تفسير سورة البقرة - ٢٠
درس صوتي · ٩٣:٤٦
جارٍ تجهيز الصوت
انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها
إعدادات
اختصارات لوحة المفاتيح
محتوى الدرس
يقينًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ [الرعد: ٣١]. والفائدة الثانية في إضافتها إلى الله: أنها تكون أعظم مما يتصوره العبد؛ لأن العطاء من العظيم عظيم، ولَّا لا؟ فالعطية على حسب المعطي، عطية البخيل قليلة، وعطية الكريم كثيرة، البخيل إذا أعطى الإنسان واحدًا قرشًا قال: والله، إني اليوم خسرت، أعطيت واحدًا قرش، لكن الكريم لو يعطيه ألف ريال ما يهمه، ولا يفتخر بها؛ لأنه كريم، فالله تعالى أضاف المثوبة إليه مِنْ عِنْدِ اللَّهِللأمرين جميعًا، هما: اطمئنان العبد على حصولها، والثاني: بيان عظمة هذه المثوبة؛ لأن مثوبة العظيم لا بد أن تكون عظيمة. وقوله: خَيْرٌخير من أيش؟ الأَوْلى أن نقول: إنها خيرية مطلقة، خير من كل شيء، ما هو من الفائدة التي حصلوا عليها بالسحر، خير من كل شيء، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» ، بل قال: «رَكْعَتَا الْفَجْرِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» يعني: سنة الفجر ركعتين خير من الدنيا وما فيها، فإذن خَيْرٌالأَوْلى أن نجعله مطلقًا، خيرية مطلقة يعني: خير من كل شيء، لا من النفع الذي حصلوه بتعلم السحر ولَّا من غيره. إعراب الآية: وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا(أن) هنا مفتوحة الهمزة، فمعنى ذلك أنها تؤول بمصدر وما بعدها؛ لأن (أن) المفتوحة الهمزة من حروف المصادر، (أنَّ) و(أنْ) كلها حروف مصدرية فتؤول وما بعدها بمصدر، هذا المصدر الذي تؤول به اختلف النحويون في إعرابه: فمنهم من قال: إنه فاعل لفعل محذوف، والتقدير: ولو ثبت إيمانهم واتقاؤهم، ومنهم من قال: بل هو مبتدأ، وخبره محذوف، ولو إيمانهم وتقواهم ثابتة. قوله: لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌاللام واقعة في جواب (لو)، ومَثُوبَةٌمبتدأ، وهي نكرة، وساغ الابتداء بها وهي نكرة لأنها وصفت بقوله: مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وخبر المبتدأ قوله: خَيْرٌ، والجملة جواب (لو) وليست خبر المبتدأ؛ لأن خبر المبتدأ محذوف. لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌهذه مثل التي قبلها، يوقف على قوله: لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ. وقوله: لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَيعني: لو كانوا يعلمون لآمنوا واتقوا، فـ(لو) هذه الشرطية وجوابها محذوف تقديره: لآمنوا واتقوا. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَاتصدير الحكم بالنداء دليل على الاهتمام به؛ لأن النداء يوجب انتباه المنادى، فأنا لو أقول لك: افعل كذا، أو أقول: يا فلان افعل كذا، أيهم أبلغ في الانتباه؟ يا فلان أبلغ، فتصدير الحكم بالنداء دليل على الاهتمام به، ثم النداء بوصف الإيمان دليل على أن هذا الحكم تنفيذه من مقتضيات الإيمان، وعلى أن فواته نقص في الإيمان؛ لأنه ما يمكن تخاطب أحدًا تقول: يا مؤمن، افعل كذا وكذا إلا لأن إيمانه يقتضي أن يفعل كذا وكذا، ولا يمكن تقول: يا مؤمن افعل كذا إلا لأنه إذا لم يفعل نقص إيمانه، وعلى هذا فنقول: تصدير الحكم بالنداء بوصف الإيمان يدل على أن التزامه من مقتضيات الإيمان، وأن مخالفته أو فواته من نقص الإيمان. قال ابن مسعود رضي الله عنه: إذا سمعت الله يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوافأرعها سمعك. يعني استمع لها؛ لأنها نداء من الله لك، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوانداء من الله لك أرعها سمعك، يعني استمع إليها، فإنها إما خيرٌ فتؤمر به، وإما شرٌّ فتنهى عنه، الذي معنا من النهى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَايعني: لا تقولوا عند مناداة النبي عليه الصلاة والسلام: راعنا، راعنا من المراعاة، وهي العناية بالشيء والمحافظة عليه، وكان الصحابة يقولون: راعنا إذا أرادوا يكلمون الرسول صلى الله عليه وسلم، يا رسول الله راعنا، وكان اليهود يقولون: يا محمد راعنا، لكن اليهود يريدون بها معنى سيئًا، يريدون راعنًا اسم فاعل من الرعونة يعني: راعنًا، فمعنى الرعونة أن الإنسان يكون ليس بذي مروءة، فاليهود يريدون بهذا اللفظ معنى سيئًا، المسلمون لا يريدون معنى سيئًا بلا شك يريدون من المراعاة، لكن لما كان اللفظ واحدًا، وهو محتمل لهذا وهذا نهوا - أي: المؤمنون - أن يقولوه تأدبًّا وابتعادًا عن سوء الظن؛ ولأن من الناس من يتظاهر بالإيمان مثل المنافقين، فربما يقول: راعنا، وهو يريد ما أرادت اليهود، فلهذا نُهِي المؤمنون عن ذلك لَا تَقُولُوا رَاعِنَا. طالب: معنى رَاعِنَا؟ الشيخ: قلنا لك: من المراعاة، راعنا فعل طلب. طالب: المقصود؟ الشيخ: المقصود اسمعوا. وَقُولُوا انْظُرْنَايعني: مثلًا إذا أردتم من الرسول أنه ينتظركم لا تقولوا: راعنا، ولكن قولوا: انظُرْنا، من النظر بمعنى الانتظار، يعني ما تقولون: راعنا؛ لأن اللفظة هذه تقولها اليهود، وتريد بها معنى سيئًا. وَقُولُوا انْظُرْنَافعل أمر من أين؟ من النظر بمعنى الانتظار، والنظر يأتي بمعنى الانتظار، كما في قوله تعالى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ [البقرة: ٢١٠] فأنتم إذا أردتم من النبي عليه الصلاة والسلام أن ينتظركم في وقوف أو قعود، أو أي حال من الأحوال لا تقولوا: راعنا، قولوا: انظرنا، ولما نهى عن الشيء ذكر بدله حتى لا يقع الإنسان في حَيْرة إذا نهي عن شيء ماذا يقول إذن؟ فبين الله البدل الذي ما فيه احتمال. وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوااسمع اسْمَعُواسمع إدراك ولَّا قَبُول؟ إدراك وقبول، لكن الإدراك، قد يكون أمرًا معلومًا اسْمَعُوايعني: سماع تفهم وقبول لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ [الأنفال: ٢١]، يعني: اسمعوا ما تؤمرون به، وما تنهون عنه، فما تؤمرون به فافعلوه، وما تنهون عنه فاتركوه. ثم توعد فقال: وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌأَلِيمٌبمعنى مؤلم، والعذاب بمعنى العقوبة، والمراد بالكافرين هنا: اليهود، وكذلك من خالف الأمر من المسلمين، فله عذاب أليم، فإن مخالفة أمر الله إذا كانت على سبيل الإطلاق فهي ردة والعياذ بالله، وصاحبها مستحق للعذاب الأليم، وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ، وأما المؤمنون فلهم نعيم مقيم. طالب: مثل قرية راعنا (...) فيها شيء؟ الشيخ: لا، ما فيها شيء، بعد الرسول ما فيها شيء، هذا خاص بمخاطبة الرسول صلى الله عليه وسلم. الطالب: سمعت في ناس ينهون، يقولون: ما يجوز..؟ الشيخ: لا لا. الطالب: (...) قولوا: انظرنا؟ الشيخ: دولا ما يدرون، ما يدرون، (...) تقول راعن (...) الدكان ما فيها بأس. الطالب: (...). الشيخ: ما فيها بأس. طالب: شيخ، اليهود ما هي لغتهم اللغة العبرانية؟ الشيخ: إي، لكن اللغة العبرية قريبة جدًّا من اللغة العربية قريبة، من أقرب اللغات إلى العربية هي، وأيضًا اليهود في المدينة تعلموا من العرب، تعلموا لغة العرب فصاروا يقرؤون يتخاطبون باللغة العربية. قال: مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ(ما) شرطية؟ طالب: لا، نافية. الشيخ: نافية؟ نعم، يَوَدُّبمعنى: يحب، والود أعلى أنواع الحب، يعني: هو الذي يلي الخلة، الخلة أعلى الأنواع، والود هو الذي يقرب منها، مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِأي: ما يحبون، مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ، قوله: الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ(من) للتبعيض ولَّا للبيان؟ طالب: للبيان. الشيخ: ويش الفرق بين هذا وهذا؟ الطالب: إذا قلنا الشيخ: يصير المعنى: أن أهل الكتاب كلهم كفار، ويصير المعنى: ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين، وتصير أيضًا وَلَا الْمُشْرِكِينَمعطوفة على قوله: مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، يعني: ما يود الذين كفروا من هؤلاء ولا هؤلاء، ولهذا قال: وَلَا الْمُشْرِكِينَ، ولم يقل: ولا المشركون؛ لأنه لو كانت معطوفة على الَّذِينَ كَفَرُوالكانت بلفظ: ولا المشركون، فعلى هذا تكون (من) لبيان الجنس أي: الذين كفروا من هذا الصنف اللي هم أهل الكتاب، وكذلك من المشركين، وتقدير الآية: ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا من المشركين، ويش ما يودون؟ ما يودون أي شيء؟ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْأَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْهذه مفعول يَوَدُّ، يعني: ما يودون تنزيل خير. أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍمِنْزائدة إعرابًا، وخَيْرٍنائب الفاعل يعني أن ينزل عليكم خير، والخير هنا يشمل خير الدنيا والآخرة، لو حصل للكافرين من أهل الكتاب من اليهود والنصارى والمشركين أن يمنعوا القطر عن المسلمين لفعلوا؛ لأنهم ما يودون ينزل علينا أي خير، لو تمكنوا من أن يمنعوا العلم النافع عنا لفعلوا، وهذا خاص في أهل الكتاب في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم؟ طالب: عام. الشيخ: عام، ولهذا جاء بصيغة المضارع مَا يَوَدُّوهو دال على الاستمرار، فهم ما يودون أن ينزل علينا من خير من ربنا، وقال الله تعالى: وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ. قوله: مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواأي: لا يحبون. وقوله: مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِبيان لـ(الذين)، وقوله: وَلَا الْمُشْرِكِينَمعطوف على قوله: مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، فيكون الَّذِينَ كَفَرُواشاملًا لأهل الكتاب وللمشركين، هؤلاء ما يودون أن ينزل عليكم، وفي قراءة: أَنْ يُنْزَلَ عَلَيْكُمْقراءة سبعية، وقوله: أَنْ يُنَزَّلَوأَنْ يُنْزَلَالفرق بينهما أن التنزيل هو إنزاله شيئًا فشيئًا، وأما الإنزال فهو إنزاله جملة واحدة، فهم لا يودون لا هذا ولا هذا، لا يودون أن ينزل الخير جملة واحدة، ولا أن يُنزَّل شيئًا فشيئًا. طالب: بالتشديد شيئًا فشيئًا؟ الشيخ: إي نعم، بالتشديد شيئًا فشيئًا. وقد ذكر أهل العلم أنه إذا جاءت قراءتان، وفي إحداهما زيادة حرف فالأولى القراءة بها، قالوا: من أجل زيادة الثواب، لأن كل حرف فيه عشر حسنات، ولكن الصحيح في هذه المسألة أن الأولى أن يقرأ الإنسان بهذا تارة وبهذا تارة، كما نقول في السنة العملية: إذا اختلفت أنواعها فإن الأولى أن يفعل هذا مرة وهذا مرة، ولكن هذا بالنسبة لقارئ القرآن الذي يقرؤه لنفسه أو يقرؤه لطلبة العلم، وأما الذي يقرؤه لغيره من العامة فلا ينبغي أن يخرج عن القراءة المألوفة، وذلك لأن العامة إذا قرئ عليهم القرآن بغير القراءة المألوفة تنكره قلوبهم، ثم يستطيلون على القرآن ويستهونون به، فلهذا ينبغي للإنسان أن يراعي هذا الأمر، بعض الناس يقرأ بالقراءات المتعددة أمام العامة، الله أعلم بنيته هل يريد أن يعلم أو يريد أن يقال: إنه عالم في القراءات، الله أعلم بنيته، نحن ما شققنا عن قلبه، ولكنَّ هذا ليس من باب التربية الحكيمة، فإن العامة لهم شأن غير شأن طلبة العلم. وقوله: أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍيصلح أن نقول: إن (من) زائدة، وإن المعنى: أن ينزل عليكم خير من ربكم، أو نجعل أن (من) داخلة في ضمن النفي فتكون للعموم، يعني: أي خير يكون قليلًا كان أو كثيرًا، وهذا أولى. وقوله: مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْما المراد بالخير هنا؟ هل هو خير الآخرة يعني الوحي؟ أو خير الدنيا والآخرة فيشمل هذا وما ينزل من المطر أو غيره؟ الثاني هو الأولى أن يكون شاملًا، فإن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين ما يودون أن ينزل للمسلمين خير أبدًا، لا خير ديني ولا خير دنيوي، ولكن الله تعالى رد هذا عليهم بقوله: وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ(يختص) تستعمل لازمة ومتعدية، فإن كانت لازمة فإن مَنْفاعل يَخْتَصُّ، ومعنى يختص: أي ينفرد برحمته من يشاء، كما تقول: خصصته بهذا الشيء أي: أفردته به، وعلى هذا فتكون من؟ فاعلًا، وتستعمل (يختص) متعدية بمعنى (يخص)، يخص برحمته من يشاء، وعلى هذا فتكون مَنْمفعولًا به لـيَخْتَصُّ، والمعنى على كلا الوجهين، المعنى واحد، أي: أن الله تعالى يخص برحمته من يشاء فيختص بهذه الرحمة من خصه الله. وقوله: بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُيعم الرحمة التي تعود برحمة الدين والدنيا، والتي تعود برحمة الدين أو الدنيا؛ لأن الله تعالى يختص بهذا من يشاء، وقوله: بِرَحْمَتِهِلأن هذا الوحي الذي نزل على الرسول الله صلى الله عليه وسلم هو من رحمة الله عليه وعليهم. وقوله: مَنْ يَشَاءُهذا كما أسلفنا مرارًا مقرون بأي شيء؟ بالحكمة، يعني اختصاصه لمن يشاء بالرحمة مبني على حكمته تبارك وتعالى، فمن اقتضت حكمته أن يرحمه رحمه، ومن اقتضت رحمته أن لا يختصه بالرحمة لم يرحمه. وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِاللَّهُمبتدأ وذُوخبره، وذو بمعنى صاحب، والْفَضْلِالعطاء، العطاء الزائد عما تتعلق به الضرورة، وقوله: الْعَظِيمِيعني: الواسع الكثير الكبير، فالعِظَم هنا يعود إلى الكمية وإلى الكيفية، ومن فضله تبارك وتعالى أنه خص هذه الأمة بخصائص عظيمة ما جعلها لأحد سواها، منها مثلًا ما في حديث جابر في الصحيحين: «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلِي، نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ» إلى آخر الحديث، فهذا مما اختص الله به من يشاء. ثم قال تعالى: مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَاأولًا الإعراب والقراءات: مَا نَنْسَخْ(ما) شرطية، اسم شرط جازم تجزم فعلين، الأول فعل الشرط، والثاني: جوابه وجزاؤه. طالب: يا شيخ، ما أخذنا فوائد الآية السابقة؟ الشيخ: إي ما أخذناها نمشي. طالب: (...). الشيخ: يعني ممكن نقف على هذا؟ الطالب: (...). الشيخ: إذن إن شاء الله نقف على هذا، نأخذ الفوائد. قال الله تعالى: وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ يستفاد من هذه الآية: أن اليهود أخذوا السحر عن الشياطين؛ لقوله: وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ، ويدلك على هذا: أن أحدهم سحر النبي صلى الله عليه وسلم وهو لَبِيدُ بن الأَعْصَم سحر النبي عليه الصلاة والسلام كما هو معروف. ومنها: أن السحر من أعمال الشياطين؛ لقوله: مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُأي: ما تَتْبَعُه على ملك سليمان. ومنها: أن الشياطين كانوا يأتون السحر حتى في عهد سليمان مع قوة سلطانه عليهم؛ لقوله: عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ. ومن فوائد الآية: أن سليمان لا يقر ذلك؛ لقوله: وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُلا يقرهم على هذا الأمر، ولهذا نفى عنه الكفر؛ إذ لو أقرهم على ذلك لكان -وحاشاه من أن يقرهم- لكان مقرًّا على كفر. ومنها: أن الله تعالى قد يقدر أسباب المعصية فتنة للناس، من إنزال الملكين يعلمان الناس السحر، فإن هذا من التيسير تيسير هذا الأمر ابتلاء وامتحانًا، وله شواهد أيضًا وهو الامتحان بتيسير أسباب المعصية منها؟ طالب: وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ [الأعراف: ١٦٣]. الشيخ: منها قصة أصحاب السبت الذين يُسِّرَت لهم الحيتان متى؟ في يوم السبت اليوم الذي يحرم عليهم صيد السمك فيه. ومنها: ما ابتلى الله به بهذه الأمة من الصيد لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ [المائدة: ٩٤]. ومنها: ما أشار إليه النبي عليه الصلاة والسلام في قوله: «رَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ» . ومنها أيضًا: قصة يوسف حينما غَلَّقت الأبواب امرأة العزيز وانفردت به وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ [يوسف: ٢٣]، فإن هذا ابتلاء من الله عز وجل في هذا الأمر العظيم، فالمهم أن الله تعالى يبتلي المرء بتيسُّر أسباب المعصية له، فإياك إياك إذا تيسرت لك أسباب العصية لا تفعل، احذر ترى هذا مثل العصفور الذي يُقدم له السم في الطعم، فلتكن على حذر. ويستفاد من الآية الكريمة: أنه يجب على الإنسان أن ينصح للناس، وإن أوجب ذلك إعراضهم عنه، قالوا: وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ، فإذا كان عندك سلعة ما هي طيبة، وأراد أحد يشري منك تسكت وتخليه يشري يمشي؟ طالب: لا. الشيخ: يجب عليك تحذره، تقول: ترى ما هي بطيبة، إن شرى فهو شأنه وإلا بكيفه، وكان أحد الناس المعروفين عندنا بالصدق إذا كان عنده السلعة، وسُئل عنها أخبر بالصدق حتى إنه كان من جملة ما يخبر به يقول: الناس يمدحونها وأنا ما (...) إلى هذا الحد، لكن أين هذا في وقتنا الحاضر؟ فالمهم أن هذا فيه دليل على أن من النصح أن يخبر الإنسان بالأمر على وجهه وإن أدى ذلك إلى نفور الناس عنه. ومنها: أن تعلم السحر كفر؛ لقوله: إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ. ومنها: أن تعليم السحر كفر أيضًا وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَفإن جملة يُعَلِّمُونَتعليل للكفر، إذن فتعلُّم السحر وتعليم السحر كفر. وهل تقبل توبة الساحر؟ فيه خلاف، فقال بعض أهل العلم: إنها لا تقبل توبته، وقال آخرون: إنها تقبل توبته، وهذا هو الصحيح؛ لقوله تعالى: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا [الزمر: ٥٣] أما إذا قلنا: بأن السحر ليس بكفر وأن قتل الساحر حد، فإنه إن تاب قبل القدرة عليه سقط عنه الحد، وإن تاب بعد القدرة عليه لم يسقط؛ لأن الحدود ما تسقط إذا تاب الإنسان بعد القدرة عليه. طالب: (...)؟ الشيخ: ما لهم دليل إلا أنهم يقولون: إن هذا لعظم كفره؛ لأنه كفر عظيم فلا تقبل توبته، فيقال: ما هو بأعظم من سب الله تعالى. طالب: الصواب أنه يقتل حدًّا أو كفرًا؟ الشيخ: الصحيح أنه يقتل كفرًا، الآية تدل على هذا؛ لأنه يكفر. طالب: حكمه حكم الكافر على القتل؟ الشيخ: حكمه حكم الكافر على القتل، إلا إذا تاب فإنه تقبل توبته ويُرفع عنه القتل. طالب: التوبة تسقط الحدود؟ الشيخ: تسقط الحدود إذا كانت قبل القدرة، قبل القدرة عليه، لأن الله قال في قطاع الطريق: إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [المائدة: ٣٤]. طالب: حق الناس؟ الشيخ: لا، حق الناس ما يسقط بالتوبة، الناس مثلًا لو كان هذا الساحر قد أتلف أموالًا، فإنه لا تسقط بالتوبة، يُضمَّن هذه الأموال أو مثلًا أصاب الإنسان بشلل، سحره فأصابه بشلل أو ما أشبه بذلك فيؤخذ منه. طالب: (...) ما يحبون اللحية (...). الشيخ: يسحرون الواحد؟ الطالب: لحية (...) ما يحبون اللحية. الشيخ: إي ما يحبونها. الطالب: (...) اللحية كيف (...)؟ الشيخ: إحنا نبحث في السحر. الطالب: (...). الشيخ: إذن هذا من باب القياس، إذا قالوا هكذا فاقرأ قول الله تعالى: أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ [العنكبوت: ٢]، واقرأ قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ [العنكبوت: ١٠] قل ما أنا بحالق، لا تحلق اللحية، إن يمسكوك وغصبوك وحلقوها هم فالإثم عليهم. طالب: (...). الشيخ: إي هي. الطالب: (...). الشيخ: نعم. ومن فوائد الآية: أن من أعظم السحر أن يكون أثره التفريق بين المرء وزوجه، أن هذا من أعظم أنواع السحر؛ لقوله: فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ؛ لأن من أعظم الأمور المحبوبة إلى الشياطين أن يفرق بين المرء وزوجه، وقد ثبت في الحديث الصحيح: أن الشيطان يضع كرسيه أو عرشه على الماء، ويبث جنوده في الأرض للإفساد، فيأتي أحدهم ويقول: فعلت كذا، والثاني: فعلت كذا، والثالث: فعلت كذا، ثم يأتي أحدهم فيقول: ما زلت به حتى فرقت بينه وبين زوجته ، وحينئذ ماذا يصنع به؟ يلتزمه ويقول: أنت أنت فهذا دليل على أن من أعظم ما يكون، وأهم ما يكون في السحر التفريق بين المرء وزوجه، وفيه سحر مقابل لهذا، وهو الربط بين المرء وزوجه حتى إنه -والعياذ بالله- يبتلى بالهيام، ما يستطيع أن يعيش ولا لحظة إلا وزوجته أمامه، ولهذا بعضهم يقضي عليه هذا الأمر نسأل الله العافية. ومنها أيضًا: أن الأسباب لا تأثير لها إلا بإذن الله، وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ. ومنها: أن قدرة الله عز وجل فوق الأسباب، وأنه مهما وجدت الأسباب، والله لم يأذن فإن ذلك لا ينفع، هل هذا الحكم اللي استنبطناه من الآية يوجب لنا أن لا نفعل الأسباب؟ الطلبة: لا. الشيخ: لأيش؟ إذا قلنا: إن السبب ما يفعل إلا بإذن الله (...) ما نسوي شيء. طالب: (...). الشيخ: إي، نقول: الأصل أن الأسباب مؤثرة بإذن الله فأنت افعل السبب، تزوج ليولد لك، اعمل صالحًا لتدخل الجنة، وهكذا نقول في بقية الأسباب، واضح؟ تداو لتشفى، ابتعد عن المجذوم لتسلم منه، وما أشبه ذلك، فالحاصل أن هذه الأسباب ما هو معناها مؤثرة بنفسها، لا يمكن أن تمنع من تأثيرها، بل هي مؤثرة بإذن الله. ومنها: الإشارة إلى أنه ينبغي اللجوء إلى الله دائمًا؛ لقوله: إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ، فأنت إذا علمت أن كل شيء بإذن الله فإذن تلجأ إلى من؟ إليه سبحانه وتعالى في جلب المنافع وفي دفع المضار. ومن فوائد الآية الكريمة: أن تعلم السحر ضرر محض ولا خير فيه؛ لقوله: وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْمَا يَضُرُّهُمْفأثبت ضرره، وَلَا يَنْفَعُهُمْنفى نفعه. ومن فوائد الآية الكريمة: أن كفر الساحر كفر مخرج عن الملة من أين تؤخذ؟ من قوله: وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍمِنْ خَلَاقٍيعني: من نصيب، ولا هنا أحد ما له نصيب في الآخرة إلا الكافر، أما المؤمن مهما عذب فإن له نصيبًا من الآخرة. طالب: هل هناك تفصيل في كفر الساحر؟ الشيخ: لا، ما في تفصيل، الصحيح، ما فيه تفصيل. ومن فوائد الآية أيضًا: إثبات الجزاء؛ لقوله: مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ. ومن فوائدها أيضًا: أن هؤلاء اليهود ارتكبوا تعلم السحر عن علم؛ لقوله: وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ، وبذلك استحقوا وصف الغضب، فصاروا مغضوبًا عليهم، لأن كل من علم الحق وخالفه فهو مغضوب عليه؛ ولهذا قال سفيان بن عيينة قال: من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود، ومن فسد من عُبَّادنا ففيه شبه من النصارى، لأن العلماء يرتكبون عن علم فهم كاليهود، والعباد يرتكبون عن ضلال فهم كالنصارى. ومنها أيضًا: ذم هؤلاء اليهود لما اختاروه لأنفسهم وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ. ومن فوائد الآية: أن ذا العلم الذي ينتفع بعلمه هو الذي يحذر مثل هذه الأمور؛ لقوله: لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَيعني: لو كانوا ذوي علم نافع ما شروا هذا الأمر الذي يضرهم ولا ينفعهم، والذي علموا أن من اشتراه ما له في الآخرة من خلاق. ثم قال تعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُ} في هذا دليل على سعة حلم الله؛ حيث يعرض عليهم الإيمان والتقوى وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْايعني: فيما مضى وفيما يستقبل، وهذه من عادته سبحانه وتعالى أن يعرض التوبة على المذنبين، وانظروا إلى قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ [البروج: ١٠] شوف يحرقون أولياءه، ثم يعرض عليهم التوبة إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَمفهومه إن تابوا ما عليهم شيء، ما لهم عذاب جهنم. ومن فوائد الآية: أن الإيمان والتقوى ينال به ثواب الله وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ. ومن فوائدها: أن ثواب الله خير لمن آمن واتقى من كل الدنيا؛ لقوله: خَيْرٌوَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌمن أين؟ من كل شيء، كل شيء يناله في الدنيا فالمثوبة اللي عند الله على الإيمان والتقوى خير. ونأخذ منها ومن قول قوم قارون له، ومن قول الناصحين من بني إسرائيل، قالوا للذين تمنوا أن يكونوا لهم مثل ما لقارون: وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا [القصص: ٨٠] هنا قابل آمَنُوا وَاتَّقَوْايتبين لك أن التقوى هي العمل الصالح، وقد سبق لنا أن التقوى هي اتخاذ الوقاية من عذاب الله بفعل ما أمر به واجتناب ما نهى عنه. ومنها أيضًا: أن فعل هؤلاء اليهود واختيارهم لما فيه الكفر من تعليم السحر فعلهم هذا فعل الجاهل؛ لقوله: لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ. قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ يستفاد من هذه الآية: أنه ينبغي استعمال الأدب في الألفاظ؛ لقوله: لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا، وأصل هذا أن أصل رَاعِنَامن أين؟ أصلها من المراعاة، راعاه يُراعيه، وراعنا فعل أمر من راعى يُراعي، لكن اليهود يقولونها ويريدون أن تكون من الرعونة، سب وشتم وهي الحمق، فالصحابة يقولون للرسول عليه الصلاة والسلام: إذا طلبوا منه المهلة في شيء يقولون له: راعنا، فاليهود فرحوا بذلك أن أصحاب محمد يسبونه، فنهاهم الله عن هذا، فيستفاد منه استعمال الأدب في الألفاظ. وبمعنى تجنب الألفاظ التي توهم أيش؟ سبًّا وشتمًا، لو ما هو سب وشتم في لغة القوم، لكن توهم السب والشتم فإن من الأدب أن يتجنبها المرء. ومنها: أن الإيمان مقتض لكل الأخلاق الفاضلة؛ لأن مراعاة الأدب في اللفظ من الأخلاق الفاضلة، ووجه هذا الأمر لمن؟ للمؤمنين، فهو دليل على أن الإيمان مقتض لهذا، فالإيمان إذن مقتض لكل الأخلاق الفاضلة. وعليه تتفرع الفائدة الثالثة: أن مراعاة الأخلاق الفاضلة من الإيمان، أنها من الإيمان، كما أن الأخلاق الفاضلة أيضًا انشراح صدر وسعة، والإنسان اللي عنده أخلاق فاضلة يكون محبوبًا عند الناس، وموقرًا بينهم، فهو أيضًا من الإيمان الذي ينفعه عند من؟ عند الله. ومنها؛ من فوائد الآية: أنه ينبغي لمن نهى عن شيء أن يُعطِي الناس بدله، ما ينهاهم ويخليهم في حيرة (...) وَاسْمَعُواوالمراد بالسمع هنا سمع الإجابة ولَّا سمع الإدراك؟ الطلبة: الإجابة. الشيخ: أو هذا وهذا، هذا وهذا، ولكن إذا قلت: سمع الإجابة ما يمكن سمع الإجابة إلا بعد سمع الإدراك، ليس المراد: أنك تسمع وتعصي، تسمع وتطيع وَاسْمَعُوا. ومنها: التحذير من مخالفة أمر الله وأنه من أعمال الكافرين؛ لقوله: وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ. ثم قال تعالى: مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيم. يستفاد من هذه الآية: بيان عداوة غير المسلمين للمسلمين؛ لأنه ذكر صنفين ينتظمان جميع الأصناف الذين أوتوا الكتاب وهم اليهود والنصارى، والمشركين وهم كل أصحاب الأوثان، هؤلاء يستفاد من الآية الكريمة أن كلهم أعداء للمسلمين، من أين نأخذ أنهم أعداء؟ أنهم ما يودون الخير للمسلمين. ومن فوائد الآية: أنه يجب علينا أن نحذر من كل تصرف يصدر عن اليهود والنصارى والمشركين، وأن نعلم أن جميع تصرفاتهم يحاولون أن يمنعوا الخير عن المسلمين. ومنها؛ نستفيد من الآية الكريمة: أن أعداء المسلمين من اليهود والنصارى والمشركين يحاولون أيضًا -لأن من ود شيئًا حاول الحصول عليه - يحاولون أن يقضوا على اقتصاد المسلمين، ولَّا لا؟ لأن استقامة الاقتصاد والتكافل الاجتماعي هذا من الخير. ومنها أيضًا نستفيد: أن هؤلاء الكفار يودون أيضًا أن يمنعوا عن المسلمين التقدم العسكري؛ لأنه من الخير. ومنها أيضًا: نعلم أن هؤلاء الكفار يسعون للمسلمين بكل ما يصدهم عن دينهم، لأيش؟ لأن إقبال المؤمنين على الدين خير وسبب خير وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ [الأعراف: ٩٦]، هؤلاء الكفار كل شيء يصد الناس عن دينهم من ملاهي وملاعب وحيلولة دون أي شيء هم يودون هذا، وإذا أردت أن تعرف فانظر إلى مخططاتهم الرهيبة المخيفة الذين يقدمونها للمسلمين، وكأنها لابس ثوبي زور على أنها هي الحسنة، وهي المقدمة للناس ولكنها في الحقيقة كذب، كذب. ومنها: أنه يحرم على المسلمين أن يولوا هؤلاء الكفار أي قيادة، بأن نعلم ما دام ما يودون لنا الخير فإنهم لا يقودوننا إلى الخير أبدًا مهما كان الأمر، اللي ما يريد لك الخير يمكن يقود لك الخير؟ أو يقودك إلى الخير؟ لا يمكن، ولهذا يحرم أن يجعل لهم سلطة على المسلمين لا في تخطيط ولا في نظام ولا في أي شيء، يجب أن يكونوا تحت إمرة المسلمين وتحت تدبير المسلمين، وإذا استعنا بهم فإنما نستعين بهم لما نعلمه من مصالحنا وهم تحت سلطتنا، أما أن نجعل لهم الأمر على المسلمين فهذا نعلم علم اليقين من كلام ربنا اللي يعلم ما في القلوب أنهم لا يريدون لنا إلا الشر، ما دام أنهم ما يودون لنا الخير يجينا من غيرهم، ما يودون أن الخير يجينا من غيرهم ما يودوا أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْما هم منهم، كيف يجيبوا لنا خير؟ ولَّا هذا يجب علينا نحن شباب المسلمين أن ننتبه لهذا الأمر من شيوخ المسلمين، يجب كل المسلمين أن ينتبهوا لهذا الأمر، وأن أعداءهم من أهل الكتاب والمشركين لا يريدون لهم إلا الشر، وأنهم لو استطاعوا أن يمنعوا القطر وينبوع الأرض لفعلوا، فإذن يجب علينا على هذا الأساس أن نحذر من مخططاتهم وأن نكون دائمًا على سوء ظن بهم، لأن إحسان الظن بمن ليس أهلًا له ما هو إلا ذل، ذل وضعف، من كان أهلًا لإحسان الظن أحسن به الظن؛ لأنك ما يمكن تمشي مع أي شخص إلا وأنت محسن الظن به، لكن من لم يكن أهلًا لذلك فإن إحسان الظن به خور وجبن وضعف وذل، ولهذا يجب علينا أن نحذر منهم ومن قياداتهم ومن مخططاتهم؛ لأنهم ما يودون أن ينزل علينا من خير من ربنا، ولهذا قال: مِنْ خَيْرٍأي خير يكون سواء كان دينيًّا أو دنيويًّا، ولذلك اليهود حسدوا المسلمين لما جاءهم الرسول محمد صلى الله عليه وسلم وآمنوا به ونزل عليهم هذا الكتاب، أي هذا الكتاب كرهوا ذلك وهم لا يودون هذا. ومن فوائد الآية: أن خير الله لا يرده وُدُّ وَادٍّ أو كراهة كاره، من أين نأخذها؟ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُفلا يمكن لهؤلاء اليهود والنصارى والمشركين أن يمنعوا فضل الله، وعلى هذا جاء الحديث الصحيح: «وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ» . ومن فوائد الآية أيضًا: إثبات المشيئة لله؛ لقوله: مَنْ يَشَاءُ، وإثبات الرحمة؛ لقوله: بِرَحْمَتِهِ، وإثبات الإرادة؛ لقوله: يَخْتَصُّفإن التخصيص يدل على الإرادة، وإثبات الفضل؛ لقوله: ذُو الْفَضْلِ، وإثبات أن فضله ليس كفضل غيره، فضل غيره فضل محدود، وفضل الله فضل عظيم لا حدود له، فإن الله تعالى يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم. ما يعارض هذه الآية قوله تعالى: لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ [المائدة: ٨٢]؟ طالب: وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ [المائدة: ٨٣] إلى آخر الآية، تكملة الآية تدل على أن هؤلاء النصارى الذين هم أكثر الناس مودة للمؤمنين (...)؟ الشيخ: يعني أنهم نصارى من نوع معين، ما هم كل النصارى وإلا فالله يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ [المائدة: ٥١] بعض اليهود والنصارى أولياء بعض، وهذا أمر مشاهد، ومن تتبع التاريخ وجد أن النصارى دائمًا مع اليهود، واليهود دائمًا مع النصارى؛ لأنهم ضد عدو مشترك وهو المسلمون، ومن كان لهم عدو مشترك لو كانوا فيما بينهم أعداء يحبون أن يقضوا على هذا العدو فيجتمعون عليه. طالب: النوع الخاص من النصارى وجد في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ولا باق؟ الشيخ: ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ [المائدة: ٨٢، ٨٣] فإذا وجد هذا النوع من النصارى سواء في حياة الرسول أو بعد مماته. الطالب: حتى اليهود قد يسلموا؟ الشيخ: ما هو من نصرة، لكن منهم قسيسين ورهبانًا، وأنهم لا يستكبرون؛ لكن النصارى الآن مستكبرون، مو معنى أنه إذا أسلم حتى واحد حكمنا هذا للجماعة فإن رؤساءهم وكبراءهم وأحبارهم على العكس من ذلك. طالب: شيخ أن الآية ألا تشير إلى أنهم آمنوا؟ الشيخ: من؟ الطالب: هؤلاء النصارى (...). الشيخ: لا بِأَنَّ مِنْهُمْما هم كلهم. الطالب: إي نعم، لكن ما يرد على هذه الشبهة بأن الآية (...)؟ الشيخ: لا، الآية ما دلت على أنهم كلهم آمنوا؛ لأن قوله: ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَإلا أن يقال: وبأنهم إذا سمعوا، ولا يجعل وَإِذَا سَمِعُواعائدًا على القسيسين والرهبان، يمكن أن نقول: إن في نصارى آمنوا في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، النصارى الذين آمنوا في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام إي نعم (...). طالب: (...)؟ الشيخ: (...). طالب: يا شيخ، ما يؤخذ من الآية أن كل من لم يود للمسلمين الخير (...)؟ الشيخ: نعم، إلا يؤخذ، أن من لم يود الخير للمسلمين، فإنه فيه شبهًا من اليهود والنصارى، هذه فائدة جميلة أن الإنسان اللي ما يود الخير للمسلمين فإن فيه شبهًا من اليهود والنصارى، لأن في الحقيقة من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم، ومن أراد لهم الشر أو ما أراد لهم الخير ما وده لهم فإن فيه شبهًا من اليهود والنصارى. الذين لا يودون أن تستقيم الأمة على نهج السلف الصالح؟ هؤلاء ما يودون أن ينزل علينا من خير من ربنا، لأن الاستمرار على نهج السلف الصالح هو الذي فيه الخير. فالذين يريدون منا مثلًا أن نسير على ما سار عليه هؤلاء اليهود والنصارى من الانفتاح على الدنيا وترك الآخرة وراء الظهور يقول: نعتني بالترفيه البدني دون حياة القلوب فهؤلاء فيهم شبه من اليهود والنصارى؛ لأن حقيقة الأمر أن المؤمن المخلص للإيمان وللمؤمنين هو الذي يريد للمؤمنين أن يستقيموا على دين الله بأي وسيلة ما هو بيريد أن يترفهم فيتلفهم، الإتراف الذي يستلزم إعراض الناس عن دين الله هذا في الحقيقة ليس إترافًا بل إنه إتلاف، هو سبب دخول النار إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ (٤٥) وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ (٤٦) وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٤٧) أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ [الواقعة: ٤٥ - ٤٨] كل هذه الأوصاف الآن وجدت في كثير من المسلمين بسبب ما فُتح عليهم من الدنيا، نسأل الله السلامة. طالب: شيخ، النصارى (...) من العرب، نحن لسنا نصارى إنما مسيحيون، فأحد يوافقهم يقول: أنتم مسيحيون؛ لأنهم (...) نصارى يطلق عليهم القرآن، هم قريبون من المسلمين (...) الآية (...) فإذا كان هذا عبارتهم فنقول: من يطلق عليهم نصارى (...)؟ الشيخ: حتى بعد إطلاق أنهم مسيحيين خطأ؛ لأن المسيحي معناه المنتسب للمسيح، وهذا المسيح بريء منه، هذه أشكل من النصارى. الطالب: (...)؟ الشيخ: لا، لأنهم هم يقولون: مسيحيين؛ لأجل أن يبرروا أنهم على دين، هذا السبب أنهم عدلوا؛ ولهذا ما عدل عن النصارى إلا في العصور المتأخرة عصور الاستعمار، وإلا كانوا في كتب الفقهاء حتى المتأخرين يسمون نصارى، لكن لما استولى الاستعمار وقويت شوكته في بعض البلاد وصار في البلدان التي استعمرت كُتَّاب صاروا يتكلمون: المسيحيين، والمسيحيين بمجرد ما تسمع المسيحي تشعر بأنه على دين صحيح، لأن المسيح عيسى بن مريم رسول الله فدينه صحيح، لكن (نصارى) ما تفهم منها هذا الفهم. طالب: (...)؟ الشيخ: أبدًا ما. الطالب: (...). الشيخ: أنا أظن أنه قال: نصارى، نسميهم نصارى كما سماهم الله، وصار معنى نصارى ما هو من النصرة نصارى نسبة للبلد. طالب: (...). الشيخ: (...).
الطالب: (...)؟ الشيخ: إي معلوم، إحنا نقول: إن اللي يؤمن بما جاء به الرسول له الأجر مرتين. الطالب: يطلق عليهم نصارى؟ الشيخ: لا، نقول الآن: مسلمين، إذا آمنوا صاروا مسلمين. طالب: نسبوا إلى أي البلاد؟ الشيخ: إلى بلد تسمى قيل: الناصرة وقيل: إن في بلد (...).
تفسير الآيات (١٠٦-١٠٨)
٠١:٠٢:٥١
{مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نَنْسَأْهَا} هذه واحدة، والثانية: {مَا نُنْسِخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا}، والثالثة: مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا، ففيها ثلاث قراءات، على قراءة نَنْسَخْيكون في ننسي وجهان: {نَنْسَأْهَا}، ونُنْسِهَاهذا على قراءة مَا نَنْسَخْ، وعلى قراءة {مَا نُنْسِخْ} يكون فيها قراءة واحدة {مَا نُنْسِخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا}، ففي نَنْسَخْقراءتان وجهان، وفي {نُنْسِخْ} وجه واحد وهي {أَوْ نُنْسِهَا} {مَا نُنْسِخْ} {أَوْ نُنْسِهَا}، إذن القراءات ثلاثة: نَنْسَخْ نُنْسِي، نَنْسَخْ نَنْسَأ، نُنْسِخْ نُنْسِي، فعلى قراءة (نَنْسَخْ) بفتح النون يكون في (ننسأها) قراءتان: {نَنْسَأْهَا}، والثاني نُنْسِهَا، وعلى قراءة ضم النون {نُنْسِخْ} يكون في (ننسي) قراءة واحدة: {نُنْسِهَا}. أما الإعراب مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍفـ(ما) هذه شرطية، فهي اسم شرط جازم يجزم فعلين، الأول فعل الشرط والثاني جوابه، وفعل الشرط نَنْسَخْوجوابه نَأْتِ، وأما قوله: أَوْ نُنْسِهَافهو معطوف عليه، وقوله تعالى: مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَانَنْسَخْبضمير الجمع للتعظيم وليس للتعدد لأن الله واحد. وقوله تعالى: مَا نَنْسَخْ، النسخ في اللغة الإزالة أو ما يشبه النقل، الإزالة كقولهم: نَسَخَت الشمسُ الظل، يعني: أزالته، وما يشبه النقل في قولهم: نسخت الكتاب، يعني ما هو بإزالة، ولا هو بنقل، لكنه يشبه النقل، لأنك ما نقلت حروفه، لأنه لو كان نسخ الكتاب أي نقله كان إذا نسخته انمحت الحروف من الأول؛ لأنك نقلته وليس الأمر كذلك. أما في الشرع فإنه إزالة حكم دليل شرعي أو لفظه بدليل شرعي؛ لأن النسخ يكون بنسخ الحكم مع بقاء اللفظ، ويكون نسخ لفظ وحكم، ويكون نسخ لفظ مع بقاء الحكم، له ثلاثة أوجه. وقوله تعالى: مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ(من) هذه ليست للتبعيض بل هي لبيان الجنس؛ لأن (ما) اسم شرط جازم مبهم، ومِنْ آيَةٍللبيان، وقوله: مِنْ آيَةٍالمراد بالآية نفس الآية ولَّا الآية حتى حكمها؟ حتى الحكم، لأننا نحن ذكرنا قبل قليل أن النسخ قد يكون للآية وقد يكون للحكم مع بقاء اللفظ، فقوله مِنْ آيَةٍأي: لفظها أو حكمها، وقوله: مِنْ آيَةٍالمراد بها الآية الشرعية؛ لأنها محل النسخ الذي به الأمر والنهي دون الآيات الكونية. وقوله تعالى: أَوْ نُنْسِهَانُنْسِهَافيها قراءتان: نُنْسِهَاونَنْسَأْهَاأما نُنْسِهَافهي من النسيان وهو ذهول القلب عن معلوم، النسيان ذهول القلب عن معلوم هذا معنى نُنْسِهَا، وأما نَنْسَأْهَافهو من النَسَأ وهو التأخير، وما معنى التأخير؟ هل هو تأخير الحكم أو تأخير الإنزال؟ أن الله يؤخر إنزالها، ثم يأتي بخير منها؟ نعم يشملها هذا وهذا، بعضهم يقول هذا وبعضهم يقول هذا، والصحيح أنه يشمل فإن الله قد ينسئ حكمها، وقد ينسئ إنزالها، وأما على قراءة أَوْ نُنْسِهَافهو من الإنساء. والمراد بالإنساء هنا الإنساء الذي يكون معناه رفع الآية وليس مجرد النسيان؛ لأن مجرد النسيان ما يقتضي النسخ، فالنبي عليه الصلاة والسلام قد ينسى بعض الآيات وهي باقية كما في حديث أبي بن كعب حين صلى نسي الرسول آية فقال: «هَلَّا كُنْتَ ذَكَّرْتَنِيهَا، هَلَّا كُنْتَ ذَكَرْتَنِيهَا» ، ولكن المراد الإنساء الذي يقصد به رفع هذه الآية، فهو شبيه بالنسخ إلا أنه يفرق بينهما أن النسخ يبين الله لرسوله أنه نسخ هذا بهذا، والإنساء ينسأها من قلبه ولا يذكرها أبدًا، وإلا فالمعنى واحد من حيث الحكم إما بالنسخ أو بالإنساء. أما على قراءة نَنْسَأَهَايعني: نؤخِّر إنزالها، أو نؤخر حكمها، فعلى احتمال نؤخر حكمها يكون المراد بها المنسوخة؛ لأنه أُخر حكمها وترك، وعلى الاحتمال الثاني نؤخر إنزالها تكون الآية ما بعد نزلت ولا كلف الناس بها، ولكن الله تعالى أبدلها بغيرها. وقوله: نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَاهو جواب الشرط، والخيرية هنا بالنسبة لمن؟ بالنسبة للمكلف، وكون الله سبحانه وتعالى ينسخ الآية ليأتي بخير منها واضح حكمته، الحكمة فيه واضحة، فما وجه الخيرية؟ يقول العلماء: إن النسخ إن كان إلى أشد فالخيرية بكثرة الثواب، وإن كان إلى أخف فالخيرية للتسهيل على العباد مع تمام الأجر وهذا واضح؛ لأن الناسخ إن كان أشد فهو لكثرة الثواب للعباد، وإن كان أخف فهو للتيسير عليهم وبيان نعمة الله سبحانه وتعالى، لكن قوله: أَوْ مِثْلِهَايعني: أو نأت بمثلها. قد يقول قائل: ما الفائدة إذن من النسخ؟ والله تبارك وتعالى حكيم ما يفعل شيئًا إلا لحكمة، فما الفائدة إذا كان مثله؟ يقال: الفائدة اختبار المكلف بالامتثال؛ لأنه إذا امتثل الأمر أولًا وآخرًا يدل على كمال عبوديته، وإذا لم يمتثل بالآخر دل على أنه يعبد هواه ولا يعبد مولاه، انظر مثلًا إلى تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، هذا مِثل ولا خير ولا دون؟ مثل، بالنسبة للمكلف ليس عنده فرق بين أن يتجه يمين أو شمال، واضح؟ لكن بالنسبة لاختبار المرء وامتثاله وكون -بالنسبة لتحويل القبلة- كون الذي حولت إليه أولى للاتجاه إليه يكون هذا فيه خير، ولهذا ضل من ضل وارتد من ارتد بسبب تحويل القبلة وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّه [البقرة: ١٤٣]. فالإنسان يبتلى بمثل هذا النسخ، إن كان هو مؤمن عابدًا لله يقول: سمعنا وأطعنا، إن أمرتني يا رب أن أتجه إلى بيت المقدس اتجهت، وإن أمرتني أن أتجه إلى الكعبة اتجهت، لكن الإنسان اللي يعبد هواه يقول: لأيش هذا التغيير، أمس يقول: روح اتجه كذا، واليوم يقول: اتجه كذا؟ يتبين بذلك العابد حقًّا، ومن ليس بعابد، إذن الآية تدل على أن الله تعالى وعد، ووعده صدق بأنه ما يمكن ينسخ شيء إلا أبدله بخير منه، وأيش بعد؟ أو مثله، فإذا أبدله بخير منه فالأمر ظاهر في حدوث النسخ، وإن أبدله بمثله فإن حكمة النسخ فيه الاختبار والامتحان، هل ينقاد المرء لأوامر الله سبحانه وتعالى أو لا ينقاد، (...) لاحظوا من هذا المكان إلى تحويل القبلة كله في الحقيقة كما قاله ابن القيم كله توطئة لنسخ استقبال القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، ولهذا تجد الآيات التي بعدها كلها في التحدث مع أهل الكتاب الذين أنكروا غاية الإنكار تحويل القبلة من البيت المقدس إلى الكعبة. طالب: بالنسبة للخيرية هنا لو قلنا: إنه بالنسبة للآية (...) خير منها، ممكن هذا؟ الشيخ: يعني قصدك لفظ الآية؟ الطالب: إي نعم. الشيخ: لا، المقصود الحكم. الطالب: حتى الحكم لكن ما يكون مثله للمكلف؟ الشيخ: وأيش هذا؟ الطالب: يكون الحكم (...) هذا خير من.. الشيخ: إي معلوم، إنه هو خير لا شك أنه خير، مثلًا ما أجد مثال للنسخ بالمثل إلا في استقبال القبلة. الطالب: لكن يدل هذا على أن الآيات تتفاضل بالخيرية؟ الشيخ: لا، الأحكام فيها تفاضل في الخير، وكذلك الآيات أيضًا فيها تتفاضل بحسب نزولاتها، فآية الكرسي أعظم آية في كتاب الله، والفاتحة أعظم سورة في كتاب الله، معلوم التفاضل بحسب ما تدل عليه، أما باعتبار المتكلم بها فلا تتفاضل، المتكلم بها واحد. قال: نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌأَلَمْ تَعْلَمْالهمزة هذه للاستفهام والمراد به التقرير، وكلما جاءت على هذه الصيغة فالاستفهام فيها للتقرير مثل: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ [الشرح: ١] أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة: ١٠٦] أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ [الحديد: ١٦] وأمثالها كثير يراد بها التقرير، فقوله: أَلَمْ تَعْلَمْيقرر الله سبحانه وتعالى المخاطب، سواء قلنا: إنه الرسول صلى الله عليه وسلم أو كل من يتأتى خطابه يقرر الله إياه بالاستفهام بأنه يعلم أن الله على كل شيء قدير. الخطاب في قوله: أَلَمْ تَعْلَمْلمن؟ للرسول صلى الله عليه وسلم، أو لكل من يصح خطابه؟ وقد ذكرنا أن الأَوْلى أنه نقول: إنه عام لكل من يصح خطابه إلا إذا دلت القرينة على أنه خاص بالرسول صلى الله عليه وسلم. أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌكل شيء، هذا عام في جميع الأشياء أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، يقدر الله سبحانه وتعالى أن يجعل السماء أرضًا؟ يقدر تنزل السماء وترتفع الأرض ولا ما يقدر؟ يقدر على عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌولا حاجة إلى التفصيل؛ لأن الله بين عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌشوف كلمة قَدِيرٌلما أريد بها الوصف جاءت بهذه الصيغة (فعيل)، لكن إذا أريد بها الفاعل، أي أريد بها الفعل جاءت بلفظ الفاعل قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ [الأنعام: ٦٥] ولم يقل: القدير، لكن إذا قصد بها الصفة دائمًا تأتي بلفظ قدير لتكون دالة على الكثرة والمبالغة في قدرته سبحانه تعالى. وقوله: عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌمعنى القدرة وصف يتمكن به الفاعل من الفعل بدون عجز، هذه القدرة، وصف يتمكن به الفاعل من الفعل بدون عجز، القوة وصف يتمكن به من الفعل بدون ضعف، إذن المقابل للقدرة العجز، والمقابل للقوة الضعف، قال الله تعالى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً [الروم: ٥٤] ولم يقل: قدرة، وقال تعالى: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا [فاطر: ٤٤] ولم يقل: قويًّا. أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌيعني: أنك قد علمت وتبين لك قدرة الله على كل شيء، ومن ذلك أنه قادر على أن ينسخ ما يشاء يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ [الرعد: ٣٩] ينسخ ما يشاء من الآيات ويبقي ما يشاء، هذا من تمام قدرته سبحانه وتعالى. أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِأَلَمْ تَعْلَمْنقول فيها: مثل ما قلنا في الأول أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِتقديم ما حقه التأخير يدل على الاختصاص والحصر، وأن الله وحده الذي له ملك السماوات والأرض، والملك يشمل ملك الأعيان وملك التصرف، فأعيان السماوات والأرض ملك لله، السماء ملك لله، والأرض ملك لله، والتصرف أيضًا أنه يملك سبحانه وتعالى أن يتصرف فيها كما يشاء، لا معارض له ولا ممانع، ولا يرد على هذا إضافة الملك للإنسان، كما في قوله تعالى: أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ [النساء: ٣]، وأيش في هذا؟ فإن هذه الإضافة ليست على سبيل الإطلاق؛ لأن ملك الإنسان للأشياء ملك محدود وناقص ومقيد، محدود من متى؟ من استيلائه عليه إلى أن يخرج عن ملكه ببيع أو هبة أو موت أو غير ذلك. كذلك هو ناقص هل يملكه ملكًا مطلقًا يتصرف فيه كما يشاء؟ لا، ولهذا لو قال هذا ملكي أنا (...) يجوز ولا ما يجوز؟ ما يملك هذا الشيء، إذن فملكه ناقص، كذلك أيضًا ملك الإنسان مقيد، مقيد لا يتصرف إلا حيث أُمِر، لو قال: أنا عندي هذه الدراهم، أبغي أشتري بها خمر، أبغي أشتري بها الشطرنج، (...) ملكي أيش نقول؟ نقول: الشرع ما يمكنك من هذا، فأنت تصرفك محدود وملكك محدود، ولهذا قال بعض العلماء: إن ملك الإنسان لمملوكاته على سبيل المجاز لا الحقيقة، لكن إن أعطي التصرف الكامل للإنسان فهو مالك، وإن كان له بعض التصرف فهو أجير أو مستعير أو ما أشبه ذلك. وقوله: مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِالسَّمَاواتُ سَبْعٌ وَالْأَرْضُ سَبْعٌ أيضًا كما جاءت به السنة صريحة، وجاء به القرآن ظاهرًا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِوهذا النسخ من تمام ملكه ولَّا لا؟ نسخ الآيات بعضها ببعض من تمام ملكه، هو الذي يمحو ما يشاء ويثبت ما أحد يعترض عليه. وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍمَا لَكُمْأظن (ما) نافية. طالب: حجازية. الشيخ: حجازية؟ طالب: نعم حجازية، الخبر لَكُمْ، مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍاسمها. الشيخ: اسمها (...). طالب: (...) زائدة. الشيخ: (...) زائدة يعني حجازية. طالب: اللي في القرآن جميعًا. الشيخ: لا، كلكم موافقون على هذا الآن؟ طالب: أصله ما لكم ولي ولا نصير. الشيخ: من يحفظ بيت الألفية؟
إِعْمَالَ لَيْسَ أُعْمِلَتْ مَا دُونَ إِنْ
مَــعَ بَــقَــا الــنَّــفْــيِ وَتَــرْتِــيــبٍ زُكِــنْ
طالب: (...). الشيخ: هذا كالفصل ترتيب، وترتيب زكن، الآن ترتيب موجود؟ طالب: لا. الشيخ: لا، تقدم الخبر، إذن فليست حجازية هنا اتفق التميميون والحجازيون على أنها غير عاملة، ولهذا من شروطها أربعة كما مر علينا أحدها الترتيب، لو قلت: ما زيد قائمًا صح، لكن ما قائمًا زيدٌ ما يصح. طالب: (...) حجازية (...)؟ الشيخ: لا، الحجازية معناها أنها لتعمل (...) حجازية (...) الحجازية التي تعمل عمل ليس خاصة. وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ(من) حرف جر زائد إعرابًا، لكنه أصليُّ المعنى، إذ إن الغرض منه التنصيص على العموم، يعني: ما لكم أي ولي، والولي: فعيل بمعنى فاعل، أي من أحد يتولاكم فيجلب لكم الخير، وَلَا نَصِيرٍأي: ناصر يدفع عنكم الشر، وهذا كقول النبي عليه الصلاة والسلام: «وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَإِنِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ» ، فكل إنسان ما له من دون الله أي: من غير الله وسواه ولي يجلب له الخير، ولا ناصر يدفع عنه الشر أبدًا، فإذا كان الأمر كذلك، والله تعالى له تمام القدرة وتمام الملك وتمام الرعاية، فدل هذا على أن النسخ من حقه سبحانه وتعالى، وأنه لا ينسخ إلا لمصلحة من كان وليهم يتولى أمورهم، ويشرع لهم ما فيه الخير. الشيخ: ثم قال: أَمْ تُرِيدُونَ.. طالب: (...)؟ الشيخ: إي السماء والأرض قصده أنه تجمع الأرض وتفرد السماء، ما ورد. الطالب: (...)؟ الشيخ: هذا -والله أعلم- لأن السماوات أعظم فتذكر مجموعة ليستفاد منها العظمة في الجمع؛ لأنه لا شك أن السماوات أعظم من الأرض؛ لأنها أوسع وأعلى وأشد وأقوى، فهذا -والله أعلم- هو الحكمة، لأجل أن يكون الإنسان مستحضرًا للكمية والكيفية في عظمة السماوات. الطالب: وردت بالإفراد جميعًا؟ الشيخ: إي، بالإفراد جميعًا وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ [الزخرف: ٨٤] قال: أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ، (أم) هنا متصلة ولَّا منقطعة؟ طالب: منقطعة. الشيخ: منقطعة، وقد ذكرنا أن الفرق بين المتصلة والمنقطعة من كم؟ من عدة أوجه، الوجه الأول؟ الفرق بين أم المتصلة وأم المنقطعة؟ من يعرف؟ طالب: المتصلة (...) معها معادل، والمنقطعة ليس معها معادل. الشيخ: هذه واحدة، ثانيًا؟ طالب: المنقطعة تكون بمعنى (بل)، والمتصلة تكون بمعنى (أو). الشيخ: إي نعم، هذان فرقان، فهنا ما هو بمعنى أو يعني ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض أو تريدون أن تسألوا ما يصح، فهي بمعنى (بل)، أيضًا ما في معادل، تقول مثلًا: أتحب الخبز أم الرز، هذه أيش نسميها؟ متصلة، سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ [المنافقون: ٦] وأيش يصير؟ متصلة نعم. قال: أَمْ تُرِيدُونَفهي منقطعة بمعنى (بل) وهمزة الاستفهام، يعني: بل، أتريدون والإضراب هنا ليس للإبطال. طالب: (...). الشيخ: (...)، وأما قوله: أَمْ تُرِيدُونَقلنا: إنها بمعنى (بل) وهمزة الاستفهام، والإضراب هنا ليس للإبطال؛ لأن الأول ليس بباطل، بل هو باق، فالإضراب هنا إضراب انتقال، وقوله: تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُواالإرادة: هنا بمعنى المشيئة، وإن شئت فقل: بمعنى المحبة؛ لأن الإنسان محبته مشيئته، أَمْ تُرِيدُونَوالخطاب هنا هل هو للمسلمين أو لكل أحد؟ قال بعض المفسرين: إن الخطاب لليهود حينما سألوا النبي صلى الله عليه وسلم آيات يأتي بها، وقيل: إنه للمشركين وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا [الإسراء: ٩٠]، وقيل: إنه للمسلمين. ولكن الآية صالحة للأقوال كلها، لأن محمدًا صلى الله عليه وسلم رسول للجميع، لكن تخصيصها باليهود يبعده قوله: كَمَا سُئِلَ مُوسَىولم يقل: كما سألتم موسى من قبل، إنما نحن نقول: إن الآية صالحة للجميع، يعني: أتريدون أن توردوا الأسئلة على رسولكم كما كانت بنو إسرائيل تورد الأسئلة على رسولها، وهذا لا شك أن الاستفهام يراد به الإنكار، يراد به الإنكار على من يكثرون السؤال على النبي عليه الصلاة والسلام؛ ولهذا قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ [المائدة: ١٠١]، وذكر النبي عليه الصلاة والسلام صح عنه: «أَنَّ أَعْظَمَ النَّاسِ جُرْمًا مَنْ سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يُحَرَّمْ، فَحُرِّمَ مِنْ أَجْلِ مَسْأَلَتِهِ» ، هذا أعظم المسلمين جرمًا والعياذ بالله فالحاصل.. طالب: من سئل ولا؟ الشيخ: «مَنْ سَأَلَ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يُحَرَّمْ، فَحُرِّمَ مِنْ أَجْلِ مَسْأَلَتِهِ»، فهذا نهي وإنكار على الذين يسألون الرسول صلى الله عليه وسلم مسائل، إما أنها ما وقعت أو مسائل فرضية لا تقع يمكن إلا نادرًا، والمطلوب من المسلم أن يسكت إذا قيل له شيء فعل وإذا لم يقل له شيء فهو عفو، من هذه المسائل مثلًا قول الأقرع بن حابس لما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمْ الْحَجَّ» فقال: أفي كل عام يا رسول الله؟ هذا السؤال في غير محله. فعلى هذا نقول أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ: هذا إنكار لأي شيء؟ في سؤال النبي صلى الله عليه وسلم عن أمور لم يُكلَّف الإنسان بها، وأما ما كُلِّف الإنسان به فلا حرج فيه، والصحابة دائمًا يسألون الرسول عليه الصلاة والسلام، ويرضى الله سؤالهم فيبين الحكم، ونقل عن ابن عباس أن في القرآن من سؤال المسلمين للرسول عليه الصلاة والسلام اثني عشر سؤالًا وهي يمكن عدها، نعدها الآن؟ جب لنا سؤال من سؤال المسلمين اللي في القرآن.