تجاوز إلى المحتوى

تفسير سورة آل عمران - ٩

درس صوتي · ٩٢:٤٩

جارٍ تجهيز الصوت

انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها

إعدادات

اختصارات لوحة المفاتيح

Space أو K تشغيل وإيقاف ←→ خمس ثوانٍ JL خمس عشرة ثانية HomeEnd بداية ونهاية الدرس

محتوى الدرس

الظلم المنفي هنا، أو ما المراد به؟ طالب: عدم الجور، الظلم هنا المراد به أي عدم الجور؛ لأنه توفية الحق له ثلاثة أحوال؛ إما أن يعطى حقه. الشيخ: لا، نريد بس نفي الظلم أيش؟ الظلم يكون إما بنقص شيء من الحسنات أو زيادة سيئات، أما كيف التوفية فهذه هي التي تريد؛ يعني التوفية لها ثلاثة أقسام: عدل، وفضل، وجور، فالجور منتفي، والعدل والفضل ثابت.

ثم قال الله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ [آل عمران: ٢٣] إلى آخره. يستفاد من هذه الآية الكريمة فوائد؛ أولًا: أنه ليس كل من أُعطي علمًا يُوفّق للعمل به لقوله: يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِثُمَّ يَتَوَلَّى [آل عمران: ٢٣]. ومن فوائد الآية الكريمة: التعجب من حال هؤلاء وما أعظم التعجب أن يؤتيهم الله العلم، ثم بعد ذلك لا يُقبلون على كتاب الله عز وجل. ومن فوائدها: أن هؤلاء قد قامت عليهم الحجة بكونهم دعوا، وهذا هو محطّ الذم، أما لو لم يدعون ولم يعلموا بالحق فإنهم لا يذمون على ذلك إذا لم يفرّطوا بطلب الحق. ومن فوائد الآية الكريمة: أن الواجب التحاكم إلى كتاب الله لقوله: يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ [آل عمران: ٢٣]. ومن فوائدها: أنه لا حكم إلا لله بما جاء في كتابه، فلا أحد من الحكام يستطيع أن يشرّع أحكامًا مخالفة لأحكام الله، بل من شرّع أحكامًا مخالفة لأحكام الله، وألزم العباد بها فهو كافر بالله عز وجل، كافر، اللهم إلا أن يُعذر بتأويل سائغ، فهذا قد يخرجه من الكفر، لكن فعله من حيث هو فعل يؤدي إلى كفره. ومن فوائد الآية الكريمة: أن الحكم في كتاب الله يكون في كل شيء؛ في العبادات والمعاملات والأخلاق والأعمال كل شيء، ولأنه لم يُخصص، قال: لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْفي كل شيء. ويتفرع على هذه الفائدة: الرد على من قال: إن الشرع إنما جاء في تنظيم العبادات فقط، أما المعاملات فهي إلى الخلق، واستدلوا لذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلم قدم المدينة ورأى الناس يؤبّرون النخل -معنى يؤبرونها: يلقحونها- فقال عليه الصلاة والسلام: «مَا أَرَى ذَلِكَ يُغْنِي شَيْئًا» هذا أو معناه، فتركوا التأبير ففسد الثمر؛ لأن النخل إذا لم يُؤبّر فسد، فلما حصدت الثمار جاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم يخبرونه فقال: «أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأُمُورِ دُنْيَاكُمْ» . قالوا: فوَكل علم أمور الدنيا إليهم، بل جعلهم أعلم منه بهذا، وعلى هذا فأمور الدنيا لا يتدخل فيها الشرع، ولكن هذا فهم خاطئ، هذا فهم خاطئ باطل؛ وذلك لأن أمور الدنيا إما أحكام شرعية كالتحليل والتحريم، فهذه مرجعها إلى الشرع، وإما أمور فنية تدرك بالتجارب وبالتعلم، فهذه مرجعها إلى أهل الخبرة، وكم من عالم عنده علم غزير واسع في أمور الشرع لا يستطيع أن يصنع بابًا ولا إبرة، ويأتي رجل جاهل من أجهل الناس ويستطيع أن يصنع بابًا من أحسن الأبواب وإبرة من أحسن الإبر، أليس كذلك؟ الطلبة: بلى. الشيخ: ومسألة الصحابة رضي الله عنهم في التأبير مسألة حكمية أو مسألة فنية؟ فنية بلا شك تدرك بالتجارب، والنبي عليه الصلاة والسلام -كما نعلم- ولد بمكة، ومكة ليست ذات نخل، ولا يعلم عن هذا شيئًا، فصار أهل المدينة الذين مارسوا التجارب في هذه الأمور، صاروا أعلم منه بذلك، أما مسألة الأحكام الشرعية فلا شك أن الله ورسوله أعلم، المهم أن الحكم لمن؟ لله، ولا يجوز أن يكون الحكم لأي شيء سوى الله. فإن قال قائل: ألستم ترجعون إلى العرف في أمور كثيرة؟ فالجواب: بلى، لكن من الذي رجعنا إلى العرف؟ الشرع، رجعنا إلى العرف: عَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ [النساء: ١٩] أَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ [الطلاق: ٢]، فالشرع هو الذي أمرنا أن نرجع إلى العرف، وإذا أمرنا أن نرجع إلى العرف رجعنا إليه وحكّمناه، ولهذا إذا تنازع الزوجان في قدر النفقة لا نذهب إلى الكتاب الفلاني والكتاب الفلاني: البخاري، أو مسلم، أو أبو داود، أو ما أشبه ذلك، لا نرجع إلى هذا، نرجع إلى من؟ إلى أهل الخبرة في العرف في كل زمان ومكان بحسبه، إذن الحكم فيما رُدّ إلى العرف لمن؟ للشرع. طالب: للشرع وأهل الخبرة. الشيخ: لا، الحكم للشرع هو الذي أمرنا أن نرجع إلى العرف؛ فأهل العرف يحكمون. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء الذين دُعوا إلى كتاب الله ممن أوتوا نصيبًا من الكتاب لم يتولوا جميعًا، بل تولى فريق منهم، والأمر كذلك فإن كثيرًا من اليهود والنصارى أسلموا وحسن إسلامهم، وكان لهم قدم صدق في الإسلام. ومن فوائد الآية الكريمة: ذم من يتولّى بإعراض لقوله: يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ [آل عمران: ٢٣]، لأن التولي -كما ذكرنا في التفسير- قد يكون عن إعراض وقد يكون عن غير إعراض، والتولي مذموم كله، ولكن إذا كان عن إعراض وعدم مبالاة كان أشد. ثم قال تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ [آل عمران: ٢٤]. من فوائد هذه الآية الكريمة: بطلان الأماني، وأن النفس قد تمنّي الإنسان ما لا يكون؛ لأن هؤلاء منّتهم أنفسهم حيث قالوا: لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ. ومن فوائدها: تحذير الإنسان من أن يتكل على الأماني؛ لأن هذا من صنع اليهود والنصارى، وكثير من العامة الآن يقعون في المعاصي ويمنّون أنفسهم المغفرة، إذا وقع في المعصية قلت: يا أخي، اتقِ الله، لا تعصِ الله قال: الله غفور رحيم، الله غفور رحيم، صحيح؟ طلبة: إي نعم. الشيخ: صحيح أن الله غفور رحيم، لكن الله قال: نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ [الحجر: ٤٩، ٥٠]، وقال: اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [المائدة: ٩٨] فلما أمر نبيه أن ينبئ بدأ بالمعفرة، ولما أخبر عن نفسه بدأ بالعقوبة؛ لأن المقام مقام سلطان وعلوّ فقال: اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ. إذن ماذا نقول لهذا الذي قال: الله غفور رحيم؟ نقول: والله شديد العقاب أيضًا، يتمنى بعض العاصين الأماني ويقول: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء: ٤٨] فهو يريد أن يزني، ويسرق، ويشرب الخمر، ويعمل كل شيء دون الشرك ثم يقول: إن الله يقول: وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ. وهذا خبر، خبر من الله عز وجل، وهو أصدق القائلين؟ فماذا نقول؟ نقول: اقرأ الآية، لا تكن أعمى أو أعور ما تنظر إلا بعين، يغفر ما دون ذلك مطلقًا لمن يشاء، ومن لا يشاء لا يغفر له، فهل أنت تجزم بأنك ممن شاء الله أن يغفر له؟ أبدًا، ما تجزم، لا تجزم لا بهذا ولا بهذا، إذن فأنت على خطر، أنت على خطر على أن الذي يستخف بمعصية، ويُلبّس على نفسه وعلى الناس قد يكون ممن لا يشاء الله أن يغفر له، نعوذ بالله؛ لأن هذا مستهتر مستهين. إذن الذين يتمنون على الله الأماني مع استمرارهم على معصية يشبهون من؟ اليهود والنصارى، ولهذا جاء في الحديث: «الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ -أي: حاسبها- وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ الْأَمَانِي» . ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء يؤمنون بالبعث، ولكن لم ينفعهم الإيمان، من أين تؤخذ؟ من قولهم: لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ.

ويتفرع على هذا: أنه لا يكفي في الإيمان أن يؤمن الإنسان بوجود الله وباليوم الآخر دون أن يستلزم هذا الإيمان قبولًا وإذعانًا مجرد التصديق لا يعتبر إيمانًا، لا بد من القبول والإذعان، ودليل هذا نصوص كثيرة منها: أن أبا طالب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرّ بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم حق، ويقول:

لَقَدْ عَلِمُوا أَنَّ ابْنَنَا لَا مُكَذَّبٌ

لَدَيْنَــــا وَلَا يُعْنَى بِقَــــوْلِ الْأَبَاطِــــــــلِ

ويقول:

وَلَقَــدْ عَلِمْــتُ بِأَنَّ دِينَ مُحَمَّــدٍ

مِــــنْ خَيْــــرِ أَدْيَــــانِ الْبَرِيَّــــةِ دِينَــــــــــــا

ومع ذلك لم ينفعه هذا الإقرار؛ لأنه لم يصحبه قبول وإذعان، وخُتم له في الآخر -والعياذ بالله- بأنه قال: على ملة عبد المطلب، ولكن نظرًا لما حصل منه من دفاع عن الإسلام أذن الله عز وجل لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم أن يشفع له فشفع، فكان في ضحضاح من نار، وعليه نعلان يغلي منهما دماغه أبد الآبدين . والعياذ بالله، أبد الآبدين، وهذا أهون أهل النار عذابًا أجارني الله وإياكم منها.

ولم نعلم أن كافرًا نفعت فيه الشفاعة على الإطلاق بمعنى أنه سلم من العذاب أبدًا، ولم نعلم أن كافرًا خُفّف عنه العذاب بالشفاعة إلا أبا طالب، إذن نقول: إن الإيمان باليوم الآخر، وبأن هناك نارًا لا يكفي في الإيمان، بل لا بد من القبول والإذعان. ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان قد يغره ما هو عليه من الدين، قد يغره ما هو عليه من الدين لقوله: وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ [آل عمران: ٢٤] فيغتر بأنه يصلي، ويزكي، ويصوم، ويحج، ثم يقول في نفسه: لن أعذَّب، وهذا قصور في النظر؛ لأنه ليس الشأن أن تصلي أو تزكي أو تصوم أو تحج، الشأن كل الشأن أن يُقبل منك هذا العمل، كم من عامل ليس له من عمله إلا التعب لوجود مبطِل سابق أو لاحق، سابق كفوات الإخلاص مثلًا، لاحق كالإعجاب بالعمل والإدلال به على الله عز وجل، وأن يرى الإنسان لنفسه حقًّا على ربه، وهذا قد يبطل العمل، فعملك محفوف بأخطار سابقة وأخطار لاحقة، ولهذا لا تغتر بما أنت عليه من الدين، بل اسأل ربك دائمًا التوفيق والقبول، التوفيق سابق، والقبول لاحق حتى الإنسان ربما يريد الخير ويحب الخير، ولكن يبتلى بالبدعة، كم من أناس يحبون الخير وعندهم رغبة ومحبة لله ورسوله، ولكن يبتلون بالجهل فيبتدعون في دين الله ما ليس منه، ويكون عملهم هذا حابطًا ولَّا مقبولًا؟ حابطًا؛ لأن من شرط قبول العمل أن يكون موافقًا لما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» .

وقال الله عز وجل: فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ [آل عمران: ٢٥]. في هذه الآية دليل على عظم ذلك اليوم لقوله: فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْوَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ. وفيها دليل أيضًا على النداء بالنعي على هؤلاء الذين ليس لهم في ذلك اليوم إلا الخيبة والخسران، ولهذا قال: كيف تكون حالهم في ذلك اليوم؟ والجواب: أن حالهم أخيب الحال، أخيب حال هي حالهم والعياذ بالله؛ لأنهم ليس عندهم شيء؛ خسروا دينهم ودنياهم. ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اليوم الآخر لقوله: لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ. ومن فوائدها: أن من كفر باليوم الآخر أو شك فيه فهو كافر؛ لأنه مكذِّب لقوله تعالى: لَا رَيْبَ فِيهِ، فالله أخبر بأن هذا اليوم لا ريب فيه، أمر واقع، ولا بد لا بد أن تجتمع مع أمك وأبيك وأختك وأخيك في ذلك اليوم، لكن تجتمع بهم وأنت تفرّ منهم يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ [عبس: ٣٤ - ٣٧] حتى يستقر الناس في منازلهم، فإذا استقر الناس في منازلهم واجتمع بهم في الجنة فهذه غاية المنى وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ [الطور: ٢١] الصغار اللي ماتوا وهم لم يكن لهم ذرية يلحقون بآبائهم ليجتمعوا إليهم، لكن هل يُلحق الأعلى يُنزّل الأدنى وإلا بالعكس؟ بالعكس؛ يعني يُرفع الأدنى إلى الأعلى، أما من كان له ذرية من الأولاد فهو مستقل بنفسه في منزلته؛ لأن هذا له ذرية. على كل حال في قوله: فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِدليل على أن من شك في هذا اليوم أو أنكره فهو كافر لتكذيبه لله عز وجل. ومن فوائد الآية الكريمة: أن يوم التوفية الكاملة هو يوم القيامة لقوله: وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْوإنما قلت: التوفية الكاملة؛ لأن الإنسان قد يوفَّى شيئًا من عمله في الدنيا، أليس كذلك؟ بلى قد يُوفّى في الدنيا لكن يوفّى في الآخرة أيضًا، توفّى النفوس ما عملت، قد يوفى في الدنيا وماذا يوفّى؟ قال الله تعالى: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ [الطلاق: ٢، ٣] مخرجًا من كل ضيق وسعة في الرزق، ويرزقه من حيث لا يحتسب، هذا في الدنيا، وهذا جزاء، هناك جزاء آخر يعني أعظم وأنفع، وهو الهدى، الهدى قال الله تعالى: وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ [محمد: ١٧] الهدى والعمل الصالح هذا أفضل من المال، أفضل من المال؛ لأن الهدى إذا زاد الله الإنسان هدى انشرح صدره واستنار قلبه واطمأن، ثم صارت التقوى عنده أسهل من كل شيء، وصارت الأعمال الصالحة رياض قلبه وسرور نفسه، ولهذا قال رسول الله صلوات الله وسلامه عليه: «جُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ» والمؤمن كل الأعمال الصالحة قرة عينه؛ لأنه يشعر في كل عمل صالح يشعر بأمرين عظيمين؛ الأمر الأول: أنه يتعبد لله بالعمل الصالح فيزداد ذلًّا لربه ومحبة له وإنابة إليه، والأمر الثاني: أنه بذلك متبع لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو يشعر حين فعل العبادة أن إمامه محمد صلى الله عليه وسلم فيزداد محبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتعظيمًا لقوله، بل وتعظيمًا لهديه وسنته، وهذا أعظم كسب، أعظم كسب أن يحصل لك هذا الأمر في العبادة والتقوى. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: انتفاء الظلم عن الله عز وجل؛ لأن قوله: وُفِّيَتْوَهُمْ لَا يُظْلَمُونَفاعلها معروف، من الموفِّي؟ الله، والذي لا يظلم الله، ولكن انتفاء الظلم عن الله سبحانه وتعالى هل هو من الصفات الثبوتية أو من الصفات المنفية التي يسمونها بالسلبية؟ الثاني إلا أننا نقول: لا يظلم يعني ليس في جزائه أدنى ظلم، فيكون نفي الظلم لكمال العدل؛ لأن الظلم قد يكون كاملًا وقد يكون ناقصًا؛ يعني قد يكون كاملًا بحيث لا يعطى شيئًا من جزاء عمله، وقد يكون ظلمًا ناقصًا يُعطى بعض الشيء، فإذا نفى الله عن نفسه الظلم صار ذلك مستلزمًا لكمال العدل، وكذلك وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ [ق: ٣٨] اللغوب يعني التعب والإعياء، فالله عز وجل خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ولم يمسه لغوب؛ أي تعب وإعياء، لماذا؟ لكمال قوته وقدرته عز وجل، فالإنسان يعمل العمل لكن يتعب، أما الرب عز وجل فإنه لكمال قدرته وقوته خلق السماوات والأرض وما بينهما في أيام يسيرة ستة أيام، وما مسه من لغوب، إذن نأخذ من هذا قاعدة مفيدة في باب الصفات؛ وهي: أن كل صفة نفاها الله عن نفسه فإنما يراد بها ثبوت كمال الضدّ، فضد الظلم العدل، إذا انتفى الظلم فهو لكمال العدل، ضد القدرة والقوة: التعب، فإذا انتفى التعب؟ ثبت كمال القدرة والقوة وعلى هذا فقِس. طالب: شيخ، قوله: فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِوقوله: لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ [الممتحنة: ٣] كيف يعني يفصل بينكم؟ الشيخ: يوم القيامة يفصل بينكم؛ يعني يحكم بينكم، ثم يكون الفصل؛ فالناس يجتمعون أولًا في المحشر جميعًا، ثم ينفصلون فريق في الجنة وفريق في السعير. الطالب: لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْقلنا: الآن إن أولادكم ثبت بالأحاديث أن الولد ينفع أباه؛ حافظ القرآن إذا..؟ الشيخ: هذا يخاطب الكفار، يخاطب المؤمنين يعني معناه لا تحابوا الكفار لا تتخذوهم أولياء فإن ذلك لا ينفع. طالب: شيخ، ويش معنى قولهم (...). الشيخ: يقول بعض العلماء: إنهم بنوا قولهم هذا على أنهم عبدوا العجل أربعين ليلة، وقالوا: إن الله يعذّبنا بقدر معصيتنا؛ بقدر عبادة العجل فقط؛ أربعين يوم ثم أنتم تخلقونه. الطالب: أقول: إذن ما بنوا على شيء أصلًا، يعني أمانة؟ الشيخ: أبدًا، كذب. طالب: صار خاص باليهود. الشيخ: إي نعم، هم اللي يقولون هكذا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ. طالب: شيخ، قلنا: يا شيخ إن صاحب البدعة إذا عمل عملا مبتدعًا. الشيخ: كيف؟ الطالب: قلنا: إذا عمل الإنسان عملًا بدعيًّا يعني حبط عمله بهذا العمل. الشيخ: لا يُقبل منه. الطالب: لكن يا شيخ إذا صار جاهلًا، يعني ما يؤجر على النية؛ نيته في هذا العمل؟ الشيخ: إيه، لكن ما يقبل منه على أنه عمل؛ يعني يثاب على نيته التقرب إلى الله، أما هذا العمل لا «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» ، «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ» لكن يُثاب على نيته الخير فقط، ومع ذلك إذا أقيمت عليه البينة بأنه مبتدع لا يثاب ولا على نيته. طالب: شيخ، الحكم يا شيخ في الرد على إن الذين يقتلون النبيين إلى آخره، أنهم يقتلوهم، وألقوا بهم في السجون، الذين يقتلون الناس الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ [آل عمران: ٢١]. الشيخ: مقاتلون. الطالب: نعم، فما حكمهم يا شيخ؟ الشيخ: حكمهم دون هذا. الطالب: نعم؟

الشيخ: أقول دون ذلك. الطالب: طيب هل هم يُقاتلون يا شيخ؟ الشيخ: من اللي يقاتل؟ الطالب: الذين يقتلون؟ الشيخ: لا، لا، ما يقاتلون، لا.

الطالب: طيب مش دول كفار يا شيخ؟ الشيخ: لا ما هم كفار. الطالب: مش يَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ؟ الشيخ: إيه، هذه من صفات الكفار، لكن قد يفعل هذا من ليس بكافر. الطالب: إي نعم، أن الله عز وجل أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يبشرهم، مش هذا فيه إعلام من الله عز وجل أن النبي صلى الله عليه وسلم يعلمهم؟ الشيخ: لكن اقرأ اللي قبلها إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ [آل عمران: ٢١] أولًا: ما هو الكفر، كفر، ومن جملة أعمالهم القتل، فالذين يقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس أخذوا من أعمال هؤلاء الكفار القتل، لكن لا يلزم من هذا أن يكونوا كفارًا؛ لأن قتل النفس لا يستلزم الكفر كما قال تعالى: فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ [البقرة: ١٧٨]. طالب: يا شيخ، هذا الأخ في الإسلام يا شيخ؟ الشيخ: نعم؟ الطالب: هذا أخ في الإسلام، وهذا يقتل الذي يأمر بالقسط هذا ما هو عدو له؟ الشيخ: نعم نعم، على كل حال هو لا يكفر اللهم إلا أن يكون فعله هذا كراهة للحق، فهذا شيء ثاني. طالب: ويعلنوا يا شيخ؟ الشيخ: كيف؟ الطالب: يعلنوا بالمعاصي؟ الشيخ: كيف؟ الطالب: يجهروا بالمعاصي؟ الشيخ: ويش معنى يجهر؟ الطالب: يعني الفعل الذي يفعلونه على الذين يفعل فيهم الجهر لهم، وإعلانهم بالمعاصي على قول الله عز وجل للنبي صلى الله عليه وسلم فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [آل عمران: ٢١] فالتبشرة هنا إعلان منه؟ الشيخ: نحن ذكرنا في أثناء التفسير أن الله أمر نبيه أن يبشر هؤلاء بعذاب أليم يحتمل أن هذا حكم لهم، ويحتمل أن الله أمره بأن يقول ذلك، وذكرنا أن هذا ينظر فيه للمصلحة. طالب: شيخ، أحسن الله إليك، أقول: الغالب أن الذين يقتلون الذي يأمرون بالقسط من الناس أن هؤلاء لا يقتلونهم لأشخاصهم فقط، وإنما لهذا المنهج الذي يسيرون عليه؟ الشيخ: نعم، صحيح، لكن ما نقدر نكفرهم إلا إذا علمنا؛ لأنهم قد يقتلونهم لسبب آخر، هل كل من يأمر بالقسط من الناس نيته صالحة؟ فيه الآن أناس يأمرون بالقسط من الناس ليصلوا إلى الحكم، وإذا وصلوا إلى الحكم صاروا أخبث من الذين قالوا فيهم، ولهذا المسائل هذه دقيقة ما هي هيّنة. طالب: شيخ، جزاك الله خيرًا، بالنسبة لإقامة الحجة، هل يكفي إبهامها؟ بس هل يكفي إنك تعلمها فقط للشخص وتقوم عليه الحجة أو أنك لازم تفهمه، لازم يفهمها ويستوعبها؟ الشيخ: أرأيت لو جيء إليك برجل من العجم وقلت: يا هذا الكافر، اتقِ الله وأسلِم، ويش يفهم؟ هل بلّغت الحجة؟ وأيضًا نحن نسميها حجة، ولا حُجّة إلا بعد معرفتها.


تفسير الآيتين (٢٦-٢٧)

٠٠:٣١:٤٤

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَاب [آل عمران: ٢٦، ٢٧]. الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. قال الله تعالى: قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُإلى آخره. الخطاب لا يخفى أنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ومناسبة هذه الآية لما قبلها أن الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب إذا دُعوا إلى كتاب الله ليحكم بينهم تولَّوا يريدون أن تكون السيادة لهم لا لغيرهم؛ فأُمِر النبي عليه الصلاة والسلام أن يدعوَ الله تعالى بهذا الدعاء المتضمن لهذه الصفات العظيمة التي مقتضاها قدرة الله سبحانه وتعالى على أن ينقُل الرسالة التي يتبعها الملك من بني إسرائيل إلى العرب بمحمد صلى الله عليه وسلم، فهذا وجه ارتباط هاتين الآيتين بما قبلهما، أي: أن هؤلاء الذين تولَّوا وأعرضوا إذا دُعوا إلى كتاب الله ليحكم بينهم لا شك أنهم يريدون أن تبقى السيادة لهم وأن يمنعوها غيرهم فأمر الله نبيه أن يبتهل إلى الله بهذا الدعاء المتضمن قدرة الله على نقل النبوة التي يتبعها الملك من بني إسرائيل إلى العرب فقال: قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ. وقد سبق الكلام على هذه الجملة اللَّهُمَّ، وبينَّا أنها منادى حذفت منه ياء النداء وعوض عنها الميم؛ ولهذا لا يُجْمَع بينهما، ولا يجمع بينهما إلا في حال الشذوذ كما قال بن مالك:

.........................

وَشَــــذَّ يَا اللَّهُــــمَّ فِي قَرِيــــــــضِ

أي: في النظم. وقوله: اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِأي: يا الله. وقوله: مَالِكَ الْمُلْكِمالك اسم فاعل، والْمُلْكِيحتمل أن يكون بمعنى المملوك أي: مالك المملوكات كلها، ويحتمل أن يكون المراد به التدبير، أي: مالك تدبير الخلائق كلها، والأمران ثابتان لله عز وجل؛ فهو مالك المملوكات كلها بأعيانها، وهو مالك التصرف فيها لا يشركه في ذلك أحد، هو الذي يدبر الأمر ويملك المأمور. وقوله: مَالِكَ الْمُلْكِقيل: إنه بدل من الله ولكنه نُصِب؛ لأنه مضاف، والبدل يكون على نية إعادة العامل، وأنت لو سلطت ياء التي هي العامل في اللَّهُمَّلو سلطتها على مَالِكَ الْمُلْكِلوجب النصب؛ لأن المنادى إذا أضيف يجب فيه النصب، وسواء قلت: إنها بدل أو إنها منادى حُذِف منه حرف النداء فإن المعنى لا يختلف. قال: مَالِكَ الْمُلْكِثم فسر فقال: تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُوالأصح أن تُؤْتِيهذه جملة استئنافية لبيان كيف يكون ملك الله عز وجل لهذا المملوك، فقال: تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ، وقال: تُؤْتِيأي: تُعْطِي، ولم يقل: تُمَلِّك؛ لأن ما يكون للعبد من الملك إنما هو من إعطاء الله تعالى إياه وتسليطه عليه؛ ولهذا لا يتصرف المالك من المخلوقين بما ملك إلا على حسب أيش؟ إلا على حسب الشريعة التي شرعها الله عز وجل؛ لأن الإتيان من الله، فالتصرف في هذا المؤتى إلى الله عز وجل لا إلى الإنسان؛ فالإنسان لا يملك أن يتصرف تصرُّفًا مطلقًا فيما ملكه الله. وقوله: تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُالفعل تُؤْتي من الأفعال التي تنصب مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر ومفعولها الأول الملك، ومفعولها الثاني مَنْ تَشَاءُمَنْ. وقوله: تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُنحن نعلم أن من سنة الله عز وجل أن كل شيء له سبب إما شرعي وإما كوني؛ لأن هذا مقتضى حكمة الله سبحانه وتعالى، وإذا كان كذلك فإن إتيان الله الملك لمن يشاء مُقيَّد بسبب، فلا بد أن يكون له سبب؛ فالملك قد يكون مستقلًا عن الرسالة، وقد يكون تابعًا للرسالة؛ فإذا كان مبنيًّا على الشريعة صار تابعًا للرسالة، وإذا كان غير مبنيٍّ على الشريعة كان مستقلًا، قال الله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ [البقرة: ٢٥٨]، وهذا الملك تابع للرسالة ولَّا لا؟ لا، هذا مستقل ما هو تابع للرسالة؛ لأنه كافر هذا الذي يُحاج إبراهيم في ربه؛ وأما قول النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ اللَّهَ زَوَى لِيَ الْأَرْضَ فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَأَنَّ مُلْكَ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مَا زَوَى لِي مِنْهَا» فالمراد بالملك هنا ملك النبوة يعني الملك التابع للنبوة. فهنا يقول: تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُيشمل الملك المستقل الذي قد يكون مبنيًّا على الكفر والملك التابع للرسالة وهو المبني على الشريعة. قال: تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ، ثم إن: مَنْ تَشَاءُككثير من الآيات الكريمة المقيدة للحكم بالمشيئة أو المعلِّقة للحكم بالمشيئة تُقيَّد كلها بما تقتضيه الحكمة. وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُقوله: تَنْزِعُ الْمُلْكَيحتمل وجهين؛ الوجه الأول: نزع بعد ثبوت، والوجه الثاني: نزع بمعنى المنع، فعلى الأول يكون فيه إشارة إلى أن الله تعالى يُملِّك من شاء من خلقه ثم ينزع عنه الملك، وكم من ملِك ملَك ثم زال ملكه إما بالغلبة له أو بموته أو بغير ذلك، ويحتمل أن تكون بمعنى المنع أي: تُملِّك من شئت ولا تملك من شئت، وكلا المعنيين صحيح؛ فالله تعالى قد يمنع الإنسان الملك، وقد ينزع الملك منه بعد ثبوته له وكلاهما صحيح. إذن الملك بيد الله يؤتيه من يشاء فهذا يملِّكه وهذا لا يملكه، وهذا يملكه ثم ينزع الملك منه وهذا يملكه ويستمر الملك له حتى يتوفاه الله. وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُولكن يكون هذا بحكمة أيضًا؛ فقد يكون هذا الملك الذي نُزِع منه الملك غير صالح للملك لكونه من أصحاب الفساد في الأرض فيُسَلَّط عليه من ينزع الملك منه، وقد يكون هذا الملك ضعيفًا هو لا يريد الفساد لكنه ضعيف لا يُقيم الإصلاح فيسلط عليه من ينزع الملك منه، وهذا كثير في التاريخ لو تدبرتموه، والله سبحانه وتعالى لا يفعل شيئًا إلا لحكمة. وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءوالإعزاز هنا يعني التقوية، أي: تجعله عزيزًا قويًّا غالبًا على غيره، وكذلك وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاء، وهل هذا ملازم للملك أي: تعز من تشاء من الملوك وتذل من تشاء أو هو عام؟ هو عام، قد يعز الله الإنسان بدينه وعلمه وإيمانه وإن لم يكن ملكًا، وقد يعزه بملكه، وكذلك في الذل قد يذله بالمعصية وبالغلبة، بالمعصية هذا في مقابل العز بالإيمان، وبالغلبة في مقابل العز بالملك، المهم أن الإعزاز والإذلال لا يستلزمان الملك ولا يستلزمهما الملك، فمن الذي يعزه الله؟ يعز الله تعالى من ذكره بقوله: وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ [المنافقون: ٨] فالعزة لله لكن لا دخل لها في الآية هنا، لكن الذي يعزه الله هم الرسل وأتباعهم كما قال الله تعالى: كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ [المجادلة: ٢١] فمن أسباب العزة الإيمان سواء كان الإنسان ملكًا أم غير ملك، ومن أسباب العزة الاستعداد والحذر والحزم والقوة والنشاط، كل هذه من أسباب العزة لكن هذه أسباب مادية حسية والإيمان سبب معنوي، على أن الإيمان قد يكون من ثمرته ونتيجته أن يكون الإنسان قويًّا حازمًا ينظر إلى الأمور بمنظار الحكمة فتحصُل له بذلك العزة. قال: وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءيذل الله من يشاء ممن آتاه الله الملك وممن لم يؤته حتى الملك، ربما يكون ملكًا ولكنه ذليل ضعيف خائف، كل شيء يَخاف منه ولا يكون عنده حزم وقوة ونشاط، وقد يذل الله سبحانه وتعالى الإنسان حتى في ملكه وقد يذل الله من لم يكن ملكًا. ومن أسباب الذل أن يعجب الإنسان بنفسه وأن يتعرض لما لا يمكنه دفعه، فهذان شيئان: إعجابه بالنفس قد يخذله ويذله، كذلك تعرضه لما لا يمكنه دفعه قد يكون سببًا لذله أيضًا وخذلانه، وكلا الأمرين يقع فيهما كثير من الناس، فكثير من الناس يتكلم أو يفعل غير ملتفت إلى الاستعانة بالله عز وجل فيُخذل، وكثير من الناس يتعرض للأمور التي لا يمكنه دفعها، تكون أمورًا كبيرة فوق مستواه ثم يُخذل ويذل، ولهذا جاء في الأثر: «لَا يَنْبَغِي لَأَحَدِكُمْ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ». فَقَالُوا كَيْفَ يُذِلَّ نَفْسَهُ؟ قال: «يَتَكَلَّمُ بِمَا لَا يُمْكِنُ أَنْ يَدْفَعَهُ» أو كَلمة هذا معناها، فالإنسان ينبغي له أن لا يُعرِّض نفسه للذل بسبب معقول أو معنوي أو بغير ذلك؛ فالأول: أن يكون معجبًا بنفسه يقول القول أو يفعل الفعل غير ملتفت لماذا؟ للاستعانة بالله، والثاني: يتعرض نفسه لأمور لا يمكنه دفعها أمور أكبر من مستواه، ولنفرض واحد بيتكلم بالفقه وهو لا يعرف الفقه فيُخذل ويذل، يتكلم في النحو وهو لا يعرف النحو، يتكلم في الأصول وهو لا يعرف الأصول فيظهر ذُلُّه أمام الناس؛ ولهذا ينبغي للإنسان أن يتحرى في قوله حتى لا يقع في شبكة الذل. وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُالخير بيد الله عز وجل، والخير كل ما فيه مصلحة ومنفعة للعبد فهو خير سواء كان ذلك في أمور الدنيا أو في أمور الآخرة، فالرزق والصحة والعلم هذه خير، والعمل الصالح أيضًا خير، فكل ما ينتفع به الإنسان في دينه ودنياه فهو خير، وهذا كله بيد الله كما قال تعالى: وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ [النحل: ٥٣]. وهنا ذكر أن الخير بيده، ولم يذكر الشر مع أن الخير من الله والشر من الله، فقال بعض المفسرين: إن هذا من باب حذف المقابل المعلوم كقوله: وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ [النحل: ٨١] وزعموا أن تقدير الآية: بيده الخير والشر، ولكن هذا وهم باطل، وليس المقام مقام حذف وقصر أو اقتصاد، المقام مقام ثناء والثناء ينبغي فيه البسط والتوسع في الكلام، فالحذف غير مناسب لفظًا وهو باطل معنى؛ لأن الله لا يضاف إليه الشر، ولا يجوز أن نقول: بيده الشر؛ لأنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ» فلا يُنْسب إلى الله الشرُّ قَوْلًا ولا فِعْلًا، فالله يقول الحق وهو يهدي السبيل ويفعل الخير ولا يفعل الشر، وإذا وُجد شرٌّ في المفعولات فهو شر من وجه خير من وجه آخر، لكن إيجاد الله لهذه الأشياء الشريرة ليس شرًّا بل هو خير، خير محض، ففعل الله ليس فيه شرٌّ إطلاقًا، والشر إنما هو في المفعولات، لا في الأفعال، أما الخير فهو في المفعولات والأفعال؛ ولهذا ينسب إلى الله؛ لا يقال: بيده الخير لكن الشر ليس إلى الله. ولنضرب لهذا مثلًا بالسباع والهوام؛ فالسباع فيها شرٌّ والهوام اللاسعة واللادغة فيها شر بلا شك، الشياطين كلها شر، لكنَّ إيجاد الله لهذه الأشياء خير، خير ولا بد منه، الحكمة توجبه، لأنه لا يمكن أن تعرف تمام قدرة الله إلا بخلق الأشياء المتضادة، ثم في خلق هذه الأشياء من إصلاح العبد ولجوئه إلى ربه واستعاذته به من هذه الأمور الشريرة خير كثير، ثم إن الخير لا يُعرَف إلا بضده، لا يمكن يُعْرَف الخير إلا إذا عرف ضده حتى يُعرف قدر الخير. ثم إن الخليقة لا بد لها من امتحان، لا بد لها من امتحان، فلو كانت في خير دائمًا لزال هذا الامتحان؛ لأنها دائمًا في خير، فإذا وُجِد شر فحينئذ يتبين الامتحان، لو كان الإنسان دائمًا في صحة ودائمًا في غنى ودائمًا في عقل ودائمًا في سعة ما حصل في هذا امتحان، ولا عَرَفَ قدر النعمة ولا شكر الله عليها، لكن إذا أصيب بمرض عَرَف قدر الصحة، بفقر عرف قدر الغنى، بخوف عرف قدر الأمن، وهكذا. فوجود هذه الأشياء فيه فوائد عظيمة فيكون إيجادها خيرًا وليس بشرٍّ، لكن هي نفسها فيها شر، كذلك وجود الأشياء المدمرة كالزلازل والعواصف والفيضانات وما أشبهها هي شر في نفسها، لكن فيها خير عظيم فيكون إيجادها خيرًا وليس بشر، إذن فيجب أن نُبْقِيَ الآية على ظاهرها بدون تقدير، وهو قوله: بِيَدِكَ الْخَيْرُولا شر يُنسب إلى الله، أما المفعولات فلا شك أن فيها خيرًا وشرًّا. إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌإنك على كل شيء قدير، ومن قدرتك تغيير هذه الأشياء العظيمة: إيتاء الملك، نزعه، الإعزاز، والإذلال كل هذه أمور عظيمة لا يقوم بها إلا قادر عليها سبحانه وتعالى. وقوله: إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌالآية عامة؛ فهو قدير على كل شيء على ما شاءه وما لم يشأه، قدير على ما شاءه وعلى ما لا يشاؤه، فما لا يشاؤه قدير على إيجاده، وما شاءه قدير على إيجاده إذا كان مقيدًا بوقت وعلى إعدامه إن كان موجودًا، المهم أن الله قدير على كل شيء، على إيجاد المعدوم وعلى إعدام الموجود سواء أراده أم لم يرده، وبهذا نعرف أن تقييد بعض الناس القدرة بالمشيئة خطأ، الذين يقولون: إنه على ما يشاء قدير، هذا خطأ، لأن الله قادر على ما يشاء وعلى ما لا يشاؤه، ولكن ما شاءه لا يمكن أن يعجز عنه، وبهذا التقدير الأخير أن ما شاءه لا يمكن أن يعجز عنه يتبين الجواب عن قوله تعالى: وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ [الشورى: ٢٩]؛ وذلك أن المشيئة هنا ليست عائدة على القدرة، ولكنها عائدة على الجمع يعني: إذا أراد جمعهم وشاء جمعهم فهو قدير عليه لا يعجز عنه.


طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٢٧) لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٢٨) قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير [آل عمران: ٢٧ - ٢٩].

الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. في هذه الآية من الفوائد أولًا: تعليم الله عز وجل نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم أن يفوض الأمر إليه في قوله: قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ، والخطاب الموجه للرسول صلى الله عليه وسلم مُوجَّه لأمته؛ إما عن طريق التأسي، وإما لأنه الإمام، والخطاب للإمام خطاب له ولمن اتبعه إلا إذا دل الدليل على أنه خاص به فيكون خاصًّا به. ومن فوائد الآية الكريمة: بيان تمام ملك الله سبحانه وتعالى وسلطانه، لقوله: قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ، كل ملك فالله مالكه، وسبق لنا أن المراد بالملك إما المملوك أو جنس المُلك. ومن فوائدها أيضًا: أن الله سبحانه وتعالى يُؤتي الملك من يشاء، لقوله: تُؤْتِي الْمُلْكَ. ومن فوائدها أيضا: أن ملك المخلوقين ليس ملكًا استقلاليًا بل هو بإعطاء؛ لقوله: تُؤْتِي الْمُلْكَوالملك الذي بإعطاء لا شك أنه ناقص عن ملك المعطى، وقد جاء في الحديث الصحيح: «اليَدُ العُلْيَا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلَى» . ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات المشيئة لله في قوله: مَنْ تَشَاءُوكل أمر قرنه الله بالمشيئة فإنه مبني على الحكمة متى اقتضته شاءه الله، ودليل ذلك قوله تعالى: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا [الإنسان: ٣٠]. ومن فوائد الآية الكريمة: تمام ملك الله وسلطانه أيضًا في كونه يحرِم الملك من يشاء وينزعه بعد ثبوته ممن يشاء؛ لقوله: وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ. ومن فوائد الآية الكريمة: بيان أيضًا تمام ملك الله وسلطانه بكون العزة من عنده، يعز من يشاء، ولكن سبق لنا في التفسير أن للعزة أسبابًا منها الإيمان، لقول الله تعالى: وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ [المنافقون: ٨]. ومن فوائدها أيضًا: أن الله سبحانه وتعالى تام الملك والسلطان لكونه يذل من يشاء، ولو بلغ ما بلغ من العزة البشرية، فإن يد الله فوقه مهما بلغ الإنسان من العز فالله قادر على إذلاله، ولذلك أمثلة كثيرة، منها: قصة فرعون فإن فرعون طغى وبغى، وقال: أنا ربكم الأعلى. وافتخر بما عنده من الأنهار؛ فأهلكه الله بمثل ما افتخر به بالماء، غرق، عاد استكبروا في الأرض، وقالوا: من أشد منا قوة؟ فأهلكهم الله تعالى بالريح وهي من ألطف الأشياء، لكنها من أشد الأشياء مع لطافتها، فالله عز وجل يذل من يشاء. ويتفرع على هذه الفائدة: أننا متى علمنا أن الإعزاز والإذلال بيد الله فإننا لا نطلب العزة إلا به عز وجل؛ ولهذا نقول: من ابتغى العزة من غير الله فهو ذليل، فالعزة لا تُطْلَب إلا من الله. وكذلك أيضًا يتفرع على هذا: أنه ينبغي للإنسان أن يستعيذ بالله دائمًا من الذل الحسِّي والمعنوي، لأن الله تعالى هو الذي بيده الإذلال، من شاء أذله ومن شاء أعزه. ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى بيده الخير. ويتفرع على هذه الفائدة: أنه إذا كان الخير بيده، فلا يطلب الخير إلا منه؛ لأنه لا أحد بيده الخير إلا الله سبحانه وتعالى؛ فهو الذي يطلب منه الخير. ومن فوائدها: أن الشر لا يضاف إلى الله وإن كان عز وجل هو الذي خلق كل شيء، لكن الشر لا يضاف إلى الله، لماذا؟ لأن أفعاله كلها خير، والشر في المفعولات، ثم هذا الشر في المفعولات قد يكون خيرًا حتى في المفعولات نفسها، قد يكون خيرًا، فكم من مرض صار سببًا لصحة الجسم، وكم من آفات في الزروع وغيرها صارت أسبابًا للنمو الاقتصادي من جهة أخرى مثلًا، فالمهم أن الشر لا يضاف إلى الله؛ لأن فعله كله خير سبحانه وتعالى. ومن فوائد الآية الكريمة: عموم قدرة الله؛ لقوله: إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وهذا يشمل ما كان من أفعاله وما كان من أفعال الخلق، فيكون في ذلك ردٌ على القدرية الذين يقولون: إن الله لا يخلق أعمال العباد ولا يريدها، وأن الإنسان مستقل بإرادته وعمله، فنقول: هل هذا بقدرة الله أو لا؟ إن قالوا: بغير قدرة الله، فقد كذَّبوا عموم قوله تعالى: إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير، وإن قالوا: بقدرة الله، قلنا: يلزم أن يكون أيش؟ مرادًا ومخلوقًا لله؛ لأنه ما دام الأمر بقدرته، فلا بد أن يكون مخلوقًا له ومرادًا له. ومن فوائدها: الرد على كلمة وقعت من بعض المفسرين ومنهم الجلال السيوطي في قوله تعالى: لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [المائدة: ١٢٠] حيث قال: خص العقل ذاتَه فليس عليها بقادر، فإن هذه كلمة باطلة، هو أراد معنى -والله أعلم- لكن التعبير بهذا خطأ، نقول: إن الله تعالى قادر على كل شيء يتعلق بفعله أو بفعل عباده، كل شيء يفعله الله فهو بقدرته سبحانه وتعالى، كل شيء يفعله العباد فهو أيضًا بقدرته، وهذا الاستثناء أو هذا التخصيص غير صحيح، بل العقل يشهد لله تعالى بالكمال أو بعموم القدرة وأنه على كل شيء قدير. ومن فوائد الآية الكريمة: الاستغناء بالثناء عن الدعاء؛ لأنك إذا تأملت الآية هذه لن تجد فيها دعاء، أي طلبًا، لكن الثناء مما يتوسل به إلى الله، وقد مر علينا أن الدعاء تارة يكون بذكر حال الداعي، وتارة يكون بالثناء على الله، وتارة يكون بهما، وتارة يكون بالطلب وحده، وكل ذلك جاءت به السنة، هنا الثناء يتضمن ما تدل عليه هذه الجمل، فإذا قلت: أنت الذي تُعِز وأنت الذي تُذِل، فمعنى هذا أو فمقتضى هذا: أنك تسأل الله أن يعزك ولا يذلك؛ ولهذا قال الشاعر:

إِذَا أَثْنَــــى عَلَيْــــكَ الْمَــــرْءُ يَوْمًــــــــــــا

كَفَــــاهُ مِــــنْ تَعَرُّضِــــهِ الثَّنَــــــــــــــــــــاءُ

أي: ثناؤه عليك يكفي عن تعرضه وسؤاله. ثم قال الله تعالى: تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِقال: تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِأي: تدخل الليل في النهار، وتدخل النهار في الليل، بمعنى أن الليل يدخل على النهار، فيزيد الليل وينقص النهار، تُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِبالعكس يدخل النهار على الليل، فيطول النهار ويقصر الليل، وهذا الفعل من الأفعال التي لا يقدر عليها إلا الله وحده، هو الذي يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل. ومع هذا فإن هذا الإيلاج إيلاج بحكمة، بتدرج، بتدرج يأتي قليلًا قليلًا حتى ينتهي ثم يعود، ما ظنكم لو أن الليل قفز من أقصر الليل إلى أطوله؟ لاختل نظام العالم وفسد العالم، وفسدت مواقيته، ولكن الله عز وجل يجعله بالتدريج ليعرف الناس أوقاتهم، وينبني أيضًا على هذا الإيلاج ينبني على ذلك تغير الفصول، فإنه إذا طال النهار طال زمن وجود الشمس على سطح الأرض احتر الجو، وأيضًا يكون شعاع الشمس عموديًّا، فيكون أشد تأثيرًا في الحرارة مما إذا كان غير عمودي، والعكس بالعكس بالنسبة للشتاء، فيترتب على هذا الإيلاج زمن الفصول. ومن رحمة الله عز وجل أن هذا الزمن الفصلي لا يأتي أيضًا دفعة واحدة، ما ظنك لو انتقل الناس من أحر يوم في السنة إلى أبرد يوم؟ ضرر عظيم، أو بالعكس؟ لكن الرب الرحيم عز وجل الحكيم يأتي بهذا الشيء بتدرج، فمن الذي يستطيع أن يزيد في الليل ساعة أو في النهار ساعة؟ لا أحد يستطيع، لو اجتمعت الأمة كلها -كل الخلائق- على أن يزيدوا ساعة في الليل أو ساعة في النهار ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا. وقوله: وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِالْمَيِّتفي الموضعين فيها قراءتان: {الْمَيْت} والْمَيِّتيعني بالتشديد والتخفيف. وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِهل المراد (الْحَيّ) حياة حسية أو معنوية أو هما؟ الثالث هو المراد؛ وذلك لأن اللفظ صالح للمعنيين، وإذا صلح اللفظ للمعنيين بدون تنافٍ بينهما، فالواجب حمله عليهما. (الْحَيّ) حياة حسية أمثلته كثيرة، فالإنسان مخلوق من نطفة وهي ميتة، ميتة بالمعنى اللغوي، فصار حيًّا من جماد؛ ولهذا قال الله تعالى: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ [البقرة: ٢٨] كنتم في أصلاب أمهاتكم أمواتًا ليس فيكم أرواح، ثم نفخ في الإنسان الروح فصار حيًّا. إذن يخرج الحي من الميت، أي يجعل الميت حيًّا، كما قال تعالى: ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ [المؤمنون: ١٤] أو يخرج حيًّا ناميًا متحركًا من شيء لا ينمو، فهو ميت، كإخراج الفرخ من البيضة، فإن البيضة ميتة يخرج منها فرخ حي، هذا الموت الحسي والحياة الحسية. المعنوي: يخرج الحي من الميت، أي: المؤمن من الكافر؛ لأن المؤمن حي حياة قلبية، والكافر ميت، يخرج الحي العالِم، مِنَ الْمَيِّتِمن الجاهل، كما قال تعالى: أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا [الأنعام: ١٢٢]، الأول هو العالِم، والثاني الجاهل، هذا الحياة المعنوية والحسية. قال: وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّالميت من الحي بالنسبة للحياة الحسية، مثل البيضة من أين؟ من الدجاجة، ميت من حي، وغير؟ طالب: المني من الرجل. الشيخ: لا. طالب: إذا سقط.. الشيخ: الميت من الحي، نعم، وربما يتناول الميت إذا سقط من حي، يعني المرأة إذا أجهضت جنينًا ميتًا خرج، مع أن هذا الجنين لا يتحرك، لكن يخرج بقدرة الله، يسوقه الله عز وجل حتى يخرج. طالب: الحَب من الشجر. الشيخ: الحَب؟ إيه، الحب من الشجر، الحب لا ينمو والشجر ينمو، وهذه حياة خاصة، حياة نباتية. المعنوي: يخرج الكافر من المؤمن، ويخرج الجاهل من العالم، كذا؟ قال: وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍتَرْزُقُتعطي، مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍأي: بغير عوض؛ لأن المحاسبة إنما تكون مع المعاوضة، فإن من لا يريد العوض لا يحاسبه، لكن من يريد العوض هو الذي يحاسب حتى يعلم هل ما أخذه مقابل لما أعطاه أو لا، وأما من لا يحتاج إلى عوض أو من لا يأخذ عوضًا فلا يحاسب. إذن تَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُبغير عوض، لكن نفى الحساب الذي مقتضاه الذي لا يكون إلا من معاوضة أو من لازمه المعاوضة، فالله سبحانه وتعالى يعطي بلا عوض، وما أكثر النعم التي أنعم بها علينا ولكن لا يحاسبنا، يعطينا منه سبحانه وتعالى تفضلًا وكرمًا، وإن أمرنا بالشكر فشكرناه، فهذا عطاء ثانٍ، فشكر الإنسان ربه على نعمته هو من نعمته أيضًا، هو من نعمته، ولهذا يقول الشاعر:

إِذَا كَانَ شُكْرِي نِعْمَةَ اللَّهِ نِعْمَــةً

عَلَيَّ لَهُ فِي مِثْلِهَا يَجِبُ الشُّكْــــرُ

فَكَيْفَ بُلُوغُ الشُّكْرِ إِلَّا بِفَضْلِــــهِ

وَإِنْ طَالَتِ الْأَيَّامُ وَاتَّصَلَ الْعُمْرُ

أعيد البيتين يقول:

إِذَا كَانَ شُكْرِي نِعْمَةَ اللَّهِ نِعْمَــةً

عَلَيَّ لَهُ فِي مِثْلِهَا يَجِبُ الشُّكْــــرُ

فَكَيْفَ بُلُوغُ الشُّكْرِ إِلَّا بِفَضْلِــــهِ

وَإِنْ طَالَتِ الْأَيَّامُ وَاتَّصَلَ الْعُمْرُ

والمرة الثالثة:

إِذَا كَانَ شُكْرِي نِعْمَةَ اللَّهِ نِعْمَــةً

عَلَيَّ لَهُ فِي مِثْلِهَا يَجِبُ الشُّكْــــرُ

فَكَيْفَ بُلُوغُ الشُّكْرِ إِلَّا بِفَضْلِــــهِ

وَإِنْ طَالَتِ الْأَيَّامُ وَاتَّصَلَ الْعُمْرُ

سمِّعْناها. طالب:

إِذَا كَانَ شُكْرِي نِعْمَةَ اللَّهِ نِعْمَــةً

عَلَيَّ لَهُ فِي مِثْلِهَا يَجِبُ الشُّكْــــرُ

فَكَيْفَ بُلُوغُ الشُّكْرِ إِلَّا بِفَضْلِــــهِ

وَإِنْ طَالَتِ الْأَيَّامُ وَاتَّصَلَ الْعُمْرُ

الشيخ: البيتان معناهما واضح، يعني: أن الله إذا وفقك لشكر نعمته، فهذه نعمة تحتاج إلى شكر، فإذا شكرتها يحتاج الشكر إلى شكر آخر، وإذا شكرت الثالث احتاج إلى رابع، وهكذا؛ ولهذا قال:

فَكَيْفَ بُلُوغُ الشُّكْرِ إِلَّا بِفَضْلِــــهِ

وَإِنْ طَالَتِ الْأَيَّامُ وَاتَّصَلَ الْعُمْرُ

إذن يقول: تَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍأي: تعطي من تشاء بغير حساب، واعلم أن رزق الله عز وجل نوعان: رزق به قوام البدن، ورزق به قوام القلب والروح، أما الأول فيشمل المؤمن والكافر، والبر والفاجر، والمطيع والفاسق، وحتى البهائم، ما هو؟ الرزق الذي به قوام البدن، هذا شامل لكل أحد حتى الكافر مرزوق، وهل يدخل فيه الحرام؟ نعم، يدخل فيه الحرام، حتى الذي لا يأكل ولا يشرب إلا حرامًا فهو برزق من الله، رزق، لكنه رزق يقوم به البدن. والثاني: ما يقوم به القلب والروح، وهذا خاص بأهل الإيمان والعلم، هؤلاء رزقهم الله عز وجل ما تقوم به قلوبهم وأرواحهم علم؛ لأن العلم بمنزلة الماء للشجرة، العلم للقلب بمنزلة الماء للشجرة، لا يمكن أن تنمو بدونه، الإيمان كذلك، لا يمكن أن يقوم القلب ويصلح القلب إلا بالإيمان، وكلما ازداد القلب إيمانًا بالله ازداد صلاحًا. إذن الرزق نوعان: عام وخاص، فالعام ما به قوام البدن، والخاص ما به قوام القلب والروح، إذن كل من رزقه الله ما به قوام القلب والروح، فقد رزقه ما به قوام البدن، وليس كل من رزق ما به قوام البدن يكون قد رزق ما به قوام القلب والروح. قال: وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍوكلمة: مَنْ تَشَاءُنقول فيها ما سبق، أي: ما اقتضت حكمتك أن ترزقه. وأسباب الرزق كثيرة؛ إما حركة من الإنسان، وإما إمداد من الله، والحركة أيضًا لا تنفع إلا بإمداد من الله، لكن أحيانًا يرزق الإنسان بدون كسب، بدون عمل، مثل أن يموت له قريب فيرث منه، أو يخرج إلى البر ويحتطب، وإن كان هذا نوع من العمل، وأحيانًا يكون لا بد من ممارسة عمل وتجارة، وكل هذا من أسباب الرزق. بل من أسباب الرزق تقوى الله، وليس معنى التقوى أن تعكف في المسجد وتتعبد، التقوى أعم من ذلك، الساعي على الأرملة والمساكين اللي يذهب ويطلب لهم الرزق ويقوم عليهم يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «السَّاعِي عَلَى الْأَرْمَلَةِ وَالْمَسَاكِينِ كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» ، إذن هذا دين ولَّا غير دين؟ السعي على الأرملة والمساكين، يذهب في أرض الله يطلب الرزق لهؤلاء الأرامل والمساكين، وكل من لا يكتسب فهو مسكين، حتى ولو كان من أولادك، حتى ولو أنت غني وهذا الولد لا يكتسب فهو مسكين، فأنت إذا سعيت عليه كالمجاهد في سبيل الله، قال: وأحسبه قال: «كَالصَّائِمِ لَا يُفْطِرُ، وَكَالْقَائِمِ لَا يَفْتُرُ» . فليس تقوى الله بأن يلزم الإنسان المساجد، تقوى الله أن يقوم بطاعة الله من أي جنس كانت، حتى طلب الرزق لمن تجب عليك معونته يعتبر من تقوى الله عز وجل. من فوائد الآية الكريمة: تمام قدرة الله عز وجل وسلطانه في كونه يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل. ومن فوائدها: إثبات حكمة الله؛ لأن هذا الإيلاج له حكمة عظيمة لا تقوم مصالح الخلق إلا بها؛ لأنه يترتب على هذا الإيلاج -كما قلنا- اختلاف فصول السنة التي يترتب على اختلافها نمو الأجساد والنبات، من النبات ما يكون شتويًّا، ومن النبات ما يكون صيفيًّا. ومن فوائد هذا أيضًا: أن الإنسان يعرف به ضعفه وافتقاره إلى ربه، إن جاء البرد صار يتطلب ما يدفئه، وإن جاء الحر صار يتطلب ما يبرده، فهو محتاج إلى ربه في الحالين، واضح؟ وهذه من فوائد اختلاف الحر والبرد. ومن فوائدها أيضًا، ويتفرع على ذلك: أن هناك أشياء مؤذية -وهي ما يعبر عنه بعلم الطب: الجراثيم- لا يقتلها إلا شدة البرد، وأخرى لا يقتلها إلا شدة الحر، وهذا شيء مشاهد، هذا أيضًا من حكمة الله عز وجل المترتبة على إيلاج الليل في النهار وإيلاج النهار في الليل. ومن فوائد ذلك -أي إيلاج الليل في النهار وإيلاج النهار في الليل-: أن هذا الإيلاج يدل على كمال القدرة، كما أسلفنا أولًا، إذ إنه لا أحد يستطيع أن يزيد ساعة من الليل في النهار أو بالعكس، ولكن الله تعالى هو الذي يقدر على هذا. ومن فوائد هذه الآية: تمام قدرة الله وسلطانه بإخراج الحي من الميت وإخراج الميت من الحي، ووجه ذلك ظاهر، فإن القادر على إخراج الشيء من ضده دليل على أن قدرته تامة، وسلطانه نافذ سبحانه وتعالى. ومن فوائد الآية الكريمة: أن الرزق بيد الله؛ لقوله: وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ، ويترتب على هذا: أنه ينبغي للعاقل فضلًا عن المؤمن أن لا يطلب الرزق من أيدي الناس، وإنما يطلبه من الله عز وجل؛ ولهذا جاءت النصوص بفضيلة العفة أن يستعف الإنسان عما في أيدي الناس، ولا يسأل. وكان من جملة ما بايع الصحابة رضي الله عنهم عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن لا يسألوا الناس شيئًا، فكان سوط أحدهم يسقط من على بعيره، وينزل إلى الأرض ليأخذه ولا يقول: ناولني إياه ؛ لأنهم بايعوا على أن لا يسألوا الناس شيئًا، وهذا لاشك يجعل الإنسان يلجأ إلى من؟ إلى الله سبحانه وتعالى، يلجأ إلى الله، (...) يسأل الإنسان ما يباح له سؤاله، إنما تمام العفة أن لا يسأل الناس شيئًا، بل يجعل الأمر موكولًا إلى الله سبحانه وتعالى. ومن فوائد الآية الكريمة: أن عطاء الله بلا عوض؛ لقوله: بِغَيْرِ حِسَابٍ، فالله سبحانه وتعالى لا يبيع عليك الثمر الذي تأكل، أو الثوب الذي تلبس، أو البيت الذي تسكن، لا، بل هو يرزق ويعطي بغير حساب، كل ما بنا من نعمة فمن الله. ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات المشيئة لله عز وجل، في قوله: مَنْ تَشَاءُ، وقد مر علينا في التوحيد أن لله مشيئة وإرادة، وأن المشيئة ليس فيها انقسام، والإرادة تنقسم إلى كونية وشرعية، أما المشيئة فهي كونية، فإن الله تعالى يشاء كل شيء.

تفسير الآية (٢٨)

٠١:٢٧:٥٦

ثم قال عز وجل: لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَلَا يَتَّخِذِ(لا) ناهية، ودليل كونها ناهية: أن الفعل بعدها مجزوم، أليس كذلك؟ ولكن لماذا كسر الفعل؟ كسر لالتقاء الساكنين، لأجل أن ينتقل اللسان من هذا المكسور إلى الساكن بسهولة؛ ولهذا صار أنسب ما يكون في التقاء الساكنين هو الكسر، أنسب ما يكون الكسر لَا يَتَّخِذِ؛ لأن الكسر فيه انخفاض من أجل أن يترقى اللسان من المكسور إلى الساكن. يقول الله عز وجل: لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَأي: لا يجعلوهم أولياء فيتخذوهم، وكلمة (اتخذ) تدل على اصطناع الشيء والركون إليه والالتجاء إليه، مثل قولك: اتخذت هذا صاحبًا، أي: جعلته واصطنعته واخترته، فالمعنى: لا يختار المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين. وقوله: الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَكيف صارت (الكافرين) مع أنها بعد اسم مرفوع؟ الطلبة: مفعول به. الشيخ: ما هي نعت؟ لا تصلح أن تكون نعتًا؟ لا، ما تصلح، يختلف المعنى اختلافًا عظيمًا، الْكَافِرِينَمفعول (اتخذ) الأول، وأَوْلِيَاءَمفعول ثانٍ. وقوله: الْمُؤْمِنُونَأَوْلِيَاءَهل هم يتخذونهم أولياء من أعلى؟ ولَّا أولياء من أسفل؟ أو كلاهما؟ يشمل هذا وهذا، أي: لا ينصروهم ولا ينتصروا بهم، فلا يتولون الكفار ولا يجعلون الولاية للكفار عليهم، فالنهي من الأمرين، اللهم إلا -كما سيأتي إن شاء الله تعالى- فيما استثني. لكن إذا كان الأمر في سعة والمؤمنون في قوة، فإنهم لا يجوز لهم أن يتخذوا من الكفار من ينصرهم؛ لأن الكفار مهما كانوا أعداءٌ للمسلمين، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ [آل عمران: ١١٨]، فليس لنا الحق أن نستعين بالكفار إلا إذا دعت الحاجة، فلنا أن ننتصر بهم بأخذ السلاح وما أشبه ذلك، بل وبالعهد معهم أيضًا، فإن النبي صلى الله عليه وسلم استعار من صفوان بن أمية دروعًا، فقال له: أغصبًا يا محمد؟ قال: «بَلْ عَارِيَّةٌ مُؤَدَّاةٌ» ، فدل هذا على جواز الاستعانة بالمشرك بالسلاح. ونحن مثلًا إذا أخذنا السلاح ما لنا وله؟ نحن الذين نستعمل السلاح ونتدرب عليه. كذلك حالف النبي صلى الله عليه وسلم خزاعة، كما في صلح الحديبية ، حالفهم، لكن كان الناس في ذلك الوقت ليسوا على قوة، فيجوز أيضًا أن يحالف المسلمون الكفار إذا دعت الحاجة إلى ذلك؛ لأنه قد يكون هذا من مصلحة المسلمين، فإن المسلمين إذا كانوا ضعفاء تسلط عليهم كفار آخرون، فإذا حالفوا كفارًا أقوياء انتصروا بهم، فصار في ذلك مصلحة. وأصل النهي عن ولاية الكفار هو من أجل أن لا يذل الإسلام بين أيديهم، فإذا كان في مثل هذه الأمور مصلحة للمسلمين وقوة صار ذلك جائزًا، هذا بالنسبة للانتصار بهم.