينة ولا غير معينة؟
طالب: غير معينة. الشيخ: غير معينة، لكنها كلمات عظيمة فيها ابتلاء وامتحان. قوله: إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًاويش معنى إِمَامًا؟ طالب: يعني: الإمام هو القدوة الذي يؤتم به. الشيخ: في الخير أو في الشر؟
طالب: في الخير، وتكون في الشر. الشيخ: وتكون في الشر، مثل؟ طالب: وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ [القصص: ٤١] . الشيخ: إي، أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ. وقوله: إِمَامًاما الذي نصبها؟ طالب: إِمَامًا؟ الشيخ: نعم.
طالب: نصبها (جاعل). الشيخ: (جاعل) على أنها؟ الطالب: مفعول. الشيخ: أول، ولا ثان، ولا ثالث؟ طالب: ثانٍ. الشيخ: ثان؟ طالب: الكاف الأول وإِمَامًاثانٍ.
الشيخ: وإِمَامًاثان.
طالب: وإمامًا ثان. الشيخ: ثان؛ لأن جَاعِلُمن جعل، وهي تنصب. طالب: مفعولين. الشيخ: مفعولين. قوله: وَمِنْ ذُرِّيَّتِيويش معنى قوله وَمِنْ ذُرِّيَّتِي؟
طالب: أي: واجعل من ذريتي. الشيخ: أئمة. الشيخ: هل أجاب الله هذا الدعاء؟ طالب: أجابه إجابة مقيدة. الشيخ: مقيدة؟ في قوله؟ طالب: قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ. الشيخ: في قوله: قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ. ما المراد بالعهد هنا؟ طالب: الإمامة. الشيخ: لا ينال عهدي؟ من يعرف؟ يعني: ما أتعهد به لك لا ينال الظالمين، يعني: كأنه يقول: أتعهد لك بذلك وأعطيك به عهدًا إلا أنه لا ينال الظالمين. قال: وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا(إذ) هذه ظرفية، وهي متعلقة بمحذوف تقديره؟ طالب: اذكر. الشيخ: اذكر، يعني: اذكر يا محمد للناس هذا الأمر الذي صيرناه للناس. وجَعَلْنَابمعنى صيرنا.
والْبَيْتَ(أل) هنا للعهد الذهني، والمراد به الكعبة؛ لأنها بيت الله عز وجل، وأتي بها ثم بـ (أل) للتفخيم والتعظيم، يعني: البيت المعهود الذي لا يجهل ولا ينسى، جعلناه مثابة. المثابة بمعنى المرجع، أي: يثوب الناس إليه ويرجعون إليه في كل أقطار الدنيا، سواء ثابوا إليه بأبدانهم أو بقلوبهم، فالذين يأتون إليه حجاجًا أو معتمرين يثوبون إليه بأبدانهم، والذين يتجهون إليه كل يوم في صلواتهم يثوبون إليه بقلوبهم، فإنهم لا يزالون يتذكرون هذا البيت في كل يوم وليلة، بل هو من شروط صحة صلاتهم. وقوله: وَأَمْنًاأي: وجعلناه أمنًا للناس.