تفسير سورة الأحزاب - ٧
درس صوتي · ٩٢:٣٦
جارٍ تجهيز الصوت
انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها
إعدادات
اختصارات لوحة المفاتيح
محتوى الدرس
يقول: ({وَالدَّارَ الآخِرَةَ} أي: الجنة، {فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ} بإرادة الآخرة، {أَجْرًا عَظِيمًا} أي: الجنة). وإنما بدأ بالدنيا إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا؛ لأنهن كُنَّ يطالبن بالنفقة، وهي مما يتعلق بالدنيا. وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ، وهذا هو الحال الثانية لهن، فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّولم يقل: لكن، بل قال: لِلْمُحْسِنَاتِفأَظْهَرَ في موضع الإضمار؛ ليتبين أن هذه الإرادة إحسان، وأنهن إذا أَرَدْنَ الله ورسوله والدار الآخرة فإن ذلك من الإحسان، وأن الله أَعَدَّ للمحسنات منهن أجرًا عظيمًا، و(مِنْ) هنا ليست للتبعيض ولكنها للبيان، فتشمل ما لو أَرَدْنَ كلهن الله ورسوله والدار الآخرة، فإن الله يُعِدّ لهن جميعًا أجرًا عظيمًا. فبدأ أول ما بدأ بأَحَبِّ نسائه إليه، وهي عائشة رضي الله عنها، وقال لها: «لَا عَلَيْكِ أَلَّا تَسْتَعْجِلِي فَتَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ»، خاف أنها شابة صغيرة أنها تتعجل وتقول: أريد الدنيا، فطلب منها ألَّا تتعجل حتى تستأمر أَبَوَيْهَا، يعني تستأذنهما. ومعلوم أن أبويها لا يريدان لها أن تختار الدنيا وزينتها على الله ورسوله والدار الآخرة، ولكنها رضي الله عنها كان لها على صِغَرِ سِنِّها نظرة بعيدة، فقالت: يا رسول الله، أَفِي هذا أستأمر أبوي؟ يعني: هذا أشاور فيه أَبَوَيّ؟ لا، إنما أريد الله ورسوله والدار الآخرة، ولكن لا تُخْبِر نساءك بما قلتُ. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّمَا بُعِثْتُ مُيَسِّرًا لَا مُتَعَنِّتًا وَلَا مُعَنِّتًا، وَأَيُّ امْرَأَةٍ تَسْأَلُنِي فَسَأُخْبِرُهَا» ، لكن كل نسائه ما سَأَلْنَه، كل امرأة تقول: إنها تريد الله ورسوله والدار الآخرة، فصِرْنَ على الحال الكاملة رضي الله عنهن على ما كان عليه الرسول عليه الصلاة والسلام من شَظَف العيش وقلة ذات اليد، ومع هذا وَفَّقَهُنّ الله ومَنَّ عليهن، وهذا بلا شك من عناية الله برسوله أن اختار له مثل هؤلاء النساء، فكان جزاؤهن أن الله قال له: لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ [الأحزاب: ٥٢]، فهؤلاء النسوة اللاتي اخترن الله ورسوله والدار الآخرة بعد أن خُيِّرْنَ مع ما في ثواب الآخرة هذا الجزاء الدنيوي أن الرسول مُنِعَ من أن يتزوج بعد ذلك بأحد من النساء، أو يبدل واحدة بامرأة جديدة، وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا [الأحزاب: ٥٢] والله أعلم. ({بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ} بفتح الياء وكسرها، {مُبَيِّنَةٍ} {مُبَيَّنَةٍ}، أي: بُيِّنَت، أو هي بينة، {يُضَاعَفْ}، وفي قراءة {يُضَعَّفْ} بالتشديد، وفي أخرى {نُضَعِّفْ} بالنون معه –أي: مع التشديد، ونصب العذاب) {نُضَعِّفْ لَهَا الْعَذَابَ}. ففيها إذن ثلاث قراءات: يُضَاعَفْو{يُضَعَّفْ} و{نُضَعِّفْ}، فعلى القراءتين الأوليين يكون الْعَذَابُبالرفع، يُضَاعَفْأو {يُضَعَّفْ}، الْعَذَابُبالرفع نائب فاعل، وعلى القراءة الثالثة {نُضَعِّفْ} يكون {الْعَذَابَ} بالنصب على أنه مفعول به. تقول: {نُضَعِّفْ لَهَا الْعَذَابَ ضِعْفَيْنِ} (ضِعْفَيْ عذاب غيرهن، أي: مثليه، {وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا}). يَا نِسَاءَ النَّبِيِّالنداء من الله عز وجل مُوَجَّهًا إلى زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم، وذلك لأهمية ما سَيُوَجَّه إليهن، ولتنبيههن على ما سيُلْقَى إليهن. مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ، مَنْهذه شرطية، وفعل الشرط يَأْتِ، ويُضَاعَفْجواب الشرط.
وقوله: مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍما المراد بالفاحشة، هل المراد بالفاحشة الزنا؟ أو المراد بالفاحشة الكلام البذيء والمتطاوَل فيه على رسول الله صلى الله عليه وسلم، والخارج عن المروءة، أو المراد هذا وهذا؟ قال بعض أهل العلم: إن المراد الأخير، ولا يراد به الزنا، مع أن الفاحشة تأتي في القرآن مرادًا بها الزنا، وتأتي مرادًا بها بذاءة اللسان والتطاول، قال الله تعالى: وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ [النساء: ١٥]، ما المراد بالفاحشة هنا؟ الزنا. وقال تعالى: لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ [الطلاق: ١]، والمراد بالفاحشة هنا بذاءة اللسان وسلاطته، فإذا كانت بذيئة اللسان سليطته، تأتي بكلمات خارجة عن المروءة، فلزوجها أن يُخْرِجها من البيت أثناء العدة. هذه الآية إن قلنا بأنها تشمل الفاحشة التي هي الزنا، والفاحشة التي هي بذاءة اللسان، فإن ذلك لا يعني أنه يقع منهن؛ لأن الشرط لا يلزم وقوعه، كما قال الله تعالى: قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ [الزخرف: ٨١]، وهل يمكن ذلك؟ لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا [الأنبياء: ٢٢]، هل يمكن ذلك ؟ لا يمكن، لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [الزمر: ٦٥]، لا يمكن هذا أيضًا، فالإتيان بالشيء مُعَلَّقًا بالشرط لا يلزم منه جواز وقوع الشرط، وعلى هذا فلتكن الآية: مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍفلتكن شاملة للزنا، لكن هذا شيء محال، أما إذا قلنا: إن المراد بالفاحشة هو سلاطة اللسان والخروج بالقول عن المألوف والمروءة، فهذا قد يقع من النساء، حتى من أمهات المؤمنين رضي الله عنهن، ولا عيب عليهن في ذلك؛ لأنه من طبيعة النساء الغَيْرَة وعدم حفظ اللسان، وعدم التأني بالأمور، وأَيًّا كان فإن الله عز وجل يقول: مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ، وذلك لشرفها وعُلُوّ منزلتها، فكان الذنب منها أعظم من الذنب من غيرها، ولهذا إذا زَنَت الحرة تُجْلَد أو تُرْجَم، وإذا زنت الأمة فليس عليها إلا نصف ما على المحصنات من العذاب؛ لشرف الأولى، وانحطاط مرتبة الثانية، فزوجات الرسول عليه الصلاة والسلام لهن من المقام الرفيع، والحصن المنيع ما يقتضي أن يضاعَف العذاب عليهن إذا أَتَيْنَ بفاحشة مُبَيِّنَة، فلهذا قال: يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ. فإذا كان جزاء السيئة سيئة مثلها، فجزاء السيئة التي ذكر الله هنا -الفاحشة الْمُبَيِّنة- بالنسبة لزوجات الرسول سيئتان، ولهذا قال: يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ، أي: يُكَرَّر عليهم مرتين، وَكَانَ ذَلِكَأي: تضعيف العذاب عليهن، كَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا، فالمشار إليه هو تضعيف العذاب، كان ذلك يسيرًا على الله ليس صعبًا عليه. لماذا قال: وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا؟ لئلَّا يظن ظانٌّ أن هذا أمر صعب على الله؛ لكون الأمر يتعلق بزوجات نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، فبَيَّنَ الله عز وجل أن هذا أمر يسير عليه؛ لأنه سبحانه وتعالى ليس بينه وبين خلقه نسب، أكرم الخلق عنده أتقاهم له، كما قال الله تعالى: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات: ١٣]. وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ، هذا عكس الأول، لَمَّا قلنا: إذا أَتَيْنَ بفاحشة مبينة ضُوعِفَ العذاب عليهن، جازاهن الله تعالى بالعدل من جهة أخرى، فقال: وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ. ({يَقْنُتْ}: يُطِعْ)، ولكن القنوت لله تعالى غير القنوت للرسول عليه الصلاة والسلام، القنوت لله قنوت عبادة وتَذَلُّل وتعظيم، والقنوت للرسول عليه الصلاة والسلام قنوت طاعة الزوج، وليس هو كقنوتهن لله عز وجل. مَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، لِلَّهِبالطاعة والعبادة، ولرسول الله صلى الله عليه وسلم بأداء حقوقه التي تجب للزوج على زوجته. وَتَعْمَلْ صَالِحًا: تعمل عملًا صالحًا، والعمل الصالح ما كان خالصًا صوابًا، والخالص الصواب يعني أنه جمع بين الشرطين الأساسيين في كل عبادة، وهما الإخلاص لله، والمتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، كل عبادة لا بد فيها من هذين الشرطين، فمن اتبع للرسول ولم يُخْلِص لله فصلاته باطلة؛ لأنها رياء، ومَن أخلص لله ولم يتبع الرسول صلى الله عليه وسلم فصلاته باطلة أيضًا، فعبادته باطلة؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» . إذن ما هما الشرطان الأساسيان في صحة العبادة؟ طالب: (...). الشيخ: نعم، فالمتابعة مع الإخلاص؟ الطالب: (...). الشيخ: نعم، فإذا وُجِدَ متابعة بدون إخلاص؟ الطالب: (...). الشيخ: لا يقبل العمل، إخلاص بلا متابعة لا يُقْبَل، لا بد من الأمرين، وهكذا كلما ذكر الله عز وجل عملًا صالحًا فالمراد بالصالح ما تضمن هذين الشرطين الأساسيين. قال الله عز وجل: نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ، نُؤْتِهَالم يقل: نُؤْتِيهَا، بالياء، لماذا؟ طالب: (...). الشيخ: جواب الشرط، وهو قوله: مَنْ يَقْنُتْ، وجواب الشرط يكون مجزومًا، والفعل هنا مجزوم بحذف حرف العلة، وأصله: نُؤْتِيهَا، فلما جُزِمَ حُذِفَ حرف العلة نُؤْتِهَا، فمعنى نُؤْتِهَاأي: نُعْطِهَا، ولهذا نصبت مفعولين؛ المفعول الأول (ها)، والثاني أَجْرَهَا. ({نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ} أي: مِثْلَيْ ثواب غيرهن من النساء، وفي قراءة بالتحتانية في {تَعْمَلْ}). طالب: (...). الشيخ: تحتانية في تَعْمَلْ: {وَيَعْمَلْ}، وفي نُؤْتِهَايعني: و{يُؤْتِهَا}، والقراءة هذه سبعية حسب اصطلاح المؤلف، و{يُؤْتِهَا} أي: الله، ونُؤْتِهَاأي: نحن، فالضمير يعود على مَن؟ على الله، نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ، كما أنها إذا أتت بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين، فإذا قنتت لله ورسوله وعملت صالحًا آتاها الله تعالى أجرها مرتين، وإيتاء الأجر مرتين ليس بغريب، فقد أثبت الله تعالى الأجر مرتين في عدة مسائل، مثل؟ طالب: (...). الشيخ: لا، أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ [القصص: ٥٤]، وأخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن الرجل من أهل الكتاب إذا آمَن بكتابه، ثم آمن بمحمد عليه الصلاة والسلام، فإن الله تعالى يُؤْتِيه أجره مرتين. وقال كثير من أهل العلم في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ [الحديد: ٢٨]: إن هذا هو أجر هذه الأمة يضاعَف على غيرها مرتين، والمهم أن فضل الله تعالى واسع، قد يُثِيبُ العامل أجره مرتين لسبب من الأسباب. طالب: (...). الشيخ: هذا في الحديث. الطالب: (...). الشيخ: هي التي قرأناها: أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٥٤) وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ [القصص٥٤: ٥٥] . يقول: وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا، أَعْتَدْنَاأي: هَيَّأْنَا لها، رِزْقًا: عطاءً، كَرِيمًا: حسنًا وكثيرًا؛ لأن الكرم في كل موضع بحسبه، فالكريمة من الشاة معناها الحسنة الجميلة الكثيرة اللبن، كما في قوله عليه الصلاة والسلام: «فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ» ، وهنا المراد بالرزق الكريم العطاءُ الكثير الحسَن الجميل، وهذا إنما يكون كما يقول المؤلف: (في الجنة زيادةً). ثم قال الله تعالى (...). يستفاد منها: وجوب تخيير النبي صلى الله عليه وسلم زوجاته؛ لقوله: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ. ومن فوائدها: حماية الله سبحانه وتعالى لرسوله ودفاعه عنه، حيث أمره أن يُخَيِّر أزواجه هذا التخيير لَمَّا ضَيَّقْنَ عليه وطَلَبْنَ منه النفقة. ومن فوائدها: بيان فضائل أمهات المؤمنين رضي الله عنهن؛ لأنهن اخْتَرْنَ الله ورسوله والدار الآخرة. ومن فوائدها: كمال خُلُق النبي عليه الصلاة والسلام، حيث أمره الله أن يقول: إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا، فإنما كان مقتضى الحال أن يُوَبَّخْنَ على ذلك، وأن يُؤَنَّبْن عليه، لكنه قيل: تَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ. ومن فوائدها: حِلّ زوجات النبي صلى الله عليه وسلم لغيره لو اخترن الحياة الدنيا وزينتها؛ لقوله: وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا. ومن فوائد الآية الكريمة التي بعدها -وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ-: أن إرادة الله ورسوله والدار الآخرة من الإحسان؛ لقوله: فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا. ومن فوائد الآية الكريمة: أن النية لها أثر عظيم في زيادة الثواب؛ لأنه رَتَّبَ هذا الثواب على هذه الإرادة والنية الطيبة. ثم قال تعالى: يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ. يستفاد من هذه الآية الكريمة: أن الذنب من المقرَّبِين أشد من الذنب من غير المقرَّبِين، من أين يؤخذ؟ من كون الله يقول: يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ. ومن فوائدها: حماية فِرَاش النبي صلى الله عليه وسلم التامّة؛ لكون المرأة إذا أتت بفاحشة مُبَيِّنة من زوجاته فإن الله يضاعف لها العذاب، كل ذلك من أجل حماية فِرَاش النبي صلى الله عليه وسلم، وسواء قلنا: إن المراد بالفاحشة الزنا، أو المراد بها بذاءة اللسان. ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله عز وجل له أن يفعل ما يشاء في مضاعفة الثواب والعقاب، وأن هذا الأمر عليه هَيِّن؛ لقوله: وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا. ثم قال تعالى: وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا. يستفاد من هذه الآية الكريمة: مزيةٌ عظيمة لزوجات النبي صلى الله عليه وسلم، حيث كانت المرأة إذا عملت عملًا صالحًا وأطاعت لله ورسوله آتاها الله أجرها مرتين. ويستفاد منها: عدل الله سبحانه وتعالى، كمال عَدله، لما ضُوعِف لها العذاب ضُوعِف لها الثواب والأجر، ولهذا قال: يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ، وقوله: نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ. ومن فوائدها أيضًا: أن الله أعدّ لهؤلاء المؤمنات من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أعدّ لهنّ أجرًا كريمًا، أي: كثيرًا جميلًا حسنًا، نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا. أما المناقشة في الآيات الكريمة فنبدأ بها أيضًا نتابع معكم هذه الدروس. يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ، أين مقول القول في قوله: قُلْ لِأَزْوَاجِكَ؟ (...)
تفسير الآية (٣٢)
٠٠:٢٤:٤٣
قال الله عز وجل: يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ، يَا نِسَاءَ النَّبِيِّالخطاب هنا وَجَّهَهُ الله عز وجل بعد أن وَجَّهَه لرسوله وَجَّهَه إلى نسائه، قال: يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ، وهذا بعد التخيير يدل على أن الزوجية استقرت لزوجات النبي صلى الله عليه وسلم، ولهذا خاطبهن بقوله: يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ، هذه لَسْتُنَّأصلها: ليس، لكنه لما سُكِّنَت السين حُذِفَت الياء؛ لأنها حرف لين، حرف اللين عند التقاء الساكنين يُحْذَف، كما قال ابن مالك رحمه الله في الكافية:
إِنْ سَاكِنَانِ الْتَقَيَا اكْسِرْ مَا سَبَقْ
وَإِنْ يَكُــنْ لَيْنًا فَــحَــذْفَهُ اسْتَحَـــــقْ
لَسْتُنَّ كَأَحَدٍيعني أن زوجات الرسول عليه الصلاة والسلام لَسْنَ كأحد يقول المؤلف: (كجماعة من النساء). وقوله: (كجماعة من النساء) فيه نظر؛ لأن (أحد) تُطْلَق على الفرد، يعني: ليس هناك أحد من النساء مثلكن. لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِأي: لا تُشْبِهْنَ أحدًا واحدةً فأكثر من النساء، وقوله: مِنَ النِّسَاءِأي: سواكن. ({إِنِ اتَّقَيْتُنَّ} الله فإنكن أعظم)، يعني: لستن كأحد من النساء إن اتقيتن، هذا المراد بالشرط؛ الحث والإغراء على التقوى، يعني: إن كنتن مُتَّقِيَات لله حقيقةً فلا تَقِسْنَ أنفسكن بغيركن، فلستن كأحد من النساء، لماذا؟ لما لَهُنَّ من المزية في الاتصال برسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان عليهن من حماية فِرَاشه أعظم مما على غيرهن من حماية فُرُش أزواجهن، لماذا؟ لعِظَم حق النبي صلى الله عليه وسلم وعُلُوّ مرتبته. فقوله: إِنِ اتَّقَيْتُنَّالمراد بالشرط هنا الحث والإغراء على تقوى الله عز وجل حتى لا يَقِسْن أنفسهن بغيرهن، فالفرق عظيم بين فراش النبي صلى الله عليه وسلم وفراش غيره، ولهذا مَن قذف زوجة من زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم بالزنا كان كافرًا، ومَن قذف زوجة غيره لم يكن كافرًا؛ لأن قذف زوجة من زوجات الرسول عليه الصلاة والسلام معناه الطعن في رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه -والعياذ بالله- خبيث، فإن الله يقول: الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ [النور: ٢٦]. فعلى هذا تكون حماية فراش النبي صلى الله عليه وسلم أعظم وجوبًا من حماية فراش غيره، ولهذا قال: لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ. ({فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ} للرجال)، لَا تَخْضَعْنَالخضوع بمعنى التطامن والذل والخنوع، فالمعنى: لا تَتَطَامَنَّ ولا تذللن ولا تخنعن لأحد من الرجال بالقول، يعني: لا يَكُن قولكن في مخاطبة الرجال رقيقًا وضيعًا هَيِّنًا، لماذا؟ لأن المرأة فتنة، فإذا خضعت بالقول دَبَّ الشيطان بينها وبين الرجل الذي تخاطبه. مهما كان الإنسان من شرف ومن نزاهة فإن المرأة إذا خاطبته بصوت خاضع فإنها قد تَغُرُّه، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الْحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ» ، الرجل الحازم الفَطِن الكَيِّس لا أحد يُذْهِبُ لُبَّهُ، أي: عقله مثلما تُذْهِبُه المرأة، ولهذا قال: فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ، بل يجب على المرأة أن تكون عند مخاطبة الرجال من أبعد ما يكون عن الخضوع بالقول ولِين القول وظرافته، بحيث تؤدي إلى هذا الأمر العظيم وهو قوله: فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ، يَطْمَعَفي ماذا؟ يطمع فيكُنّ؛ إما بفعل فاحشة، أو بالتمتع والتلذذ بخطابهن، فإن الإنسان الذي في قلبه مرض إذا خضعت له المرأة بالقول فإنه يستمر معها في مخاطبتها حتى يغريه الشيطان، وربما يحصل بعد ذلك موعد ولقاء وفاحشة، كما يوجد كثيرًا من السفهاء الآن، تجده -والعياذ بالله- ولا سيما بعد وجود هذه الهواتف تجده يفتح –مثلًا- أي نمرة تكون، فإذا خاطبته امرأة بدأ معها بالكلام اللين الخاضع حتى يغريه الشيطان، يغريه بها ويغريها به، ولهذا قال: فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ، قال المؤلف: (نفاق). والصواب أن المراد بالمرض هنا مرض الشهوة والتمتع لا مرض النفاق؛ لأن بعض المنافقين قد لا يكون في نفوسهم هذا الشيء، كما أن بعض المؤمنين قد يكون في قلوبهم هذا الشيء، فالمراد بالمرض هنا مرض التمتع والتلذذ بصوت المرأة، فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ. وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا، قُلْنَفعلٌ ماضٍ مبني على السكون؛ لاتصاله بضمير الرفع المتحرك، كذا؟ لاتصاله بنون النسوة ما يخالف، نون النسوة ضمير رفع متحرك، أيش تقول؟ طالب: (...). الشيخ: فعل أمر؟ إي، فعل أمر ما هي فعل ماض، مع إنك لو قلت: النساء قُلْنَ كذا وكذا، صار فعلًا ماضيًا، لكن إذا وَجَّهْت الأمر إليهن فقلت: قُلْنَ قولًا معروفًا، لَمَّا نهاهن سبحانه وتعالى عن الخضوع بالقول أَمَرَهُنَّ بأن يَقُلْن قولًا معروفًا؛ لئلا يظن ظانٌّ أن المرأة لا تخاطب الرجل مطلقًا، وليس كذلك، بل المرأة مخاطبتها للرجال جائزة، لكن بالقول المعروف. ({وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا} من غير خضوع). وما المراد بالمعروف؟ هل المراد بالمعروف المتعارف عليه بين الناس من مخاطبة الرجال والنساء، أو المراد بالمعروف ما ليس بمنكر؟ المراد الأخير؛ لأن الأول لو قلنا: إنه ما يتعارف الناس عليه من الخطاب بين الرجل والمرأة، لكان هذا خاضعًا لاختلاف الأعراف، فيوجد -مثلًا- مِن الناس مَن عُرْفُهم أن المرأة تخاطب الرجل وتضحك إليه وتمازحه، كما يوجد الآن في كثير -مع الأسف- من بلاد المسلمين، المرأة مع الرجل الأجنبي الذي لا تعرفه تجدها تقف معه وتمازحه وتضحك كأنما تخاطب زوجها -والعياذ بالله- وهذا لا شك أنه حرام، وأنه دعوة إلى الفجور. إذن المراد بالمعروف ما ليس بمنكر، يعني ما عرفه الشرع وأقره من الكلام الذي يكون بعيدًا عن الخضوع في القول، وعن التمتع والتلذُّذ به.
وقوله: وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا، قَوْلًاهذه مصدر، ومَعْرُوفًاصفته، فهي مبيِّنَة لنوع هذا القول، وهو أنه القول المعروف لا القول المنكر. طالب: (...). الشيخ: لا، إذا قلنا: ما أقرَّه الشرع، يكفي؛ لأن الشرع يُقِرّ كل ما يتعارف الناس مما لا يخالفه، فالمعروف مثل قوله تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ [آل عمران: ١١٠] . طالب: (...). الشيخ: إذا قلنا: القول المعروف ما أَقَرَّه الشرع وعرفه، يكفي، هذا أَبْيَن. الطالب: (...). الشيخ: لا، إذا اتصل بها فليقل: السلام عليكم. الطالب: (...). الشيخ: لا، لا، هذه ما هي طيبة. الطالب: (...). الشيخ: ولا ما يقول: السلام على مَن اتبع الهدى. الطالب: (...). الشيخ: لا، يقول: السلام عليكم، ولا فيها شيء، لكن لا يقول: ألو؛ لأن (ألو) هذه تحية النصارى، مع أنها الآن مع الأسف شائعة، حتى يكلمك ناس من أهل العلم وأهل المعرفة يقول لك: ألو. طالب: (...). الشيخ: لا، هو الذي يتكلم. الطالب: (...). الشيخ: لا، ما هو لازم، إلا إذا كان (...). إِنِ اتَّقَيْتُنَّما فائدة الشرط هنا؟ (...) .. تبارك وتعالى: يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ.
يستفاد من هذه الآية الكريمة: الميزة والخصيصة لنساء النبي صلى الله عليه وسلم؛ لقوله: لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ، فإن قلت: ما الحكمة في أنهن لَسْنَ كأحد من النساء؟
فالجواب: لأنهن تحت رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي هو أطيب الطيبين من الخلق، وقد قال الله تعالى: وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ [النور: ٢٦] . ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان قد يَشْرُف بشرف مَن اتصل به، من أين تؤخذ؟ مِن شَرَف أمَّهات المؤمنين باتصالِهِنّ بالرسول صلى الله عليه وسلم، ولهذا حَثَّ النبي صلى الله عليه وسلم على الجليس الصالح وقال: «إِنَّ مَثَلَ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ، وَإِمَّا أَنْ يَبِيعَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رَائِحَةً طَيِّبَةً» ، وحَذَّرَ من جليس السوء؛ لأن الإنسان بلا شك يشرُف بشرف مَن يتصل به، وينزل بنزول مَن يتصل به. ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب التقوى حتى على زوجات الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لقوله: إِنِ اتَّقَيْتُنَّ. ومن فوائدها: تحريم خضوع المرأة في مخاطبة الرجال؛ لقوله: فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ، فإن قلت: أفلا يكون هذا خاصًّا بزوجات الرسول صلى الله عليه وسلم لِمَا لهن من المكانة والشرف حتى يبعدن عن مواضع الفتن، إن قلت هذا فما الجواب؟ الجواب أنه إذا كان نساء الرسول عليه الصلاة والسلام وهن أطهر النساء وأبعدهن عن الفتنة مَنْهِيَّات عن الخضوع بالقول مُعَلَّلًا ذلك النهي بخوف طمع مَن في قلبه مرض، فإن الحكم يدور مع عِلَّتِه وجودًا وعدمًا، فإذا كان هذا في النساء الطاهرات الْمُبَرَّآت فغيرهن من باب أولى، وإذا كانت العلة خوف طمع مَن في قلبه مرض فهذه العلة لا تختص بزوجات الرسول صلى الله عليه وسلم، وعلى هذا فيَحْرُم خضوع المرأة بالقول لأي أحد من الناس، اللهم إلا لمحارمها مع أَمْن الفتنة أيضًا، يعني حتى المحارم، «الشَّيْطَانُ يَجْرِي مِنِ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ» .
ربما مع خضوعها بالقول ربما تحصل الفتنة، ولا سيما المحارم بالرضاع والمصاهرة؛ لأن نفور الطبيعة عن المحارم بالرضاع والمصاهرة أقلّ من نفورها عن المحارم بالنسب والقرابة، وهذا أمر مشاهَد، ولهذا يجب التحرز في المحارم بالرضاع والمصاهرة أكثر من التحرز عن المحارم بالنسب. طالب: (...). الشيخ: إي نعم. الطالب: (...). الشيخ: على كل حال كلما كان هناك قرابة صار الإنسان ينفر من التعلق بها تعلقًا شهوانيًّا، ينفر أكثر. ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا بأس بمخاطبة المرأة الرجال لكن بالمعروف، من أين يؤخذ؟ من قوله: وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا. ومن فوائدها: أن صوت المرأة ليس بعورة، خلافًا لمن قال: إنه عورة، من أهل العلم، والصواب أن صوت المرأة ليس بعورة، ولهذا كان النساء يأتين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألنه وحوله أصحابه ولا ينهاهن عن ذلك، ولو كان صوت المرأة عورة لنهاهن النبي صلى الله عليه وسلم عن الكلام مع حضور الرجال. ومن فوائد الآية الكريمة: أنه يجب على الإنسان أن يكون مُتَّبِعًا لما جاء به الشرع في أقواله وأفعاله؛ لقوله: وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا. ومن فوائد الآية الكريمة: أن فتنة النساء مَرَض في القلب يحتاج الإنسان فيه إلى معالجة وإلى مداواة؛ لقوله: فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ، وهذا المرض مرض فتَّاك، نسأل الله السلامة منه، مرض في القلب كمرض السرطان في البدن، إذا لم يتدارك الله العبد بعفوه وتوفيقه وتسديده فإنه يهلك، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ» ، فالواجب الحذر من هذا الأمر، وألَّا يملي الإنسان لنفسه ويمهلها في هذا الباب. ومن فوائد الآية الكريمة: أن مَن كان صحيح القلب فإنه أبعد الناس عن مواضع الفتن؛ لقوله: فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ. ومن فوائد الآية الكريمة: أن مَن جعل الله قلبه صحيحًا فإن المرأة لا تغريه بما تفعله من أسباب الفتنة؛ لأنه قال: لَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ، ولم يقل: لا تخضعن بالقول فيطمع الناس فيكن، بل قال: فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ، لكن مع ذلك لو كان الإنسان صحيح القلب سليمًا، ثم أحس في نفسه شيئًا من الفتنة، فالواجب عليه البعد عن ذلك، لا يقل: إني سليم، إني والحمد لله لا يهمني هذا الأمر، لا، لا يقول هكذا، فإن الإنسان قد يرى نفسه متحصنًا بحصن التقوى، ولكن الشيطان يخدعه عند مواضع الفتن. ولهذا أمر النبي عليه الصلاة والسلام مَن سمع بالدجال أن ينأى عنه، يعني يبعد، فإن الإنسان يأتيه وهو يرى أنه مؤمن فلا يزال يقذف له بالشبهات حتى يتبعه .
تفسير الآيتين (٣٣-٣٤)
٠٠:٤٦:٠٤
ثم قال الله عز وجل: {وَقِرْنَ} بالكسر، ولهذا قال: (بكسر القاف وفتحها)، وهو من القرار؛ وهو البقاء مع السكون والاستقرار، وهو أبلغ من قوله: وابقين في بيوتكن؛ لأن القرار بقاء وزيادة مع سكون، ولهذا قال: ({وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ} من القرار، وأصله: اقرِرْن، بكسر الراء وفتحها -اقرِرن واقرَرْن- من قَرَرْت، بفتح الراء وكسرها -قرَرت وقرِرت- نُقِلَت حركة الراء إلى القاف، وحُذِفَت مع همزة الوصل). أصل قَرْنَاقرَرن أو اقرِرن، فما الذي حدث؟ نُقِلَت فتحة الراء إلى القاف الساكنة، فماذا؟ لَمَّا نُقِلَت حركتها إلى القاف الساكنة صارت هي ساكنة، وصارت القاف مفتوحة أو مكسورة، ثم حُذِفَت همزة الوصل، فصارت وَقَرْنَ. وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّبُيُوتِكُنَّهنا الإضافة يحتمل أنها للتمليك، وأن بيوت زوجات رسول الله صلى الله عليه وسلم ملك لهن. ويحتمل أنها للاختصاص، وأن البيوت ملك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأيهما أقرب؟ الأقرب أنه للتمليك، بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم لما تُوُفِّيَ بقيت هذه البيوت لِمَن؟ لزوجاته، ولو كانت البيوت لرسول الله صلى الله عليه وسلم لم تُورَث من بعده؛ لأن الأنبياء لا يورثون، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: إِنَّا مَعْشَرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةً، عَلِّمُوني إذا أخطأت في اللفظ: «إِنَّا مَعْشَرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ» ، «صَدَقَةٌ»، نعم؛ لأنه يفسد المعنى، الرافضة يقولون: إن لفظ الحديث: (إِنَّا مَعْشَرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةً)، ليش؟ لأجل أن يقولوا: إن الذي تركوه غيرَ صدقة يُورَث، وأن أبا بكر وعمر وبقية الصحابة ظلموا ورثة النبي صلى الله عليه وسلم حيث لم يورثوهم، لكن أهل السنة والجماعة يقولون: كذبتم أيها الرافضة، بل إن لفظ الحديث: «إِنَّا مَعْشَرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ»، انتهت في الجملة الأولى، ثم قال مُبَيِّنًا ماذا يكون مآل المال بعده، قال: «مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ»، أي: الذي تركناه صدقة. والمعنى الذي ذهبت إليه الرافضة باطل؛ لأن ما تُرِكَ صدقةً لا يورث حتى في غير الأنبياء، أليس كذلك؟ يعني: ما تركه الإنسان صدقة بعد موته لا يرثه ورثته، حتى لو كان غير نبي، فهم مُحَرِّفُون للحديث لفظًا ومعنى. طالب: (...). الشيخ: يقولون: إننا لا نورَث الذي تركناه صدقةً، يعني: لا يورث الذي تركناه صدقة، يعني معناه -مثلًا- إذا وَقَّفْنَا شيئًا -مثلًا- وجعلناه في سبيل الله فإننا لا نُورَث هذا الشيء، إنما نورَث الأملاك الأخرى، وهل هذا هو خاصّ بالرسل؟ لا، ليس خاصًّا بهم، إذن نقول: قوله: فِي بُيُوتِكُنَّالأقرب أن الإضافة للتمليك. ({وَلَا تَبَرَّجْنَ} بترك إحدى التاءين من أصله)، تَبَرَّجْنَهل هي فعل مضارع ولَّا فعل ماضٍ؟ طالب: (...). الشيخ: أيش الدليل؟ الطالب: (...). الشيخ: الدليل (لا) الناهية، نعم (لا) الناهية لا تدخل إلا على المضارع، وإلا فإن كلمة تبرج والنساء تبرجن هذا فعل ماضٍ، لكن في الآية وَلَا تَبَرَّجْنَهذا فعل مضارع، يقول المؤلف: (بترك إحدى التاءين)، وأصلها (تتبرجن) هذا أصلها، وَلَا تَتبَرَّجْنَ، حَذْف إحدى التاءين في المضارع كثير في القرآن، ومنه قوله تعالى: فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى [الليل: ١٤]، أي: تتلظى. إذن لَا تَبَرَّجْنَفعل مضارع مبني على السكون لاتصاله بنون النسوة في محل جزم بـ(لا) الناهية. لَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى(أي: ما قبل الإسلام). لَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى، التبرج في الأصل مأخوذ من التعالي والترفُّع، ومنه: البُرْج؛ الحصن المنيع الرفيع، كما قال تعالى: أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ [النساء: ٧٨]، وكما في قوله تعالى: تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا [الفرقان: ٦١]، أي: جعل فيها كُتَلًا عظيمة من النجوم كالبروج المشيدة. يقول: وَلَا تَبَرَّجْنَأي: تتعالين وتترفعن باللباس وغيره، وقوله: تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى، هذا مصدر مُبَيِّن للنوع بالإضافة إلى الجاهلية، قال: تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ، ومعلوم أن المصدر يكون لبيان العدد، وبيان النوع، والتوكيد، وغير ذلك مما ذكره أهل العلم بالنحو. تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِأضافه إلى الجاهلية لأنه مبني على الجهل والسفه؛ لأن المرأة إذا تبرَّجَت فإن ذلك يعتبر جهلًا منها وسفهًا، ولهذا أُضِيفَ إلى الْجَاهِلِيَّةِ، ثم أضيف إلى الْأُولَى، وهل المراد الأولى زمنًا، أو الأولى مرتبة، أو كلاهما؟ يعني: هل معنى الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىيعني: معناها الأعظم جهلًا من نوعها، كما يقال: هذا هو الأول في الجهل، هذا هو الأول في السفه، هذا هو الأول في الإسلام، هذا هو الأول في الإصلاح، وما أشبه ذلك، أو المراد بـالْأُولَىالأولى من حيث الزمن، أو كلاهما؟ كلاهما في الواقع؛ فهي جاهلية من الطراز الأول من الجهل، وهي جاهلية أولى لأنها سبقت الإسلام، ولا يعني بذلك أنها الجاهلية المباشرة للإسلام؛ لأن الجاهلية المباشرة للإسلام امتداد لجاهلية سبقت منذ زمن بعيد، فالجاهلية الأولى استمرت إلى أن محاها الإسلام بالعلم والتقوى والحمد لله، ولهذا قال: تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى. والمراد بالإضافة هنا -كما قلت قبل قليل- بيان النوع، وما أقبح نوعًا يكون جهلًا، وعلى هذا فالمراد به التقبيح، تقبيح هذا التبرج، وأنه تبرُّج مبني على الجهل والسفه، والبُعْد عن الإيمان والعلم والرشد.
({وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى} أي: ما قبل الإسلام من إظهار النساء محاسنهن للرجال).
في الجاهلية تتبرج المرأة، وتخرج بأحسن ما يكون عندها من اللباس والحلي، ولهذا قال الله عز وجل: وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ [النور: ٣١]، فبالتبرج يكون بنوع اللباس، ويكون بالطِّيب، ويكون بتحسين البدن بالحناء والتحمير، وتسويد العين بالكحل، وما يسمى عندنا في الوقت الحاضر بالمكياج، وما يسمى بِمنكر المناكير، وعلى هذا فَقِس، كل هذا من التبرج الذي يعتبر من تَبَرج الجاهلية الأولى. ولهذا يقول: (من إظهار النساء محاسنهن للرجال، والإظهار بعد الإسلام مذكور في آية {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} [النور: ٣١])، رحم الله المؤلف فإن هذا ليس بصواب منه، ما في الإسلام إظهار للزينة أبدًا إلا في نوعين: النوع الأول: الإظهار العام لكل أحد. والنوع الثاني: الإظهار الخاص للبعولة والمحارم. الإظهار العام إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَاالمراد بـمَا ظَهَرَ مِنْهَاما جرت العادة بأنه لا بد من ظهوره، كالجلباب والعباءة، وما أشبه ذلك، كما فَسَّرَه بذلك ابن مسعود رضي الله عنه، فعلى هذا يكون الاستثناء في قوله: إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَااستثناءً منقطعًا ليس متصلًا؛ لأن ما ظهر ليس من الزينة في الواقع، فما ظهر وما جرت العادة بظهوره ولا بد منه هذا أمر ليس من الزينة، حتى لو سُمِّيَ زينة ولباسًا فإنه لا بد من ظهوره، أما الزينة الأخرى التي خصها الله بقوم معينين فقال: وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ [النور: ٣١]، وهذه هي الزينة الباطنة كالثياب التي تكون داخل الجلباب والعباءة، وما أشبه ذلك، لا يبدينه إلا لبعولتهن أو آبائهن، إلى آخره، والحاصل أن التبرج ما أَذِنَ الله فيه أبدًا، التبرج النهي عنه عامّ. طالب: (...). الشيخ: نعم، التزين للزوج هذا أمر مطلوب، يعني المرأة أن تتجمل لزوجها لما في ذلك من تأكيد الحكمة التي من أجلها شُرِعَ الزواج، كما قال تعالى: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً [الروم: ٢١]، ولا شك أن المرأة إذا تجمَّلت لزوجها بأنواع الجمال فإن ذلك مما يوجب سكونه إليها ومودته لها، فيكون هذا من باب تأكيد الحكمة التي من أجلها شُرِعَ الزواج، ولهذا تُؤمَر المرأة بأن تتجمل لزوجها كما أن الزوج أيضًا، كما قال بعض السلف: إن من حقها عليّ أن أتجمل لها كما أن من حقي عليها أن تتجمل لي .
أما أن يأتي الزوج لزوجته كلابس الخيشة وما أشبه ذلك، ويريد منها أن تلائمه، ويقول: ليش ما تتجملي لي وهو يلبس أردأ اللباس، هذا من غير العدل، الإنسان يجب عليه أن يراعي العدل في كل معاملاته. طالب: (...). الشيخ: إي، الخشونة في مواضع إذا رَكِبَ الخيل فليكن خشنًا وليلبس الْخَيْش (...)، لكن مع المرأة لا، لكل مقام مقال. طالب: (...). الشيخ: ما راح إلا ثلث (...). الطالب: (...). الشيخ: إي، معنى الحديث. وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ: إيتينَ بها مستقيمة، وذلك بفِعْل شروطها وأركانها وواجباتها، ويش بعد؟ ومستحباتها، لكن الإتيان بالثلاثة الأولى على سبيل الوجوب، وبالرابع على سبيل الكمال والاستحباب. وقوله: أَقِمْنَ الصَّلاةَيشمل الفريضة والنافلة، وَآتِينَ الزَّكَاةَأي: أَعْطِينَها، والزكاة في اللغة النَّمَاء والزيادة، وفي الشرع: مال مُقَدَّر مخصوص في مال مخصوص، يعني: جزء من أموال مخصوصة يُدْفَع لمستحقيه. وقوله: آتِينَ الزَّكَاةَ، آتِينَتنصب مفعولين؛ لأنها من باب (كسا، وأعطى)، فالمفعول الأول الزَّكَاةَ، والمفعول الثاني محذوف، أي: مستحِقَّهَا، آتين الزكاة مستحقها؛ لأن إيتاء الزكاة لغير أهلها لا ينفع، كما لو صلى الإنسان في غير الوقت. وقوله: آتِينَ الزَّكَاةَبعد الأمر بإقامة الصلاة فيه دليل على تأكد الزكاة، وهل يلزم منه أن أمهات المؤمنين عندهن مال يزكينه؟ ما يلزم؟ إذا قلنا: لا يلزم، صار توجيه الخطاب إليهن بإيتاء الزكاة من باب اللفظ؛ لأنهن سيقلن: ما عندنا مال، أو يقال: أُمِرْنَا بايتاء الزكاة إما التزامًا وإما إعطاء بالفعل؛ التزامًا إذا لم يكن عندهن شيء، وإعطاء بالفعل إذا كان عندهن شيء، ولا شك أن عندهن ما تجب الزكاة فيه، أو عند بعضهن من الحلي، كما في حديث أم سلمة أنها كانت تلبس أوضاحًا من ذهب، فقالت: يا رسول الله، أكَنْزٌ هو؟ قال: «إِذَا أَدَّيْتِ زَكَاتَهُ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ» ، فهن عندهن ما يزكين به، قد لا يكون دراهم ودنانير، ولكن من الحلي. وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، أَطِعْنَ اللهَالطاعة قال العلماء: هي موافَقَة الأمر، هذه الطاعة، يعني عدم المعصية، توافق أَمْرَ الْمُطاع إن كان مطلوبًا بالفعل، وإن كان منهيًّا عنه بماذا؟ بالترك. وقوله: وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُعَطَف طاعة الرسول عليه الصلاة والسلام على طاعة الله بالواو؛ لأن طاعة الرسول من طاعة الله، كما قال الله تعالى: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ [النساء: ٨٠]، وقد سبق لنا مرارًا وتكرارًا أن المسائل الشرعية تجوز أن يُقْرَن فيها بين الله وبين الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأن ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من المسائل الشرعية هو مما أمر الله به. وقوله: وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُهل المراد هنا طاعة التعبد، أو المراد بها عدم المخالفة؟ أما بالنسبة لطاعة الله فهي طاعة التعبد والتذلُّل، ورجاء الثواب، والخوف من العقاب، وأما طاعة الرسول عليه الصلاة والسلام فإنها طاعة بمعنى موافقة الأمر، سواء كان فيما يأمر به من الشرع، أو فيما يأمر به من حوائجه الخاصة، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم يوجه الأمر إلى أهله إما على سبيل العبادة مما أمره الله به، وإما على سبيل الأمور الخاصة المتعلِّقة به عليه الصلاة والسلام. ({وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ} الإثم يا {أَهْلَ الْبَيْتِ)، أي نساء النبي صلى الله عليه وسلم {وَيُطَهِّرَكُمْ} منه {تَطْهِيرًا}). إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ، إِنَّمَاهذه أداة حصر، والحصر يقول العلماء: معناه إثبات الحكم في المذكور ونفيه عما سواه، والْحَصْر هنا إضافي أو حقيقي؟ إضافي، حقيقي، أو إضافي حقيقي، أو لا إضافي ولا حقيقي؟ القسمة أربعة: إما إضافي، وإما حقيقي، وإما هما، وإما غيرهما. طالب: (...). الشيخ: إضافي، لماذا؟ الطالب: (...). الشيخ: لأن الله يريد هذا وغيره، الإضافي هو الذي لا يكون محصورًا بحسب الواقع في هذا الشيء، والحقيقي هو الذي يكون محصورًا في هذا الشيء بحسب الواقع، فإذا قلت: لا طالب يلتفت إلا خالدٌ، أيش يصير؟ حقيقي ولَّا إضافي؟ نشوف؛ إن كان ما فيه غيره فهو حقيقي، وإن كان أحد يلتفت غيره فهو إضافي. طالب: (...). الشيخ: فائدة الإضافي كأن هذا الرجل لكثرة -مثلًا- التفاته لا يلتفت أحد سواه، كما لو قلت: لا شجاعَ إلا خالدٌ، أي خالد بن الوليد، لا شجاع إلا خالد، أيش تقولون؟ حقيقي ولَّا إضافي؟
طالب: (...). الشيخ: لا، ما هو حقيقي؛ لأن فيه شجعانًا كثيرين غير خالد بن الوليد، لا خاتم للأنبياء سوى محمد صلى الله عليه وسلم، هذا حقيقي؛ لأن ما فيه خاتم للأنبياء إلا محمد رسول الله، واضح؟ هنا إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَهل الله عز وجل لا يريد بآل البيت إلا ذلك؟ الجواب: لا، يريد الله أن يُذْهِب عنهم الرجس ويطهرهم، وأن يُنْعِم عليهم، وأن يغدق عليهم الفضل، إلى آخره. وقوله: إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَالإرادة هنا شرعية ولَّا كونية؟ الإرادة كونية، وهذه هي الفائدة من اختصاص أهل البيت بذلك، أما إرادة عدم الرجس فهي لكل أحد من الناحية الشرعية، والإرادة -كما سبق لنا- نوعان: إرادة شرعية، وكونية، وهل هما متلازمان؟ لا، قد توجد إحداهما بدون الأخرى، وقد تجتمعان، فما هو الفرق بينهما حتى نعرف اجتماعهما وافتراقهما؟ أولًا: الإرادة الكونية تتعلق فيما يحبه الله وفيما لا يحب، هذا واحد، والإرادة الشرعية تتعلق فيما يحبه الله فقط، فإذا قلت: يُرِيدُأي: شرعًا، فمعناها يحب. ثانيًا: الإرادة الكونية يلزم فيها وقوع المراد، والإرادة الشرعية لا يلزم فيها وقوع المراد. إذن الفرق من وجهين، ننظر الآن قد تجتمع الإرادتان في شيء، وقد تنتفيان جميعًا، وقد توجد إحداهما دون الأخرى. فإذا سألنا الأخ: ما تقول في إيمان أبي بكر، أهو مراد لله شرعًا أم كونًا؟ طالب: (...). الشيخ: كونًا وشرعًا؟ كونًا لأنه وقع، وشرعًا لأن الله يحبه، إذن اجتمعت الإرادتان، ما تقول في إيمان أبي لهب؟ طالب: (...). الشيخ: غير مراد، لا كونًا ولا شرعًا؟ الطالب: (...). الشيخ: غير مراد كونًا. الطالب: (...). الشيخ: ومراد شرعًا؟ أيش تقولون؟ صحيح، إي نعم مراد شرعًا، الله يريد منه أن يسلم. ما تقول في كفر أبي بكر؟ طالب: (...). الشيخ: غير مراد كونًا ولا شرعًا، صح، غير مراد كونًا؛ لأنه لم يقع، ولا شرعًا؛ لأن الله لا يحبه. وما يقول الأخ في كفر أبي لهب؟ طالب: (...). الشيخ: مراد كونًا لا شرعًا؛ لأن الله لا يحبه، صح؟ طالب: (...). الشيخ: لا، ما أراده الله، ولهذا آمن. الطالب: (...). الشيخ: معلوم، الكفر مراد لله كونًا، أيّ إنسان يكفر فقد أراد الله كفره كونًا. نريد أمثلة من القرآن، قال الله تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة: ١٨٥]، الأخ، من أي الإرادتين هذه الآية؟ طالب: (...). الشيخ: الكونية الشرعية؟ هل الإنسان ما أصابهم العسر؟ الطالب: (...). الشيخ: تراجعت عن الكونية؟ كونية شرعية، يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة: ١٨٥]، تقول: الإرادة هذه كونية؟ طالب: (...). الشيخ: كونية شرعية، كذا؟ الطالب: (...). الشيخ: شرعية، أيش الدليل؟ لأن الله تعالى قد يُعَسِّر على الإنسان، كذا؟ ولو كانت إرادة كونية لكان في الواقع تكذيب للآية، إذن يُرِيدُهنا بمعنى يحب، يحب الله بكم اليسر ولا يحب العسر، وأما كونًا فإن الله تعالى يريد بنا العسر، قال الله تعالى: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا [الشرح: ٥]. قال الله تبارك وتعالى عن هود: وَلَا يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ [هود: ٣٤]. طالب: (...). الشيخ: صح؟ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْهذه إرادة كونية، أو لا؟ لأن الله لا يريد من خلقه الإغواء. الدليل أنه ما يريد الإغواء قوله تعالى: يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا [النساء: ١٧٦]، يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ [النساء: ٢٦]، ما هو هود؟ نوح؟ إذن قول نوح عليه الصلاة والسلام لقومه، بارك الله فيك. قال الله تعالى: إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ، اللام هنا فيها إشكال، يريد لكذا، فإن المعروف أن (أراد) تتعدى بنفسها، وهنا تَعَدَّت بماذا؟ طالب: (...). الشيخ: لا تعرف؟ لكنك عندك اليوم فيه تخبيط، اللام هنا جاءت في مفعول يُرِيدُ، والمعروف أن (يريد) تتعدى بنفسها ولَّا باللام؟ تقول: أردت كذا، ولَّا أردت لكذا؟ أردت كذا، إذن فاللام هنا زائدة، من حيث الإعراب زائدة، والتقدير: إنما يريد الله أن يذهب عنكم الرجس، فاللام يقول النحويون: إنها زائدة. وقوله: إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ، يقول المؤلف: (الإثم)، والصواب أن الرجس هو النجاسة؛ لأن الرجس في الأصل النجس، سواء كانت نجاسة معنوية، أو نجاسة حسية، فمن الرجس بمعنى النجاسة الحسية قوله تعالى: قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ [الأنعام: ١٤٥]، قال: فَإِنَّهُ رِجْسٌهذا حسي ولَّا معنوي؟ هذا حسي. وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ [المائدة: ٩٠]، هذا رجس معنوي، هنا إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَأيّ النوعين؛ الحسي ولَّا المعنوي؟ المعنوي طبعًا؛ لأن الرجس الحسي ما أراد الله أن يُذْهِبَه عنهم، بل هو موجود فيهم، هم يبولون ويتغوَّطون، وبولهم نجس وغائطهم نجس، أليس كذلك؟ إذن فالمراد بالرجس الذي أراد الله أن يُذْهِبَه عن أهل البيت هو الرجس المعنوي، وهو السافل من الأخلاق والأعمال، هذا الرجس، قال الله تعالى: فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ [الحج: ٣٠]، الرجس هنا أيش معنوي ولَّا حسي؟ معنوي، فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ، فكل خُلُق أو عمل سافل فإنه من الرجس. وقوله: أَهْلَ الْبَيْتِأفادنا المؤلف بقوله: (يا أهل البيت) أن أَهْلَمنصوب على النداء، وحُذِفَ منه حرف (يا) النداء. وقوله: (يا أهل البيت)، مَن المراد بأهل البيت؟ لا شك أن المراد به نساء الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأن الآيات كلها في سياق مَن؟ في سياق النساء، نساء الرسول عليه الصلاة والسلام، يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٣٢) وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (٣٣) وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا [الأحزاب: ٣٢ - ٣٤]. فلا شك أن المراد بذلك مَن؟ المراد بهم نساء الرسول عليه الصلاة والسلام، وهل ينافي ذلك ما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام من أنه وضع الكساء على عَلِيّ وفاطمة والحسن والحسين وقال: «هَؤُلَاءِ أَهْلُ الْبَيْتِ، اللَّهُمَّ ارْفَعْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا» ، هل ينافيه؟ نقول: لا ينافيه؛ لأن هؤلاء أهل البيت من حيث القرابة، وهؤلاء أهل البيت من حيث الزوجية، فكلهم أهل البيت بلا شك، لا آل علي، بل إن آل البيت أعمّ من هؤلاء الأربعة؛ لأن آل البيت تشمل كل مَن تَحْرُم عليهم الصدقة من بني هاشم، فدخل فيهم آل علي، وآل جعفر، وآل العباس، وآل الحارث بن عبد المطلب، وكل مَن كان من ذرية هاشم، الرسول صلى الله عليه وسلم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم، فكل مَن كان من آل هاشم فإنه من آل البيت لا تحل لهم الصدقة. وعلى هذا فنقول: إن تفسيرنا لأهل البيت هنا بأنهن زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم الذي يعينه أيش؟ السياق، خلافًا للرافضة الذين أخرجوا الكلام عن سياقه، وجعلوا كلام الله عز وجل عِضِين مُتَفَرِّقًا، فقالوا: إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَيريد بهم آل البيت الأربعة فقط، وأما زوجات الرسول عليه الصلاة والسلام فإنه لا يريد الله أن يُذْهِب عنهم الرجس، ولهذا يرمون عائشة بالفاحشة -والعياذ بالله- ولا يبالون بذلك. أقول: إن قوله: أَهْلَ الْبَيْتِهنا، وفي أصحاب الكساء الأربعة، وفي آل البيت الذين لا تحل لهم الصدقة، كل هذا لا ينافي بعضها بعضًا، ولذلك كان القول الراجح أن زوجات الرسول عليه الصلاة والسلام لا تحل لهن الصدقة؛ لقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَحِلُّ لِآلِ مُحَمَّدٍ» ، وزوجاته بلا شك من آله كما في هذا الحديث. وعلى هذا فإننا نقول: إنه لا تعارض بين الأدلة، ونظير ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم سُئِلَ: ما هو المسجد الذي أُسِّسَ على التقوى من أول يوم؟ فقال: «مَسْجِدِي هَذَا» ، مع أن المسجد الذي أُسِّسَ على التقوى من أول يوم هو مسجد قباء أيضًا، كل منهما أُسِّسَ على التقوى من أول يوم، فإن الرسول عليه الصلاة والسلام أَسَّسَ مسجده من أول يوم قدم، وكان الصحابة رضي الله عنهم كل منهم يقول: النزول عندي، النزول عندي، النزول عندي، فيقول: «دَعُوهَا فَإِنَّهَا مَأْمُورَةٌ» ، يعني ناقته، فلما وصلت إلى مكان مسجده بَرَكَتْ فزجرها النبي عليه الصلاة والسلام فقامت، ثم التفتت يمينًا وشمالًا، ثم رجعت إلى مكانها الأول فبَرَكَتْ، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «الْمَنْزِلُ هَاهُنَا إِنْ شَاءَ اللهُ» ، ثم نزل وكان أقرب البيوت إليه بيت أبي أيوب فذهب إليه. ومن حين من أول يوم نزل وهو شارِعٌ في تخطيط المسجد، ولهذا ينبغي للمسؤولين في البلديات وفي الأوقاف أن يجعلوا أَكْبَر هَمِّهم في المخططات الجديدة وضع المساجد، يُعْتَنَى بها قبل كل شيء. على كل حال إني أقول: إن وصف الشيء بصفة، ووصف غيره بصفة لا يقتضي أن يكون ذلك تناقضًا، بل كل منهما له نصيب من هذا الوصف. طالب: (...). الشيخ: ما أعرف. وقوله –خَلِّنَا نكمل الآية-: أَهْلَ الْبَيْتِ، الْبَيْتِهنا (أل) للعهد، أيّ العهود؟ الذهني، يعني أهل البيت المعهود المعروف، وهو هذا البيت الطاهر بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال: وَيُطَهِّرَكُمْمنه، أي: من الرجس، تَطْهِيرًا، وتَطْهِيرًاهنا مصدر (طَهَّر)؛ مصدر للفعل السابق، والمراد به التوكيد، كما في قوله تعالى: وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا [النساء: ١٦٤]، والتطهير من الرجس أبلغ من ذهاب الرجس؛ لأنه بعد ذهاب الرجس قد يبقى له أثر. فإذا قال: يُذْهِبه ويطهركم، صار ذلك أيش؟ أبلغ؛ لأنه يذهب ذلك الرجس ويُطَهَّر مكانه بحيث لا يبقى له أثر، ولا ريب أن بيت الرسول عليه الصلاة والسلام أبعد البيوت عن الرجس وأطهر البيوت من الرجس، فهذا لا يشك فيه مؤمن أبدًا، وكل مَن قدح في بيت الرسول عليه الصلاة والسلام وزوجاته فإنه يعتبر قادحًا بِمَن؟ بالرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأن الله يقول في القرآن الكريم: الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ [النور: ٢٦]، ونحن نعلم علم اليقين أن الله عز وجل ما كان ليختار لنبيه إلا أفضل نساء العالمين بلا شك، وقد ثبت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، بل ثبت في كتاب الله براءة عائشة رضي الله عنها مما رماها به أصحاب الإفك من المنافقين وغيرهم ممن انخدعوا من المسلمين، عفا الله عنهم، وقد قال الله عز وجل في نفس الإفك: إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (١٥) وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ [النور: ١٥، ١٦]، يعني: هَلَّا إذ سمعتموه، قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا، مَا يَكُونُيعني يمتنع غاية الامتناع، أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَتنزيهًا لك، هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ [النور ١٥: ١٦]، شوف قال: سُبْحَانَكَ، أين التنزيه؟ يعني: نُنَزِّهُكَ يا ربنا أن يقع ذلك في إحدى أمهات المؤمنين زوجات خاتم النبيين، ولهذا قال: سُبْحَانَكَيعني: تنزيهًا لك أن يقع مثل هذا في زوجات نبيك عليه الصلاة والسلام. هذا التأكيد العظيم نرى الآن ممن ينتسبون إلى الإسلام وهم بريؤون منه والإسلام منهم براء، يقولون: إن عائشة -والعياذ بالله- بَغَتْ، ومع ذلك قد بَرَّأَها الله من ذلك في القرآن الكريم، فمن قذف واحدة من زوجات الرسول عليه الصلاة والسلام عائشة أو غيرها فهو كافر بلا شك، ويجب أن يُقْتَل ولو تاب، إن تاب توبة نصوحًا فهي بينه وبين الله، لكن نحن علينا أن نَغَارَ لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن نقتل هذا الذي قذف أحدًا أو واحدة من أمهات المؤمنين. (...). بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا [الأحزاب: ٣٤] سبق قوله تعالى: وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وبَيَّنَّا أن آتِينَ الزَّكَاةَأن الفعل ينصب؟ الأخ. طالب: (...). الشيخ: أين الأول والثاني؟ الطالب: (...). الشيخ: هذا الأول ولَّا الثاني؟ الطالب: (...). الشيخ: نعم. الطالب: (...). الشيخ: مضمر ولَّا محذوف؟ الطالب: (...). الشيخ: نعم، طيب ما هي الزكاة؟ طالب: (...). الشيخ: لغة النماء، واصطلاحًا؟ الطالب: (...). الشيخ: لا (...)، فهمتموها الآن؟ حق مخصوص في مال مخصوص لطائفة مخصوصة في زمن مخصوص، فهمتم الزكاة الآن، أو نقول: التعبد لله تعالى بإخراج جزء معلوم من المال على حسب ما جاءت به الشريعة، هذا أوضح. فيه أيضًا قوله سبحانه وتعالى: إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ، اللام في قوله: إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ. (...). مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِالقرآن، وَالْحِكْمَةِ، اذْكُرْنَالأمر هنا للإرشاد وبيان الْمِنَّة والفضل من الله سبحانه وتعالى عليهم. وقوله: اذْكُرْنَيحتمل أن يكون المراد به تَذَكَّرْنَ وتَدَبَّرْنَ هذا الأمر، واعرفن ما فيه من فضل الله عليكن. ويحتمل أن المعنى: اذْكُرْنَه بتلاوته ..