تجاوز إلى المحتوى

تفسير سورة آل عمران - ٤٠

درس صوتي · ٩٢:٢٦

جارٍ تجهيز الصوت

انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها

إعدادات

اختصارات لوحة المفاتيح

Space أو K تشغيل وإيقاف ←→ خمس ثوانٍ JL خمس عشرة ثانية HomeEnd بداية ونهاية الدرس

محتوى الدرس

ثم قال: وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [آل عمران: ١٢٦] يعني حتى لو أُمددتم بالملائكة ثلاثة الآلاف أو خمسة الآلاف فليس النصر بهم، ولكن النصر من عند الله، وهو الذي يهيّئ أسباب النصر، فلا تعتمد على غير الله سبحانه وتعالى مما جعله الله تعالى سببًا في النصر. قال: إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ، العزيز: يعني ذا العزة، وعزة الله سبحانه وتعالى ثلاثة أنواع: عزة القدْر، وعزة القهر، وعزة الامتناع؛ عزة القدْر يعني الشرف والسيادة والفضل، مثل أن تقول: هذا الشيء عزيز وجوده؛ يعني أنه منفرد بالصفات الكاملة عن غيره. عزة القهر يعني الغلبة؛ يعني أنه غالب، ومنه قوله تعالى: فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ [ص: ٢٣] أي: غلبني فيه، فالله سبحانه وتعالى له الغلبة، كما قال تعالى: يَقُولُونَيعني المنافقين: لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ [المنافقون: ٨] فسلَّم الله لهم ذلك؛ أن الأعز يخرج الأذل، ولكن لمن العزة؟ الطلبة: لله العزة ورسوله. الشيخ: وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ [المنافقون: ٨] إذن عزة القهر يعني الغلبة، أنه غالب، غالب لكل شيء، ومن الشعر الجاهلي:

أَيْنَ الْمَفَرُّ وَالْإِلَهُ الطَّالِبُ

وَالْأَشْرَمُ الْمَغْلُوبُ لَيْسَ الْغَالِبُ

يقول: الثالث: عزة الامتناع؛ يعني أنه يمتنع أن يناله السوء سبحانه وتعالى أو النقص، وهو مأخوذ من قولهم: (أرض عَزَاز) يعني صلبة قوية، لا تؤثر فيها المعاول، فصارت العزة التي يتصف الله بها ثلاثة أنواع، اذكرها. طالب: عِزة القدْر، وعزة القهر، وعزة الامتناع. الشيخ: إي نعم، ويش معنى؟ ما معنى عزة القدْر؟ الطالب: عزة الشرف والمكانة. الشيخ: نعم، والسيادة، طيب عزة القهر؟ طالب: يعني عزة الغلبة.

الشيخ: عزة الغلبة؛ يعني أنه غالب لا يغلبه شيء، الشاهد على أن العزة تأتي بمعنى الغلبة؟ طالب: نعم، قول الله عز وجل: وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِبمعنى الغلبة. الشيخ: بمعنى الغلبة، الثالث: عزة الامتناع ويش معناها؟ طالب: أن الله سبحانه يمتنع أن يناله سوء أو نقص. الشيخ: أو نقص. الطالب: ومنه قولهم: (أرض عَزَاز) أي: صلبة. الشيخ: نعم، وأما قوله: الْحَكِيمِفالحكيم مأخوذة من (الحُكْم)، ومن (الإحكام)، فالحكم يعني القضاء، والإحكام يعني الإتقان، ونحن نعلم أن حكم الله ينقسم إلى قسمين: حكم كوْني لا يتخلّف المحكوم فيه، وحكم شرعي قد يتخلّف، فالحكم الكوني لا يتخلف أبدًا، ومنه قوله تعالى: فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي [يوسف: ٨٠] يعني حكمًا شرعيًّا أو حكمًا كونيًّا؟ طالب: كونيًّا. الشيخ: حكمًا كونيًّا، وأما الحكم الشرعي فمثل قوله تعالى في سورة الممتحنة: ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [الممتحنة: ١٠]، ومنه قوله: أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة: ٥٠]. فإذن الحكم ينقسم إلى؟ طلبة: قسمين. الشيخ: كوني وشرعي، ثم إن في كل منهما حكمة؛ يعني ما من حُكم كوني أو شرعي إلا وهو مقترن بالحكمة؛ لأننا قلنا: إنها مأخوذة من الحكم والإحكام، فالحكم الكوني لا بد أن يكون له حِكمة، والحكم الشرعي لا بد أن يكون له حِكمة، ثم الحكمة قد يكون المراد بها أن وقوع الشيء على هذا الوجه حكمة، والغاية منه حكمة أيضًا، فتكون الحكمة في صورة الشيء، والحكمة الثانية في الغاية منه، فكون الصلوات على هذا الوجه هذا حكمة تتعلق بصورة العمل، والغاية منها حكمة تتعلق بالمراد من هذا العمل، فإذا قلنا: الآن الحكمة إما في الحكم الكوني أو الحكم الشرعي، وإما أن تكون في صورة الشيء أو في غايته، صار عندنا أقسام كثيرة، وكلها داخلة في قوله تعالى: الْحَكِيمِ. وربط العزة بالحكمة يفيد معنًى ثالثًا غير المعنى المستفاد من العزة على انفراد أو الحكمة على انفراد؛ وذلك لأن العزيز قد تغلبه العزة حتى يتصرف تصرّف الطيش والسفه، كما قال تعالى: وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ [البقرة: ٢٠٦] لكن عزة الله عز وجل لا تخرج عن الحكمة، مع أن له العزة المطلقة، فإن هذه العزة لا تخرج عن الحكمة، لن يفعل شيئًا على وجه السفه، إنما يفعله على وجه الحكمة. ثم قال الله عز وجل: لِيَقْطَعَ طَرَفًا. قال الله عز وجل: وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌإلى آخره [آل عمران: ١٢٣]. في هذه الآية: امتنان الله سبحانه وتعالى على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه بنصرهم في بدر، والنصر لهم نصر للأمة إلى يوم القيامة. ومن فوائد الآية: أن الإنسان بغير نصر الله لا يستطيع أن ينتصر؛ لأنه إذا كان جند الله الذين هم أعظم جند كان على وجه الأرض؛ وهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه لم ينتصروا بأنفسهم وإنما انتصروا بنصر الله، فمن سواهم من باب أولى. ويتفرع على هذه الفائدة: أننا لا نُعلّق النصر إلا بالله سبحانه وتعالى، لا نعلّق النصر بقوتنا، ولا بقوة مساندة لنا، وإنما نعلّق النصر بالله وحده، ونجعل هذه الأشياء المادية التي يكون بها النصر نجعلها أسبابًا قد تتخلف عنها مسبباتها؛ لأن النصر يكون من عند الله وحده. ومن فوائد هذه الآية: أنه كلما كان الإنسان أذلّ لله كان أقرب إلى نصر الله، وكلما كان الإنسان مستغنيًا عن الله كان أبعد عن النصر؛ لقوله: وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ، والإنسان إذا رأى من نفسه العزة وعلا وشمخ فإنه يُخذَل، قال الله تعالى: كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى [العلق: ٦، ٧]. ومن فوائد الآية الكريمة: أن النصر لا يكون بكثرة العدد ولا بقوة العُدد، بل هو من عند الله سبحانه وتعالى، لكن كثرة العدد وقوة العُدد مما أمرنا الله به وجعله سببًا للنصر، كما قال تعالى: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْمن ورائهم لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ [الأنفال: ٦٠]، ولهذا يجب على ولاة الأمة الإسلامية أن يُعدّوا أعظم سلاح يفتك بالأعداء من أجل إذا احتاجوا إليه يستطيعون المهاجمة؛ مهاجمة العدو، أو المدافعة إذا اعتدى عليهم أحد، وأما الأسلحة التقليدية التي تُعتبر في وقتنا الحاضر مثل الحمير بالنسبة للخيل في الوقت السابق، فهذه لا تكفي إلا إذا كان الإنسان لا يستطيع فإنه معذور، لكن إذا كان يستطيع فالواجب أن يُجهّز نفسه بكل ما يستطيع من قوة؛ لأن أعداء الإسلام يتربّصون به الدوائر، ويريدون أن يقضوا على المسلمين بكل وسيلة، فإذا لم يكن عندنا سلاح نكبتهم به ونخزيهم به ونذلهم به فإننا لم نقُم بما أوجب الله علينا: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ. وهنا يقول: فَاتَّقُوا اللَّهَ. من فوائدها: أن من منَّ الله عليه بنعمة كان ذلك موجبًا لتقوى الله، فالنصر سبب للتقوى والذل لله والخضوع له والانطراح بين يديه، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم حين فتح مكة دخل مطأطئًا رأسه يتلو كتاب الله عز وجل، خلافًا لما يفعله الناس اليوم أو بعض الناس إذا انتصر جعل هذا النصر سببًا للأشَر والبَطر والملاهي والأغاني وغير ذلك من المعاصي، بل قد يكون بعد النصر أكثر منه فسوقًا مما قبل الحرب، وهذا خلاف ما أمر الله به؛ لأن الله قال: وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُفَاتَّقُوا اللَّهَفأمر بالتقوى بعد النصر لئلا يشمخ الإنسان بأنفه ويتطاول على ربه بانتصاره فيعود إلى ما كان عليه من الفرح والبطَر والأشَر. ومن فوائد هذه الآية: أن تقوى الله تعالى من الشكر، أن تقوى الله من شكر الله؛ لقوله تعالى: لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَوهذا أمر لا شك فيه أن التقوى من الشكر، بل هي الشكر حقيقة؛ لأن التقوى اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه، والشكر هو القيام بطاعة المنعِم بالقلب واللسان والجوارح، عرفت؟ الشكر ما هو؟ طالب: هو القيام بطاعة الله بالقلب واللسان والجوارح. الشيخ: نعم، القيام بطاعة المنعِم بالقلب واللسان والجوارح. ثم قال الله تعالى: إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْإلى آخره [آل عمران: ١٢٤]. من فوائدها: ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم في معاملة أصحابه من إدخال الأمل في قلوبهم عند اشتداد الأزمات، وهذه هي الطريقة السليمة؛ لأنك إذا أدخلت الأمل على الناس نشطوا ونسوا ما هم فيه من الهمّ والغمّ، أما بعض الناس فيكون على العكس، تجده يدخل على الناس باب التشاؤم والمروِّعات والمخِيفات، وكلما قلنا: انتهت هذه المروعات جاءنا ما هو أشد ترويعًا، هذا لا شك أنه خلاف السياسة الشرعية، بل هو خلاف العقل، الشيء الذي تدعو الضرورة إليه مما يروّع هذا لا بد منه، أما الذي لا تدعو الحاجة إليه أو الضرورة فافتح للناس باب الأمل، فالرسول عليه الصلاة والسلام لما أنهم خافوا من إمداد المشركين بعضهم بعضًا قال لهم هذا الكلام: أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ [آل عمران: ١٢٤]. ولما أُخبر بأن بني قريظة نكثوا العهد في عام الأحزاب أرسل إليهم من يقص الخبر، وقال للرسول: «إِذَا أَتَيْتُمْ فَالْحَنُوا لِي لَحْنًا» ، «الْحَنُوا لِي لَحْنًا»، ويش معنى يلحنوا؟ يعني أخبروني بهذا بإشارة، وهي تُسمى عندنا الآن بالشفرة، شفرة خاصة أخبرهم بها؛ لأنهم إذا جاؤوا ووجدوا أن اليهود قد نقضوا العهد، ثم أخبر الرسول أمام الناس يلحقهم الروع والخوف، فقال: «الْحَنُوا لِي لَحْنًا»، فلما رجعوا إلى الرسول عليه الصلاة والسلام وأخبروه أن بني قريظة نقضوا العهد، لكن ما هو بلفظ صريح، باللحن الذي أرشدهم إليه، قال: «أَبْشِرُوا، أَبْشِرُوا» ، وكان المتوقّع لو كان مثل بعض قادتنا أن يقول: والله هذه مصيبة جاءنا عدو جديد، ثم ملأ القلوب رعبًا، لكن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: «أَبْشِرُوا»، ولما كانوا يحفرون الخندق واعترضتهم كُدْية؛ صخرة شديدة عجزوا عنها، جاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبروه، فجاء ونزل في الخندق وأخذ المعول فضربها ضربة انقدح منها شعاع، قال في الأولى: «أَضَاءَتْ مِنْهُ قُصُورُ كِسْرَى أَوْ قَيْصَر»، وفي الثانية: «قُصُور كِسْرَى أَوْ قَيْصَر»، في الثالثة: «قُصُورُ الْيَمَنِ». صَنْعَاء، فقال: «أَبْشِرُوا» ، مع أن الله تعالى قال عنهم في تلك الحال: إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا [الأحزاب: ١٠].

الآن مثلًا هنا في هذه الأحداث نجد أن الطاغي قد تخلخل وظهر فيه الخلل ولا إشكال فيه، ثم يأتي بعض الناس يقول: لا، عنده قوة عظيمة مدخرة بيخليها في آخر الوقت، فالله أكبر! الآن قد بشّرك الله سبحانه وتعالى بما يدل على أن الله سيكفي المسلمين شره، ثم تأتي وتروّع الناس، تقول: لا، عنده، عنده قوة بس بيخليها آخر الشيء، من قال لك هذا؟! إن كان هذا محتملًا فالأول أقرب احتمالًا، ما فيه شك أنه أقرب؛ لأن كل إنسان لا يمكن أن يتظاهر بهزيمة أمام عدوه أبدًا، ولهذا ينبغي لنا أن نُدخل على الناس باب الأمل والمقدّر سيكون، سواء أدخلنا باب الأمل الذي يُنشّطهم ويُدخل عليهم السرور، وينسيهم الغموم، أو أدخلنا عليهم باب المروّعات والمقبّضات حتى إن الإنسان تيبس أمعاؤه على بطنه، هذا ما هو صحيح، أنت أدخل الأمل وما أراد الله سوف يكون، ولكن مع ذلك أنا أقول: إنما يكون إدخال الأمل حينما يتعلق القلب بالله عز وجل، وتنقطع الحيل إلا من عند الله سبحانه وتعالى. من فوائد الآية الكريمة: إثبات الربوبية الخاصة؛ لقوله: أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ. والربوبية نوعان: عامة وخاصة؛ ففي قوله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة: ٢] هذه عامة، وفي قوله: رَبُّكُمْهنا خاصة، وقد اجتمع النوعان في قوله تعالى عن سحرة فرعون الذين منَّ الله عليهم بالإيمان: قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ [الأعراف: ١٢١، ١٢٢] الأولى: عامة، والثانية: خاصة. الطالب: جاء في بعض الأحاديث أن بعض الملائكة قاتلوا مع المسلمين في غزوة أُحُد؟ كيف (...)؟ الشيخ: لا، بس هذه إن صحّت الأحاديث في هذا؛ لأن بعض العلماء ضعّفها، وقال: ما قاتلت الملائكة إلا في بدر، وإنما جاءت في أُحُد لتقوية المسلمين فقط، لكن إن صحت فهذه خاصة حينما تخلّى الصحابة عن النبي عليه الصلاة والسلام ولم يبقَ معه إلا نفر قليل. طالب: شيخ، بعض الناس في الأحداث الراهنة ينظر بعدم التفاؤل الحقيقة، قلت له: تفاءل يا أخي وأحسن الظن، قال: والله حالنا لا تسرّ؟ فما أدري أيش تقول يعني؟ الشيخ: نعم، لا شك أن حالنا ضعيفة، ولكن أملنا بالله وعفوه أكبر من سوء ظننا بأنفسنا. طالب: شيخ، ما معنى قوله: مِنْ فَوْرِهِمْ؟ الشيخ: ما ذكرناها؟! طالب: ذكرناها يا شيخ. الشيخ: مِنْ فَوْرِهِمْيعني في الوقت الحاضر، يعني من الوجه الذي جاؤوكم به، هم لما انصرفوا هم الكفار هزموا الرسول عليه الصلاة والسلام وأصحابه وحصل ما حصل لهم وانصرفوا، قال الله عز وجل: إن جاؤوكم من فورهم هذا ورجعوا عليكم أمدكم الله. طالب: شيخ، وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْعطف على أيش؟ الشيخ: ويش تقولون؟

طلبة: ما سمعنا. طالب: السؤال يا شيخ. الشيخ: يقول: وَلِتَطْمَئِنَّعلى أيش معطوفة؟ طالب: على بُشْرَىيا شيخ. الشيخ: على بُشْرَى. الطالب: إذا كان على بُشْرَى(...) مفعول به. الشيخ: وهذا مما يؤيد على أنها مفعول من أجله. الطالب: إذا كان مفعولًا به؟ الشيخ: وإذا كان مفعولًا به يُقدّر الفعل. الطالب: يقدّر الفعل. الشيخ: إي نعم، يعني وأخبركم الله لتطمئن به قلوبكم. الطالب: شيخ، سؤال ثان يجوز؟ الشيخ: يجوز! بشرط أن يوافق الإخوان، توافقون؟ الطالب: الله تبارك وتعالى أرسل ثلاثة آلاف من الملائكة مع الصحابة مع أن واحد جبريل يكفي بجميع..؟ الشيخ: إي، لا، قل: ألف؛ لأنه هذا ذكرنا أنه ما حصل الإمداد؛ لأن الشرط لم يحصل على القول الصحيح، لكن الألف من الملائكة في بدر يكفي ملك واحد لا شك، ويُغني عن ذلك أيضًا كلمة واحدة من الله، تُغني عن الملائكة وعن البشر، أليس كذلك؟ طلبة: بلى. الشيخ: ولهذا قال الله تعالى: وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (٤) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (٥) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ [محمد: ٤ - ٦] تفوت هذه الفائدة، واضح؟ طالب: بالنسبة لشروط النصر إذا توفرت تحقق النصر، ولكن نزول الملائكة إلى يومنا تنزل الملائكة؟ الشيخ: ربما نعم، ربما إن الملائكة تنزل لتثبيت المؤمنين، وإذا كان القتال جهادًا في سبيل الله حقًّا فقد تُقاتل؛ لأن الله تعالى ينصر دينه. طالب: شيخ، ما يصلح أن يكون متعلق الظرف (اذكر) أو (تذكّر)؟ الشيخ: أيهم؟ الطالب: إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَهل يصلح؟ الشيخ: يصلح إذا لم يمكن؛ لأن التقدير الأصل فيه عدمه؛ لأن التقدير يستلزم الحذف، والأصل عدم الحذف، فإذا أمكن أن يكون متعلقًا بشيء موجود فإنه لا يُقدّر، أما إذا لم يمكن يُقدّر. طالب: شيخ، الراجح في العائد في قوله تعالى: وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ؟ الشيخ: إلى قول الرسول، هذا هو الراجح، وإن كان أكثر المفسرين يعود على إخبار الله عز وجل، لكن الأقرب أنه قول الرسول ووعده إياهم.


طالب: أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (١٢٨) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢٩) [آل عمران: ١٢٨، ١٢٩]. الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ [آل عمران: ١٢٤]. أخذنا من فوائد هذه الآية: أنه ينبغي إلقاء البُشرى في قلوب المقاتلين كما فعل الرسول عليه الصلاة والسلام. من فوائدها أيضًا: الربوبية الخاصة في قوله: أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ. والربوبية الخاصة تقتضي مع المعنى العام وهو التدبير والملك التثبيت والإعانة والكفّ عن الشرور وما أشبه ذلك؛ لأنها خاصة. من فوائدها: أن الملائكة أجسام يُحصَون بالعدد؛ لقوله: بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ. من فوائدها أيضًا: أن موطن الملائكة هو السماء، هذا هو الأصل؛ لقوله: مُنْزَلِينَلأن النزول إنما يكون من أعلى إلى أسفل، فإذا كان الملائكة هؤلاء مُنزلين دلّ على أن مكانهم في السماء، هذا هو الأصل، لكن ينزلون إلى الأرض كثيرًا حسب أمر الله سبحانه وتعالى. ومن فوائدها: أن الملائكة لم تقاتل بلا شك، ولكن هل أُمِدّوا؟ ذكرنا أن المسألة فيها قولان للعلماء؛ إن كان في بدر فقد أُمدّوا، وإن كان في أُحُد فإنهم لم يمدوا؛ لأن ذلك شُرط بالصبر والتقوى. ثم قال الله تعالى: بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُواإلى آخره. من فوائد هذه الآية: أن الصبر والتقوى سببان للنصر؛ لقوله: إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُواأي: تصبروا على الأوامر وتتقوا المحارم، وقد سبق تفسيرها. من فوائدها أيضًا: أن الله سبحانه وتعالى زادهم على ما بشّرهم به الرسول عليه الصلاة والسلام، زادهم ألفين إذا صبروا واتقوا. ومن فوائدها: أن هؤلاء الملائكة الذين يمدون بهم لو صبروا واتقوا مُسَوِّمِينَأو {مُسَوَّمِينَ} على قراءتين، فـ{مُسَوَّمِينَ} أي: قد جعل فيهم علامة تختص بهم كما سبق، مُسَوِّمِينَأي: جعلوا علامة، هم جعلوا علامة على ما جعل لهم من الخيول على حسب ما جاءت به الروايات. من فوائد الآية أيضًا والتي قبلها: أن من نعمة الله على العبد أن يكون الذي يتولاه الملائكة؛ لأن الملائكة تُثبِّت على الخير، بخلاف الشياطين فإنها تُثبِّت على الشر. ويتفرع على هذه الفائدة: أنه إذا امتنعت الملائكة عن بيت فإنه نوع من العقوبة، كما في قوله عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا تَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ صُورَةٌ» . ثم قال الله تعالى: وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْإلى آخره. من فوائدها أيضًا: أن هذا الوعد من الله بشرى أو من الرسول على خلاف بين العلماء، والخلاف في هذا بسيط، الخطب يسير سواء كان ما جعله أي قول الرسول، أو ما جعله أي قول الله لهم إِلَّا بُشْرَى. من فوائدها: أن إمداد الشخص بما يعينه سبب لسروره وبشارته؛ لقوله: وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَىوسبب لطمأنينة قلبه وثبوته وسكونه؛ لقوله: وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ. ومن فوائدها: أنه مهما عظمت الأسباب إذا لم يؤيد الله الإنسان بنصر فإنه لن ينتصر؛ لقوله بعد ذكر هذا الإمداد: وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ. ومن فوائدها: أنه يجب على المرء مع فعل السبب أن يعتمد على ربه، وأن يؤمّل النصر منه سبحانه وتعالى. ومن فوائدها: أن النصر من مقتضى اسمه العزيز الحكيم. ومن فوائدها: أن الله لن ينصر إلا من اقتضت الحكمة نصره؛ لقوله: الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ، ولا يرد على هذا أن الله سبحانه وتعالى جعل للمشركين نصرًا في غزوة أحُد؛ لأننا نقول: هذا النصر فيه فائدة عظيمة للمسلمين، فهو حكمة، انتصار المشركين في أُحُد لا شك أنه حكمة تترتب عليه فوائد عظيمة تذكر -إن شاء الله- في الآيات. منها قوله: لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوااللام هنا للتعليل، والفاعل في قوله: يَقْطَعَيعود إلى الله سبحانه وتعالى، والمراد بالقطع هنا الإهلاك، أي: ليهلك طرفًا، والجار والمجرور: اللام هذه متعلقة إما بقوله: وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍولكن هذا ضعيف؛ لأنه بعيد، يعني أنه جاءت آيات كثيرة تفصل بين العامل والمعمول، وهذا لا نظير له، وإما أن يكون متعلقًا بمحذوف تقديره: فَعَل ذلك ليقطع طرفًا، وهذا القول أصح، فتكون اللام متعلّقة بفعل محذوف يُقدّر على وجه مناسب. قوله: لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواأي: ليهلكهم، ولكن هل هذا فيما إذا انتصروا على المسلمين أو فيما إذا انتصر المسلمون عليهم؟ أو على الوجهين جميعًا؟ الصواب: أنه على الوجهين جميعًا؛ لأنه إن انتصر المسلمون وهزموهم فقد هلك طرف منهم، وإن انتصروا هم على المسلمين فإنهم سوف يلحقهم الغرور ونشوة النصر، ثم يعيدون الكرّة مرة ثانية وحينئذٍ يُقضى عليهم، فيكون الوجهان حاصلين سواء غَلبوا أم غُلبوا. وقوله: طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواالطرف: طرف الشيء هو منتهاه من أسفل أو من أعلى، فهل المراد بالطرف هنا الذي يلي المسلمين؟ الجواب: نعم، المراد الذي يلي المسلمين؛ وذلك لأن المسلمين مطالبون بقتال من يليهم من الكفار حتى يفتحوا بلاد الكفار بلدًا بلدًا يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً [التوبة: ١٢٣] وهذا كما أنه سُنّة الله الشرعية فهو أيضًا موافق للفطرة؛ لأنه ليس من الحكمة أن تذهب إلى البعيد تقاتله وتترك القريب؛ إذ إن القريب في هذه الحال ربما يكون كمينًا؛ يعني يحول بينك وبين رجوعك إلى بلدك. وقوله: أَوْ يَكْبِتَهُمْيعني يخذلهم ويذلهم وإن لم يحصل فيهم قتل. فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَينقلبوا إلى مَن؟ ينقلبوا إلى بلادهم خائبين أي: لم يحوزوا خيرًا، وذلك كما حصل في غزوة الأحزاب، فإن الأحزاب في غزوة الأحزاب رجعوا خائبين بدون قتال، كما قال الله تعالى: وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ. [الأحزاب: ٢٥]. إذن لا قتال، ردّهم الله بالريح والجنود التي لم نرها. لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌلَيْسَ لَكَقال بعض العلماء: إن المعنى: ليس إليك من الأمر شيء، مثل قوله تعالى: رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ [آل عمران: ١٩٣] يعني ينادي إلى الإيمان، ولكن الظاهر أن اللام على بابها ليست بمعنى (إلى)، والمعنى أنك لا تملك شيئًا، وليس المعنى أنه لا يُرد إليك شيء، بل المعنى أنك لا تملك شيئًا، فاللام على ما هي عليه، والخطاب في قوله: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌللنبي صلى الله عليه وسلم. وقوله: مِنَ الْأَمْرِيعني الأمر الكوني، أما الأمر الشرعي فإن للرسول عليه الصلاة والسلام منه شيء؛ لقوله تعالى: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ [النساء: ٨٠] أما الأمر الكوني فلا. واختلفت الروايات في سبب نزول هذه الآية، ففي بعض الروايات أن سببها أن النبيّ صلى الله عليه وسلم دعا على قوم من الكفار مثل أبي سفيان، وسهيل بن عمرو، وصفوان بن أمية، والحارث بن هشام، هؤلاء أربعة كان الرسول صلى الله عليه وسلم يدعو عليهم، يلعنهم، إذا صلّى الفجر في الركعة الأخيرة يدعو عليهم: «اللَّهُمَّ الْعَنْ فلانًا وفلانًا وفلانًا» . بأسمائهم، فأنزل الله: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌفالأمر إلى الله. وفيه أيضًا رواية أخرى صحيحة: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما شجوا وجهه في أُحُد، جعل يمسح الدم عن وجهه ويقول: «كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ شَجُّوا وَجْهَ نَبِيِّهِمْ وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ؟». فأنزل الله: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ. والقاعدة في أسباب النزول أنه إذا لم يمكن الترجيح فلا مانع من أن يتعدد السبب، فيكون لنزول الآية سببان؛ يعني أنها نزلت بعدهما جميعًا، فيكون الأمران سببين لنزول الآية، أولًا: إنكاره عليه الصلاة والسلام على هؤلاء القوم وقوله: «كَيْفَ يُفْلِحُ؟» استبعاده فلاحهم. والثاني: لعنه هؤلاء الأربعة. ولا محظور في ذلك، فإن الآية قد يكون لنزولها سببان. وقوله: أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْقيل: إنها معطوفة على يَقْطَعَ، وقيل: إن أَوْبمعنى (إلى) أن يتوب عليهم. فعلى القول الأول لا إشكال في الآية، ويكون الله عز وجل ذكر عاقبة هؤلاء الكفار أربعة أمور: يقطع طرفًا من الذين كفروا، أو يكبتهم، أو يتوب عليهم، أو يعذّبهم، وهذا الوجه -كما ترون- وجه حسن ليس فيه إلا الجملة المعترضة في قوله: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌوهذا لا يضر، ففي القرآن جمل معترضة بين أشياء متقاربة في المعنى، بل فيه آيات، فمثل قوله تعالى: حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ [البقرة: ٢٣٨] ذُكرت هذه في أثناء آيات العِدد، ولا يظهر للإنسان وَجْه مناسبة، لكن الله عز وجل أعلم منا، كذلك أيضًا هنا نقول: لا يضر أن توجد جملة معترضة مع أننا سنبين -إن شاء الله- المناسبة فيها. أما القول الثاني: الذي يقول أَوْبمعنى (إلى)، فيقولون: إن في الآية حذفًا، والتقدير: ليس لك من الأمر شيء فاصبر أو يتوب الله عليهم، فيقدّرون فعلًا هو (اصبر)، يعني لا تدْعُ عليهم، اصبر أو يتوب عليهم، وتعلمون أن (أو) تأتي بمعنى (إلى)، وتأتي بمعنى (إلا أن)؛ بمعنى (إلى أن) وبمعنى (إلّا أن)، فإذا قال القائل: لأقتلن الكافر أو يسلم، فهي بمعنى (إلا أن)، ولا يصح أن تكون بمعنى (إلى أن). وإذا قال: لألزمن الغريم أو يقضيني ديني، فهي بمعنى (إلى أن). وقوله: أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْوذلك بهدايتهم للإسلام؛ لأن الكلام الآن في الكافرين، وتوبة الله على الكافر أن يهديه للإسلام، وتوبته على الفاسق أن يرده عن الفسق إلى الطاعة. وتوبة الله على العبد قسمان: توبة سابقة، وتوبة لاحقة، وتوبة العبد متوسطة بينهما، وهذا مذكور في سورة التوبة، قال الله تعالى: لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١١٧) وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا [التوبة: ١١٧، ١١٨]. تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواهذه التوبة السابقة، والتوبة السابقة معناها التوفيق للتوبة، والتوبة اللاحقة قبول التوبة، وتوبة العبد تكون أيش؟ طلبة: بينهما. الشيخ: بينهما، نعم. أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْأي: ييسرهم للإسلام من الكفر. طالب: شيخ، بالنسبة الرسول نهاه، يعني الله نهى الرسول صلى الله عليه وسلم ألا يسمي الأسماء في لعنه وهو مثلًا في السجود، (...) واحد (...) مثلًا يعني. الشيخ: لا لا، هو نهى عن لعنهم، اللعن لا تلعن، لكن ادعُ عليه بالهلاك لا مانع، ادعُ عليه بأن الله يشدد وطأته عليه. الطالب: باسمه؟ الشيخ: باسمه ما فيه مانع، لكن اللعنة؛ لأن اللعنة معناها الطرد والإبعاد عن رحمة الله، وأنت لا تدري ربما يكون هذا الكافر المعتدي الظالم يكون في يوم من الأيام ناصرًا للإسلام، أليس خالد بن الوليد قاتَل الرسول عليه الصلاة والسلام في أُحُد؟ قاتله، وصار من فرسان الإسلام، وعمر بن الخطاب، عمرو بن العاص يقول: والله إني أتمنى أن أتمكن من رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقتله ، يتمنى منية، فلما مَنَّ الله عليه بالإسلام قال: والله ما أحِدّ الطرف به تعظيمًا له ، الله أكبر! ما تدري القلوب بيد الله. الطالب: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْهل يصح العطف على شيء؟ إذا كان (أو) بمعنى (إلا إن)، العطف على شيء هل هو أحسن؟

الشيخ: لا لا، هذا ما يستقيم المعنى؛ لأنك إذا قلت: إلى أن يتوب عليهم صار معناه: إذا تاب عليهم فلك من الأمر شيء؟ الطالب: ليس لك من الأمر شيء. الشيخ: إلى أن يتوب عليهم. الطالب: لله في الأمر شيء ما هو؟ الشيخ: لا، لله، هذا شيء ثانٍ، لكن إذا قلنا الآية: ليس لك من الأمر شيء إلى أن يتوب عليهم، صار معنى الآية: فإن تاب عليهم فلك من الأمر شيء، ولهذا أنكر ابن جرير هذا المعنى قال: هذا ما يصح؛ لأن الأمر لله سواء تاب عليهم أو ما تاب عليهم، والرسول ليس له من الأمر شيء سواء تاب الله عليهم أو ما تاب عليهم.


طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (١٢٨) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢٩) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٣٠) وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (١٣١) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢) [آل عمران: ١٢٨ - ١٣٢]. الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ. لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌسبق الكلام على تفسير هذه الآية، وقلنا: إن القول الراجح أن قوله: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌجملة معترضة، وعلى هذا فيكون قوله: أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْمعطوفًا على قوله: لِيَقْطَعَ، أَوْ يَتُوبَأي: يهيئ لهم أسباب التوبة حتى يتوبوا، وبينّا أن لله سبحانه وتعالى على عبده توبتين: توبة التوفيق، وتوبة القبول، واستدللنا لذلك بقوله تعالى: وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواإلى قوله: ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [التوبة: ١١٨]. قال: أَوْ يُعَذِّبَهُمْمعطوفة أيضًا على لِيَقْطَعَ، وهذه هي الحال الرابعة، والثلاث؟ طالب: ليقطع طرفًا، وليتوب عليهم، ويكبتهم. الشيخ: أو يكبتهم، قال: أَوْ يُعَذِّبَهُمْأي: يعذبهم بعذاب من عنده، فهذا كقوله: قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا [التوبة: ٥٢] يعني أو يعذبهم عذابًا من عنده فيرسل عليهم رجسًا أو رجزًا، بالمرض والطاعون والزلازل وغير ذلك؛ لأن الله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير. فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَالجملة هذه موقعها مما قبلها أنها تعليل لها؛ يعني أنهم يستحقون أحد هذه الأمور؛ لأنهم ظالمون، إلا التوبة، فإن الله إذا تاب عليهم زال وصفهم بالظلم، والأربعة الذين كان الرسول عليه الصلاة والسلام يدعو عليهم كلهم تاب الله عليهم فأسلموا، وفي هذا إشارة -كما سبق- إلى أنه لا ينبغي للإنسان أن يدعو على شخص مهما بلغ في الكفر والطغيان باللعنة، بل لا يجوز أن يدعو عليه باللعنة؛ لأن اللعنة هي الطرد والإبعاد عن رحمة الله، ولا يحل لك أن تتحجّر رحمة الله، فقد يمنّ الله على هذا الكافر المجرم فيتوب، كما أنه سبحانه وتعالى قد يمن على الفاسق الذي لم يصل إلى حد الكفر فيستقيم وتصلح حاله. من فوائد هذه الآية: لِيَقْطَعَ طَرَفًاإثبات الحكمة لله عز وجل في أفعاله وتشريعاته؛ وذلك لأن اللام للتعليل، والتعليل هو الحكمة. ومن فوائد هذه الآية: أن الله سبحانه وتعالى يُسلّط المؤمنين على الكفار ليقطع طرفًا من الذين كفروا، وليس كل الذين كفروا؛ لأن من حكمة الله أن يبقى الإيمان والكفر متصارعين دائمًا حتى يتبين المؤمن الخالص من غيره. ومن فوائد الآية الكريمة: أن مآل الكفار واحد من هذه الأمور الأربعة: إهلاكهم، الثاني: خذلانهم؛ لقوله: أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ. ومن فوائد هذه الآية: أن الكبت وهو الإذلال والخذلان هو الخيبة؛ لقوله: فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ. وهل لنا مثل في هذا؟ مثل قصة الأحزاب فإن الله سبحانه ردهم على أعقابهم خائبين. ثم قال: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌإلى آخره. من فوائد هذه الآية: أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يملك شيئًا من الأمر، أي الأمر؟ الكوني، وفي هذه الجملة رد على الذين يتعلقون بالرسول عليه الصلاة والسلام في الدعاء والاستعانة به حتى بعد موته، الآن تجدهم عند القبر الشريف يدعون الرسول عليه الصلاة والسلام صراحة، بل إنهم عند الدعاء ولو كانوا بعيدين يتجهون إلى القبر، لا إلى القبلة، وهذا من سفههم. ومن فوائد هذه الآية، بل هذه الجملة: أن النبي صلى الله عليه وسلم مُكلَّف، يأمره الله وينهاه، وعليه فيكون في هذا إبطال لدعوى من يقولون: إن الإنسان إذا وصل إلى حالة معينة من العبودية سقطت عنه التكاليف، وهذا قول طائفة من الصوفية، يقولون: إن الإنسان إذا ترقّى في اليقين حتى وصل إلى الدرجة العليا سقط عنه التكليف، وصار كل شيء حرام حلالًا له، وكل شيء واجب ليس بواجب عليه، فلا يوجبون عليه الصلاة، ولا يحرّمون عليه الزنا، ولا شرب الخمر؛ لأن الرجل وصل إلى الغاية، وهذه التكاليف عندهم ما هي إلا وسيلة وطريق، إذا وصل الإنسان إلى الغاية سقطت الوسيلة، فقالوا: لو أنك سافرت إلى بلد ووصلت إلى هذا البلد، هل تحتاج إلى طريق تمشي فيه؟ لا، هم يقولون كذلك، العبادة طريق تصل به إلى غاية معينة، إذا وصَلْت إليها سقطت عنه. فيقال لهم: إذا كان النبي عليه الصلاة والسلام -وهو أشرف الخلق- لا يصل إلى هذه المرتبة، فما بالك بمن دونه؟! من فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى قد يتوب على أعتى الناس وأشدهم كفرًا؛ لعموم قوله: أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ. ومن فوائدها أيضًا: أن الله قد يعذب الكافرين عذابًا ليس للمسلمين فيه يد، بل هو من عند الله وحده؛ لقوله: أَوْ يُعَذِّبَهُمْ. ومن فوائد الآية: أن الله لا يعذب إلا بذنب؛ لقوله: فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَوالظالم مستحق لأن يُنكِّل الله به؛ لأن الله تعالى لا يحب الظلم، بل إنه قال في الحديث القدسي: «إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا» .

تفسير الآية (١٢٩)

٠٠:٥٦:٤٣

ثم قال الله تعالى: وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ. لما ذكر أن النبي عليه الصلاة والسلام ليس له من الأمر شيء فمَن دونه من الخلق من باب أولى بَيّن لمن يكون الأمر، فقال: وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِاللام هنا للاستحقاق والاختصاص والملك، يعني لله ملكًا واختصاصًا واستحقاقًا، والخبر الجار والمجرور مُقدّم على المبتدأ لإفادة الحصر؛ يعني لله لا لغيره. وقوله: مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ(ما) اسم موصول يشمل كل ما في السماوات والأرض من إنس وجن وحيوان وجماد وغير ذلك، وعبر بـ (ما) إما لأن غير العاقل أكثر من العاقل فصار هذا من باب التغليب، وإما لأن المقصود الأعيان والأوصاف، وإذا كان المقصود الأعيان والأوصاف فإنه يؤتى بـ (ما)، لا بـ (مَن)، ومنه قوله تعالى: فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ [النساء: ٣] ولم يقل: (مَن)؛ لأنه ليس المقصود العين، المقصود الوصف؛ يعني الذي يطيب لكم وتركنون إليه. على كل حال سواء كانت (ما) من باب التغليب أو لأنه يقصد بذلك الأعيان والأوصاف فإنها تدل على العموم، وأن جميع ما في السماوات وما في الأرض لله. وقوله: السَّمَاوَاتِهذه جمع، وقد صرح الله تعالى في القرآن بأن السماوات سبع كما قال تعالى: قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ [المؤمنون: ٨٦]، أما الأرض فليس في القرآن نص على أنها سبع، وإنما فيه ظاهر، يعني ما يدل ظاهرًا على أن الأرَضين سبع، وهو قوله تعالى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ [الطلاق: ١٢] فإن المثليّة هنا لا يمكن أن تكون مِثليّة الجنس والنوع والصفة؛ لأن الأرض مختلفة عن السماء اختلافًا ظاهرًا، فتعين أن يكون المراد المِثْليّة بالعدد، وقد جاءت السنة مصرحة بذلك بأن عدد الأرَضين سبع، ولكن هذه الأرَضون السبع هل هي متجاورة أو متطابقة كالسماوات؟ ظن بعض العلماء أنها متجاورة، وأن المراد بها القارات السبع، ولكن هذا ليس بصحيح، والصحيح أنها متطابقة؛ أي: بعضها فوق بعض، ودليل ذلك قول النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ ظُلْمًا طُوِّقَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ» فإن هذا يدل على أنها متطابقة؛ إذ لو لم تكن كذلك لم يُعذب هذا الذي اقتطع شبرًا من الأرض إلا بأرض واحدة فقط. ثم هل هي متلاصقة أو متباينة؟ قال بعض العلماء: إنها متلاصقة، وقال آخرون: بل هي متباينة؛ أي بين كل أرض وأخرى فاصل هواء، والله أعلم بذلك، وربما نطلع عن طريق العلم الحديث على الراجح من هذين القولين. وقوله: مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِقال: يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ، يَغْفِرُمضارع من المغفرة، والمغفرة: هي ستر الذنب والتجاوز عنه، مأخوذة من (المِغْفر) الذي يوضع على الرأس عند القتال، فإنه ساتر للرأس وواقٍ للرأس، أليس كذلك؟ الطلبة: بلى. الشيخ: ساتر وواقٍ، فالمغفرة هي ستر الذنب والتجاوز عنه. وقوله: لِمَنْ يَشَاءُهذه الآية مقيدة، بماذا؟ مقيدة بالحكمة؛ أي: من اقتضت حكمته أن يغفر له غفر له، هذا واحد. ثانيًا: مقيدة بما عدا الشرك؛ فإن الله يقول: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء: ٤٨]، لكن المشرك لو أسلم لغفر الله له؛ لقوله تعالى: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ [الأنفال: ٣٨] فيكون إذن من يشاء أي: من اقتضت الحكمة المغفرة له؛ لأن مشيئة الله مقرونة بالحكمة، يُستثنى من ذلك مَنْ؟ المشرك؛ لقوله: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء: ٤٨] ما لم يتب، فإن تاب غُفر له؛ لقوله تعالى: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ [الأنفال: ٣٨]. وقوله: وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُيعني ممن يستحق التعذيب. وقوله: يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُهل يُستثنى منه المشرك؟ لا، لا يستثنى منه المشرك؛ لأن المشرك قد أعلمنا الله تعالى أنه لا يشاء أن يغفر له، فلا يكون داخلًا في المشيئة، بل هو يعذِّب المشرك قطعًا؛ لأن وعده لا يُخلَف سبحانه وتعالى، فالمشرك لا بد أن يعذب: إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍلكن لو تاب فإن الله يتوب عليه ويغفر له. ثم قال: وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌختم الآية بهذين الاسمين الكريمين مناسب جدًّا؛ لقوله: يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ، فلكونه غفورًا صار يغفر لمن يشاء، الغفور اسم من أسماء الله المتعدية أو اللازمة؟ المتعدية، إذن لا يتم الإيمان بها إلا بثلاثة أمور: الإيمان بأنها اسم من أسماء الله، والثاني: الإيمان بما تضمنته من صفة، والثالث: الحكم المترتب على هذه الصفة، وهو أنه يغفر؛ يعني ليس غفّارًا بلا مغفرة بل هو يغفر، فنستفيد إذن من هذه الآية إثبات الاسم الغفور، إثبات الصفة المغفرة، إثبات الحكم المترتب على هذا أنه يغفر بهذه المغفرة. (الرحيم) أيضًا اسم من أسماء الله، والرحيم معناه هو ذو الرحمة المقتضية للإحسان والإنعام، فالإحسان والإنعام من مقتضى الرحمة وليس هو الرحمة، بل هو من مقتضاها، برحمته يُحسن ويُنعم. وقد فسّر من ينكرون الرحمة، فسر الرحمة بأنها الإحسان أو إرادة الإحسان، وهؤلاء هم الأشاعرة -عفا الله عنا وعنهم- يقولون: إن الله ليس له رحمة، لماذا؟ قالوا: لأن الرحمة رِقّة ولين وخضوع للأمر الواقع، فيقال لهم: هذه رحمة مَن؟ رحمة المخلوق، أما رحمة الخالق فلا تتضمن نقصًا أبدًا، بل هي كمال محض، ثم إن قولكم: إنها رِقّة ولين فنقول: إن الرقة واللين صفة مدح؛ لأنها خير من الغلظة، ولهذا قال الله تعالى: «إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي» . وقولهم: إنها توجب أن الإنسان يخضع للأمر الواقع وما أشبه ذلك حتى يرحم، نقول: هذا بالنسبة لمن؟ بالنسبة لرحمة المخلوق، أما رحمة الخالق فليس فيها خضوع إطلاقًا، ثم إنه منقوض عليكم؛ لأنه يوجد مثلًا ملك من الملوك الذي لا أحد ينابذه فيما يتكلم به ويكون عنده من الرحمة شيء عظيم. طالب: يا شيخ، مثلًا إذا واحد نصحته في شيء.. الشيخ: نعم؟ الطالب: إذا نصحت واحدًا منكرًا واحتج بهذه الآية: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ؟ الشيخ: إي نعم، أقول: ليس لي من الأمر شيء؛ الأمر الكوني، أنا ما أملك أني أهديك، لكن لي من الأمر اللي هو النصيحة أن أنصحك، قال الله تعالى: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ [آل عمران: ١٠٤]. طالب: شيخ، ألا يكون التعبير بـ(ما) يعني قطعًا هو الوجه الثاني الذي ذكرت، وليس بأن يعني غير المعقول أكثر؛ لأن الله تعالى يقول؛ يعني فيهم الملائكة، والملائكة يقول الله فيهم: وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ [المدثر: ٣١]. الشيخ: إي نعم. الطالب: وكذلك الحديث: «لَيْسَ فِي السَّمَاءِ مَوْضِع أُصْبُعٍ (...)» ؟ الشيخ: صحيح، لكن الملائكة جنس واحد. الطالب: نعم يا شيخ؟ الشيخ: الملائكة جنس واحد. الطالب: وأيضًا البشر. الشيخ: والبشر جنس واحد، غير البشر ما شاء الله أجناس ما تُحصى.

الطالب: أقصد يعني ما يعقل. الشيخ: إي، اللي ما يعقل أجناس لا تحصى، اخرج للسوق عند الأطعمة شوف عندك ذرّ كبير، وذر صغير، وحشرات أخرى. الطالب: وما تعقل يا شيخ؟ الشيخ: إي، هذه إحنا نقول: غلّب ما لا يعقل. الطالب: ذكرنا أن تحريم لعن المعيّن وإن كان كافرًا، لكن الوصف يا شيخ مثلًا بفسق أو بشيء هل لنا مثلًا..؟ الشيخ: مثل أيش؟ الطالب: يعني مثلًا أبو هريرة رضي الله عنه لما وجد المرأة..؟ الشيخ: ويش معنى..؟ يعني تلعن الفاسق قصدك؟ الطالب: لا، نصِفه مثلًا، نقول مثلًا: يا فاسق، يا زاني كما فعل أبو هريرة رضي الله عنه؟ الشيخ: لا، يا زاني، هذا قذف، نقول: هات أربعة شهود يشهدون بأن هذا الرجل زنى بامرأة. الطالب: قوله للمرأة يا شيخ.. قوله للمرأة: ارجعي يا زانية، هو والصحابة؟ الشيخ: لا، يمكن قصده أنها زانية بغير زِنا الفرج؛ لأن الرسول أخبر بأن المرأة إذا اسْتَعْطَرَت فمَرَّت بقومٍ فهي كذا ؛ يعني زانية؛ يعني أن فعلها هذا سبب للزنا. طالب: الدعاء بغير اللعن على المعيّن؟ الشيخ: إي نعم.

الطالب: يجوز هذا للمعيّن بعينه؟ الشيخ: إي، يجوز. الطالب: والآية: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌفي الدعاء؟ الشيخ: لا، هذا في اللعن فقط. الطالب: أقول أيضًا: ليس لأحد شيء في هذا. الشيخ: هه؟ الطالب: أقول: الآية: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌحتى في الدعاء أيضًا ليس لك من الأمر شيء؟ الشيخ: لا، إذا دعوت عليه بمقدار مظلمته فأنا على حق. طالب: شيخ، أحسن الله إليك، إذا وجدت الأسباب وانتفت الموانع.. الكافر إذا وُجدت الأسباب وانتفت الموانع، يكفّر بعينه؟ الشيخ: ويش لون؟ الطالب: الكافر المصرّ على الكفر وانتفت الأسباب والموانع يُكفّر بعينه؟ الشيخ: كيف؟ سبحان الله! الطالب: ما يلعن يا شيخ؟ الشيخ: ما يلعن حتى لو علمنا أن هذا الرجل كافر يكفر بالله ويسجد للصنم ما نلعنه. الطالب: الفرق بينهما؟ الشيخ: الفرق؛ لأن اللعن معناه الطرد والإبعاد عن رحمة الله، فأنت الآن تدعو عليه بشيء يمنعه من رحمة الله، وما دام الإنسان لم يمت فهو يعني قابل لأن يرحمه الله عز وجل.


طالب: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٣٠) وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (١٣١) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢) [آل عمران: ١٣٠ - ١٣٢]. الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَمن أين؟ طالب: وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ. الشيخ: قال الله تعالى: وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ. من فوائد هذه الآية: بيان عموم ملك الله سبحانه وتعالى؛ لقوله: مَا فِي السَّمَاوَاتِو(ما) من صيغ العموم كما هو معروف. ثانيًا: انفراد الله بذلك لتقديم الخبر، والخبر حقه التأخير، ومن طرق الحصر تقديم ما حقه التأخير. ومن فوائد هذه الآية: إثبات تعدُّد السماوات، وقد بيّن الله تعالى في كتابه أنها سبع سماوات، أما الأرض فذُكرت بصيغة الإفراد والمراد الجنس، فيشمل جميع الأرَضين وقد بيَّنَت السنة أنها سبع. من فوائد الآية الكريمة: إثبات المغفرة لله؛ لقوله: يَغْفِرُ، وإثبات التعذيب؛ لقوله: يُعَذِّبُ. ويتفرع على هاتين الفائدتين: إثبات تمام سلطانه في ملكه، وأن الأمر له في التعذيب والمغفرة. ومن فوائدها: إثبات المشيئة لقوله: لِمَنْ يَشَاءُ. وقوله: مَنْ يَشَاءُ، والمشيئة تأتي كثيرًا في القرآن الكريمة، ولكنها مقرونة بالحكمة، أي: من اقتضت الحكمة المغفرة له، ومن اقتضت الحكمة أن يُعذّب. ومن فوائد هذه الآية: إثبات الاسمين الكريمين من أسماء الله وهما: الغفور والرحيم، وإثبات ما تضمناه من صفة، وهي؟ طالب: الغفور. الشيخ: إي نعم.

الطالب: أنه يعني ليس غفارًا بلا مغفرة.. الشيخ: لا، إثبات ما تضمناه من صفة وهي المغفرة مأخوذة من الغفور، والرحمة مأخوذة من الرحيم. ومن فوائدها أيضًا: إثبات الحكم المترتّب على ذلك، وهو ما يُعرف عند بعض العلماء بالأثر، وهو أنه يغفر ويرحم. والقاعدة في أسماء الله أنه إذا كان الاسم متعديًا فإن الإيمان به يتضمن ثلاثة أمور: الإيمان بكونه اسمًا من أسماء الله، وبما دل عليه من صفة، وبالحكم الذي يترتب على ذلك، وإذا كان لازمًا غير متعدٍّ فإن الإيمان به يتضمن الإيمان به اسمًا من أسماء الله، والإيمان بما دل عليه من الصفة.

تفسير الآية (١٣٠)

٠١:١٤:٢٨

ثم قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً. تصدير الخطاب بالنداء يدل على الاهتمام به؛ لأن النداء يوجب يقظة المخاطَب وانتباه المخاطَب، والخطاب الذي يُعتنى به يُسبق بما يفيد الانتباه والاستيقاظ، وتوجيهه إلى المؤمنين يدل على فوائد؛ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا. أولًا: الإغراء والحثّ على ما تضمنه الخطاب؛ لأن مناداة هؤلاء باسم الإيمان يدل على أن ذلك من أجل أن يُثير هِممهم، كما تقول للرجل تخاطبه: يا كريم، أكرم ضيفك، فإنك إذا قلت: يا كريم، فإن هذا من باب الإغراء والحث؛ يعني من أجل كرمك أكْرِم، وتقول: يا رجل، اترك السفلة، أو: يا حليم، اترك السفه، وما أشبه ذلك، فالمقصود بمثل هذا الإغراء والحث. ويفيد أيضًا: أن الالتزام بما دل عليه الخطاب من مقتضيات الإيمان، فمثلًا: ترك أكل الربا من مقتضيات الإيمان؛ لأن الخطاب وُجّه للمؤمنين. ويستفاد أمر ثالث: وهو أن المخالفة في هذا مَنقصة للإيمان وسبب لنقصانه، إذن نستفيد في تصدير الخطاب بالنداء أيش؟ طالب: (...). الشيخ: لا. طلبة: (...) توجيه المخاطب (...). الشيخ: الاهتمام به والعناية به، أما توجيه الخطاب إلى المؤمنين فنستفيد منه ثلاثة أشياء: الإغراء والحث، وأن الامتثال والعمل بمقتضى الخطاب من تمام الإيمان، وأن مخالفته نقص في الإيمان. وقوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواتأتي هكذا مُطلقة في القرآن الكريم، لكن معناها مقيد بما يجب الإيمان به، هي مطلقة تشمل الإيمان بأي شيء، لكنها مقيدة بما يجب الإيمان به وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ [البقرة: ١٧٧] وبيّن الرسول عليه الصلاة والسلام أن الإيمان يتضمن الإيمان بستة أشياء: «بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ» . ثم الإيمان المراد به ليس مجرد التصديق فقط، بل الإقرار المتضمِّن أو المستلزم للقبول والإذعان، أما مجرد أن يُصدّق الإنسان بالشيء فإنه ليس بمؤمن، فأبو طالب مثلًا مُصدّق بأن محمدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومع ذلك لم ينفعه؛ لأنه لم يقبل ولم يُذعن، فلا بد من قبول ويش بعد؟ وإذعان، يعني انقيادًا. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواآمنوا بأيش؟ طالب: بالله. الشيخ: بما يجب الإيمان به، وهي الأمور الستة التي بيّنها الرسول عليه الصلاة والسلام: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ» . لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةًلَا تَأْكُلُوا الرِّبَاالأكل معروف، وخلافه الشرب واللبس والسكنى والانتفاعات الأخرى، لكنه عبّر بالأكل؛ لأنه أخص ما يكون في مُلابسة الإنسان، فالذي يدخل إلى جوفك ليس كالذي تلبسه ظاهر جسدك، وليس كالبيت الذي تسكنه، فإن أبلغ ما يكون في مُلامسة الإنسان هو الأكل، ولهذا نهى عنه، والإنسان عندما يكون عنده شيء وهو جائع عارٍ ليس عنده سكن، ما الذي يُقدِّم؟ الأكل، فهو أشد ما يكون ضرورة للإنسان هو الأكل، ولهذا قال: لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا. وقوله: لَا تَأْكُلُوا الرِّبَاالرِّبا في اللغة: الزيادة، ومنه قوله تعالى: فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ [فصلت: ٣٩] يعني: علَتْ، ومنه الرُّبى جمع (رابِية) للمكان المرتفع من الأرض. والمراد بالرِّبا هنا الربا الشرعي، وهو زيادة ونَساء، زيادة ويُسمى (ربا الفضل)، ونساء ويُسمى (ربا النسيئة)، ويكون الربا في أموال خاصة بيّنها النبي عليه الصلاة والسلام في قوله: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ» . هذه الأشياء الستة متفق على جريان الربا فيها، فإذا أُبدل جنس بمثله لزم فيه شيئان: التساوي والتقابض في مجلس العقد، وإذا بيع بغير جنسه لزم فيه أمر واحد وهو التقابض في مجلس العقد، إلا بين الذهب والفضة وسواهما فإنه لا يشترط التقابض في مجلس العقد، إذن الأموال الربوية ستة: الذهب، والفضة، والبُرّ، والشعير، والتمر، والملح، إذا بيع واحد منها بمثله لزم فيها أمران، وهما؟ طالب: التقابض في مجلس العقد. الشيخ: هذا التقابض في مجلس العقد، والثاني: التماثل؛ يعني أن يكونا سواء، وإذا بِيع بغير جنسه ما عدا الذهب والفضة فإنه يشترط التقابض في مجلس العقد فقط دون التساوي. أما الذهب والفضة فإذا بيع أحدهما بالآخر فلا بد فيه من التقابض، وإذا بيع أحدهما بالأجناس الأخرى الأربعة فإنه لا يشترط التقابض. فإذا بِعت ذهبًا بذهب لزم التساوي وزنًا والتقابض، فلا يجوز أن تبيع غرامًا بغرامين ولو كان يدًا بيد، وهذا يُسمى (ربا الفضل) لأجل الزيادة، ولا يجوز أن تبيع غرامًا بغرام ولكن مع عدم القبض، ويسمى هذا (ربا النسيئة)، وإذا بِعت ذهبًا بفضة غرامًا بعشرة يجوز لكن يدًا بيد، وإذا بعت فضة ببُرّ؟ طلبة: لا يشترط التقابض ولا التساوي. الشيخ: لا يشترط لا تقابض ولا تساوٍ، لماذا؟ لأن الذهب والفضة مع غيرهما لا يجري فيهما الربا؛ يعني فيجوز أن أشتري منك صاع بُرّ بدرهمين وإن لم أُقبضك، وكذلك لو قبضتك ولم تقبضني، كل هذا جائز، وذلك لأن الربا بين الذهب والفضة وما سواهما ليس بجارٍ. الدليل على اشتراط القبض والتساوي في الجنس الواحد قول النبي عليه الصلاة والسلام: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، يَدًا بِيَدٍ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ» فقال: «إِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ»، وقال: «الذَّهَبُ بِالْفِضَّةِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ» يعني إلا خُذ وأعطني؛ يعني يدًا بيد. لكن قد يقول قائل: إن قوله: «إِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ» يشمل ما إذا باع بُرًّا بفضة، فإن الجنس مختلف، وإذا طبقنا هذا على الحديث قلنا: لا بد أن يكون يدًا بيد؛ لأنه قال عليه الصلاة والسلام: «إِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ». نقول: نعم، هذا هو مقتضى هذا الحديث، لكن يُخصّصه ما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: قَدِمَ النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وهم يَسْلِفون في الثمار السّنة والسنتين فقال: «مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ». ومعنى (يُسلفون) يعني يُقدّمون الدراهم؛ الثمن، ويؤخرون المُثمن؛ يعني يأتي الرجل ويشتري من صاحب البستان تمرًا لمدة سنة أو سنتين بدراهم يعطيها إياه نقدًا، فهنا اشتُري تمر بدراهم مع تأخُّر القبض، والسَّلم جائز بالإجماع، وهذا هو الدليل لتخصيص قوله صلى الله عليه وسلم: «إِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ». إذا باع صاعًا من البُرّ بصاعين من الشعير يدًا بيد، ما تقولون؟ الطلبة: جائز. الشيخ: جائز لقوله: «إِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ». إذن الربا يكون في أموال خاصة؛ وهي ستة بنصّ الحديث، أما ما عداها فإن من أهل العلم من قال: ليس فيها ربا، كل شيء سِوى هذه الستة لا ربا فيها، ومن أهل العلم من قال: إن ما كان بمعناها فله حكمها، فالأوراق النقدية المستعملة الآن بدلًا عن النقد يكون لها حكم ذلك النقد، فإذا كانت أوراقًا عن فضة؛ يعني جُعلت عوضًا عن فضة فلها حكم الفضة، لكن إذا اختلف جنسها دخلت في عموم قوله: «إِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَجناسُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ». كذلك أيضًا الذرة والرزّ ليسا من الأصناف الستة لكنهما بمعنى الأصناف الستة، فإنك لا تجد فرقًا بين البُرّ والرزّ أو بين الشعير والذرة، كل منهما طعام يُقتات. طيب الفواكه كالبرتقال والعنب هل فيها ربا؟

الطلبة: لا. الشيخ: ليس فيها ربا، فيجوز أن تعطيني كيلوين بكيلوين ونصف أو بثلاثة من العنب؛ يعني كيلوين عنب بكيلوين ونصف عنب لا بأس؛ لأن هذا لا يجري فيه الربا. طيب سيارة بسيارتين؟ طلبة: لا يجوز. طلبة آخرون: يجوز. الشيخ: يجوز؛ لأنها ما هي من الأصناف الستة. بعير ببعيرين؟ الطلبة: يجوز. الشيخ: يجوز؛ لأنها ليست من الأصناف الستة. طنّ من الحديد بطنّ ونصف؟ طلبة: يجوز. الشيخ: يجوز؛ لأنه ليس من الأصناف الستة، وعلى هذا فقِسْ، فأنت إذا عرفت الأصناف الستة وما كان بمعناها تمامًا، فما عدا ذلك فقد قال الله فيه: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا [البقرة: ٢٧٥]. طيب لو باع ثوبًا بثوبين؟ الطلبة: جائز. الشيخ: يجوز، ولو مع عدم التقابض؟ الطلبة: نعم. الشيخ: ولو مع عدم التقابض؛ لأن هذا لا يجري فيه الربا. وقوله تعالى: أَضْعَافًا مُضَاعَفَةًضعف الشيء مثله، بمعنى أنك تُكرّره مرتين فيكون ضعفًا كدرهم بدرهمين. مُضَاعَفَةًيعني مزيدة على الضعف الأول، فمثلًا درهم بدرهمين، وبعد سنة نجعله بثلاثة دراهم، وبعد سنة نجعله بأربعة دراهم، هذا هو فعل الجاهلية، رِبا الجاهلية، يستدين الرجل من الشخص، فإذا حلّ الأجل قال: إما أن تُوفي وإما أن تُربي، إذا أوفى برئت ذمته، إذا لم يوفِ يُربي بمعنى أنه يزيد، فيقول مثلًا: إذا حلّ وقدره ألف، يقول: إما أن توفيني الألف وإلا فهو عليك إلى السنة القادمة بألفين، فإذا جاءت السنة القادمة ولم يُوفِ قال: إما أن توفي وإما أن تُربي، فإن أوفى برئت ذمته وإن لم يوفِ قال: نجعله للثالثة، لكن يكون بثلاثة آلاف، هذه أضعاف مضاعفة، ولا شك أنها ظُلم عظيم؛ لأنه إذا حل الدَّيْن على الإنسان وليس عنده شيء فالواجب إنظاره كما قال الله تعالى: وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ [البقرة: ٢٨٠]، وقال الله تعالى: لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا [الطلاق: ٧]، فالممتنع عن الوفاء ليس بآثم مع العجز، والمطالِب بالوفاء مع العجز آثم؛ لأن الله أوجب الإنظار..