تفسير سورة الأحزاب - ١
درس صوتي · ٩٢:١٠
جارٍ تجهيز الصوت
انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها
إعدادات
اختصارات لوحة المفاتيح
محتوى الدرس
تفسير الآيتين (١-٢)
٠٠:٠٠:٠٥
يقول الله تعالى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِيَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا [الأحزاب: ١]، البسملة تقدم الكلام عليها من حيث المعنى ومن حيث الإعراب، وقلنا في الإعراب: إنها جارٌّ ومجرور متعلِّق بمحذوف، وأنه ينبغي أن يُقَدَّر ذلك المحذوف فعلًا خاصًّا متأخِّرًا. مثال ذلك: عندما تريد أن تقرأ تقول: بسم الله الرحمن الرحيم، يكون التقدير: بسم الله الرحمن الرحيم أقرأ، وهو أحسن من أن تقول: التقدير ابتدائي بسم الله الرحمن الرحيم، أو: التقدير أبتدئ بسم الله الرحمن الرحيم، لماذا؟ لأننا إذا قَدَّرْنَاه فعلًا خاصًّا كان أدلَّ على المقصود؛ فإن كلمة (ابتداء) عامة في كل ما يُبْتَدَأ به، لكن إذا عَيَّنْتَ الفعل وقلت: باسم الله أقرأ، كان أدل على المقصود، هذا واحد. نقدِّره فعلًا؛ لأن الأصل في الأعمال هي الأفعال، ولهذا تعمل بدون شرط، وأما ما يعمل من الأسماء فإنه لا يعمل إلا بشروط، كاسم الفاعل واسم المفعول والمصدر، وما أشبه ذلك، نجعله متأخِّرًا لسببين: السبب الأول: التبرك بالبداءة باسم الله، والثاني: الدلالة على الحصر؛ لأن تأخير العامل يدل على الحصر، أو بعبارة أعم؛ لأن تأخير ما حقه التقديم يدل على الحصر. إذن نقول في البسملة كلما جاءت: متعلِّقة بماذا؟ بمحذوف، ويقدَّر هذا المحذوف فعلًا خاصًّا متأخِّرًا. عندما تريد أن تتوضأ كيف نقدِّر؟ باسم الله أتوضأ، عندما يريد الإنسان أن يذبح ذبيحة يقول: التقدير باسم الله أذبح، وعلى هذا فَقِسْ. يقول الله: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِوهنا (اسم) مضاف إلى (الله) وهو مفرد، فيُفِيد العموم، ولهذا قدَّرَه الشُّرَّاح بأن المعنى: بكل اسم من أسماء الله، والاسم مأخوذ من السمو وهو الارتفاع، وقيل: من السِّمَة وهي العلامة، ولو قيل بأنه مأخوذ من هذا وهذا لم يكن بعيدًا؛ لأنه يُظْهِر المسمي فيكون فيه معنى الارتفاع، ولأنه يُمَيِّزه فيكون فيه معنى العلامة، وأسماء الله تعالى تقدم الكلام عليها في درس التوحيد، لا حاجة إلى الكلام عليها هنا. اللهعَلَمٌ على ذات الله سبحانه وتعالى، وهو أصل الأعلام، أسماء الله كما نعرف أعلام وأوصاف، لكن أصلها كلمة (الله)، ولهذا تأتي الأسماء دائمًا تبعًا لها فهي الأصل، وربما تأتي لفظ الجلالة تابعة لغيرها من الأسماء، مثل: إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١) اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ [إبراهيم: ١، ٢]، فهنا (الله) تابعة لما قبلها. وقوله: الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِاسمان مشتقان مِن ؟ من الرحمة، لكن الأول منهما يدل على الرحمة باعتبارها وصفًا لله، والثاني يدل على الرحمة باعتبارها فعلًا له، فهو رحمن وهو رحيم، مُتَّصِف بالرحمة، وفاعل للرحمة، يعني أنه سبحانه وتعالى مع كونه رحيمًا فإنه يرحم، وهذا الذي قَرَّرْتُه هو ما قرره ابن القيم رحمه الله في الفرق بين الرحمن وبين الرحيم، وإن كان بعض العلماء يفرِّق بينهما بأن الرحمن ذو الرحمة العامة، والرحيم ذو الرحمة الخاصة، ويقول: إنه يدل على ذلك قوله تعالى: وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا [الأحزاب: ٤٣]، لكن المعنى الذي أشار إليه ابن القيم أبلغ وأحسن، ولهذا جاءت (الرحمن) على وزن فَعْلَان، وهذا الوزن يدل غالبًا على السعة والامتلاء، فهو سبحانه وتعالى واسع الرحمة، وهو سبحانه وتعالى يرحم من يشاء، كما قال تعالى: يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ [العنكبوت: ٢١]. والبسملة آية من كتاب الله، تأتي في مبتدأ كل سورة، إلا في سورة براءة؛ فإنه ليس فيها بسملة، وذكر أهل العلم أن سبب سقوط البسملة في (براءة) أن الصحابة رضي الله عنهم أشكل عليهم هل هي من سورة الأنفال، أو هي سورة مستقلة، فجعلوا بينهما فاصلًا ولم يكتبوا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وهذا واضح، لكن أوضح منه أنه لو كانت البسملة قد نزلت بين سورة الأنفال و(براءة) لم يمكن أن تسقط؛ لأن الله تعالى يقول: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر: ٩]، لكن لما أشكل على الصحابة هل هي مستقلة (براءة) أو من سورة الأنفال وضعوا الفاصل فقط.
قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ، النداء هنا للنبي صلي الله عليه وسلم بوصفه نبيًّا، وقد يناديه الله تعالى بوصفه رسولًا، فيخاطبه سبحانه وتعالى بوصفه رسولًا في مقام الرسالة كما في قوله: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ [المائدة: ٦٧]. والنبي مشتَقّ، أصلها: النبيء، وقيل: أصلها: النَّبِيُو، بالواو، فعلى القول الأول يكون مشتقًّا من النبأ، وأُبْدِلَت الهمزة بالياء تخفيفًا، وعلى القول الثاني يكون مشتقًّا من النَّبْوَة وهي الارتفاع، ولا شك أن مقام النبوة أنه مقام رفيع، وأن النبي مُخْبِرٌ ومُخْبَرٌ أيضًا، فهو فَعِيل بمعنى فاعل وبمعنى مفعول. يقول الله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ، والمراد به نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، يقول: اتَّقِ اللَّهَ، اتَّقِ اللَّهَ: دُمْ على تقواه، صَرَفَها المؤلف عن ظاهر لفظها؛ لأنك إذا أمرت أحدًا بشيء فالأصل أنه غير مُتَلَبِّس به، فإذا قلت: يا فلان قُمْ، فهل هو قائم، ولَّا لا؟ لا، هذا هو الأصل، الأصل أن الأمر إنشاء ما لم يكن، فإذا قلت: يا فلان قم، أو يا فلان اقعد، فإنه حين توجيه الأمر إليه ليس متصفًا بهذا الوصف، أليس كذلك؟ النبي عليه الصلاة والسلام قال الله له: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ، فلو أخذنا بظاهر العبارة لكان النبي صلي الله عليه وسلم حين توجيه الخطاب إليه لم يكن مُتَّقِيًا، وهذا أمر لا يمكن، لذلك يكون معنى اتَّقِ اللَّهَأي: دم على تقواه، ومن هنا نأخذ أن الأمر بالشيء قد يكون أمرًا بتجديده، وقد يكون أمرًا بالاستمرار عليه، عرفتم؟ وقد يكون أمرًا بالتفصيل لهذا المأمور به، فمثلًا إذا قلت: يا أيها المؤمن آمِنْ، فالمعنى: دُمْ على إيمانك وحَقِّقْه. وفي قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِيَ أَنزَلَ مِن قَبْلُ [النساء: ١٣٦]، الأمر هنا يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللّهِ، أي: دُومُوا عليه، لكن فيه تفصيل، يعني: آمَنُوا مُجْمَلًا، ثم قال: آمِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِيَ أَنزَلَ مِن قَبْلُ. فصار إذن توجيه الأمر في الأصل يوجَّه الأمر في الأصل إلى مَن لم يكن مُتَلَبِّسًا به، هذا هو الأصل، وقد يوجَّه إليه لطلب الاستمرار، وقد يوجَّه إليه لبيان التفصيل، كما في قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ، وقوله: اتَّقِ اللَّهَدائمًا تأتي التقوى في القرآن الكريم كثيرًا، فما معنى التقوى، ومن أين هي مشتقة؟ نقول: هي مشتقة من الوقاية، ولهذا يقولون: إن أصل التاء فيها واو، فتَقْوَى بمعنى وَقْوَى هذا أصلها، وإذا كانت بمعنى الوقاية فإن التقوى هي أن يتخذ الإنسان وقاية من عذاب الله عز وجل، ولا وقاية من عذاب الله إلا بفعل أوامره واجتناب نواهيه، وعلى هذا فنقول: إن المراد بالتقوى فِعْل أوامر الله واجتناب نواهيه. ومن المعلوم أننا إذا قلنا: فِعْل أوامر الله، أوامر مضاف إلى الله، أن الإنسان سينوي بهذا الفعل امتثال أمر الله، وكذلك إذا قلنا: اجتناب نَهْي الله، فإن الإنسان سيجتنبه؛ لأن الله نهى عنه؛ لأن مجرد الفعل بدون نية ليس بتقوى، ومجرد الترك بدون نية ليس بتقوى، لكن لما كان الفعل والترك مضافًا إلى الله صار لا بد فيه من النية. اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَفيما يخالف شريعتك، وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَعَطْف قولِه: وَلَا تُطِعِعلى اتَّقِ اللهَمن باب عطف الخاص على العام؛ لأن ترك طاعة هؤلاء من تقوى الله عز وجل، فيكون عطفه على التقوى من باب عطف الخاص على العام، وهذا كثير في القرآن والسنة وكلام العرب. وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ، الكافر هو الذي صرَّح بكفره وأعلنه، وأما المنافق فهو الذي أخفى كُفْرَه، وأَظْهَرَ أنه مؤمن، فمن اين اشتُقّ الكفر أو الكافر؟
يقولون: إن الكُفْر في الأصل الستر، ومنه: الكُفُرَّى وهو غلاف الطلع؛ لأنه يستره، هذا في الأصل، وسُمِّي الذي لا يؤمن بالله كافرًا لأنه سَتَرَ نعمة الله عز وجل، وجحد شريعته، فصار بذلك ساترًا للحق، وساترًا للنعمة التي أنعم الله بها عليه، وأما النفاق فإنه مأخوذ من نَافِقَاء اليربوع، اليربوع دويبة معروفة تتخذ بيتًا في الأرض، وتحفر الجحر وتجعل له بابًا، وتجعل في آخره بابًا مُغْلَقًا بشيء من التراب، بمعنى أنها تحفر، إذا وصلت إلى منتهى الحجر حفرت إلى أن يبقى عليها شيء قليل من طبقة الأرض، بحيث إذا دفعته برأسها، أو إذا دفعه برأسه انفتح، هذه هي النافقاء، لماذا يصنع ذلك؟ لأجل إذا حُجِرَ من باب الْجُحْر خرج من هذا، فهكذا المنافق إذا خُوطِب بالإيمان قال: إنه مؤمن، فتخلَّص، كما أنه إذا أتى إلى قومه يقول: إنه كافر، فيتخلَّص من ملامة هؤلاء وملامة هؤلاء. وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ، معلوم أن الرسول عليه الصلاة والسلام لا يمكن أن يطيع الكافر، لكن الذي قد يمكن أن يطيع المنافق؛ لأن المنافق لا يُحِسّ بنفاقه وكفره، ولا يُعْلَم عنه، فقد يغتر به الإنسان، فلهذا قدَّم الله الكافرين هنا على المنافقين، مع أنه في باب الوعيد يقدِّم المنافقين على الكافرين، قال الله تعالى: إِنَّ اللّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا [النساء: ١٤٠]، وقال تعالى: لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ [الأحزاب: ٧٣]. وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَيقول المؤلف: (فيما يخالف شريعتك)، هذا القيد يقتضي تخصيص النهي، مع أن النهي مطلَق لَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ، فما الذي حمل المؤلف على أن يقيِّده بما يخالف الشريعة؟ حمله على ذلك لأنه لو فُرِضَ أن الكافر أو المنافق أَمَرَ بما يوافق الشريعة لكان لزامًا علينا أن نطيعه، لا لأنه أَمَرَ، ولكن لأن هذا مقتضى الشريعة، هذا وجه. ووجه آخر هو أن يقال: إن تقييد المؤلف ذلك بيان للواقع؛ لأن الكافر والمنافق لعداوتهما لشريعة النبي صلي الله عليه وسلم لا يمكن أن يأمر إلا بما يخالف الشريعة، فيكون هذا القيد بيانًا للواقع، والقيد الذي يكون بيانًا للواقع لا يقيِّد؛ لأنه لا يراد. وأظن أن في ذلك أمثلة مرت علينا كثيرًا، فمن يأتي لي بمثال يكون فيه القيد بيانًا للواقع وغير مراد؟ (...) إلى شيء لا ينفعهم، ولكن هذا بيان للوقع. وقوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة: ٢١]، فإن قوله: الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْقَيْد مُبَيِّن للواقع، وليس المعنى أن هناك ربًّا لم يخلق وربًّا خلق، واضح؟ الأمثلة في هذا كثيرة، فهنا يمكن أن نحمل كلام المؤلف في قوله: (فيما يخالف شريعتك ) على أنه بيان للواقع، وهو أن الكافر والمنافق لا يمكن أن يأمران إلا بما يخالف الشريعة؛ لأن الكافر كافر بها، والمنافق أيضًا كافر بها لكنه يُظْهِر الإيمان. ثم قال: إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًابما يكون قبل كونه، حَكِيمًافيما يخلقه، إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًاهذه الجملة محلها أو موضعها مما قبلها في المعنى تعليلية، ووجه كونها تعليلًا لما قبلها أن الله لَمَّا أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بالتقوى، ونهاه عن طاعة الكافرين بَيَّنَ أن هذا الأمر والنهي صادر عن علم وحكمة، وأنه سبحانه وتعالى أعلم بما يكيده هؤلاء الأعداء من الكفار والمنافقين، فلا تطعهم فليسوا أهل نصر لك أبدًا. وقوله: إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًابما يكون قبل كونه، هل هذا التقييد صحيح؟ طالب: (...). الشيخ: ليش؟ لأنه عليم بما يكون قبل كونه وبعد كونه حال كونه موجودًا، وبعد كونه حال كونه معدومًا، فإن علم الله تعالى يتعلق بالأشياء في أحوالها الثلاث؛ قبل الوجود، وحين الوجود، وبعد العدم، ولَّا لا؟ قبل الوجود وحين الوجود وبعد العدم، عرفتم؟ عِلْم المخلوق لا يتعلق بالأشياء في هذه الأحوال كلها، قبل الوجود معلوم أنه لا يعلمه، وحين الوجود يعلمه –مثلًا-، لنفرض أنه يعلمه، وبعد العدم قد ينساه، ولَّا لا؟ فعلم المخلوق محفوف بنقصين: جهل سابق، ونسيان لاحق، أما الله عز وجل فإن علمه كامل جملة وتفصيلًا في جميع الأحوال، قبل الوجود، وحين الوجود، وبعد العدم، ولهذا قال موسى عليه السلام: عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى [طـه: ٥٢]، فنفى عنه الضلال الذي هو الجهل، والنسيان الذي هو الذهول عن الشيء بعد علمه. وقوله: إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًاإذا نقول: عَلِيمًابما يكون قبل كونه، وبما يكون حين كونه، وبما يكون بعد عدمه، في كل الأحوال. حَكِيمًامرت علينا كثيرًا، وبَيَّنَّا أنه مشتق من الحكمة والْحُكْم، من الحكمة والحكم، وأن حكم الله عز وجل كوني وشرعي، وأن الحكمة نوعان أيضًا: غائية وصورية؛ صورية مو معناها أنها بالصورة فقط، لكن كون الشيء على هذه الصورة حكمة، والغاية منه حكمة أخرى. فإذا كان كذلك فكم تكون الأقسام؟ أربعة؟ نعم، نشوف: حُكْم مشتمل على الحكمة في صورته وغايته، حكم كوني، حكم شرعي مشتمل على الحكمة في صورته وفي غايته، إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا، وهنا إشكال في قوله: إِنَّ اللَّهَ كَانَ؛ لأن المعروف أن الشيء الماضي قد مضى، كَانَ عَلِيمًافهل يفيد أنه الآن ليس بعليم ؟ لا، لماذا؟ طالب: (...). الشيخ: لا، ما هو هذا؛ لأن (كان) قد تكون مسلوبة الزمان، ويُقْصَد بها اتصاف اسمها بخبرها، وتَحَقُّق ذلك الاتصاف بدون أن يلاحظ الزمن فيها، عرفتم؟ وهي كلما جاءت بالنسبة إلى الله تعالى وأسمائه وصفاته فإنها على هذا الباب، أيش؟ أنها تفيد تحقُّق اتصاف الموصوف الذي هو اسمها بصفته وهو خبرها، بقطع النظر عن الزمان، فعليه نقول: إن الفعل هنا مسلوب الزمان، يعني: لم يزل ولا يزال عليمًا حكيمًا. العلم والحكمة من الصفات الذاتية أو الفعلية ؟ الطالب: (...). الشيخ: من الصفات الذاتية؛ لأن الله لم يزل ولا يزال عليمًا، ولم يزل ولا يزال حكيمًا، والله أعلم. (...) وفي لفظ {إِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرًا}، {يَعْمَلُونَ} حسب النسخة اللي عندي. وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ [الأحزاب: ٢]، نقول في اتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَكما قلنا في اتَّقِ اللهَ، يعني: استمر على اتباعه واتباع ما يوحَى إلى النبي صلى الله عليه وسلم بالنسبة للرسول عليه الصلاة والسلام يشمل اتباعه بالتبليغ، واتباعه بالدعوة، واتباعه بالعمل؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام مأمور بالأمور الثلاثة؛ مأمور بتبليغه، وبالدعوة إليه، وبالعمل به. وقوله: مَا يُوحَى إِلَيْكَالوحي في الأصل الإعلام بسرعة وخفاء، الإعلام بسرعة وخفاء يسمى وحيًا، والمراد به هنا إبلاغ النبي صلى الله عليه وسلم ما شَرَعَه الله سبحانه وتعالى، سواء كان بواسطة أو بغير واسطة. ومعلوم أن إبلاغ الله سبحانه وتعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم الوحي ظاهر أو لا، هو ظاهر للناس؟ لا؛ لأن الرسول ما يُعْرَف أنه يوحَى إليه إلا بما يظهر من علامات الوحي، لكن لا ندري كيف يُوحَى إليه لولا أنه أخبرنا بذلك. وقوله: مَا يُوحَى إِلَيْكَ، (ما) هذه اسم موصول من صِيَغ العموم تشمل كل ما يُوحَى إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وقوله: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرًا} يفيد أن هؤلاء الكافرين والمنافقين كانوا يحاولون من النبي صلى الله عليه وسلم أن يخالف شريعته، ولكن الرسول عليه الصلاة والسلام قد لا يعلم بذلك، ولهذا قال: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا يَعْمَلُونَ} أي: هؤلاء الكفار والمنافقون، {بِمَا يعْمَلُونَ خَبِيرًا}، والخبير مشتق من الخبرة، وهي العلم ببواطن الأمور، ولهذا سُمِّي صاحب الحرث والزرع سُمِّي خبيرًا، وسُمِّيَت المزارعة مخابرة؛ لأن الحب يُدْفَن في الأرض فيكون باطنًا غير ظاهر، فالخبير هو العليم بماذا؟ ببواطن الأمور. إذن الخبير أَخَصّ من العليم؛ لأن العليم يشمل العالم بظواهر الأمور وببواطنها، لكن الخبير أخص؛ هو العالم ببواطن الأمور، والعالم بالبواطن عالم بالظواهر من باب أولى. وعندي يقول المؤلف: (وفي قراءة بالفوقانية)، فيقال: بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا، (في قراءة) اصطلاح المؤلف رحمه الله أنه إذا قال: (في قراءة) فهي سبعية، وإذا قال: قُرِئَ فهي شاذة، وعلى هذا ففي الآية قراءتان سبعيتان. الطالب: (...). الشيخ: أنا عندي (في قراءة بالفوقانية) عندكم (بالتحتانية)؟ طالب: لا، بالفوقانية. الشيخ: بالفوقانية؛ لأن المؤلف أثبت يَعْمَلُونَ، هنا نقول: في الآية قراءتان سبعيتان تجوز القراءة بكل منهما، وعندما نقول: تجوز، فليس معناه أن القراءة بهذا وبهذا على حد سواء، لكن المعنى أن القراءة بهما غير ممنوعة؛ لأن الأفضل أن تقرأ بهذه تارة وبهذه تارة، فإن اختلاف القراءات كاختلاف العبادات، وقد ذكرنا أن الأفضل في العبادات الواردة على وجوه متنوعة، أيش الأفضل؟ أن تأتي بهذه مرة وبهذه مرة، لأجل أن تكون قد عملت بالسنة في جميع وجوهها، كذلك في القراءات الأفضل أن تأتي بهذه مرة وبهذه أخرى، بشرط أن تكون عالِمًا بالقراءة، ولكن هذا القول الذي نقوله إنما هو في قراءة الإنسان الخاصة، أما قراءته على العامة فإنه لا ينبغي أن يخرج عن القراءة الموجودة بين أيديهم، لماذا؟ لأن العامي لا يدرك هذه القراءات، أو لا يدرك اختلاف هذه القراءات، فإذا قرأت القرآن بغير ما بين يديه فإنه سيُنْكِر عليك، لكن هذا الإنكار ربما تجيب عنه، لكن سيقع في نفسه شيء من الشك، يقول: إذن القرآن ما ضُبِط، ما دام واحد يقرأ بهذا، وواحد يقرأ بهذا معناه لم يُضْبَط القرآن، فيقع في قلبه شيء من الشك، ولهذا ينبغي لنا أن نُحَدِّث الناس بما تدركه عقولهم، كما في حديث علي: حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ، أَتُرِيدُونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللهُ وَرَسُولُهُ . فالحاصل أن الإنسان طالب العلم الذي يعرف القراءات ينبغي له أن يقرأ أحيانًا بهذه وأحيانًا بهذه، ولكن هل يجمع بين القراءتين؟ يعني –مثلًا- هنا أقول: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرًا} إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا، لا، الأفضل يأتي بهذا مرة وبهذا مرة؛ لأنك إذا جمعت بين القراءتين فقد خالفت، إذ إن مَن قرأها بالتاء لا يقرؤها بالياء، فكيف تجمع بينهما؟ ولكن بعض أهل العلم يقول: لا بأس أن تجمع بين القراءتين، سواء كانت منفصلة أو غير منفصلة، بمعنى أنه يجوز أن تقرأ بالقراءتين في الآية الواحدة، ويجوز أن تقرأ في آية بقراءة قارئ، وفي آية أخرى بقراءة قارئ آخر. أما الثانية -وهي أن تقرأ في آية بقراءة قارئ، وفي آية أخرى بقراءة قارئ آخر- فهي جائزة، أما الجمع بين القراءتين في آية واحدة وفي تلاوة واحدة فإن في جوازه نظرًا. الطالب: (...). الشيخ: يعني –مثلًا- تقرأ هنا: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرًا} على قراءة أحد القراء، ثم تأتي –مثلًا- في قراءة ثانية تخالفه في آية أخرى فتقرأ بها. (...) هل مجرد النداء يعتبر تعظيمًا؟ الطالب: (...). الشيخ: لا. الطالب: النداء (...). الشيخ: أحسنت، من ندائه بوصف النبوة، مع أن الأنبياء الذين سِوَاه يناديهم الله تعالى بأسمائهم: يا موسي، يا عيسى، وما أشبه ذلك، أما النبي عليه الصلاة والسلام ما ناداه إلا بوصف النبوة أو الرسالة. فإن قلت: أليس الله قد قال: وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ [آل عمران: ١٤٤]، وقال: مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ [الفتح: ٢٩]؟
الطالب: هذا ليس مقام نداء وخطاب. الشيخ: نعم، هذا ليس مقام نداء وخطاب، لكن هو مقام خبر.
ويُسْتَفَاد من الآية الكريمة: وجوب التقوى.
طالب: (...). الشيخ: اتَّقِ اللهَ، نعم. ويستفاد منها: وجوب التقوى على الأمة. طالب: (...). الشيخ: إذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم يُؤْمَر بالتقوى فغيره من باب أولى، هذا وجه، وجه آخر؟ طالب: (...). الشيخ: أن الخطاب الموجَّه للرسول عليه الصلاة والسلام موجَّه له ولأمته، ما لم يقم دليل على تخصيصه.
بهذه المناسبة الخطابات الموجَّهة للرسول عليه الصلاة والسلام إما أن يقوم دليل على العموم، أن يكون في نفس الخطاب ما يدل على العموم، أو فيه ما يدل على الخصوص، أو فيه ما لا يدل على هذا ولا على هذا، فالذي فيه ما يدل على العموم للعموم، ومن يأتي بمثال له؟ طالب: الخصوص؟ الشيخ: لا، العموم. الطالب: (...). الشيخ: لا، هذا ما فيه دليل على العموم.
طالب: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ. الشيخ: نعم، يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ [الطلاق: ١]، أو فيه ما يدل على الخصوص؟
طالب: (...). الشيخ: نعم، صح، له أمثلة كثيرة، أو فيه ما لا يدل على هذا ولا هذا؟ مثل هذه الآية، ولكن حكمها عام، حكمها عام للنبي صلى الله عليه وسلم ولأمته، واضح؟ ويستفاد من الآية الكريمة: أن النبي صلى الله عليه وسلم عبد مأمور مكلَّف، مِن؟ طالب: بأمره بالتقوى وعدم إطاعة الكافرين والمنافقين. الشيخ: نعم، أحسنت، بأمره بالتقوى وعدم إطاعة الكافرين والمنافقين. ويستفاد من ذلك: أن الإنسان مهما بلغ من المرتبة فإن التكاليف لا تسقط عنه؟ طالب: ذلك أن (...). الشيخ: وعلى هذا يتفرع على هذه الفائدة بيان ضلال أولئك لصوفية الذين يقولون: إن الإنسان إذا وصل إلى درجة المعايَنَة سقطت عنه التكاليف، ولَّا لا؟ لأننا نقول: لا أحد يبلغ مرتبة النبي صلى الله عليه وسلم عند الله عز وجل، ومع ذلك لم تسقط عنه التكاليف.
فإن قالوا: إن الله يقول: وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [الحجر: ٩٩]، يعني: حتى تصل إلى درجة اليقين ثم تنتهي عن العبادة، فبماذا نجيبهم؟ طالب: المراد باليقين هنا الموت. الشيخ: هل عندك دليل على أن اليقين هو الموت؟ الطالب: (...). الشيخ: هم يقولون: حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ: حتى تصل إلى درجة اليقين ثم قف، فنحن الآن نريد أن نجد دليلًا يدل على أن اليقين هو الموت. الطالب: قول بعض السلف: وجَاهَد في الله حق جهاده حتى آتاه اليقين. الشيخ: لا، هذا قول السلف، نبغي من الكتاب أو من السنة. طالب: حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ. الشيخ: نعم، قولهم –أي: أصحاب الجحيم-: وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ [المدثر: ٤٦، ٤٧]، أتاهم اليقين يعني أنهم وصلوا إلى درجة اليقين؟ أبدًا، ماتوا على التكذيب، ولا وصلوا إلى درجة اليقين، وإذا كان هؤلاء يقولون: إننا وصلنا إلى درجة يقين يكونون به من أصحاب الجحيم، فنحن نوافقهم على ذلك، واضح؟ ويستفاد من الآية الكريمة: تحريم طاعة الكافرين والمنافقين والركون إليهم؛ لقوله: وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ. ويستفاد منها: أن الكافر والمنافق لا يمكن أن يكون ناصحًا للمؤمنين أبدًا. طالب: هنا (...). الشيخ: نعم، ولو كان يمكن أن يكون فيه النصح ما نهى عن طاعتهم مطلقًا؛ لأن الناصح يطاع. ويستفاد من الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله، وهما: العليم، والحكيم. والسؤال الآن: هل علم الله عز وجل خاصّ بالماضي والحاضر، أو شامل؟ الطالب: (...) الشيخ: سؤال لم يرد في الشرح، هل عِلْم الله عز وجل متعلق بالواجب، أو بالمستحيل، أو بالممكن، أو بالجميع؟ طالب: (...). الشيخ: ممكن يكون في السماوات والأرض غالب غير الله؟ غير ممكن، وكذلك مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ [المؤمنون: ٩١]، هذا بالمستحيل، مثال تعلّق عِلْم الله بالواجب؟ كثير هذا كثير جدًّا. طالب: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ [المجادلة: ٧]. الشيخ: لا. طالب: يعلم (...). الشيخ: يا إخواني، كل ما أخبر الله به عن نفسه فهو من العلم بالواجب؛ لأن الله يجب له صفات الكمال، فإذا أخبر عن نفسه بهذه الصفات صار متعلقًا بالواجب، أما الممكن فهو مثل ما قال الأخ: اللّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ [الرعد: ٨]، هذا من الممكن ولَّا من الواجب؟ من الممكن؛ لأن حَمْل الأنثى وغَيْض الأرحام وزيادة الأرحام ممكن ولَّا واجب ولَّا جائز؟ ممكن. إذن فصار عِلْم الله شاملًا لكل شيء جملةً وتفصيلًا، حاضرًا ومستقبلًا وماضيًا، واجبًا وممكنًا وجائزًا، ولهذا يقول السفاريني في عقيدته:
وَالْعِلْمُ وَالْكَلَامُ قَدْ تَعَلَّقَا
بِكُلِّ شَيْءٍ يَا خَلِيلِي مُطْلَقَا
طالب: (...). الشيخ: الواجب عندهم ضد المستحيل والممكن؛ لأنهم يقولون: الأشياء على ثلاثة أمور؛ إما واجبة، يعني لا بد من وجودها، ما هو بالواجب اللي يُثَاب فاعله ويستحق العقاب تاركه، الواجب الذي لا بد منه، والمستحيل الذي لا يمكن، والممكن الذي جائز الوقوع وعدمه. ويستفاد من الآية الكريمة: وجوب اتِّباع ما أُنْزِل على النبي صلى الله عليه وسلم، من أين تؤخذ؟ طالب: وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ. الشيخ: وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ، فإن قلت: هل هذا على العموم؛ أنه يجب اتباع ما أنزل على الرسول؟ طلبة: نعم. الشيخ: إذن يجب أن نرفع الأيدي في الصلاة، ويجب أن نُسَبِّح أكثر من مرة. الطالب: (...). الشيخ: إذن معناه نقول: هذا يُسْتَثْنَى منه ما قام الدليل على أنه ليس بواجب، لكن ما صحّ عن الرسول عليه الصلاة والسلام ولو كان غير واجب يجب اعتقاد مشروعيته، حتى وإن كان غير واجب الفعل، أفهمتم الآن؟ فعندنا اعتقاد المشروعية، وتنفيذ هذا المشروع، تنفيذ المشروع على حسب ما جاءت به الأدلة؛ إما واجب وإما مستحب، وأما اعتقاد المشروعية فيما صح فهو واجب. فمثلًا: يجب عليَّ أن أعتقد مشروعية مجافاة العضدين عن الجنبين في السجود، ونعتقد مشروعية الالتفات في الصلاة عند السلام، لكن فِعْل ذلك يتوقف على الأدلة التفصيلية، إن دلت الأدلة على وجوبه فهو واجب، وإن دَلَّت على أنه مستحب فهو مستحب. ويستفاد من الآية الكريمة: ثبوت رسالة النبي صلى الله عليه وسلم ونبوته. طالب: مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ. الشيخ: لقوله: مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ، ومن أول الآية يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ، نعم. ويستفاد من الآية الكريمة: أن لله تعالى ربوبية خاصة بالنسبة إلى الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لقوله: مِنْ رَبِّكَ، وقد مَرَّ علينا كثيرًا أن الربوبية نوعان والعبودية نوعان؛ ربوبية عامة وربوبية خاصة، فمثال الربوبية العامة قوله تعالى: رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا [مريم: ٦٥]، هذه عامة ولَّا خاصة؟ عامة. ومثال الخصوصية مثل هذه الآية: مِنْ رَبِّكَ، وقد اجتمع النوعان في قوله تعالى: قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ [الأعراف: ١٢١، ١٢٢]، وكذلك العبودية نوعان: عامة وخاصة، فالعامة مثل قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ [غافر: ٤٤] عام. والخاصة: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا [الإسراء: ١]، المراد الرسول عليه الصلاة والسلام. ويستفاد من الآية الكريمة: أن عِلْم الله تعالى شامل للأمور الباطنة؛ لقوله: إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا. ويستفاد منها: تحذير الإنسان من المخالفة. طالب: (...). الشيخ: لا، نقول: تحذير الإنسان من المخالفة. طالب: (...). الشيخ: لأن هذا يوجِب أننا لا نخالف الله، ما دمنا نعلم أنه خبير بما نعمل فإنه لا يمكن أن نخالف الله عز وجل، واضح؟ مثل ما لو قلت –مثلًا-: اذهب وأنا أعلم ما تفعل، أيش المراد بهذا؟ التهديد والتحذير من المخالفة، فكل نص يأتي يُبَيِّن الله فيه أنه يعلم ما نعمل فهو تحذير لنا من مخالفته. (...)
تفسير الآيات (٣-٨)
٠٠:٤٩:٣٣
{وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ}: في أمرك، وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلًا: حافظًا لك. هذا مبتدأ درس اليوم، تَوَكَّلْ عَلَى اللهِالتوكل بمعنى الاعتماد مع الثقة، ولهذا فَسَّرُوه بأنه صِدْق الاعتماد على الله في جَلْب المنافع ودَفْع المضارّ، مع الثقة بالله عز وجل بأن يكون القلب معتمدًا على الله لا على غيره في جلب المنافع، وفي دفع المضارّ، مع ثقته بالله سبحانه وتعالى، يعني: واثقًا بأن الله تعالى سيكفيه، ولهذا قال: وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [الطلاق: ٣]: كافيه، فإذا صدقتَ الله عز وجل في أنه سبحانه وتعالى سيكفيك فهذا هو تمام التوكل. وقوله: تَوَكَّلْ عَلَى اللهِجاءت هذه في القرآن في عدة مواضع، ومنها قوله تعالى: فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ [هود: ١٢٣]، وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا [المائدة: ٢٣]، وعلى هذا فيكون التوكل من العبادة؛ لأن الله تعالى أمر به، وما أمر الله به شرعًا فهو من العبادة، وسيأتي إن شاء الله تعالى في الفوائد أقسام التوكل.
وقوله: وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا [الأحزاب: ٣]، الباء يقول أهل الإعراب: إنها زائدة لتحسين اللفظـ، وأن لفظ الجلالة هو الفاعل، والتقدير: وكفى اللهُ وكيلًا، ووكيلًا حال من الفاعل، والمعنى: ما أعظم كفاية الله تعالى في هذا الشيء، إن كان وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا [النساء: ٧٩]، فهو: ما أعظم كفاية الله تعالى في شهادته.
أقول: فيه آيات، وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًاالمعنى: ما أعظم كفاية الله في شهادته، وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلًا: ما أعظم كفاية الله في وكالته. وقوله: وَكِيلًايقول المؤلف: حافظًا لك، وعلى هذا ففَعِيل هنا بمعنى فاعل، وليست بمعنى مفعول؛ لأن الوكيل إذا قلت: وَكَّلْتُ هذا الوكيل، فإن وكيلًا بمعنى مفعول؛ لأنه الْمُوَكَّل، لكن هنا بمعنى فاعل، أي أنه حافظ، فالاعتماد من الإنسان، والحماية والحفظ من الله. ويدل لتفسير المؤلف قوله: وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [الطلاق: ٣] أي: كافيه، وسوف يقوم سبحانه وتعالى بحفظه، وبتحقيق ما توكل به عليه. قال المؤلف: (وأمته تبع له في ذلك كله)، إنما قال هذا؛ لأن الخطاب في الآيات موجَّه لمن؟ للنبي صلى الله عليه وسلم، فأُمَّتُه تَبَعٌ له، من أين علمنا أن أمته تبعٌ له؟ علمنا ذلك من طريقين، أو من أحد طريقين: الطريق الأول: أن الله أمرنا بالتأسي به، فكل أَمْر مُوَجَّه للرسول صلى الله عليه وسلم لا يدل الدليل على تخصيصه به فهو لنا أيضًا، نحن مأمورون باتباعه، لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ [الأحزاب: ٢١]. ثانيًا: أنه من المعروف في الخطاب أن الخطاب الموجَّه إلى المتبوع خطاب له ولتابعه، ولهذا يقول –مثلًا- يقول القائد لضابط في الجيش: اذهب إلى المكان الفلاني، هل هو يريد: اذهب أنت بنفسك، ولَّا أنت بِمَن تَبِعك ؟ أنت بمن تبعك. فالخطاب في اللغة العربية إذا وُجِّه للمتبوع فهو له وللتابع، فصار وجه كَوْن الأمة تبعًا للرسول صلى الله عليه وسلم في هذه الأوامر، وما تضمنته من النهي، وجه ذلك، أو له طريقان: الطريق الأول: أننا أُمِرْنَا باتباع الرسول صلى الله عليه وسلم. والطريق الثاني: أن الخطاب الموجَّه للمتبوع له ولتابعه. ثم قال الله تعالى: مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ [الأحزاب: ٤]، مانافية، ولفظ الجلالة فاعل، ومِنْ قَلْبَيْنِمفعول جَعَلَ، الأول ولَّا الثاني ؟ الأول مؤخَّر، ومفعولها الثاني قوله: لِرَجُلٍ، ومِنْهنا نقول: إنها زائدة من حيث الإعراب، فنعرب قَلْبَيْنِعلى أنها مفعول به منصوب، وعلامة نصبه -هذه المشكلة- الفتحة ما يمكن، ياء مقدَّرة على هذه الياء التي جُلِبَت لماذا؟ جُلِبَت للحرف؛ لأن عَمَل الأداة الظاهرة أقوى من عمل الأداة الباطنة، يعني –مثلًا- جَعَلَتنصب قَلْبَيْنِ، لكن تعرَّض لها -أو عَارَضها بالأصح- عارضها عامل أقوى مباشر وهو حرف الجر، فيقولون: إن الياء هذه ليست ياء النصب، لكنها ياء حرف الجر الزائد. وعلى هذا فنقول: علامة نصبه ياء مقدَّرة في مكان الياء الموجودة التي اجتُلِبَت من أجل حرف الجر الزائد.
قوله تعالى: مَا جَعَلَ، هذا الجعل كوني أو شرعي؟ هذا الجعل كوني؛ لأن الْجَعْل الذي يضاف إلى الله ينقسم إلى قسمين: جَعْل شرعي، بمعنى: ما شرع، وجَعْل كوني، بمعنى: ما خَلَق. مثال الجعل الشرعي: قوله تعالى: مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ [المائدة: ١٠٣]، هذا جعل شرعي، ويش الدليل؟ الدليل أنه كونًا واقع مجعول، لكنه شرعًا لم يُجْعَل، مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ. وأما الْجَعْل الكوني فهو كثير، مثل قوله تعالى: وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا [الإسراء: ٦]، وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا [النبأ١٠: ١١]. وفي هذه الآية الكريمة: مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِمن أيهما؟ من الكوني، مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ، وأكَّد الله هذا النفي بحرف الجر الزائد؛ لأن الحروف الزوائد من أدوات التوكيد. إذن محال أن يكون في الإنسان قلبان، في الإنسان الواحد قلبان محال، ولكن هل هذه الجملة مرادة لذاتها أو مرادة لغيرها؟ يرى المؤلف وجماعة من علماء التفسير أنها مرادة لذاتها، وأنها نفي لأمر قد ادُّعِيَ، ولهذا قال ردًّا على مَن قال من الكفار: إن له قلبين يعقل بكل منهما أفضل من عقل محمد صلى الله عليه وسلم، هذا ما ذهب إليه جماعة من أهل العلم، يعني أن هذا نفيٌ لأمر ادُّعِيَ، وهو رجل من الكفار، يقول: إن له قلبين، وإذا كان له قلبان كان له عقلان، وإذا كان له عقلان كان أفضل من النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه ما له إلا قلب واحد. وذهب بعض المفسرين، وعلى رأسهم الزهري رحمه الله، إلى أن هذه الجملة ليست مقصودة لذاتها؛ لأنها أمر معلوم؛ لأنه ليس لإنسان قلبان، لكنها توطئة وتمهيد لما يأتي بعدها؛ لأنه ذُكِرَ في الآية الكريمة ثلاثة أشياء: مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ، فكما أنكم تُقِرُّون بأنه لا قلبين لرجل في جوفه، فكذلك ليست الزوجة أمًّا؛ لأن الله لم يجعل للإنسان أُمَّين، كما أنه ليس له قلبان، وكذلك ليس هناك ابن غير حقيقي، يعني ليس للإنسان ابن خُلِق من مائه وابن نُسِب إليه ولم يُخْلَق من مائه، بل إن ابنك مَن خُلِقَ من مائك، واضح؟ وهذا ما اختاره ابن كثير رحمه الله، على أن هذه الجملة توطئة؛ لأن انتفاء القلبين في الجوف الواحد أمر معلوم، والقصة التي ذَكَرُوها يُنْظَر في صحتها، وحتى لو صحَّت فإن هذا الذي يقول: إن له قلبين، ادعاؤه أن له قلبين يدل على أنه لا قلب له؛ لأن هذا أمر مستحيل. يقول الله عز وجل: مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ، فهل قوله: فِي جَوْفِهِقَيْد، يُعْتَبر قيدًا شرطيًّا له مفهوم، فيقال لك: إن له قلبين خارج جوفه؟ لا، ولكنها لبيان الواقع؛ لأن من المعلوم أن القلوب في الأجواف، وهذا كقوله تعالى: وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ [الأنعام: ٣٨]؛ لأن قوله: وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِكقول الإنسان: ولا ماشٍ يمشي برجلين، لبيان الواقع. وإن كان بعض المتأخرين في قوله: وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِقال: إنها قَيْد شرطي لتُخْرِج الطائر المعروف؛ لأنها تطير بغير جناحين، وقد يقال: إن هذا ليس بصحيح، حتى الطائرة الآن تطير بجناحيها، أين النفاثات التي تطير بها؟ في الجناحين، والمراوح اللي كانت في الأول هي نفس الجناحين، لكن لا شك أن الطائرة ما هي من الأمم التي هي أمثالنا، بل هي من صنعنا. إذن قوله تعالى: فِي جَوْفِهِلبيان الواقع، وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي، يقول: (بهمز وياء وبلا ياء)، بهمز وياء (اللائي)، وبلا ياء يعني بهمز بلا ياء، فتكون (اللاءِ) و(اللاءِ) كما نعرف جميعًا جَمْع لأيش؟ جمع (التي)، ولَّا لا؟ فهي مثل (الذين) في الذكور، جمع؟ نعم. (اللائي) يقول: عندي ({تَظَّهَّرُونَ} بلا ألف قبل الهاء، وبها والتاء الثانية في الأصل مُدْغَمَة في الظاء) {تَظَّهَّرُونَ} هذه قراءة، والثانية يقول: بلا ألف قبل الهاء، (وبها) يعني: بألف قبل الهاء، أيش تكون: {تَظَّاهَرُونَ}، هذه قراءتان، وإلى الآن ما جاء المؤلف بالقراءة المشهورة عندنا وهي تُظَاهِرُونَ، فيكون في الآية ثلاث قراءات: {تَظَّهَّرُونَ} {تَظَّاهَرُونَ} والثالثة تُظَاهِرُونَو{تَظَّاهَرُونَ} {وتَظَّهَّرُونَ} يقول: إن التاء مُدْغَمَة في الظاء، وأصلها: تَتَظَاهَرُون أو: تَتَظَهَّرُون، لكن صارت {تَظَّهَّرُونَ}، أُدْغِمَت التاء في الظاء. ما معنى تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ، أي: تقولون: إنهنّ عليكم كظهور أمهاتكم، وهذه صيغة طلاق في الجاهلية، إذا أراد الإنسان أن يطلق امرأته طلاقًا بائنًا قال لها: أنتِ عليَّ كظهر أمي، فتطلق طلاقًا بائنًا؛ لأن ظهر أمه لا يحل له بحال من الأحوال، وخَصَّ الظهر؛ لأنه محل الركوب، والإنسان يركب زوجته أو تركبه؟ إي نعم يركبها؛ لأنها فراش، كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام. إذن {تَظَّاهَرُونَ}، أيش معنى {تَظَّاهَرُونَ}؟ أي: تقولون لهن: أنتن علينا كظهر أُمِّنَا، وهذه الجملة يعتبرها أهل الجاهلية طلاقًا بائنًا، أما في الإسلام فليست بطلاق، ما هي في الإسلام؟ ظِهَار، يعني أنها مُوجِبَة لتحريم المرأة حتى يفعل الإنسان ما أمره الله به، كما في سورة المجادلة. {تَظَّاهَرُونَ مِنْهُنَّ} بقول الواحد –مثلًا- لزوجته: أنتِ عليَّ كظهر أمي، ويمكن أن يقول غير هذه العبارة؟ يمكن أن يقول: أنتِ عليَّ كظهر أختي، ويمكن أن يقول: أنتِ عليَّ كبطن أمي، فالعبرة بالمعنى لا بالصيغة، وقد مر علينا في كتاب الظِّهَار أن يُشَبِّه الرجلُ زوجتَه بمن تَحْرُم عليه تحريمًا مؤبَّدًا بنسب أو سبب مباح، المهم تحريمًا مؤبدًا، هذا هو الظهار عند أهل العلم، وسبق الخلاف فيما لو حرَّمها أو لو ظاهَر منها وشبَّهَها بمن تحرُم عليه تحريمًا إلى أَمَد. الطالب: (...). الشيخ: القراءة السبعية تارة يحيل لها على هذا وهذا بدون ما يقولون: وفي قراءة، وتارة يقولون: وفي قراءة، يقول: (بقول الرجل –مثلًا- لزوجته: أنتِ عليَّ كظهر أمي). أُمَّهَاتِكُمْويش اللي نصبها؟ جَعَلَ، أين المفعول الأول ؟ أَزْوَاجَكُمُ، واللَّائِيصفتها، وتُظَاهِرُونَصلة للموصول، وأُمَّهَاتِكُمْالمفعول الثاني، وأُمَّهَاتِكُمْأي: كالأمهات في تحريمها بذلك المُعَدّ في الجاهلية طلاقًا، وإنما تجب به الكفارة بشرطه كما ذُكِرَ في سورة المجادلة. في الإسلام ليس بطلاق، ولكنه تحريم تجب به الكفارة بشرطه، وهو العَوْد؛ لقول الله تعالى: ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ [المجادلة: ٣]. (...) وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ، ما أخذنا من الفوائد، أو لا؟ طالب: ما كملنا الآية. الشيخ: أيها؟ الطالب: وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ. الشيخ: ما كمَّلنا، نكمل.
قال الله تعالى: وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ، نحن ما كملنا المناقشة، ما هي المظاهَرة في القراءة التي فيها الزيادة؛ لأن فيها زيادة حرف، والحرف فيه عشر حسنات، عرفتم؟ فعلى هذا القول أيّ القراءات الثلاثة تختارون؟ طالب: {تَظَّاهَرُونَ}. الشيخ: {تَظَّاهَرُونَ}؛ لأن هذه أكثرها حروفًا، ومن العلماء من يقول: الأفضل أن تقرأ بكل قراءة، أن تأخذ بكل قراءة، تقرأ بهذه مرة وبهذه مرة، أيهما أرجح؟ الصحيح الأخير أنك تقرأ بهذه مرة وبهذه مرة إذا كنت تعرف؛ لأن كل قراءة فقد صحَّت عن النبي صلى الله عليه وسلم فينبغي أن تقرأ بها لفائدتين، ما ذكرنا إلا واحدة، لفائدتين: الفائدة الأولى: العمل بكل السُنَّتَيْن. الفائدة الثانية: حِفْظ هذه القراءات، ولذلك نحن الآن لما كنا نعتمد على القراءة التي عندنا ما نعرف القراءات الأخرى، فإذا قيل للإنسان: ينبغي لك أن تقرأ بكل قراءة صحّت، فإن هذا يكون فيه حفظ للقراءات، ولهذا ينبغي للصغار منا، ولَّا عاد الكبار صعب عليهم الحفظ، لكن الصغار ينبغي لهم أن يحرصوا على القراءات، وأن يتعلموها من أجل أن يعملوا بالسنة هذه ما تبقى مهجورة، إي نعم. قوله: أُمَّهَاتِكُمْإعرابها؟ (...) أَبْنَاءَكُمْقال المؤلف: (جمع دعِيٍّ، وهو مَن يُدْعَى لغير أبيه ابنًا له)، أدعياء جمع دَعِيّ، كأغنياء جمع غني، وأَكْفِيَاء جمع كَفِيّ، ولها أمثلة، و(دَعِيّ) فعيل بمعنى مفعول، وأصلها دَعِيُو، بالواو، لكن قُلِبَت الواو ياءً لعلة تصريفية. إذن (دَعِيّ) بمعنى مدعو، والدعاء في الأصل طلب الإقبال، والمراد بادِّعاء هنا النسبة، بأن يُنْسَب إلى غير أبيه، فيقال: هذا ابن فلان، وليس ابنًا له حقيقةً، هؤلاء الأدعياء ما جعلهم الله تعالى أبناءً، شرعًا أو قدرًا؟ لا شرعًا ولا قدرًا، أما لا قدرًا فواضح؛ أنه ما هو بأبناء قدرًا، وأما شرعًا فهنا نفى الله عنهم، نفاه، قال: وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ، فإذا كان الأدعياء ليسوا أبناءً لا قدرًا ولا شرعًا فإنه لا يَرِد الذهنُ أو لا يتوجَّه الذهن إليهم شرعًا. هذه الكلمة التي أقولها يتبين بها ضعف قول مَن يقول (...) في قوله تعالى: وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ [النساء: ٢٣] يقول: إن قوله: الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْإنها قَيْد يُحْتَرَز به عن ابن التبني؛ لأننا نقول: ابن التبني لا يدخل في الابن أصلًا، فلا يذهب إليه الوهم حتى نقول: إنه يحتاج إلى قيد يُحْتَرَز به عنه، وسبق أن بحثنا هذه المسألة في باب المحرَّمات في النكاح. المهم أن الأدعياء ما جعلهم الله أبناء، لا شرعًا ولا قدرًا، وكانوا في الجاهلية يَدْعُون الإنسان لغير أبيه، يكون هذا الرجل شريفًا وذا نسب، وهذا الدَّعِيّ وضيعًا نسبُه عند الناس ليس بذاك الشيء، أو ليس له نسب معلوم، فيُدْعَى إلى هذا الأب من أجل رفعته، فأبطل الله ذلك؛ لأن دعوة الإنسان إلى غير أبيه يترتب عليها أمور، كل ما يترتب على النسب من تحريم وتحليل وإرث ونفقات وغيرها كلها ربما تنتقل إلى هذا الدَّعِيّ بسبب أنه دُعِيَ إلى هذا الرجل، فلذلك منع الله تعالى ذلك شرعًا؛ لأن تسمية الشيء باسمٍ بعيد عن حقيقته هذا يوجِب أن تنقلب الأوضاع، حتى إن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: «لَا تَغْلِبَنَّكُمُ الْأَعْرَابُ عَلَى صَلَاتِكُمُ الْعِشَاءِ، يَدْعُونَهَا الْعَتَمَةَ، وَهِيَ تُعْتِم بِإِبِلِهَا، وَإِنَّمَا هِيَ فِي كِتَابِ اللهِ الْعِشَاءُ» .
فكل الأشياء التي ربما إذا سُمِّيَت باسم آخر ربما تختلف أحكامها فإن الشرع نهانا. وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْحقيقةً، حقيقة تفسير لأبناء، يعني: ما جعلهم أبناء على وجه الحقيقة. ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ، أي: اليهود والمنافقين، ذَلِكُمْالمؤلف يريد أن يكون الخطاب هنا لليهود والمنافقين، والصواب أنه عائد لكل مَن دعا شخصًا لغير أبيه من الأدعياء سواء كان من المنافقين أو من اليهود أو من المشركين، أو من المسلمين، فإن هذا قول يقوله الإنسان بفيه، وليس حقيقةً، هو نفسه يعلم أن هذا الدَّعِيَّ ليس ابنًا لهذا المدعو إليه، فكيف يقول ما يعتقد أن الأمر بخلافه؟ وقوله: ذَلِكُمْأتى بضمير الجمع في الخطاب؛ لأن المخاطَبِين جماعة، وقد مَرَّ علينا في اسم الإشارة أن اسم الإشارة يراعَى به المشار إليه، والكاف يراعى بها المخاطب، هنا المشار إليه مفرد مُذَكَّر، وهو دعوة الرجل إلى غير أبيه، والمخاطَبُون جماعة ذكور. طالب: (...). الشيخ: هذه نبغي نتكلم عليها في الفوائد إن شاء الله. ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْيعني: تقولونه بألسنتكم وأنتم تعرفون الحقيقة أنها ليست كذلك. قال المؤلف رحمه الله: أي اليهود والمنافقين، ليش جعلها بالياء؟ لأنها تفسير لقوله: قَوْلُكُمْبالكاف وهي مجرورة، قالوا: لَمَّا تزوج النبي صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش التي كانت امرأة زيد بن حارثة الذي تَبَنَّاه النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: تزوَّج محمد امرأة ابنه، فأَكْذَبَهُم الله تعالى في ذلك. طالب: (...). الشيخ: قالوا: تزوج -أي اليهود والمنافقين- كلام المؤلف بعيد من ظاهر الآية؛ إذ إن كلام المؤلف يقول: إنهم بعد أن تزوَّج النبي عليه الصلاة والسلام زينب بنت جحش، وكانت في الأول عند زيد بن حارثة قالوا هذا القول، والآية ما فيها إشارة للقصة إطلاقًا، إنما الآية يتحدث الله فيها عن أيش؟ عن ابن التبني، ما تحدَّث الله تعالى ولا أشار إلى تزوُّج الرجل بزوجة ابنه الذي تَبَنَّاه، لكن هذه ستأتينا إن شاء الله في الآية، فالصواب أن الآية إنما هي في نسبة الإنسان إلى غير أبيه تبنيًا. (وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّفي ذلك، وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ: سبيل الحق).
وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ، المؤلف قيده فقال: (في ذلك)، والصواب عدم القيد، حتى وإن كان السبب هو هذا؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ما هو الحق الذي يقوله الله عز وجل فيما يقوله؟ فسَّره الله تعالى في القرآن نفسه، فقال: وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا [الأنعام: ١١٥]، هذا هو الحق الذي يقوله الله عز وجل، صدق في الأخبار، وعدل في الأحكام، فكل ما قاله الله عز وجل فهو دائر بين أمرين؛ إما خبر، وإما حكم، الخبر أَحَقِّيَّتُه الصدق، والحكم أحقيته العدل، خير ما يُفَسَّر به القرآن القرآن، ولهذا إذا قال قائل: ما هو الحق في قول الله ؟ نقول: الحق في قول الله هو ما ذكره الله تعالى في قوله: وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا. وقوله: وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ، لم يقل: ويهدي السبيل؛ لأن الجملة الثانية تتعدى للغير، فهناك هادٍ ومَهْدِيّ ومَهْدِيٌّ فيه ولَّا إليه ؟ إليه وفيه أيضًا، هناك هادٍ وهو الله، ومَهْدِيّ وهو الإنسان –مثلًا-، ومَهْدِيٌّ إليه وفيه أيضًا، وهو الدين، السبيل الْمُوصِل إلى الله عز وجل، مَهْدِيٌّ إليه هذه هداية الدلالة، ومَهْدِيٌّ فيه هذه هداية التوفيق؛ لأنك تقول: دَلَلْتُه إلى كذا، وهديته في كذا، بمعنى: جعلته عاملًا فيه، وهذا هو الحكمة في أن الله عز وجل قال في سورة الفاتحة: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة: ٦]، ولم يقل: إلى الصراط، ليش؟ لأجل يعم الهداية إليه بالدلالة إليه وبيانه، والثاني: هداية فيه بالعمل به، وهذا هو مقصود كل داعٍ يدعو الله عز وجل بالهداية أن الله يهديه إلى الشيء فيعرفه ويعلمه، ويهديه فيه فلا يضل عنه، واضح؟ يَهْدِي السَّبِيلَأيّ سبيل يراد بهذه الآية؟ السَّبِيلَ(أل) هذه للعهد الذهني، والمراد سبيل الله عز وجل، ويش الدليل لمراد سيبل الله؟ طالب: (...). الشيخ: وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ [الأنعام: ١٥٣]. إذن السبيل التي يهدي الله إليها هي سبيل الله عز وجل، وهي طريق الحق، وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ، ومن جملة ذلك أنه سبحانه وتعالى لم يجعل الزوجات التي يظاهرون منهن أزواجُهن لم يجعلهن أمهات، ولم يجعل الأدعياء أبناء، فقال الحق في ذلك، وهدانا السبيل في ذلك، فالزوجة زوجة، والابن الدَّعِيّ ليس ابنًا، والله يقول: ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ [الأحزاب: ٥]، قال المؤلف في التفسير: (لكن ادعوهم لآبائهم )، لماذا أتى بالاستدراك: (لكن ادعوهم لآبائهم)، في ظني أنه لا حاجة للاستدراك، وأن الجملة استئنافية، لَمَّا أبطل الله سبحانه وتعالى أن يكون هؤلاء الأدعياء أبناءً أَمَرَ بأن ندعوهم لآبائهم، وكأن المؤلف رحمه الله لما كانت الآية الثانية: ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْلَمَّا كانت غير مقابلة لما نَفَاه الله في الأول، يعنى: ما جعل أدعياءكم أبناءكم، لكن جعلهم أبناء آبائهم، فادعوهم لآبائهم، رأى رحمه الله أن هذا هو وجه الاستدراك، وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ، لكن جعلهم أبناءً لآبائهم فادعوهم لآبائهم. نقول: هذا لا حاجة إليه، فالجملة استئنافية ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ، أي: انسبوهم لآبائهم، فقولوا: يا ابن فلان، وكلمة (آبائهم) جمع أبٍ، هل المراد بالجمع هنا باعتبار الْمَدْعُوِّين، يعني لأن الناس كثيرون، أو أن المراد آباؤهم بالنسبة لكل شخص، بمعنى أن الإنسان يُنْسَب إلى أبيه وجده وأبي جده، وهكذا، أو شامل للأمرين؟ هو شامل للأمرين، فالإنسان يُدْعَى إلى أبيه يقال: فلان ابن فلان ابن فلان، الرسول عليه الصلاة والسلام محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، بل إنه عليه الصلاة والسلام قال: «أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ» ، ومحمد عندنا الألفية: قال محمد، وهو ويش اسمه؟ محمد بن عبد الله، أبوه عبد الله، فهو فيما يظهر أنه شامل، يعني أنه جُمِعَ باعتبار أفراد الناس، وجُمِعَ باعتبار الآباء؛ لأن الآباء أبٌ أدنى وأب فوق. قال: هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ، هُوَالضمير يعود على المصدر المفهوم من قوله: ادْعُوهُمْ، أي: هُوَأي: دعاؤهم، وهذا نظير قوله تعالى: اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى [المائدة: ٨]، هُوَأي: العدل المفهوم من الفعل، فهنا هُوَأي: دعاؤهم لآبائهم، أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِأي: أعدل.