تفسير سورة آل عمران - ٥١
درس صوتي · ٩٠:٣٣
جارٍ تجهيز الصوت
انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها
إعدادات
اختصارات لوحة المفاتيح
محتوى الدرس
هذه ثلاثة، طالما أسمح للي أخذها من قبل، هذا أول مرة تسمعه يلّا قل. طالب:
أَمِنْ رَيْحَانَةَ الدَّاعِي السَّمِيعُ
يُؤَرِّقُــنِي وَأَصْحَــــــــابِي هُجُـــــــــوعُ
الشيخ: تمام. على كل حال (فَعِيل) بمعنى (مُفْعِل)، و(فَعِيل) بمعنى (مُفْعَل)؛ (فَعِيل) بمعنى (مُفْعَل) كثير. {يُغَلّ} ويَغُلَّقراءتان، ما معنى الكلمة على القراءتين؟ طالب: {يُغَلّ} يُفعل به؛ يعني يغل هو يغله غيره؛ ويَغُلَّهو يعني الفاعل. الشيخ: هو يفعل يغل. أظن تكلمنا عليها؟ إغلال النبي يعني: {أَنْ يُغل} بمعنى؟ طالب: {يُغَلّ} يعني الفعل يُغَلّ؟ الشيخ: نعم. الطالب: يُعتدى عليه من الكفار والمشركين. الشيخ: لا، غير صحيح. طالب: يحتمل معنيين يا شيخ. الشيخ: وهما؟ الطالب: الأول: أن يُغل بالمال.. الشيخ: يعني؟ الطالب: يعني يكون فيه غلول في المال. الشيخ: يعني يُغل من الغنيمة التي استولى عليها، هذه واحدة. الطالب: والثاني: من العلم. الشيخ: أيش؟ الطالب: العلم. الشيخ: علم؟
الطالب: إي نعم. الشيخ: ويش معناه؟ الطالب: يعني يكتم العلم. الشيخ: هذه إذا كان: يَغُلَّالمعنى الثاني على القراءة الثانية، يَغُلَّأي: يكتم شيئًا مما آتاه الله. طالب: {يُغَلّ} بمعنى أنه إذا غنم شيئًا أن يغله أحد. الشيخ: هذا خلّصنا منه. الطالب: لا يا شيخ. الشيخ: {يُغَلّ}.
الطالب: إي {يُغَلّ}.
الشيخ: لكن: أَنْ يَغُلَّ. الطالب: أَنْ يَغُلَّمعناه؟ الشيخ: إي نعم؛ علمنا شيئًا من معناها لكن هل فيه معنى آخر؟ الطالب: غير جائز على النبي قدرًا. الشيخ: يعني ما يمكن أن يغل هو بنفسه أيضًا؟ طيب غِلّ النبي يكون في كتمان العلم، ويكون أيضًا في كتمان شيء من الغنيمة، كل هذا ممتنع. الشيخ: قوله: وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [آل عمران: ١٦١] في يَأْتِإشكال في ظاهر الأمر ما هو الإشكال؟ طالب: فعل مجزوم يا شيخ يقال: إنه حُرّك بالكسر، فكيف يكون مجزومًا؟ الشيخ: نعم، تمام. الطالب: وعلامة الجزم يعني تكون السكون، لكن في هذا الفعل علامة الجزم حذف حرف العلة وهو الياء. الشيخ: أحسنت، هذا نقول: إنه مجزوم بحذف حرف العلة وهي الياء والكسرة قبلها دليل عليها. يَوْمَ الْقِيَامَةِمتعلقة بغَل ولا بأيش؟ طالب: بـيَأْتِ. الشيخ: بـيَأْتِولا تصح أنها متعلقة بِغَل؟ الطالب: لا. الشيخ: لماذا؟ الطالب: لأنه بمعنى (يأتي). الشيخ: إي لماذا؟ الطالب: يعني لأن يصير الغل يوم القيامة. الشيخ: ويوم القيامة ليس فيه؟
الطالب: ليس فيه غلّ. الشيخ: ليس فيه غلول، فيه الجزاء والعقوبة. طالب: قلنا: إن معنى (...) ذكر المؤلف (...). الشيخ: إي الجلالين؟ الطالب: نعم. الشيخ: معناه الاعتماد على الشيء ما يكون إلا بعد الثقة به، المعنى واحد فسّرها باللازم. قال الله عز وجل: ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ [آل عمران: ١٦١] ثم: أي بعد أن يبعث الناس يوم القيامة ويأتي كل إنسان بما غَلّ: تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ، تُوَفَّىمن التوفية؛ يقال: وَفَّى حقَّه أي: أعطاه إياه. وقوله: كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْيشمل حتى الرسل، يشمل الرسل والمرسَل إليهم فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ [الأعراف: ٦] كلّ يُعطى ما كسب. وقوله: كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْيحتمل أن يكون المراد بالعموم هنا من كان مكلفًا؛ لأن غير المكلَّف لا يُعاقَب؛ لأنه مرفوع عنه القلم؛ وقد يقال: إنه يشمل حتى غير المكلف؛ لأن التوفية لا يلزم منها العقوبة، قد يُوفّى حقه بالأجر؛ ومعلوم أن غير المكلف يؤجر؛ فهو يُكتب له، ولا يُكتب عليه. وقوله: وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَالجملة حال، الجملة حال من قوله: كُلُّ نَفْسٍلأن كل نفس معناها العموم؛ وَهُمْأي الأنفس: لَا يُظْلَمُونَأي: لا يُنقصون من الحسنات ولا يزادوا في السيئات؛ لأن الظلم في الأصل هو النقص كما قال الله تعالى: كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا [الكهف: ٣٣] أي: لم تنقص؛ وهو يشمل -أعني الظلم- يشمل شيئين؛ الأول: الزيادة في السيئات؛ والثاني: النقص من الحسنات، وكلاهما ممتنع في حق الله عز وجل، كما قال تعالى: وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [فصلت: ٤٦] وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا [الكهف: ٤٩] وإنما انتفى الظلم عنه لكمال عدله لا لعجزه عن الظلم؛ هو قادر على أن يظلم عز وجل؛ ولكنه لكمال عدله لا يظلم. ولدينا قاعدة في العقيدة وهي: أن جميع الصفات التي نفاها الله عن نفسه لا يراد بها مجرد النفي، وإنما يراد بها إثبات كمال الضد؛ فمثلًا الظلم ما ضده؟ الطلبة: العدل. الشيخ: العدل؛ فإذا نفى الله عن نفسه الظلم فالمراد بذلك أنه لكمال عدله لا يظلم؛ وإنما قلنا ذلك؛ لأن النفي المحض لا يوجد في صفات الله أبدًا؛ إذ إن النفي المحض عدم محض، على اسمه نفي، والنفي لا يُثبت شيئًا فهو عدم محض، والعدم المحض ليس بشيء فضلًا عن أن يكون كمالًا؛ أفهمتم هذا يا جماعة؟ إذن كلما رأيتم شيئًا نفاه الله عن نفسه فاعلموا أنه ليس المراد نفي هذا الشيء فقط، بل المراد إثبات كمال ضده. وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ [ق: ٣٨] يعني من تعب، ما المراد؟ طلبة: إثبات كمال القوة. الشيخ: إثبات كمال القوة؛ يعني ما مسّنا من لغوب لكمال قوتنا، وهلم جرًّا. قال العلماء: النفي قد يكون للعجز عن الشيء؛ وقد يكون لعدم قابلية الشيء، للعجز أو لعدم القابلية؛ فإذا قلت: إن جدارنا لا يَظلم؟ طلبة: لعدم القابلية. الشيخ: هذا لعدم القابلية؛ لأن الجدار لا يقبل الظلم ولا العدل؛ أليس كذلك؟ وإذا قلنا عن رجل ضعيف؛ ضعيف يضربه الناس ولا يتكلم، يمكن لو ضربه واحد قال: جزاك الله خيرًا، ولا يستطيع أن يدافع عن نفسه؛ نقول: هذا الرجل لا يَظلم؟ طلبة: هذا عجز وكسل. الشيخ: ذم ولَّا مدح هذا؟ الطلبة: هذا ذم. الشيخ: هذا ذم؛ ولهذا يقول الشاعر في ذم قبيلة يقول:
قُبَيِّلَــــــــــــــــــــةٌ لَا يَغْـــــــــــــــــــدِرُونَ بِذِمَّــــــــــــــــةٍ
وَلَا يَظْلِمُونَ النَّاسَ حَبَّةَ خَرْدَلِ
اللي يقرأ البيت هذا يقول: ما شاء الله ها دولا ناس جيدين! لا يغدرون بذمة يعني يوفون العهد؛ ولا يظلمون الناس حبة خردل؛ يعني أنهم عاجزون، لا يقدرون أن يغدروا بالذمم؛ لأنهم يخافون أن يعاقبوا؛ ولا يظلمون الناس؛ لأنهم لا يستطيعون أن يظلموا الناس؛ واضح؟ ومن ذلك قول الشاعر:
لَكِــــــــــنَّ قَوْمِي وَإِنْ كَانُـــــــوا ذَوِي عـــدَدٍ
لَيْسُوا مِنَ الشَّرِّ فِي شَيْءٍ وَإِنْ هَانَا
يعني الشر بعيدين عنه ولو كان هينًا.
يَجْزُونَ مِنْ ظُلْمِ أَهْلِ الظُّلْمِ مَغْفِـــــــــــرَةً
وَمِنْ إِسَاءَةِ أَهْلِ السُّــــــــــوءِ إِحْسَانَا
كلام طيب، اللي يسمعه يقول: ها دولا طيبين؛ ليش؟ لأنه يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة، إذا ظلمهم أحد قالوا: غفر الله لنا ولك، أنت مسامِح؛ وإذا أساء إليهم أحد ذهبوا يمدونه بالهدايا، يجزون من الإساءة إحسانًا؛ عندما يسمع السامع هذا البيت يظن أنهم في قمة الأخلاق العالية، لكنه بالعكس؛ ولهذا قال:
فَلَيْـــــــــــتَ لِي بِهِـــــمُ قَوْمًا إذَا رَكِبُــــــــــــــــــوا
شَنُّــــــــــــوا الْإِغَــــــارَةَ فُرْسَــــــانًا وَرُكْبَـــــــانَا
فليت لي بهم: أي ليت لي بدلهم؛ إذن فهمنا الآن أن الكلام الأول مدح ولَّا ذم؟ الطلبة: ذم. الشيخ: أن الكلام الأول ذم؛ أما صفات الله عز وجل فإذا وجدت فيها النفي فهي مدح، إذا وجدت نفي الظلم فلكمال العدل، إذا وجدت نفي اللغوب فلكمال القوة، إذا وجدت نفي العيّ: وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ [الأحقاف: ٣٣] فلكمال القوة أيضًا، إذا وجدت نفي الغفلة: وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [آل عمران: ٩٩] فلكمال العلم والمراقبة، وهكذا. يقول الله عز وجل: إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [آل عمران: ١٦٠] أخذنا فوائدها. قال: وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ. يستفاد من هذه الآية الكريمة: أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا يجوز في حقهم كتمان ما أنزل الله عليهم؛ لقوله: أَنْ يَغُلَّوَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ. ويستفاد من هذا: أنه لا يجوز لأتباع النبيّ الغُلول: وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّإذن فأتباعه؟ طلبة: لا يغلون.
الشيخ: ليس لهم أن يغلوا؛ ولهذا كان الغلول من كبائر الذنوب، حتى إن العلماء يقولون وقد جاءت به السنة أيضًا: أن الغالّ يُحرق رحله إلا المصحف وما فيه روح والسلاح ؛ تحريق الرحل من أجل التنكيل به؛ وإلَّا فمن الممكن أن يقول قائل: لماذا تحرقون رحله؟ لماذا لا تتركونه في بيت المال، ينتفع المسلمون منه؟ لكن نقول: إن إحراقه خير من إدخاله بيت المال؛ ليش؟ لأجل التنكيل به، ليكون ردعًا له ولغيره عن أن يعودوا إلى الغلول. ومن فوائد هذه الآية الكريمة أيضًا: أن الأنبياء لا يغلّون شرعًا أو قدرًا؟ طالب: شرعًا الشيخ: شرعًا، وأن النبي لا يحل لأحد أن يغلّه، أن يغل من الغنيمة التي اكتسبها بحرب. ومن فوائد الآية الكريمة: أن الجزاء من جنس العمل؛ لقوله: وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِوهذا على سبيل العقوبة أو على سبيل الإكرام؟ على سبيل العقوبة؛ وبهذا نعرف ضعف قول من قال من السلف: غُلّ المصحف لتأتي به يوم القيامة؛ هذا خطأ، لأنه يأتي به يوم القيامة على سبيل العقوبة لا على سبيل الثواب؛ وربما يأتي به يوم القيامة لا على الوجه الذي غلّه في الدنيا. ومن فوائد هذه الآية: إثبات البعث؛ لقوله: يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. ومن فوائدها: إثبات قدرة الله عز وجل، وأنه سبحانه وتعالى قادر على أن يأتي الإنسان بما غل مع أنه قد فني وزال، وإذا كان طعامًا قد أُكل؛ ولكن الله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس: ٨٢]. ومن فوائد الآية الكريمة: جزاء كل نفس بما كسبت؛ لقوله: ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْلا زيادة ولا نقص؛ واستدل بعض العلماء بهذه الآية على أن إهداء ثواب القُرَب لا يجدي شيئًا؛ لأنه ليس من كسب الْمُهدَى إليه؛ مثاله: رجل صلّى ركعتين ينويها لفلان أو فلانة؛ يقول بعض العلماء: إنه يؤخذ من هذه الآية أن ذلك لا يجدي شيئًا، وأن ثوابه إما أن يكون يضيع وإما أن يكون للعامل؛ وذلك أن المهْدِي للقُرب ليس له ثواب إلا الإحسان إلى الغير فقط؛ أما ثواب العمل المخصوص المرتّب عليه فإنه إن قيل بصحة إهداء القرب يكون لمن؟ للمُهدَى له، وإن قلنا بعدم صحته فإنه يذهب هدرًا لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» وعلى هذا فيقولون: إن ما جاءت به السنة من العمل للغير مستثنى من هذا العموم، مثل قوله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ» وكذلك في الحج، وكذلك في الصدقة، كل هذا جاءت به السنة. ولكن الإمام أحمد رحمه الله يرى التعميم، أي يرى أن الإنسان إذا عمل عملًا نواه لشخص وهو أهل لأن يُثاب؛ ومن هو الأهل ليُثاب؟ طلبة: المسلم. الشيخ: المسلم، فإنه يصل إليه الثواب؛ واستدل بعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» والحقيقة أنك إذا تأملت الأدلة وجدت أن بعضها بينه وبين الأدلة الأخرى عموم وخصوص من وجه؛ فبعضها عام في أنه لا ينفع النفس إلا ما كسبت، وبعضها عام في أن الإنسان له ما نوى؛ والقاعدة فيما إذا تعارض نصان عامان أحدهما أعم من الآخر من وجه فإنه يُطلب المرجّح، انتبه هذه القاعدة؛ أنتم فاهمين هذا المعنى ولَّا لا؟ طالب: أعِدْ يا شيخ. الشيخ: أقول: إذا تعارض نصان عامان كل واحد أعم من آخر من وجه فإنه يُطلب المرجِّح؛ لأنه لا يمكن أن ترجح عموم أحدهما على الثاني؛ فهنا نسأل هل لعموم قوله: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» ما يرجّحه؟ نقول: نعم، ورد أن الصدقة تجزئ عن الميت، وأن الحج يجزئ عن الميت، وأن الصيام يجزئ عن الميت؛ إذن فعموم قوله: مَا كَسَبَتْخُصِّص بهذا بمقتضى السنة؛ والعام إذا خُصِّص ضعفت دلالته على العموم، حتى إن بعض العلماء قال: إن العام إذا خُصِّص سقطت دلالته على العموم؛ لأن تخصيصه يدل على أنه لا يراد به العام؛ لكن الصحيح أن العام إذا خُصّص؟ طلبة: يبقى.. الشيخ: بقي على عمومه في غير ما خُصِّص به؛ فالصحيح في هذه المسألة أننا نرجّح عموم قوله: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» . لكن بشرط أن يكون المنوي له العمل مسلمًا أهلًا لذلك؛ ولهذا لو أن شخصًا تصدق عن أبيه الذي مات وهو لا يصلي فإن الصدقة لا تصح لأبيه. هل يشمل قولنا: على الراجح أن جميع القرب يصح إهداؤها لمن هو أهل لذلك العمل؟ هل يشمل النبي صلى الله عليه وسلم؟ بمعنى: هل الإنسان إذا أرد أن يُهدي للرسول عليه الصلاة والسلام قُربة من الصلوات أو غيرها يقول: اللهم إن صلاتي هذه التي سأصلّيها ثوابها للرسول؛ أو هذه الدراهم التي أتصدق بها ثوابها للرسول؟ نقول: إن هذا فعله بعض العلماء؛ ولكن لم يفعله السلف الصالح؛ فالصحابة ما أهدوا للرسول صلى الله عليه وسلم شيئًا من القُرب، وكذلك التابعون وتابعوهم؛ وقد ذُكر أن أول ما حدث هذا الأمر في القرن الرابع، أي بعد القرون المفضّلة؛ وذلك لأن القرون المفضلة أعمق علمًا ممن بعدهم؛ يقول أهل القرون الأولى: إننا إذا عملنا أي عمل صالح فإن للنبي صلى الله عليه وسلم مثل ثوابنا؛ وإذا كان كذلك فلا حاجة أن أقول: اللهم اجعل ثوابه للرسول؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد استحق الثواب؛ لا أستفيد من قولي: اللهم اجعل ثوابه للرسول، أو: إني نويت ثوابه للرسول إلا أني حرمت نفسي الأجر فقط؛ أما الرسول صلوات الله وسلامه عليه فإن جميع ما نعمل من الخير يُكتب له مثله. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات نفي الظلم عن الله؛ لقوله: وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ. ويتفرع على هذا بناء على القاعدة التي ذكرناها في الصفات: إثبات كمال عدله سبحانه وتعالى.
تفسير الآية (١٦٢)
٠٠:٢٢:٥٥
ثم قال تعالى: أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ [آل عمران: ١٦٢] الهمزة هنا للاستفهام، وليها حرف عطف؛ وقد ذكرنا -فيما سبق- أنه إذا جاءت همزة الاستفهام وبعدها حرف عطف فإن لعلماء النحو في ذلك رأيين: الرأي الأول: أن الهمزة داخلة على جملة مقدّرة تناسب المقام؛ والفاء عاطفة على تلك الجملة. والرأي الثاني: أن الهمزة داخلة على الجملة الموجودة ولم يحذف شيء، ولكنها مقدَّمة عن موضعها؛ لأن لها الصدارة؛ وأن الفاء في مثل: أَفَمَنِ اتَّبَعَمحلها في الأصل قبل الهمزة، والتقدير: (فأمن اتبع)، ولكن لما كان الاستفهام له الصدارة قُدّمت على حرف العطف؛ وقلنا: إن هذا أسهل؛ ووجه سهولته أنه لا يحتاج إلى تكلف تقدير المحذوف؛ لأنه أحيانًا يصعب عليك أن تُقدّر المحذوف؛ وربما تقدر محذوفًا ويُقدّر غيرك غيره؛ إذن نعتمد أن الهمزة للاستفهام، وأن الفاء عاطفة على ما قبلها. أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ(من) هنا اسم استفهام أو اسم موصول؟ طالب: اسم موصول. الشيخ: التقدير (أفالذي اتبع)؛ إذن هي اسم موصول؛ لأن لا نجعل أداة الاستفهام داخلة على اسم الاستفهام أو على الجملة الاستفهامية. أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِأي: تتبعه، أي: تتبع ما يرضي الله عز وجل؛ فكل ما يرضي الله يقوم به: كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِيعني كالذي باء أي: رجع بَاءَبمعنى: رجع، أي: كالذي رجع بسخط من الله ضد الرضوان. من هو الذي يتعرّض للرضوان والذي يتعرض للسخط؟ المطِيع يتعرض للرضوان، والعاصي للسخط. كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُالواو يحتمل أن تكون للاستئناف، ويكون المراد بها الإخبار عن مآل هذا الذي باء بسخط من الله؛ ويحتمل أن تكون عاطفة على جملة صلة الموصول وهي: بَاءَأي: كمن باء وكمن مأواه جهنم.
وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُمأواه: أي: مرجعه الذي يأوي إليه إيواءً لا مغادرة بعده؛ وجَهَنَّمُاسم من أسماء النار أعاذنا الله وإياكم منها، وسُمّيت بهذا الاسم المشتق من الْجُهْمة، الْجُهْمة تتضمن السواد واللَّبس؛ لأن جهنم سوداء عميقة بعيدة العمق؛ وقيل: إن جهنم لفظ معرّب، معرب من (كهنّام)، وكهنّام أصلها النار؛ اسم النار، يعني يقال: نار كهنّام؛ ما أدري هذه لغة باكستانية ولَّا..؟ طالب: فارسية. الشيخ: فارسية إي نعم، ما عندنا فوارس؟ طالب: هذه ليست فارسية. الشيخ: ليست فارسية؛ على كل حال إحنا بلغنا أنها معرّبة من هذا؛ يعني أن أصلها في غير اللغة العربية (كهنّام)، ثم بالتعريب صار جهنم. وقوله: وَبِئْسَ الْمَصِيرُ(بئس) جملة إنشائية لإفادة الذم؛ و(نِعْمَ) جملة إنشائية لإنشاء المدح، و(بئس) و(نِعْمَ) يحتاجان إلى شيئين؛ إلى فاعل ومخصوص؛ كلما جاءتك (نِعْمَ) و(بئس) فإنها تحتاج إلى فاعل ومخصوص؛ فهنا الْمَصِيرُوَبِئْسَ الْمَصِيرُالمصير فاعل، والمخصوص؟ طلبة: محذوف. الشيخ: محذوف تقديره: وبئس المصير هي؛ أي: جهنم؛ أو: وبئس المصير مصيره؛ يعني يجوز هذا وهذا. في هذه الآية الكريمة من الفوائد: بيان أنه لا يستوي من يتّبع رضوان الله ممن يبوء بسخطه؛ لقوله: أَفَمَنِ اتَّبَعَكَمَنْ بَاءَوالاستفهام هنا لأي شيء؟ للنفي، الاستفهام للنفي. ومن فوائدها: إثبات وصف الله بالرضا؛ يعني إثبات أن الرضا صفة من صفات الله؛ لقوله: رِضْوَانَ اللَّهِ. ومن قاعدة أهل السنة والجماعة أن كل وصف وصف الله به نفسه فإنه يجب علينا أن نؤمن به، وأن نصف الله به، فنقول: إن لله رضوانًا وأنه يرضى. والرضا صفة فعل أو صفة لازمة ذاتية؟
طلبة: صفة فعل. الشيخ: صفة فعل؛ لأن الرضا له سبب، وكل صفة من صفات الله لها سبب فإنها من الصفات الفعليّة؛ عرفتم؟ أنكر بعض الناس الصفات الفعلية لله، أنكروها متعلّلين بعلّتين:
العلّة الأولى: أن صفات الأفعال حادثة، والحوادث لا تقوم إلا بحادث؛ لأن حدوث الصفة يدل على حدوث الموصوف، فالحوادث لا تقوم إلا بحادث. العلة الثانية: قالوا: إن كانت هذه الصفة كمالًا لزم أن يكون متصفًا بها دوامًا؛ وإن كانت نقصًا لزم أن يمتنع من الاتصاف بها دائمًا؛ واضح التعليل الثاني؟ طلبة: ما هو واضح. الشيخ: غير واضح؛ يقولون: إن الصفات الفعلية التي تحدث بعد أن لم تكن موجودة إن كانت كمالًا لزم أن يتصف بها دوامًا ما تتعلق بالمشيئة؛ وإن كانت نقصًا لزم أن يمتنع منها دوامًا؛ ألا يتصف بها دوامًا، صح ولَّا لا؟ الطلبة: صح. الشيخ: لأن النقص لا يمكن أن يتصف الله به. أما الأول؛ العلة الأولى فنقول: إن قولكم: إن الحوادث لا تقوم إلا بحادث. غير صحيح؛ لأن الحوادث فعل الفاعل، والفعل عقلًا يتأخر عن.. عن أيش؟ عن الفاعل لا شك؛ لأن الفعل يكون بإرادة الفاعل وقدرته، وهو متأخر عن وجوده؛ فالفاعل سابق للمفعول وسابق للفعل أيضًا، فكيف نقول: إن الحادث لا يقوم إلا بحادث؟ يجوز أن يكون أزليًّا، ثم حدث منه الفعل، كما أننا نحن الآن نُولد وتحدث أفعالنا متى؟ بعد ولادتنا. هذه واحدة. الثاني، التعليل الثاني ما هو؟ طلبة: الصفة (...). الشيخ: أنها إن كانت هذه الصفة كمالًا. طلبة: وجب أن يتصف بها دوامًا. الشيخ: إن كانت كمالًا وجب أن يتصف بها دوامًا، وإن كانت نقصًا لزم أن لا يتصف بها دوامًا؛ فنقول في الجواب على هذا: هي كمالٌ حال فعلها، حال فعلها كمال لا شك، وحال عدمها ليست كمالًا، الكمال في عدمها، واضح يا جماعة؟
الرضا، خذ الرضا الآن، الرضا على من يستحق الرضا أيش؟ كمال، ولا يستحق الرضا إلا بعد فعل ما يوجبه؛ الرضا لمن لا يستحق؟ الطلبة: نقص. الشيخ: نقص؛ لأنه يُنافي الحكمة؛ فإذن إذا اتصف الله بالرضا فإنه اتصف به في الحال التي يكون بها كمالًا. الرضا يُفسّره الذين يقتصرون على إثبات سبع صفات بأنه الثواب أو إرادة الثواب؛ والصحيح أن الرضا صفة نفسيّة يتصف الله بها عز وجل وليست الثواب؛ لأن الإثابة خلق ما يثاب به، خلق ما يُثاب به غير الرضا؛ وهي -أي الإثابة- من مقتضيات الرضا وآثاره، وليست هي الرضا بلا شك؛ أنت الآن إذا رضيت عن شخص بعد أن ترضى عنه تُثيبه بما ترى أنه ثواب له؛ أليس كذلك؟ الطلبة: بلى. الشيخ: إذا كان هكذا فإنه لا يصح أن نفسّر الملزوم باللازم؛ لأنهما شيئان متباينان؛ فحينئذٍ يتبين أن الصواب ما ذهب إليه أهل السنة والجماعة جعلني الله وإياكم منهم. ما هو؟ أن نصف الله بما وصف به نفسه ولا نغيّر؛ رضوان الله نعم، الله يرضى وما المانع؟! وليس فيه أي محذور ولا نقص. طالب: التقدير في قوله: أَفَمَنِعلى قول البصريين على المذهب الثاني. الشيخ: الثاني؟ أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِيعني التقدير: أتسوون بين طالب الرضا والمتعرّض للسخط، فمن اتبع رضوان الله كمن باء بسخط منه؛ ولهذا الواقع أن القول الثاني أسهل بكثير، أحيانًا يتحيّر الإنسان ما يعرف كيف يقدر. طالب: أَفَمَنِعلى القول أنها تكون عاطفة على ما قبلها، الجملة التي قبلها أحيانًا أيضًا ما تجد رابطًا بين المعطوف والمعطوف عليه، ما تكون سهلة؟ الشيخ: تكون للاستئناف؛ لأن الفاء تأتي للاستئناف. طالب: شيخ، أحسن الله إليك، ذكرنا أن نفي الصفات نفي صفات (...) للكمال الكلي. الشيخ: أيش؟ الطالب: نفي صفة، نفي بعض الصفات يقتضي ثبوت كمال ضده. الشيخ: أيش، يقتضي، كمال؟ الطالب: ثبوت الضد. الشيخ: كمال أيش؟ طالب: إثبات كمال الضد. الشيخ: إي نعم، نعم. الطالب: شيخ، هل يقال بالعكس: إن إثبات صفات النفي يكون نفي للـ..؟ الشيخ: لا؛ لكن يكون متصفًا بهذا، مثلًا لو قلت: فلان شجاع؛ هل معناه أنه ينتفي عنه البخل، أو ينتفي عنه الجبن؟
الطالب: الجبن. الشيخ: نعم، ينتفي عنه الجبن؛ فهذه ربما نقول، لكن ما أستطيع الآن أن أجزم بأنها قاعدة مطّردة؛ أن إثبات صفات الكمال نفي لضدها؛ لكنها بالنسبة لصفات الله لا شك أنها نفي لضدها. طالب: شيخ، قلنا: عموم قول الله سبحانه وتعالى: ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْخُصّص بالصدقة وبالصيام. الشيخ: عن الغير. الطالب: رجّحنا: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» على هذا العموم؛ وهنا لماذا لم نقل: إن هذا العموم مخصص بهذه الأشياء فلا نقيس عليها أشياء أخرى غير الصدقة مثل الصلاة؟ الشيخ: لأنه لما خرج من عمومه ما خرج ضعف العموم، حتى إني قلت لكم: بعض العلماء يقول: إنه إذا خرج منهم شيء من عمومه سقط عمومه أصلًا. الطالب: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ» ، و«مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» هذه الأعمال يعني قد يقول قائل: ما كانت على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولا على عهد السلف ولا على عهد..؟ الشيخ: نعم؛ لأنهم ما تعرّضوا لها، لكن تعرضوا لمثلها وأجازه الرسول. طالب: الثواب لأبي بكر يجوز. الشيخ: الصواب أنه يجوز، لكنه خلاف الأولى.
طالب: الصحابة رضي الله عنهم أبو بكر وعمر يجوز نهب لهم شيئًا؟ الشيخ: يجوز، لكنه خلاف الأولى حتى لوالديك؛ الأولى أن لا تهب لهم شيئًا.
طالب: هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (١٦٣) لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [آل عمران: ١٦٣ - ١٦٤]. الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله عز وجل: أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُالاستفهام هنا؟ طالب: للنفي. الشيخ: للنفي، يعني ليس هذا كهذا. و(مَنْ) في قوله: أَفَمَنِ اتَّبَعَ؟
طالب: موصولة. الشيخ: موصولة بمعنى (الذي). وبماذا يكون اتباع رضوان الله؟ طالب: بطاعته. الشيخ: بطاعة الله واجتناب معاصيه. كَمَنْ بَاءَمن؟ طالب: اسم موصول. الشيخ: اسم موصول يعني كالذي. الطالب: باء بسخط. الشيخ: باء بسخط. ما معنى: بَاءَ؟
طالب: رجع. الشيخ: رجع، كمن رجع بسخط من الله واكتسبه. قوله: وَبِئْسَ الْمَصِيرُيقولون: إن هذه الجملة إنشائية فعلها جامد لإنشاء الذم، وتحتاج إلى فاعل، إلى أيش؟ طالب: تحتاج إلى فاعل؟ الشيخ: بئس تحتاج إلى فاعل وأيش؟ الطالب: ومخصوص. الشيخ: ومخصوص؛ أين الفاعل؟ الطالب: الْمَصِيرُ. الشيخ: الْمَصِيرُ. الطالب: بئس هو.
الشيخ: الفاعل مستتر يعني؟ التقدير: بئس هو؟ طالب: شيخ، ضمير بعد.. الشيخ: بِئْسَ الْمَصِيرُ. الطالب: مصيرك نعم هي، أو بئس المصير مصيرك، شيء واحد. الشيخ: لا؛ ما نريد المخصوص، إنا نريد الفاعل. طالب: موجود.
الشيخ: إي موجود، الفاعل هو المصير، والمخصوص محذوف التقدير: بئس المصير مصيره، أو بئس المصير هي؛ أي: النار. في هذه الآية الكريمة: الحثّ على اتباع رضوان الله؛ لأن هذا الاستفهام لنفي المساواة بين من اتبع رضوان الله ومن اتبع سخطه. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الرضا لله، وأن الله موصوف بالرضا؛ والرضا صفة من صفات الله الحقيقية، وهي من صفات الأفعال؛ أليس كذلك؟ وقد علمتم أن من أهل البدع من أنكر صفات الأفعال متعلّلًا بعلّتين معلولتين هما؟ طالب: بأنها حادثة لا تقوم إلا بحادث.. طالب آخر: قالوا: إنها لو كانت كمالًا لاتصف الله بها على الدوام، وإن كانت نقصًا فهذا مُحال، فلا يوصف الله سبحانه وتعالى بما كان فيه نقص.
الشيخ: لا، وإن كانت نقصًا لم يتصف الله بها. قالوا: إن كان الرضا كمالًا وجب أن يكون موصوفًا به أزلًا وأبدًا، وإن كان نقصًا وجب أن لا يتصف به، امتنع أن يتصف به أزلًا وأبدًا؛ لأنه إذا كان نقص كيف يتصف الله به؟ إن كان كمالًا يلزم أن يكون الله متصفًا به دائمًا. ما هو الجواب عن الشبهة الأولى؟ طالب: الشبهة الأولى أقول: يعني ردًّا عليهم أن الفعل لا يأتي إلا بعد الفاعل؛ يعني مثل الفعل يأتي بعد الفاعل، يعني الفعل يحدث من الفاعل. طالب آخر: نقول: إن هذا قاعدتهم خطأ. الشيخ: قاعدتهم خطأ. الطالب: يعني الفاعل.. الشيخ: يعني لا يلزم من حدوث الصفة حدوث الموصوف؛ كذا؟ لأن الصفة ما تكون إلا بعد وجود الموصوف، الفعل لا يكون إلا بعد وجود الفاعل، وهذا نحن نفعل أفعالًا حادثة مع أنا سابقون عليها. جواب الشبهة الثانية؟
طالب: أنها كمال، أن الرضا كمال في حين فعلها. الشيخ: نعم، يكون كمالًا حين يوجد سببه فيرضى؛ ويكون نقصًا إذا لم يوجد سببه، لو أن الله رضي عن الكافرين لكان هذا ينافي الحكمة، تمام. من فوائد الآية الكريمة: إثبات السخط لله؛ لقوله: كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِوالسخط والغضب معناهما متقارب؛ وأهل السنة يقولون: إن السخط صفة حقيقية ثابتة لله، وأهل البدع يقولون: لا، لا يمكن أن يسخط الله عز وجل، بل المراد بالسخط: الانتقام أو إرادة الانتقام؛ معنى سخط الله يعني ليس وصفًا في نفسه، بل معناه انتقم وعاقَب المسخوط عليه؛ أو أيش؟ أراد أن ينتقم منه؛ وهذا بناء على أن صفات الأفعال لا تقوم بالله كما سبق، التعليل هو ما سبق. ونحن نقول: إن الانتقام من آثار السخط، وإرادة الانتقام أيضًا من آثار السخط، والدليل على هذا قوله تعالى: فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ [الزخرف: ٥٥] آسفونا بمعنى (أغضبونا)، انتقمنا منهم؛ فجعل الانتقام بعد وجود الغضب. واضح؟ وهذا يدل على أن هذا ليس هو هذا. من فوائد الآية الكريمة: التحذير من التعرّض لسخط الله؛ لقوله: كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ. ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات النار؛ لقوله: وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُوهي ثابتة، الآن موجودة ولا تفنى أبدًا؛ لأن الله ذكر التأبيد في ثلاثة مواضع من كلامه؛ في سورة النساء، وفي سورة الأحزاب، وفي سورة الجن؛ فقال في سورة النساء: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا [النساء: ١٦٨، ١٦٩]، وقال في سورة الأحزاب: إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا [الأحزاب: ٦٤، ٦٥]، وقال في سورة الجن: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا [الجن: ٢٣]. ولا قول بعد قول الله عز وجل؛ لأن قوله أصدق الكلام وأبين الكلام وهو الخالق عز وجل. من فوائد الآية الكريمة: ذمّ النار والثناء عليها بالقدح؛ من أين تؤخذ؟ طلبة: وَبِئْسَ الْمَصِيرُ. الشيخ: من قوله: وَبِئْسَ الْمَصِيرُ. ومن فوائدها: التنبّه لأمر يتكلم فيه الناس كثيرًا الآن؛ يقولون: إذا مات الرجل: إنه رجع إلى مثواه الأخير؛ وهذا لو أخذنا بظاهره لكان يتضمّن إنكار البعث، مع أن القبر ليس المثوى الأخير؛ ما هو المثوى الأخير؟ الطلبة: الآخرة. الشيخ: الآخرة، الجنة أو النار؛ القبر مزار؛ سمع أعرابي رجلًا يقرأ قول الله تعالى: أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ [التكاثر: ١، ٢] فقال: والله إن الزائر ليس بمقيم ؛ شوف إن الزائر ليس بمقيم، من أين فهم هذا؟ من: زُرْتُمُ. وهذا فهم فطري ما يحتاج إلى دراسة، لكن الأعراب عندهم ذكاء، بعضهم عنده ذكاء، عندهم ذكاء عظيم؛ وهذا كالذي سمع قارئًا يقرأ: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالًا من الله والله غفور رحيم) قال الأعرابي: اقرأ الآية صوابًا. فقال: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالًا من الله والله غفور رحيم)؛ قال: اقرأها، اقرأها صوابًا ما هو هكذا؛ فقال: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [المائدة: ٣٨] قال: الآن، عزّ وحكَم فقطَع، ولو غفر ورحم ما قطع ؛ ولهذا قال في الذين يحاربون الله ورسوله قال فيهم: إنما جزاؤهم أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [المائدة: ٣٣، ٣٤]. قال العلماء: في هذا دليل على أنهم إذا تابوا قبل القُدرة عليهم خُلّي سبيلهم؛ لأن الله قد غفر لهم ورحمهم؛ فمن أين أخذوا أن الله غفر لهم ورحمهم؟ من ختم الآية: فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌلأن مقتضى علمنا بهذا أن نفهم أن الله غفر لهم ورحمهم.
تفسير الآية (١٦٣)
٠٠:٤٩:٣٢
ثم قال الله عز وجل: هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَهُمْ: من؟ يعود الضمير على من اتبع رضوان الله وعلى من باء بسخط من الله؛ ولكن هنا يشكل علينا أنه أعاد الضمير بصيغة الجمع (هم) مع أن (مَن) وصلتها بصيغة الإفراد، أَفَمَنِ اتَّبَعَكَمَنْ بَاءَ؛ والجواب عن ذلك سهل: لأن اسم الموصول يفيد العموم، فيجوز أن يعود الضمير إليه باعتبار لفظه، ويجوز أن يعود إليه باعتبار معناه؛ ألم تسمع إلى قول الله تعالى: وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ [الزمر: ٣٣] ما قال: أولئك هو المتقي، بل قال: هُمُ الْمُتَّقُونَفأعاد الضمير على معنى اسم الموصول وهو الجمع؛ قال: هُمُأي: الذين اتبعوا رضوان الله والذين باؤوا بسخط من الله: هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِدرجات: منازل، منازل عند الله، يختلفون؛ فكل من كان أتبع لرضا الله كان أرفع عند الله، وكلما كان أبعد من الله كان أنزل؛ فهم درجات: هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِأي: في المراتب؛ فما ميزان هذه الدرجات؟ أشرنا إليها، كل من كان أتبع لرضوان الله كان أرفع درجات عند الله، والعكس بالعكس. وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَبَصِيرٌاسم فاعل يجوز أن يكون من الإبصار بالعين، ويجوز أن يكون من الإبصار بالعلم؛ فيكون بصير بمعنى (عليم)، أو بصير بمعنى (رائي)؛ وهل لله بصر؟ الطلبة: نعم. الشيخ: نعم، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «حِجَابُهُ النُّورُ، لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ» . وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَبِمَا يَعْمَلُونَأي: بالذي يعملونه من ظاهر وباطن وخير وشر. من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الناس عند الله منازل مختلفة. ويتفرع على هذه الفائدة: أن الإيمان يزيد وينقص؛ لأن زيادة الدرجات بعد زيادة الإيمان باليقين والعمل الصالح؛ زيادة الإيمان هل هي زيادة اليقين، أو زيادة الأقوال، أو زيادة الأفعال، أو الجميع؟ طلبة: الجميع. الشيخ: نعم، الجميع؛ فاليقين يتفاضل لا شك؛ والأقوال تتفاضل، ليس من قال: لا إله إلا الله عشرًا كمن قالها عشرين مثلًا. الأفعال كذلك تتفاضل، ليس من صلّى ستّ ركعات كمن صلّى عشر ركعات؛ أليس كذلك؟ وهذا هو ما جرى عليه أهل السنة والجماعة أن الإيمان يزيد وينقص؛ يزيد باليقين والقول والفعل؛ كيف يزيد اليقين هل اليقين يتفاضل؟ نعم، يتفاضل بنص القرآن، قال إبراهيم عليه الصلاة والسلام لله: رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي [البقرة: ٢٦٠] هذا دليل من القرآن؛ دليل من الواقع أن الإنسان كلما كثر المخبرون بالخبر ازداد يقينًا، وإذا شاهد ازداد أكثر؛ ولهذا جاء في الحديث: «لَيْسَ الْخَبَرُ كَالْمُعَايَنَةِ» أما زيادة الأقوال والأفعال هذا شيء واضح ولا إشكال فيه. من فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات العلو لله عز وجل، إثبات العلو؛ لقوله: عِنْدَ اللَّهِوالعندية تعني عنديّة المكان؛ وإذا كانوا درجات فالدرجات ترتفع شيئًا فشيئًا؛ فيؤخذ منها إثبات علو الله؛ وهذا أمر متفق عليه ومُجمع عليه بين السلف، وقد دلّت عليه الأدلة الخمسة كلها: الكتاب، والسنة، والإجماع، والعقل، والخامس: الفطرة؛ يعني علوّ الله عز وجل دل عليه هذه الأدلة الخمسة: الكتاب والسنة.. الطلبة: والإجماع.
الشيخ: والإجماع.. الطلبة: والعقل. الشيخ: والعقل..
الطلبة: والفطرة. الشيخ: والفطرة؛ الكتاب والسنة مملوءان من ذلك؛ والإجماع يقول شيخ الإسلام: والله يعلم أني بعد البحث التام ومطالعة ما أمكن من كلام السلف ما رأيت أحدًا منهم قال إن الله ليس في السماء. وأما العقل فقد دل على علوّ الله؛ كيف؟ كيف دل؟ طالب: يعني كمال.. أن العلو صفة، والله عز وجل قد ثبت أنه لم (...) الثاني.. الشيخ: أن السفل.. الطالب: أن السفل صفة نقص.. الشيخ: والله.. الطالب: والله ما صف بالنقص. الشيخ: تمام، العقل يدل على ذلك، لا شك أن العلو علو المكان كعلو المكانة، أي أنه كمال ولَّا نقص؟ الطلبة: كمال.
الشيخ: كمال؛ وإذا كان كذلك فللّه كل صفة كمال، أما الفطرة فلا تسأل، كل إنسان لم يقرأ كتب أهل البدع أين يتّجه قلبه إذا ذكر الله؟ الطلبة: إلى السماء. طالب: إلى العلو. الشيخ: إلى العلو؛ ولهذا يقال: إن أبا المعالي الجويني كان يُقرر في العلوّ ويقول: إن الله تعالى كان ولم يكن شيء قبله، وهو الآن على ما كان عليه؛ هذا الكلام ما يفهمه الإنسان؛ كان الله ولم يكن شيء قبله وهو الآن على ما كان عليه؛ ما يفهمه الإنسان، لكنه يريد أن ينكر استواء الله على العرش؛ فقال له الهمداني رحمه الله: يا شيخ، دعنا من ذكر العرش، أخبرِنا عن هذه الضرورة التي يجدها الإنسان، ما قال عارف قطّ: يا الله إلا وجد من قلبه ضرورة بطلب العلو. صح ولَّا لا؟ أنت لو ما درست شيئًا أبدًا تقول: يا الله وين يروح قلبك؟ فوق؛ فجعل يضرب على رأسه ويقول: حيّرني الهمداني، حيرني؛ ما له جواب؛ واضح؟ إذن نقول: علو الله ثابت بالأدلة الخمسة، الكتاب، والسنة، والإجماع، والعقل، والفطرة، وكما رأيتم ابن القيم رحمه الله يكرر هذا المعنى في النونية تكرارًا كثيرًا؛ لأنه من أعلى صفات الكمال. من فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات إحاطة الله عز وجل بما نعمل؛ لقوله: وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَويترتّب على هذا الأدب السلوكي، وهو أن نحذر من مخالفته؛ لأننا إذا كنا نعلم أنه بصير بما نعمل فسوف نتجنّب كل ما يسخطه جل وعلا، ونأتي بكل ما يرضيه، لا سيما وأن الآية جاءت بعد قوله: أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ.
تفسير الآية (١٦٤)
٠٠:٥٩:١١
ثم قال الله تعالى: لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَلَقَدْ: كلما وجدت في القرآن (لقد) فإنها جملة مؤكدة، بكم مؤكد؟ الطلبة: بثلاثة. الشيخ: بثلاثة مؤكدات، كلما جاءت (لقد) في القرآن فإنها جملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات وهي: القسم المقدّر، واللام، وقد؛ إذ تقدير الكلام: والله لقد مَنّ الله. فإذا قائل: ما الداعي للقسم مع كون الأمر ظاهرًا؟ لأن القسم إنما يقال للشاكّ أو المنكِر، للشاكّ المتردّد تحلف له، أو المنكر تحلف له أيضًا؛ فلماذا أقسم الله في هذه الآية على أنه مانّ على المؤمنين ببعث محمد صلى الله عليه وسلم؟ ولو قال: لقد مَنّ الله على الناس؛ لكن قال: عَلَى الْمُؤْمِنِينَالذين يعرفون أن ذلك مِنّة؟ نقول: إن الداعي للقسم ليس هو الإنكار أو الشك من المخاطَب بل قد يكون الداعي للقسم أهمية المقسم عليه، وإن لم يكن هناك شك؛ هذه الآية من هذا النوع، يعني المقصود بذلك بيان أهمية هذه المنّة العظيمة التي لا يعادلها شيء. طالب: أقول: عندما جاء عن الضمير في أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍمعلوم أن المرتبة بسخط.. الشيخ: أن أيش؟ الطالب: معلوم أن المرتبة في سخط الله النار أنها دركات رجعنا إلى (...). الشيخ: أسمعتم الإشكال؟ يقول: النار دركات والجنة درجات؟ نقول: الدرجات إذا جاءت عامة دخل هذا وهذا؛ يعني صلحت لهذا وهذا، قال الله تعالى: وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا [الأنعام: ١٣٢] أما إذا خُصّت بأهل النار فإنه يقال: دركات، كما قال تعالى: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ [النساء: ١٤٥]. طالب: شيخ، يعني من قال: إن الصفات الفعلية أن الله عز وجل لا يتصف بها صفة كمال. الشيخ: ارفع صوتك. الطالب: إن الله عز وجل لا يتصف بها صفة كمال؛ الصفات الفعلية؟ الشيخ: نعم، نقول لمن قال ذلك: إنك أنت لست بكامل وأنت بليد؛ إذا فعلها الله عز وجل فلا شك أن الكمال في فعلها، كل الصفات كمال؛ إذا أنجى الله المؤمنين وأثابهم هذه صفة فعلية، هل هي كمال ولَّا نقص؟ كمال؛ الله عز وجل مستغنٍ عن جميع الخلق، لكنه يُظهر من كماله لهم ما يتبين به كماله؛ فنحن نعلم أن من أثاب الطائعين فهو كمال، ومن عاقب المجرمين فهو كمال؛ ولهذا قال: يَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ [الأنفال: ٣٠]. طالب: قد يقول يا شيخ: إنه قبل ذلك يعني ما كان في نفسه ما اتصف.. الشيخ: لا لا، أبدًا؛ نقول: هو قبل وجودها كمال وبعد وجودها كمال؛ لأنه لما اقتضت الحكمة وجودها فوُجدت صارت كمالًا، ولما اقتضت الحكمة عدمها وعُدمت صارت كمالًا. طالب: شيخ، بارك الله فيك، قول الله سبحانه وتعالى مع (...) في سورة النحل: أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٤٥) أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٤٦) أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ [النحل: ٤٥ - ٤٧] فقول الله سبحانه وتعالى: فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌفي سياق هذه الآيات التي هي يعني تتضمن شدة العذاب لهؤلاء ما توجيهكم يعني توجيه الآيات؟
الشيخ: الله عز وجل قال: فَإِنَّ رَبَّكُمْيخاطب المؤمنين: لَرَءُوفٌ رَحِيمٌفمن رحمته ورأفته بالمؤمنين أن يهلك أعداءهم؛ لأن هلاك أعدائهم لا شك أنه رأفة ورحمة بهم. طالب: قلنا: إن النار مؤبّدة، معلوم أن من كل ألف يدخل النار تسع مئة وتسعة وتسعون رجلًا والجنة يدخلها واحد، وأن الجنة محض فضل. الشيخ: أيش؟ الطالب: محض فضل بخلاف النار، ما يخالف هذا قول الله في الحديث القدسي: «سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي» كيف يا شيخ ما يكون له وجه لمن قالوا بفناء النار؟ الشيخ: شوف بارك الله فيك، إذا جاءك النص محكمًا فاحمل عليه جميع النصوص المتشابهة، مع أن الذي أوردت ليس متشابهًا في الواقع واضح؛ لأن هؤلاء الذين استحقوا الخلود ليسوا أهلًا للرحمة إطلاقًا، حتى تكون الرحمة سبقت الغضب؛ هم محل غضب الله ولعنته؛ عرفت؟ فلو كان اللي فيه سبق الغضب، سبق الرحمة؛ الغضب مثل الإنسان عنده حسنات وسيئات، فالحسنات قد تُذهب السيئات، والحسنات بعشر أمثالها، والسيئة بواحدة، هذه من سبق الرحمة للغضب؛ أما هؤلاء فليسوا أهلًا للرحمة إطلاقًا. طالب: شيخ، عملهم يكافئ العذاب؟ الشيخ: نعم؟ الطالب: عملهم يكافئ عذابهم؟ الشيخ: إي نعم؛ لأنهم أفنوا حياتهم كلها في معصية الله، الحياة الدنيا. الطالب: الحياة فانية بخلاف النار. الشيخ: خليك معي، أفنوا حياتهم كلها بسخط الله، فإذا أفنوا حياتهم كلها بسخط الله، صارت حياتهم الآخرة كلها بعقوبة الله، وهم يعلمون هذا، هم يقرؤون كلام الله، فلماذا لم ينقذوا أنفسهم؟ جَزَاءً وِفَاقًا [النبأ: ٢٦] لا شك؛ يعني كما أمضوا الحياة الدنيا كلها بمعصية الله مع أنه جاءهم النذير، وجاءهم الآيات، وأُخبروا، ولم ينقذوا أنفسهم، كان مقتضى العدل أن تكون حياتهم الآخرة كلها عقابًا. طالب: يا شيخ، حديث الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «حِجَابُهُ النُّورُ..».. الشيخ: «لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ» الطالب: هل نفهم من هذا الحديث أن نظر الله سبحانه وتعالى محدود حيث إنه يقول: «مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ» بأنه ينتهي؟ الشيخ: ويش تقولون بهذا؟ أخونا يقول: «مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ» هل يفيد أن نظر الله محدود؟ الطلبة: لا. الشيخ: يفيد أن الخلق محدود، وليس هذا منتهى البصر؛ لأنه قال: «مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ». وخلقه كل الذي خلقه ينتهي إليهم بصره؛ فالحد هنا في المرئي وليس في الرؤية. طالب: شيخ، بالنسبة لقوله تعالى: وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ [الزمر: ٣٣] جاء في رواية ثانية؛ في قراءة صحيحة قال: (والَّذِينَ جَاؤُوا بِالصِّدْقِ). الشيخ: أيش؟ الطالب: (الَّذِينَ جَاؤُوا بِالصِّدْقِ وَصَدَّقُوا بِهِ).
طالب: لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو(...) مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [آل عمران: ١٦٤، ١٦٥]. الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. أظن ذكرنا لكم فيما سبق ضوابط عامة في القراءات؟ تذكرون هذا؟ ذكرنا ضوابط عامة في القراءات، ولكن أكثركم لم يدركها، نقرؤها الآن. قراءة ضوابط عامة تقول: هذه ضوابط في القراءات عامة في جميع القرآن: ضمير (هو) و(هي)، الأول بضم الهاء والثاني بكسرها عند جمهور القراء مطلقًا؛ تقول: (هو) و(هي)؛ وسكّن الهاء فيهما الكسائي وقالون وأبو عمرو بعد الواو والفاء واللام، سكّن الهاء بعد الفاء والواو واللام، مثل: (فَهْوَ، فَهْيَ، وَهْو، لَهْي، لَهْوَ). يعني كلما جاءت في القرآن فلك أن تسكّنها ولك أن تضمها؛ وسكّنها الكسائي وقالون أيضًا في قوله تعالى: ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ [القصص: ٦١] في هذا الموضع فقط؛ لأن هذه وقعت بعد ثم: ثُمَّ هُوَلكن سكّنها الكسائي فقال: {ثُمَّ هْوَ} بس في هذا الموضع؛ هذا واحد. ثانيًا: ضمير (عليهم، وإليهم، ولديهم) مكسور الهاء، (عليهِم، إليهِم، لديهِم) مكسور الهاء؛ وقرأه حمزة بضم الهاء في كل القرآن تقول: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهُمْ} وتقول: (إليهُم)؛ وتقول: (لديهُم). ثالثًا: ميم الجمع في مثل عليهم ساكن إذا وقع بعده متحرك غير ضمير؛ ميم الجمع في مثل عليهم ساكن إذا وقع بعده متحرك غير ضمير؛ وضمه موصولًا ابن كثير فيقرأ: {عَلَيْهِمُ غَيْرِ} {عَلَيْهِمُ غَيْرِ} إذا كان موصولًا غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ [الفاتحة: ٧]. وضمه موصولًا ورش إن وقع بعده همزة قطع فيقرأ: {عَلَيْهِمُ أَأَنْذَرْتَهُمْ} أما: عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِفلا يقرأ؛ فإن وقع بعده ساكن فهو مضموم بدون وصل عند جميع القراء مثل: آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ [البقرة: ١٢١]، وإن وقع بعده ضمير ضُمّ موصولًا للجميع مثل: أَنُلْزِمُكُمُوهَا [هود: ٢٨] لا يصح أن تقول: أنلزمْكمها بل لا بد من الواو؛ ويستثنى من ذلك ميم الجمع إذا وقع بعد هاء قبلها كسرة أو ياء وبعده ساكن، ففيه حال الوصول ثلاث قراءات: ضم الهاء والميم وهي لحمزة وكسائي؛ وكسرهما وهي لأبي عمرو؛ وكسر الهاء وضم الميم وهي للباقين؛ وأما حال الوقف فكلهم كسروا الهاء وسكّنوا الميم مثل: بهِمُ الْأَسْبَابُ [البقرة: ١٦٦] يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ [البقرة: ١٦٧] يقول: (بهِمْ، بِهُمْ، بِهُمُ). رابعًا: إذا لم يقع بعد هاء الضمير ساكن، وكان ما قبله متحركًا فهو موصول عند جميع القرّاء مثل: أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ [عبس: ٢١]، وإن وقع بعده ساكن فهو غير موصول عند الجميع مثل: يَعْلَمْهُ اللَّهُ [البقرة: ١٩٧] وإن كان ما قبله ساكنًا فهو موصول عند ابن كثير وحده مثل: اجْتَبَاهُ، عَقَلُوهُ، عَلَيْهُ، ووافقه حفص في آية واحدة وهي قوله تعالى: فِيهِ مُهَانًا [الفرقان: ٦٩] هذه قواعد عامة يحسن أنها تكتب. الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْإلى آخره، سبق الكلام على أول هذه الآية وعلى الآيات التي سبقتها. يقول: لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًاهذه الجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات، وأوردنا عليها سؤالًا: وهي لماذا تؤكد مع ظهورها؟ طالب: لبيان أهمية..، بيان أهمية الشيء. الشيخ: أنت قفزت! طالب: لبيان أهمية المقسم عليه أو المؤكد الشيء المؤكد وهو بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم. الشيخ: تمام، ومن ذلك قوله تعالى: ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ [المؤمنون: ١٥] فأكد مع أن الموت محقّق؛ لكن قالوا: لما كان بعض الناس غافلًا كأنه لن يموت أُكّد. لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَعلى المؤمنين خاصة دون غيرهم؛ لأن الكفار لم يعرفوا هذه المنّة ولم يرفعوا بها رأسًا، ولم يروا في مخالفتها بأسًا، فتركوها وأعرضوا عنها وحرموا خيرها؛ أما المؤمنون فهم الذين تبيّنت لهم هذه المنّة واستمسكوا بها. وقوله: إِذْ بَعَثَهذه إما أن تكون ظرفًا لـمَنَّ، وإما أن تكون للتعليل أي: لأنه بعث؛ وكلاهما لا يتنافيان؛ فهي بيان لمحل المنّة وهي البعثة، وهي كذلك أيضًا تعليل للمِنّة. وقوله: بَعَثَأصل البعث الإنشاء، وسُمّيت الرسالة بعثًا؛ لأنها إخراج للناس من حال إلى حال؛ فكأنهم بُعثوا خلقًا جديدًا، وأُنشِئوا خلقًا جديدًا. وقوله: إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا(في) للظرفية؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث في سِطة المؤمنين، وكان هو عليه الصلاة والسلام أشرف من بُعث فيهم نسبًا. وقوله: رَسُولًاأي: مرسلًا من عند الله. وقوله: مِنْ أَنْفُسِهِمْأي: من جنسهم. وفي سورة (يسبح لله ما في السماوات)؛ الجمعة، قال: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ [الجمعة: ٢] لأن النبي صلى الله عليه وسلم من الأميين، وأما عامة الناس فليس منهم ولكنه من أنفسهم أي: من جنسهم، كما قال تعالى: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا [الروم: ٢١] فمعنى: مِنْ أَنْفُسِهِمْأي: من جنسهم؛ ولا شك أن كونه من جنسنا أتم في النعمة؛ لأنه لو كان من الملائكة ما ألفه الناس ولا ركنوا إليه، وربما لا يقبلون منه؛ فإذا كان من جنسهم يأكل كما يأكلون، ويشرب كما يشربون، وينام كما ينامون، ويكون معهم في أسواقهم وفي بيوتهم كان ذلك أبلغ في المنّة. وقوله: يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِجملة: يَتْلُوصفة ثانية لـرَسُولًاأي: رسولًا من أنفسهم تاليًا عليهم آياته؛ والتلاوة هنا تشمل التلاوة لفظًا والتلاوة معنى والتلاوة حكمًا؛ التلاوة لفظًا يعني يقرأ الكتاب بينهم؛ التلاوة معنًى يعني يُعلّمهم معانيها؛ التلاوة حكمًا يعني يعمل بأحكامها عليه الصلاة والسلام؛ ولا شك أن هذه الثلاثة كلها تحتملها كلمة يَتْلُوفهو عليه الصلاة والسلام يتلوه لفظًا ويتلوه معنًى قال الله تعالى: وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [النحل: ٤٤] ويتلوه عليهم كذلك حُكمًا، قالت عائشة: كان النبي صلى الله عليه وسلم يُكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ». يتأول القرآن يعني يُطبّقه. قال: آيَاتِهِآياته الكونية أو الشرعية؟
الطلبة: الشرعية. الشيخ: الظاهر أن المراد بها الآيات الشرعية، وهي الوحي الذي أنزله الله على رسوله صلى الله عليه وسلم. وَيُزَكِّيهِمْأي: يُطهّرهم، يطهرهم حسًّا ومعنًى؛ أما الطهارة حِسًّا فقد أمرهم بالوضوء عند الصلاة، وأمرهم بالغسل من الجنابة، وأمرهم بإزالة النجاسة، بل حث على النظافة عمومًا؛ وأما التزكية معنًى فهو أنه طهّر قلوبهم من الشرك والشك والنفاق وسوء الأخلاق، وهذّب أخلاقهم عليه الصلاة والسلام حتى زكَت نفوسهم وأخلاقهم. وقوله: يُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَيعلمهم الكتاب والحكمة ليست تكرارًا مع قوله: يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِلأن الأول: تلاوة، والثاني: تعليم؛ والتعليم أخص من التلاوة؛ لأن الإنسان إذا تلا عندك القرآن لا يُعدّ معلمًا لك، يعلمك إذا أقرأك إياه ولقّنك إياه؛ فالنبي عليه الصلاة والسلام كان يعلمهم الكتاب؛ والتعليم هنا شامل لتعليم اللفظ وتعليم المعنى وتعليم الحكم أي العمل به؛ وقوله: الْكِتَابَيعني القرآن، وسُمّي كتابًا؛ لأنه مكتوب؛ فهو (فِعال) بمعنى (مفعول)؛ وقد تكرر علينا كثيرًا أن (فعالًا) تأتي بمعنى (مفعول)، وذكرنا لهذا أمثلة، فمن يستحضر (فِعال) بمعنى (مفعول)؟ طالب: (فِراش) بمعنى (مَفْروش). الشيخ: (فِراش) بمعنى (مَفْروش)، و(غِراس) بمعنى (مَغْروس) و(بِناء) بمعنى (مَبْنيّ)، (كِتاب) بمعنى (مَكْتوب)؛ هذا القرآن كتاب مكتوب؛ في أي موضع كتب؟ طالب: في اللوح المحفوظ. الشيخ: في اللوح المحفوظ؟ وغيره؟ طالب: بأيدي السفرة أيضًا. الشيخ: الكتب التي بأيدي السفرة. الطالب: وبأيدينا. الشيخ: والكتب التي بأيدينا. وقال بعض أهل العلم: إن المراد بالكتاب هنا الكتابة؛ لأن العرب كانوا أُميّين، ولما نزل هذا الكتاب العظيم تعلّموا الكتابة، فصاروا يكتبونه للرسول عليه الصلاة والسلام، يكتبون القرآن، ثم صاروا يكتبون بعض الأحاديث، ثم انتشرت الكتابة فيهم؛ وتعلمون أن من جملة الفداء الذي أُخذ من أسرى بدر أن يُعلّموا صبيان أهل المدينة القراءة والكتابة؛ وأيد هذا القائل قوله بأن تعليمهم الكتاب مستفاد من قوله: يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ؛ ولكن في هذا نظر، نحن لا نمنع أن يكون المراد بالكتاب هنا الكتابة والقرآن جميعًا؛ لأن القاعدة عندنا في التفسير أنه متى احتملت الكلمة معنيين فأكثر ولا منافاة بينهما فإن الواجب حملها عليهما؛ لأن كتاب الله عز وجل واسع المعنى؛ فعلى هذا يكون المراد بالكتاب أيش؟ القرآن والكتابة. وقوله: الْحِكْمَةَقال بعض العلماء: أيّ السنة، الحكمة يعني السنة، كما قال تعالى: وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ [النساء: ١١٣]. وقيل: المراد بالحكمة أنه علّمهم كيف يضعون الأشياء مواضعها؛ لأن الشريعة الإسلامية تُعلّم الإنسان كيف يضع الشيء في موضعه، وأيضًا علمهم الحكمة التي هي أسرار التشريع؛ لأن الشرع -كما تعلمون- أحكام وحِكم؛ فالأحكام ظاهرة، والحِكم هي الأسرار والمعاني التي تُناط بها هذه الأحكام؛ والإنسان إذا عرف هذه الحكم والأسرار تبيّن له أن الشريعة ليست لهوًا ولا لعبًا، وأن الشريعة ذات معانٍ سامية لا يُدركها إلا من فتح الله عليه؛ ويمكن أن نقول بأن الحكمة تشمل هذا وهذا، أي: علمهم السنة التي يُطلق عليها الحكمة، وعلّمهم وضع الأشياء مواضعها وأسرار الشريعة وحِكمها ليزدادوا بصيرة في دين الله. قال: وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ(إنْ) تأتي في اللغة العربية لعدة معانٍ، ويُعيّن المعنى السياق؛ فتأتي (إنْ) شرطية (وعبد الله) يبين لنا مثالًا؟ طالب: إن تحضر. الشيخ: إن حصل من القرآن فهو أحب إلينا: إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ [محمد: ٧]. الطالب: إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ. الشيخ: يَنْصُرْكُمْوتأتي أيضًا نافية؟ طالب: (...) تكون نافية. الشيخ: نافية نافية. طالب: (…).
الشيخ: لا. طالب: قوله تعالى: إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ [القلم: ٣٩].
الشيخ: أيش؟ الطالب: إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ. الشيخ: لا، هذه (إِنَّ)، إحنا نتكلم عن (إِنْ). طالب: إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ [المدثر: ٢٥]. الشيخ: نعم، علامة (إن) النافية -يا إخوان- أن تأتي بعدها إلا: إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ [المائدة: ١١٠]، إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ [الفرقان: ٤]، إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ، نعم إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ [يوسف: ٣١] فعلامة (إن) النافية أيش؟ أن تأتي بعدها (إلا)؛ طيب هذه اثنين، وتأتي مخففة من الثقيلة؟ (…) ما شرط؟ طالب: إِنْ فِي صُدُورِهِمْ [غافر: ٥٦]. الشيخ: لا، إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌهذه نافية أتت بعدها (إلا). طالب: قوله عز وجل: إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى [المائدة: ١٠٦]. الشيخ: لا، هذه إن شرطية معنى: وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍهذه من المعنى، هذه (إن) مخففة من الثقيلة، وأصلها: وإنهم كانوا من قبل؛ وعلامة (إن) المخففة من الثقيلة أن تأتي اللام في الخبر، إذا أتت بعدها اللام فهي مخففة من الثقيلة؛ عرفتم؟ إِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِيتأتي اللام، قال ابن مالك:
وَخُفِّفَــــــــتْ إِنَّ فَقَـــــــلَّ الْعَمَـــــــلُ
وَتَلْزَمُ اللَّامُ................
تلزم اللام وهي التي هنا: لَفِي ضَلَالٍ.
.........................
.............. إِذَا مَا تُهْمَلُ
بقيت رابعة: وتأتي (إن) زائدة. طالب: ما جاء من.. الشيخ: لا، هذه (مِن)، إحنا نتكلم عن (إن). طالب: قول الشاعر:
بَنِي غُدَانَــــــــةَ مَـــــــــــــا إِنْ أَنْتُـــــــمُ ذَهَـــــــبٌ
............................
الشيخ: نعم، هذا قول الشاعر:
بَنِي غُدَانَــــــــــةَ مَـــــــــا إِنْ أَنْتُـــــــمُ ذَهَـــــــبٌ
............................
أي: ما أنتم ذهب. طالب: في القرآن يا شيخ أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا [العنكبوت: ٣٣]. الشيخ: (أنْ) هذه (أنْ) إحنا نتكلم عن (إنْ). طالب: إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ [الأنعام: ٥٧]. الشيخ: نعم، (إنّ) هذه، إحنا نتكلم عن (إن) المخففة من الثقيلة، على كل حال ما أحفظ لها مثالًا في القرآن، اللي في الآية الكريمة هنا: وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍنقول: (إن) هذه مخففة من الثقيلة؛ ويش علامتها؟ أن تأتي اللام في خبرها أو في اسمها إن تأخر، المهم أن تأتي بعدها اللام؛ أفهمتم يا جماعة؟ اسمها أين هو؟ اسمها قيل: إنه محذوف مُقدّر باسم ظاهر، والتقدير: وإن الشأن كانوا من قبل في ضلال مبين، وقال بعضهم: بل هو محذوف مُقدّر بضمير مناسب، وهذا هو الصحيح؛ فإذا كان الخبر جمعًا صار الضمير المقدّر جمعًا، وعلى هذا فيكون التقدير هنا: وإنهم كانوا من قبل لفي ضلال مبين؛ فيُقدّر ضمير الشأن بما يناسب المقام. وَإِنْ كَانُواالضمير يعود على المؤمنين الذين بُعث فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. مِنْ قَبْلُقبل أيش؟ قبل بعث هذا الرسول. لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ(في) للظرفية يعني أن الضلال محيط بهم كإحاطة الظرف بمظروفه. لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍمُبِينٍبمعنى (بيّن). وقوله: مِنْ قَبْلُنقول للإخوة المبتدئين بالنحو: إن (مِن) حرف جر، و: قَبْلُهنا غير مجرورة؟ طالب: شيخ، هنا ملغية. الشيخ: لا، ما هي ملغاة. طالب: شيخ، قَبْلُمبنية على الضم. الشيخ: قَبْلُمبنية على الضم؟ وين ما جرتها مِن؟ الطالب: جرّتها محلًّا ليس لفظًا.
الشيخ: ويش تقولون يا جماعة؟ الطلبة: صحيح. الشيخ: المبني ولو دخل عليه حروف الجر لا يتغير، يبقى على بنائه، قال الله تعالى: سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ [الأعراف: ١٨٢] ما قال: (من حيثِ)؛ وهنا قال: مِنْ قَبْلُولم يقل: (من قبلِ). لكن في بعض الأحيان تُجرّ (قبل) فيقال: مِنْ قَبْلِهِمْكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [الأنعام: ١٤٨]؟ طالب: لأن مِنْ قَبْلُغير مضافة، وهنا مضافه. الشيخ: طيب إذن متى تُبنى على الضم؟ إذا حُذف المضاف إليه ونُوي معناه. عرفتم؟ هذا كلام النحويين.
في هذه الآية الكريمة فوائد:
أولًا: عظيم منة الله عز وجل على المؤمنين ببعث الرسول صلى الله عليه وسلم من أين تؤخذ؟ من تأكيد هذه المنة بالقسم..