تجاوز إلى المحتوى

تفسير سورة آل عمران - ٣

درس صوتي · ٩١:٢٦

جارٍ تجهيز الصوت

انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها

إعدادات

اختصارات لوحة المفاتيح

Space أو K تشغيل وإيقاف ←→ خمس ثوانٍ JL خمس عشرة ثانية HomeEnd بداية ونهاية الدرس

محتوى الدرس

الله عز وجل، وأن القرآن كلام الله، وأوردنا على ذلك إشكالًا وهو: أن الله تعالى قال: أَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ [الحديد: ٢٥] وقال: أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً [البقرة: ٢٢] وأجبنا عن ذلك، أليس كذلك؟ من فوائد الآية الكريمة: أن هذا القرآن ينقسم إلى محكم ومتشابه لقوله: مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ [آل عمران: ٧] وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ. وذكرنا أنه يُشكل على هذا التقسيم أن الله ذكر في آية أخرى أن القرآن كله متشابه، وفي آية ثانية أنه كله محكم، وذكرنا الجمع، كذا؟ من فوائد الآية الكريمة: وجوب الرجوع إلى المحكم إزاء المتشابه لقوله: هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِيعني: مرجعه، وهذا -أعني الرجوع إلى المحكم عند وجود المتشابه- لا يختص بالقرآن بل حتى في السنة، إذا وجد أحاديث متشابهة وأحاديث محكمة فالواجب رد المتشابه إلى المحكم ليكون الجميع محكمًا، سواء كان التشابه في مدلولات الألفاظ أو كان التشابه في ثبوت الخبر، وهذا الأخير يختص بالسنة؛ لأن القرآن ليس فيه اشتباه بالنسبة إلى ثبوته، أو كان الاشتباه بأقوال أهل العلم، بمعنى أن العلماء يكون أكثرهم على قول وهو مشتبه عليك بالنسبة للأدلة، فإن الغالب أن الحق يكون مع من هو أوثق وأقرب إلى الكتاب والسنة؛ إما بالعلم أو بالأمانة أو بالكثرة. من فوائد الآية الكريمة: حكمة الله عز وجل في جعله القرآن ينقسم إلى قسمين، وجه الحكمة: أن بهذا يحصل الابتلاء والامتحان؛ فالمؤمن لا يضل بهذا الانقسام، والذي في قلبه زيغ يضل، وهذا كما يمتحن الله العباد بالأوامر والنواهي يمتحنهم أيضًا بالأدلة فيجعل هذا محكمًا وهذا متشابهًا ليتبين المؤمن من غير المؤمن، لو كان القرآن كله محكمًا لم يحصل الابتلاء، ولو كان كله متشابهًا لم يحصل البيان والله سبحانه وتعالى جعل القرآن بيانًا، وجعله محكمًا متشابهًا للاختبار والامتحان، أفهمتم الآن؟ من فوائد الآية الكريمة: أن من علامة الزيغ أن يتبع الإنسان المتشابه من القرآن سواء تبعه بالنسبة لتصوره فيما بينه وبين نفسه وصار يُورد على نفسه آيات متشابهات، أو كان يتبع ذلك بالنسبة لعرض القرآن على غيره، فيقول للناس مثلًا: ما تقولون في كذا وكذا؟ ويأتي بالآيات المتشابهات بدون أن يحلها، ولهذا من الخطر العظيم أن تُورد سواء للطلبة أو للعامة آيات متشابهة دون أن تبين حل إشكالها؛ لأنك إذا فعلت هذا أوقعتهم في الحيرة والشك، وصرت كمن ألقى الإنسان في بحر لا يستطيع الخلاص منه ولم تخلصه، وهذا يقع من بعض المتحذلقين من طلبة العلم أنه يورد الآيات المتشابهات ثم يقف، يقف ولا يبيِّن للناس وجه هذا التشابه فيوقع الناس في حيرة وهو لا يشعر. من فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء الذين يتبعون المتشابه تارة يبتغون الفتنة وصد الناس عن دينهم ونزع الثقة من قلوبهم بالنسبة للقرآن لقوله: ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ، وتارة يريدون بذلك -أي بعرض هذا المتشابه- أن يحرفوه إلى المعنى الذي يريدون، وذلك لأنهم لو أرادوا أن يحرفوا المحكم ما قُبِلوا، أليس هكذا؟ ولكن يأتون بالمتشابه ليتمكنوا من تحريفه، من تحريفه على ما يريدون؛ لأنه إذا كان متشابهًا فإن المخاطَب الذي يخاطبونه يكون قد اشتبه عليه أمر فيقبل ما جاؤوا به من التحريف، وبهذا يزول الإشكال الذي قد يعرض الإنسان في قوله: وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ [آل عمران: ٧]؛ لأن ابتغاء التأويل على الوجه المراد أمر مطلوب، وليس من شأن ذوي الزيغ بل هو من شأن أهل الإيمان، لكن ذوي الزيغ يأتون بهذا المتشابه من أجل أن يحرفوه على ما يريدون؛ لأنه ليس محكمًا واضحًا حتى يعارضهم الناس، لكنه متشابه فيحصل بذلك ما يريدون من التحريف. وهنا سؤال وهو: أن كثيرًا من المتكلمين قالوا: إن آيات الصفات من المتشابه، وقالوا: إن المتشابه لا يعلم تأويله إلا الله، فصارت النتيجة أن آيات الصفات لا يُعرف معناها، ولهذا قالوا: إن القول الحق في آيات الصفات هو التفويض، انتبه للمعنى، فقولهم: إن الحق هو التفويض، وأن لا تتكلم فيها بشيء ناتج عن هذين الأمرين: أولًا: أن آيات الصفات من المتشابه، والثاني: أن المتشابه لا يعلم تأويله إلا الله، فتكون النتيجة أن لا نخوض في معاني آيات الصفات؛ لأنها من المتشابه ولا يعلم تأويله إلا الله، وما لا يمكن الوصول إلى علمه لا يجوز الخوض فيه، ولكن نقول: إن هذا القول قول باطل؛ أولًا: أن نقول: ماذا تعنون بالمتشابه؟ أو ماذا تعنون بالتشابه في آيات الصفات؟ إن قالوا: نريد اشتباه المعنى -وهو الذي يريدونه- قلنا: هذا خطأ، لماذا؟ لأن معاني آيات الصفات واضح ومعلوم ولا فيه اشتباه، ليس فيه اشتباه إطلاقًا، كما قال الإمام مالك رحمه الله: الاستواء غير مجهول، ما هو مجهول لأحد، بل هو معلوم، معلوم لكل أحد، استوى على العرش يعني علا عليه، ما فيه إشكال، وإن أرادوا بالتشابه اشتباه الحقيقة والكيفية فهم صادقون ولكنهم لا يريدون هذا؛ لأنهم لو قالوا: نحن نعلم المعنى ونجهل الحقيقة والكيفية قلنا: هذا مذهب صحيح، لكن يقولون: نحن نجهل المعنى والكيفية والحقيقة، ولهذا سُموا (أهل التفويض)، و(أهل التجهيل)؛ لأنهم يقولون: كل آيات الصفات وأحاديثها غير معلومة لأحد، وأن قراءتنا لها بمنزلة قراءة الأعجمي للخطاب العربي، أو بمنزلة قراءة العربي للخطاب العجمي، أو بمنزلة قراءة الحروف الهجائية: (ألف، باء، تاء، ثاء) إلى آخرها، هذا نظرهم بالنسبة لأيش؟ لآيات الصفات، وهو نظر -بلا شك- خاطئ، كيف نعلم معنى آيات الوضوء، والصلاة والبيع وما أشبهها مما لا يعد شيئًا بالنسبة لصفات الله ونجهل معاني آيات الصفات وهي أوْلى بالعلم من غيرها ولا تمكن العبادة حقًّا إلا بمعرفة صفات الله عز وجل؟ فنقول: أنتم لو أردتم أنها لا تُعرف الحقيقة التي هي عليها، قلنا: صدقتم، أما أن تقولوا: لا يُعرف معناها، وأنها مجهولة، فهذا خطأ، فصار الآن إذا قال قائل: هل آيات الصفات من المتشابه؟ نقول: لا يصح القول بالإطلاق لا نفيًا ولا إثباتًا، مع أنه يمر بكم في كتب أصول الفقه إذا أرادوا أن يمثلوا بالمتشابه قالوا: مثل آيات الصفات، وهذا خطأ؛ لأنه لا بد من التفصيل، إذا أرادوا التشابه المعنوي فهذا خطأ، بل هي من الآيات الواضحة المحكمة، وإن أرادوا اشتباه الحقيقة بأنا لا نعلم كيفية هذه الصفات ولا نحيط بها فهذا حق، لكنهم لا يريدون هذا، إنما يريدون الأول. من فوائد الآية الكريمة: فضيلة الرسوخ في العلم، وأيش معنى الرسوخ في العلم؟ الطلبة: الثبات. الشيخ: الثبات فيه والتعمق فيه حتى نصل إلى جذوره لقوله: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ [آل عمران: ٧]. ضد الرسوخ في العلم السطحية في العلم، وما أكثر السطحية اليوم فينا، أكثر الناس اليوم علومهم سطحية، ولهذا تجدهم إذا ألَّفوا أو كتبوا يكثرون من النقول؛ لأن ما عندهم حصيلة، قال فلان، وقال فلان، وقال فلان، لسبب أنه ليس عندهم حصيلة علمية، لا يستطيع الإنسان أن يعبر؛ لأنه ما عنده علم فيجعل نفسه في حِل من الكلام، ويأتي بقال فلان، ويستدل لك وجهًا كاملًا أو أكثر من ذلك، وإذا رجعت إلى أهل العلم، أهل العلم حقًّا وجدت أنهم يتكلمون بالعلم من صدورهم بدون نقل، ولهذا تجد أحيانًا عباراتهم تخالف عبارات العلماء الآخرين، ومن أجلى ما يكون وأوضح كتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، تجد أنهم يتكلمون عن علم راسخ وأمثالهم كثير، لكن القصد أن هذا من أوضح ما مر بي، إن الرسوخ في العلم يجعل الإنسان كأن العلم ينبع من قلبه، أما السطحي هذا الذي يكون ظلًّا على الرأس فقط فهذا فائدة مُتعلِّمه قليلة. من فوائد الآية الكريمة أيضًا: أنه ينبغي للإنسان أن يحرص على أن يكون راسخًا في العلم لا جامعًا كثيرًا منه؛ لأن العبرة الرسوخ في العلم، فإن الإنسان إذا كان عنده رسوخ في العلم صار عنده ملكة يستطيع أن يقرب العلم بعضه من بعض ويقيس ما لم يُنص عليه على ما نص عليه، ويكون العلم لديه كالطبيعة الراسخة.

من فوائد الآية الكريمة: أن الراسخين في العلم يعلمون أن الذي من عند الله لا يكون فيه تناقض لقوله: يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا [آل عمران: ٧]. من فوائد الآية الكريمة: أن مقتضى الربوبية أن الله تعالى ينزل على عباده كتابًا لا يكون فيه اختلاف يوقعهم في الشك والاشتباه لقولهم: كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَاوما كان من عند الرب المعتني بعباده بربوبيته فلن يكون فيه شيء يتناقض ويختلف. من فوائد الآية الكريمة: أنه لا يتذكر بهذا القرآن ولا بغيره إلا أصحاب العقول لقوله: وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ [آل عمران: ٧]. من فوائد الآية الكريمة: أنه كلما ازداد الإنسان عقلًا ازداد تذكرًا بكلام الله عز وجل، وكلما نقص تذكره بالقرآن دل على نقص -أيش- عقله؛ لأنه إذا كان الله حصر التذكر بأولي الألباب فإنه يقتضي انتفاء هذا التذكر عمن ليس عنده لبّ. من فوائد الآية الكريمة: أن العقول غير الذكاء، أي: أن العقل غير الذكاء؛ لأننا نجد كثيرًا من الناس أذكياء، ولكن لا يتذكرون بالقرآن، إذن هؤلاء لا نسميهم عقلاء، لكن الذي انتفى عنهم من العقل هو عقل الإدراك أو التصرف؟

الطلبة: التصرف. الشيخ: عقل التصرف والرشد، أما الإدراك فهم يدركون، ولهذا تقوم عليهم الحُجة. من فوائد الآية الكريمة: أن من القرآن ما لا يعلم تأويله إلا الله على قراءة الوقف وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ [آل عمران: ٧]. فإن قال قائل: ما الفائدة في تنزيل شيء لا يُعلم تأويله؟ قلنا: الفائدة امتحان العباد بتأدبهم مع الله عز وجل، هل يحاولون أن يصلوا إلى شيء لا تدركه عقولهم أو يقفون على حدود ما تدركه عقولهم؛ لأن من الناس من يذهب ويتجرأ على محاولة إدراك ما لا يصل إليه العقل، ومن الناس من يتأدب، فإذا وصل إلى ما لا يبلغه العقل وقف. من فوائد الآية الكريمة: سعة علم الله عز وجل لقوله: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُعلى قراءة الوقف. ومن فوائدها أيضًا: أن كلام الله عز وجل يختلف: منه محكم، ومنه متشابِه، ومنه أمر، ومنه نهي، ومنه خبر، ومنه استخبار، إلى أنواع لا يحصيها إلا الله، خلافًا لمن قال: إن كلام الله نوع واحد، وأن اختلاف السور أو الصيغ لا يدل على تنوعه واختلافه مثل: الأشاعرة؛ لأن الأشاعرة يرون أن كلام الله هو المعنى القائم بالنفس، وأنه شيء واحد إن عُبِّر عنه بالعربية صار قرآنًا، وإن عبر عنه بالعبرية صار توراة، وإن عبر عنه بالسريانية صار إنجيلًا، وإن أتى بصيغة النهي صار نهيًا وهكذا، أو إن عبر عنه بصيغة النهي صار نهيًا، وإن عبر عنه بصيغة الأمر صار أمرًا، وإلا فهو شيء واحد، ولا شك أن هذا قول يبطله العقل والسمع.

تفسير الآية (٨)

٠٠:١٩:٠٥

ثم قال الله عز وجل: رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا [آل عمران: ٨] الظاهر أن هذا من جملة قول الراسخين في العلم يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا، ويقولون أيضًا: رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَاوالدعاء يصدر غالبًا بالرب؛ لأن الدعاء يستلزم يعني يتطلب الإجابة، والإجابة من الأفعال، والأفعال علاقتها بالربوبية أكثر من علاقتها بالألوهية، ولهذا غالب الأدعية يأتي مصدرًا بالرب، ربنا. وقوله: رَبَّنَاهذه منصوبة بياء النداء المحذوفة، وأصل الكلام: يا ربَّنا، لكن حُذفت الياء تخفيفًا وتيمنًا بالبداءة باسم الله عز وجل. رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَالَا تُزِغْهذه جملة دعائية وإن كانت بصيغة النهي؛ لأن النهي لا يمكن أن يرد من المخلوق للخالق؛ إذ إن النهي طلب الكف على وجه الاستعلاء، ولا يمكن للمخلوق أن يطلب من ربه أن يكف على وجه الاستعلاء أبدًا، ومر علينا فيما سبق أنه إذا وُجِّه الطلب من أدنى إلى أعلى سُمّي (دعاء)، فلهذا نقول: (لا) دعائية ولا نقول: (لا) ناهية؛ لأنه لا نهي من مخلوق للخالق. لَا تُزِغْ قُلُوبَنَاتُزغ بمعنى: تُمِل، ومنه: زاغت الشمس أي: مالت عن كبد السماء، وتُزغ: تُمِل، تملها عن أي شيء؟ يُبين ذلك ما بعده: لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَاأي: لا تزغها عن الهداية، بل اهدها هداية دلالة وهداية توفيق. وقوله: لَا تُزِغْ قُلُوبَنَاسُلط الفعل على القلب؛ لأن القلب عليه مدار العمل لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ؛ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ» . والقلب هو هذا الجزء المستقر في الصدر لقول الله تعالى: فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [الحج: ٤٦]، وبهذا القلب يكون العقل لقوله تعالى: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا [الحج: ٤٦]، وبناءً على هذه الأدلة يتبين أن العقل في القلب، وليس في الدماغ، والعلماء اختلفوا قديمًا وحديثًا هل العقل في الدماغ أو العقل في القلب؟ والذي دل عليه القرآن أنه في القلب، والقرآن كلام الخالق، والخالِق عز وجل أعلم بما خلق، فالعقل بالقلب، لكن عقل القلب هو عقل التصرف والتدبير ليس عقل الإدراك والتصور، فإن عقل الإدراك والتصور يكون في المخ، فالمخ يتصور ويعقِل، وهو بمنزلة السكرتير للقلب يشرح ما يريد رفعه إلى القلب، ثم يرفعه إلى القلب، ثم يصدر القلب الأوامر، والذي يُبلغ الأوامر إلى الرعية مَنْ؟ الدماغ هو الذي يبلغ الأوامر، ولهذا تنشط العضلات كلها بنشاط الدماغ، فصارت المسألة سلسلة يتصور الذي يتصور ويدرك وفيه عقل الإدراك هو الدماغ. وأما عقل التصرف والتدبير والرشاد والفساد فهو عقل القلب، فالدماغ يتصور، ويدرك الأشياء، وينظر فيها، ثم يرفعها مكتوبة ليوقِّع عليها القلب، ترد على القلب والقلب يأمر وينهى، لكن القلب لا يباشر، هو بنفسه أعلى من أن يباشر مخاطبة هؤلاء الجنود، يرسل القضية إلى مَنْ؟ إلى الدماغ مرة ثانية، الدماغ يوجه الأوامر ويقول: الملك يأمركم بكذا وكذا فتمتثل للأوامر، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ؛ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ» وحينئذٍ يزول الإشكال وتجتمع الأدلة الحسية والشرعية، فالعقل الإدراكي، أين محله؟ الطلبة: الدماغ. الشيخ: والعقل التصرف الإرشادي الذي به الإرشاد والفساد هو القلب. يقول عز وجل: رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَاوإذا استقامت القلوب ولم تمِل استقامت الجوارح عقيدة وقولًا وعملًا. وقوله: بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَاهذه الجملة لا يُراد بها الافتخار، وإنما يُراد بها التوسل بالنعم السابقة إلى النعم اللاحقة، فكأنهم يقولون: ربنا إنك مَنَنْت علينا بالهداية أولًا فنسألك أن تمن علينا بثبوت هذه الهداية فلا تزغها، فيكون في هذا الدعاء ثناء على الله عز وجل بماذا؟ بالهداية السابقة، هم لو قالوا: رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَاكفى، لكن قالوا: بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَاليتوسلوا بنِعم الله السابقة إلى نعمه اللاحقة، وليثنوا على الله عز وجل بنعمه السابقة، وأنه عز وجل أهل للفضل والإنعام. بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَاهداية دلالة ولَّا توفيق؟ الطلبة: دلالة، توفيق. الشيخ: أو الاثنين؟ الطلبة: الاثنين. الشيخ: نعم، الاثنين، فالمؤمنون هداهم الله هداية توفيق وهداية دلالة؛ هداية الدلالة أن بيَّن لهم الحق، وهداية التوفيق أن وفقهم لسلوك الحق، فمن الناس من يُحرم الهدايتين، ومن الناس من يحرم الهداية الثانية، ولا أظن أن أحدًا يُحرم الهداية الثانية فقط، يعني لا أظن أن أحدًا يُعطى الهداية الأولى والهداية الثالثة؛ لأنه لا يمكن أن يَتوفق إلا بعد العلم. من الناس من يُحرم الهدايتين فلا يكون عنده هداية دلالة ولا هداية توفيق مثل: النصارى، ضالون لم يعرفوا الحق ولم يعملوا به، ومن الناس من يُحرم هداية التوفيق مثل: اليهود؛ فاليهود علموا لكن لم يعملوا، ومن الناس من يرزق الهدايتين كالمؤمنين الذين أنعم الله عليهم، فهنا هَدَيْتَنَايعني هداية الدلالة وهداية -أيش- التوفيق، فهم هُدوا إلى الحق للدلالة عليه، وهدوا إلى الحق بالتوفيق، هل تستطيعون أن تأتوا بدليل على هداية الدلالة فقط؟ الطالب: قوله تعالى: وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى [فصلت: ١٧].

الشيخ: نعم، وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَىكذا؟ هداية التوفيق؟ طالب: إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [القصص: ٥٦]. الشيخ: نعم، يعني لا توفق للهداية ولكن الله يهدي من يشاء، أما هداية الدلالة فلا شك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد هدى الناس ودلهم وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [الشورى: ٥٢]. بعد إذ هديتنا. وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً [آل عمران: ٨] (هبْ) بمعنى: أعطِ، والهبة هي العطاء بلا عِوض وكمالها بلا مِنَّة، الإعطاء بلا عوض هبة، وكمالها أن لا يصحبها مِنة، والله سبحانه وتعالى له المنة علينا كما قال تعالى: بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ [الحجرات: ١٧]. والأمر هنا الصيغة هنا لأيش؟ للأمر ولَّا للدعاء؟ الطلبة: للدعاء.

الشيخ: للدعاء نعم، وَهَبْ لَنَايعني: أعطنا مِنْ لَدُنْكَأي: من عندك، وأضافوا هذه الهبة إلى الله لئلا يكون لأحد عليهم مِنة سواه، هذا من وجه؛ ولأنها إذا كانت من عند الله -وهو أكرم الأكرمين- صارت هبة عظيمة؛ لأن العطاء على قدْر مَنْ؟ الطلبة: المعطي. الشيخ: على قدر المعطي، ولهذا قالوا: هَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَأي: هبة لا يمن بها علينا أحد سواك، وهبة عظيمة؛ لأنها تأتي من عندك، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام لأبي بكر حين سأله أن يعلمه دعاء يدعو به في صلاته قال: «قُلِ اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيًرا، وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ وَارْحَمْنِي» . قال: وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةًرحمة. الرحمة سبق لنا أيضًا مرارًا وتكرارًا أن الرحمة صفة من صفات الله عز وجل، وتطلق على نِعمه؛ لأنها من آثار رحمته كما قال الله تعالى: وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ [الشورى: ٢٨]. وقال الله تعالى للجنة: «أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ» . ومنه قوله تعالى: وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [آل عمران: ١٠٧]، فتطلق الرحمة على هذا وهذا، ومن أي النوعين في هذه الآية: هَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً؟ الطلبة: الرحمة الثانية. الشيخ: الثانية التي هي النعم، وهي من آثار رحمته، هَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةًوالرحمة يحصل بها المطلوب وينجو بها الإنسان من المرهوب، فإن جُمعت مع المغفرة صار بالرحمة حصول المطلوب، وبالمغفرة النجاة من المرهوب. إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ [آل عمران: ٨] الجملة هنا استئنافية للتعليل والتوسل، يعني أننا إنما طلبنا منك الهبة هبة رحمة؛ لأنك أنت الوهاب، وهي مكونة من (إن) واسمها وخبرها، واسمها (الكاف)، وخبرها (الوهاب)، والضمير (أنت) يسمى ضمير فصل، وضمير الفصل له ثلاث فوائد من يعرفها؟ طالب: (...) توكيد المعنى. الشيخ: التوكيد. الطالب: الفصل بين الخبر والصفة. الشيخ: الفصل بين الخبر والصفة يعني عدلت عن الأول؟ الطالب: إي نعم. الشيخ: طيب، والتوكيد. الطالب: والحصر. الشيخ: والحصر، طيب هذه ثلاثة أشياء، يعني له ثلاث فوائد:

أولًا: الفصل بين الصفة والخبر. والثاني: أيش؟ التوكيد. والثالث: الحصر، ونضرب مثلًا لهذا يتبين به الأمر، إذا قلت: زيد الفاضل، فإن كلمة الفاضل يحتمل أن تكون خبرًا ويحتمل أن تكون صفة والخبر محذوف، والتقدير: زيدٌ الفاضلُ حاضر، فإذا قلت: زيدٌ هو الفاضل، تَعيَّن –أيش- أن تكون خبرًا، كذلك إذا قلت: زيد الفاضل يحتمل أن يكون غيره فاضلًا أيضًا، فإذا قلت: زيدٌ هو الفاضل. طالب: حصر. الشيخ: هذا حصر، حصر نصه بالحصر؛ يعني ليس غيره فاضل كما قال تعالى: وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ [الصافات: ١٧٣]. الثالث: التوكيد فإنك إذا قلت: زيد الفاضل حكمت له بالفضل، لكن إذا قلت: هو الفاضل زدته توكيدًا، هنا إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُتنطبق عليه هذا، فنقول: (أنت) ضمير فصل للتوكيد والحصر وتَعَيُّن ما أن ما بعده خبر أيش؟ الطلبة: لا صفة. الشيخ: لا صفة. وقوله: إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُالوهَّاب: يعني كثير الهبة، ولا يصح أن تكون نسبة؟ طالب: يصح أن تكون.

الشيخ: يصح، يصح أن تكون للنسبة، ويصح أن تكون للمبالغة، ويمكن أن نقول: إنها للأمرين جميعًا، فهو الوهَّاب يعني الكثير العطاء، وهذه صفة لازمة له، وهو كذلك كثير من يعطي؛ يعني الذين يعطيهم الله كثيرون لا يحصون. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يَدُ اللَّهِ مَلْأَى سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا فِي يَمِينِهِ» شوف كيف؟ طالب: لم ينقص. الشيخ: إي نعم، لم ينقُص. وقال الله تعالى في الحديث القدسي: «يَا عِبَادِيَ، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا غُمِسَ فِي الْبَحْرِ» . وهل هذا ينقص البحر شيئًا؟ لا؛ فالله عز وجل لا يحصي أحد هباته أبدًا، حتى بالنسبة لك أنت بنفسك لا تحصي هبات الله لك وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا [النحل: ١٨]. إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ. في هذه الآية عدة فوائد: أولًا: مشروعية الدعاء بهذه الصيغة؛ لأنه دعاء الراسخين في العلم وأُولي الألباب. من فوائد الآية الكريمة: مشروعية تصدير الدعاء باسم الرب رَبَّنَا. ومن فوائدها: أن الإنسان لا يملك قلبه، ولهذا تسأل الله أن لا يزيغ قلبك، فلا تغتر بنفسك أنك مؤمن، فكم من إنسان مؤمن زل -والعياذ بالله- ولكن اسأل الله دائمًا أن يثبتك، وأن لا يزيغ قلبك، وقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام: «أَنَّ الْقُلُوبَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ، إِنْ شَاءَ أَزَاغَهَا وَإِنْ شَاءَ هَدَاهَا، يُصَرِّفُهَا كَيْفَ يَشَاءُ» .

من فوائد الآية الكريمة: الدلالة على أن بصلاح القلب صلاح جميع الجسد؛ لأنهم قالوا: رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا [آل عمران: ٨]. من فوائد الآية الكريمة: أن للقلب حالين: حال استقامة، وحال زيغ، والإنسان مضطر إلى أن يسأل الله سبحانه وتعالى أن لا يزيغ قلبه حتى يكون مستقيمًا. ومن فوائد الآية الكريمة: التوسل إلى الله تعالى بنعمه لقولهم: بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا [آل عمران: ٨].

ومنها: الثناء على هؤلاء السادة حيث اعترفوا لله تعالى بالنعمة في قولهم أيش؟

الطلبة: بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا. الشيخ: بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا. وهذا داخل في قوله تعالى: وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ [الضحى: ١١].

ومن فوائد الآية الكريمة: أن التخلية تكون قبل التحلية. الشيخ: الكلام هذا معروف؟ الطلبة: نعم. الشيخ: التخلية تكون قبل التحلية؛ يعني يُفرغ المكان من الشوائب والأذى ثم يُطهر، من أين يؤخذ؟ رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَاثم قال: وَهَبْ لَنَاوَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ [آل عمران: ٨]. ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان مضطر إلى ربه في الدفع والرفع، وإن شئت فقل: في الجلب والدفع، لأنهم سألوا أيش؟ أن لا يزيغ قلوبهم بعد إذ هداهم، وسألوا أن يهب لهم منه رحمة، فدعاؤهم أن لا يزيغ قلوبهم هذا دعاء بالدفع ولَّا بالرفع؟ طالب: بالدفع. الشيخ: انتبه، لا تزغ بعد إذ هديت، إذن بالرفع وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةًهذا بالدفع؛ يعني: هب لنا من لدنك رحمة ندفع بها السوء و لَا تُزِغْ قُلُوبَنَاترفع عنا الهداية بعد أن اهتدينا.

ومن فوائد الآية الكريمة: أن العطاء يكون على قدر المعطي لقوله: وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً. هل يمكن أن نجعل هذا من باب التوسل بحال المدعو، أو نقول: إن هذا من باب التوسل بصفات الله عز وجل؟ هذا الثاني أظهر؛ لأنه مر علينا أن التوسل ينقسم إلى ستة أقسام.

ومن فوائد الآية الكريمة: التوسل بأسماء الله لقوله: إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُفإن من مقتضى كونه وهابًا أن يهب لنا من لدنه رحمة. ومن فوائدها أيضًا: أن الإنسان مفتقِر إلى رحمة الله عز وجل، ولهذا سأل الله أن يهَب له من لدنه رحمة.

تفسير الآية (٩)

٠٠:٤١:٥٤

ثم قال الله تعالى: رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ [آل عمران: ٩]. هذا يقول فيه: رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِونقول في إعراب رَبَّنَاكما قلنا في إعراب ما سبق. وقوله: إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ. جَامِعُاسم فاعل، وهنا لم يعمل؛ لأنه أضيف، ولولا الإضافة لكان يقول: ربنا إنك جامعٌ الناسَ، لكن بالإضافة لا يعمل إلا الجر. وقوله: لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِالمعنى: أنه يجمعهم لهذا الوقت، فاللام هنا للتوقيت، فهي كقوله: أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ [الإسراء: ٧٨] أي: وقت دلوكها، أو كقوله: إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ [الطلاق: ١] أي: وقت عدتهن، فالله تعالى جامع الناس لهذا الوقت لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِأي: لا شك، ولكن الريب أبلغ من الشك، وإن كان معناهما متقاربًا؛ لأن الريب فيه زيادة قلق واضطراب مع الشك، والشك خالٍ من ذلك، ولهذا جاءت كلمة ريب الدالّة لمفهومها اللفظي على أن هناك نوعًا من القلق والاضطراب الحاصل بالشك؛ لأن من الشكوك ما لا يولِد هما ولا غمًّا ولا اضطرابًا ولا يهتم به الإنسان، ومن الشكوك ما يهتم به الإنسان ويضطرب ويقلق مثل هذه الأمور العظيمة الواردة في الأخبار باليوم الآخر فإن الإنسان لا بد أن يطمئن اطمئنانًا كاملًا. وقوله: لَا رَيْبَ فِيهِإعرابها: أن (لا): نافية للجنس، و(ريب): اسمها، و(فيه): جار ومجرور متعلق بمحذوف خبرها. إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَالجملة تأكيد لما سبق من كونه تعالى جامع الناس ليوم لا ريب فيه، في هذه الآية يقول الله تعالى عن هؤلاء السادة: إنهم بعد أن يدعو الله بما سبق يخبروا هذا الخبر المعبر عن إيمانهم ويقينهم بأنهم يؤمنون بأن الله جامع الناس ليوم لا ريب فيه، ومن ثم دعوا الله أن لا يزيغ قلوبهم، وأن يهب لهم منه رحمة؛ لأنهم يؤمنون بأن هناك يومًا يجمع الله فيه الناس فيجازيهم بأعمالهم، فيقول الله عز وجل مخبرًا عن هؤلاء: إنهم يقرون بهذا اليوم الآخر، وأن الله تعالى سيجمع الناس أولهم وآخرهم كما قال تعالى: قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ [الواقعة: ٤٩، ٥٠]. وقال تعالى: ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ [هود: ١٠٣] ما أكثر الناس الذين سبقونا، وما أكثر الناس الذين يلحقون بنا والله أعلم، ومع هذا كل هؤلاء الناس سوف يُجمعون في صعيد واحد يُسمعهم الداعي ويَنفُذهم البصر، يسمعهم الداعي؛ لأنه لا يحول بينهم وبين صوته لا شجر ولا جدار ولا جبال ولا أودية، وكذلك ينفذهم البصر؛ لأنهم في أرض مبسوطة غير كُروية فيكون البصر يرى أقصاهم مثل ما يرى أدناهم، وهذا ظاهر أنه إذا كانت الأرض كلها مبسوطة بسط الأديم -كما أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم- فإن أقصاها سيكون مثل أدناها، لكن على شكلها الحاضر كروية كلما بعُد الشيء اختفى عنك منه جزء فيختفي أول ما يختفي عنك الجزء الأسفل، ثم لا يزال يختفي شيئًا فشيئًا حتى لا تراه، فالله تعالى يجمع الناس كلهم في ذلك اليوم من أولهم إلى آخرهم، وهل يجمع غيرهم أيضًا؟ نعم، يجمع الجن، ويجمع غيرهم؟ نعم، ما هي؟ الوحوش والبهائم وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ [التكوير: ٥] وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ [التكوير: ٤]، وغيرهم؟ نعم، الملائكة يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ [النبأ: ٣٨] وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [الفجر: ٢٢]. إذن هذا اليوم يوم عظيم، يوم عظيم، كل عاقل سوف يعمل له، سوف يسأل الله تعالى أن يقيه شر ذلك اليوم. لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ [آل عمران: ٩] لا شك فيه، لا يرتاب فيه المؤمن، لماذا؟ لأنه دل عليه السمع، ودل عليه العقل، ودلت عليه الفطرة، ونقول: دل عليه إجماع المسلمين؟ نعم، دل عليه إجماع المسلمين، واليهود، والنصارى وكل متدين بدين، فلا أدلة تجتمع هذا الاجتماع على مثل الإيمان باليوم الآخر، ولهذا قال: لَا رَيْبَ فِيهِ، دل عليه الكتاب، أظن دلالة الكتاب واضحة، دل عليه الكتاب في عدة آيات لا تحصى، ودلت عليه السنة أيضًا بأحاديث كثيرة لا تُحصى، ودل عليه العقل، ليس دل على إمكانه بل دل على وجوبه، وهذا هو المراد هنا، كيف دل على وجوبه؟ إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ [القصص: ٨٥] إن الذي فرض عليك القرآن وأوجبه عليك لا بد أن يردك إلى معاد فلا يمكن أن يدعك سُدى، إذ ما الفائدة في قرآن ينزل، ورسل تُرسل، ودماء تراق للمخالفين والنتيجة؟ لا شيء، إذن لا فائدة، فلا بد من يوم يجازى فيه الناس على هذه الأعمال، فالعقل يدل على أنه لا بد من أن نحشر إلى الله عز وجل، وأن نجازى بعمل، وأن لا يمكن أن تخلق السماوات والأرض، ويرسل الرسل، وتُنزل الكتب ويكون النتيجة والغاية أن نُرمس في الأرض ولا نعود، لا بد من عودة، ولهذا نقول إن العقل دل على أيش؟ على وجود اليوم الآخر ووقوعه وأنه لا بد واقع. الشيخ: وأيش تكون ما دل عليه أيضًا؟ طالب: الفطرة. الشيخ: فإن الإنسان بفطرته لو تُرك وفطرته لعلم أن له ربًّا يجازيه، وأن الجزاء يكون في الآخرة ويكون في الدنيا، ودل عليه الإجماع؛ إجماع المسلمين أمر متواتر معلوم بالضرورة من الدين بل وإجماع اليهود والنصارى حتى اليهود والنصارى يؤمنون باليوم الآخر، ولهذا إلى يومنا هذا إذا مات منهم الميت يصلون عليه، ويدعون له بالرحمة والمغفرة؛ لأنهم يؤمنون بيوم الحساب، لكن على كل حال هم آمنوا وحرموا فائدة الإيمان، فلم يؤمنوا برسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان إيمانهم بهذا اليوم حُجة عليهم وليس حجة لهم.

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (٩) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ (١٠) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١١) قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ [آل عمران: ٩: ١٢]. الشيخ: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم. قال الله تبارك وتعالى: رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ [آل عمران: ٨] هذه الجملة ما تعلقها بما قبلها؟ طالب: هذه الجملة تعلقها بما قبلها من دعاء الراسخين في العلم.

الشيخ: نعم، من دعاء الراسخين في العلم يعني: يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ [آل عمران: ٧] ويقولون: رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا.

الشيخ: ما معنى الزيغ؟ الطالب: الزيغ هو الميل. الشيخ: ومنه؟ الطالب: زاغت الشمس. الشيخ: أي؟ الطالب: مالت. الشيخ: عن كبد السماء. قولهم: بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَاما مناسبتها لما قبلها؟ طالب: (...) علاقتها بما قبلها؟ الشيخ: نعم، رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا؟ الطالب: من أي ناحية؟ الشيخ: صلتها بما قبلها؟ يعني هل وجودها وعدمها سواء أو وجودها فيه فائدة؟ طالب: فيه فائدة، وهي يعني التوسل إلى الله بأن الله قد هداهم.

الشيخ: نعم، التوسل إلى الله تعالى بهدايته إياهم أن لا يزيغ؟ الطالب: بأن لا يزيغ قلوبهم بعد. الشيخ: بعد الهداية، أحسنت، هذا واحد، الفائدة ثانية؟ طالب: الثناء على الله. الشيخ: صح، الثناء على الله بهدايته فهو من باب التحدث بنِعم الله عز وجل. ما فائدة قوله: مِنْ لَدُنْكَ؟ الطالب: أي: رحمة عندما تكون من لدنه تكون عظيمة، وتكون لا نريدها من غيرك. الشيخ: نعم، يعني الإخلاص، وأن تكون هذه الرحمة عظيمة؛ لأنها من عند الله، هل ورد لها نظير من السنة؟ طالب: تعليم الرسول صلى الله عليه وسلم لأبي بكر قال: الشيخ: علمني دعاء أدعو به في صلاتي. الطالب: علمني دعاء أدعو به في صلاتي. فقال: الشيخ: «قُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ». الطالب: «اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا فَاغْفِرْ لِي». الشيخ: «وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ». الطالب: «إِلَّا أَنْتَ فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ إِنَّك أَنْتَ». الشيخ: «وَارْحَمْنِي». الطالب: «وَارْحَمْنِي إِنَّكَ أَنْتَ». الشيخ: «الْغَفُورُ الرَّحِيمُ» ، نعم. الشيخ: قوله: الْوَهَّابُمن أسماء الله، فمجيئها على هذه الصيغة هل هو للمبالغة أو للنسبة؟ أو لهما جميعًا؟ الطالب: لهما جميعًا. الشيخ: لهما جميعًا، اشرح ذلك؟ الطالب: (...) يكون حال. الشيخ: إيه، نعم. الطالب: ثانيًا: أنها للمبالغة. الشيخ: لا، مبالغة لكثرة من يهب لهم، فإن الموهوب لهم لا يحصيهم إلا الله عز وجل. قوله: جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ [آل عمران: ٩] ما المراد بهذا اليوم؟ الطالب: يوم القيامة. الشيخ: يوم القيامة، وما معنى لَا رَيْبَ فِيهِ؟ الطالب: أي: لا شك فيه. الشيخ: أي: لا شك فيه. إذن ريب مرادف لشك، هل بينهما فرق؟ الطالب: نعم، الريب يكون يعني متردّد بين شك وقلق. الشيخ: شك بقلق. الشيخ: والشك؟ الطالب: شك. الشيخ: شك بدون قلق. يعني يكون متردد لكن ما يكون معه قلق نفسي، لكن هذا؛ لأن الأمر فيه هام يكون فيه قلق لما شك فيه، لكن المؤمنين لا يشكون فيه، لا يرتابون فيه. إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ [آل عمران: ٩] هذه الجملة موقعها مما قبلها للتأكيد، تأكيد وقوع ذلك اليوم، وجه ذلك: أن الله وعد به وهو لا يخلف الميعاد، أي: لا يخلف ما وعد به عز وجل من وقوع هذا اليوم، وهذه الجملة أيضًا إذا تأملتها وجدتها أنها تخالف ما قبلها في السياق؛ لأن ما قبلها السياق فيه للمخاطَب رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ [آل عمران: ٩]، وأما فيها فالسياق فيها للغائب إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَولم يقل: إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ، فهل هذا من باب الالتفات والكلام من متكلم واحد؟ أو هذا من باب الاستئناف وهو من الله لا من قول الراسخين في العلم؟ على قولين للمفسرين؛ فمنهم من قال: إن قوله: إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَمن كلام الله، وليس فيه التفات على هذا التقدير، ومنهم من قال: إنه من كلام الراسخين في العلم، وعلى هذا التقدير يكون فيه التفات، ولكل منهما مرجِّح، فمن رجح الأول قال: إن الالتفات خروج بالكلام عن المألوف، والأصل عدمه، وعليه فيكون الكلام من كلام الله، ومن قال: إنه من كلام الراسخين وفيه التفات قال: لأن الأصل أن الكلام من متكلم واحد لا سيما وأن بعضه مرتبط ببعض إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِإِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَفهو مرتبط بعضه ببعض، وهذا القول عند التأمل أرجح، ويكون فائدة الالتفات أولًا: تنبيه المخاطب؛ لأنه إذا كان الكلام على نسق واحد بقي الإنسان منسجمًا معه لا يتفطن، وتمر به الأشياء وهو ماشي، فإذا اختلف أسلوب الكلام وتغير عليه الأسلوب فحينئذٍ ينتبه، ينتبه لأيش تغير؟ ولماذا تغير؟ فيكون فيه فائدة -أيش- التنبيه؛ تنبيه المخاطب، أما من حيث المعنى فلأن مجيئه بصيغة الغائب أبلغ في التعظيم، كأن الرب عز وجل الذي هو الله كأنه ملِك عظيم -وهو ملك عظيم سبحانه وتعالى- يُتحدث عنه بصيغة الغائب تفخيمًا وتعظيمًا كما يقول الملِك الذي يعظم نفسه للجنود: إن الملك يأمركم بكذا وكذا، أو يقول القائد: إن القائد يأمركم بكذا وكذا بدلًا أن يقول: إني آمركم، وعلى كل تقدير فالصفة هنا من باب الصفات أيش؟ من باب الصفات السلبية أو الثبوتية؟ الطلبة: السلبية. الشيخ: إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَسلبية؛ لأنها صفة نفي، وقد مر علينا أنه لا يوجد في صفات الله صفة سلبية محضة، وأن النفي الموجود في صفة الله متضمن لثبوت كمال ضده، وأنه لكمال ضده لا يوجد هذا الشيء، فهنا لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَضد عدم إخلاف الميعاد ما هو؟

الطلبة: إخلاف الميعاد. الشيخ: إخلاف الميعاد، إخلاف الميعاد يكون إما لكذب الواعد وإما لعجزه، كل من وعدك فأخلفك فهو لأحد أمرين: إما لأنه كذوب يعد فيُخلف، وإما لأنه عاجز، واضح؟ رجل قال: سآتيك غدًا ولم يأتِك، لماذا؟ يحتمل أنه كذوب فوعد وأخلف، كذا؟ وإما لأنه عاجز، هو صادق بأنه سيأتي لكن عجز، جاءه مانع يمنعه من مرض أو غيره ولم يأتِ، إذن انتفاء إخلاف الله الميعاد لكمال صدقه، وكمال قدرته عز وجل، فلكمال صدقه وكمال قدرته لا يخلف الميعاد، وهذه الجملة قلت لكم: كالتأكيد لما سبق رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِلأنك لا تخلف الميعاد ومن لا يخلف الميعاد فلا بد أن ينجز ما وعد ويحققه.

الفوائد: رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِفي هذه الآية فوائد، منها: أن يوم القيامة آتٍ لا ريب فيه لقوله: لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ. ومنها: تمام قدرة الله سبحانه وتعالى بجمع الناس كلهم في هذا اليوم، ومع هذا فإن هذا الجمع لا يحتاج إلى مدة فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (١٤) [النازعات: ١٣ - ١٥]. ومنها: الحكمة حكمة الله عز وجل في جمع الناس لهذا اليوم؛ لأن هذا الجمع له ما بعده، وهو جزاء كل عامل بما عمل كما قال تعالى: يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٩) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٠) [التغابن: ٩، ١٠]. إذن فهذا الجمع لحكمة وهو: جزاء العامل بعمله إن خيرًا فخير وإن شرًّا فشر. ومن فوائد الآية الكريمة: أنه يجب علينا أن نؤمن إيمانًا لا شك فيه بهذا اليوم، فإن شك أحد أو أنكر فليس بمؤمن، فهو كافر. والناس في هذا المقام ثلاثة أقسام، وإن شئت فقل: أربعة: مؤمن إيمانًا لا ريب فيه، وشاكّ، وكافر مُنكر، وكافر مجادِل؛ يعني مع كونه منكرًا يجادل ويخاصم، كفار قريش من أي الأنواع؟ من النوع الرابع، المنكر المجادل، ومن الناس من هو منكر لا يجادل، لكنه في نفسه منكر ما صدق، ومن الناس من هو مُتردد شاكّ، ومن الناس من هو مؤمن إيمانًا يقينيًّا كأنه رأي العين في قلبه. ومن فوائد الآية الكريمة: انتفاء صفة خُلْف الوعد عن الله عز وجل لقوله: إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَوانتفاء هذه الصفة يتضمن كماله في شيئين وهما: الصدق والقدرة، فلكمال صدق الله عز وجل وكمال قدرته لا يخلف الميعاد بل لا بد أن يقع ما وعد به.

تفسير الآيتين (١٠- ١١)

٠١:٠٦:٢٤

ثم قال عز وجل مبينًا حال الكفار في ذلك اليوم فقال: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ [آل عمران: ١٠] إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواأي: كفروا بما يجب الإيمان به، فكفروا بالله، أو باليوم الآخر، أو بالملائكة، أو بالكتاب، أو بالنبيين، أو بالقدر، إذا كفروا بأي واحد من هذه الأشياء الستة فهم كفار، كفار؛ لأن الإيمان لا يتبعض كما قال الله تعالى: وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا [النساء: ١٥٠، ١٥١]. وقال تعالى: أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ [البقرة: ٨٥]. فالذين كفروا نقول بماذا؟ بما يجب الإيمان به؛ وهي الأركان الستة التي بينها الرسول صلى الله عليه وسلم جوابًا لجبريل حين سأله عن الإيمان فقال أيش؟ يلَّا. الطالب: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَبِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ» .

الشيخ: نعم، هذه إذا كفر بواحد منها فهو كافر، الكفار لهم أموال، ولهم أولاد، وربما يعطيهم الله من الأولاد والأموال أكثر مما يعطي المؤمنين، فهل ينتفعون بهذا؟ يقول الله عز وجل: لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًاتُغْنِيَلها معنيان: تمنع أو تدفع، فهؤلاء الأموال والأولاد لا يمنعون عن هؤلاء الكفار شيئًا ولا يدفعون عنهم شيئًا، فهم إن وقع بهم شيء من عذاب الله ما استطاع هؤلاء الأولاد أو هذه الأموال أن ترفعهم، وإن قضى الله عليهم بشيء لم يستطيعوا أن يمنعوه ويدفعوه، إذن لَنْ تُغْنِيَلم تمنع، ولم تدفع، ولم ترفع أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًاأَوْلَادُهُمْالذكور أو الإناث؟ الطلبة: يشمل. الشيخ: يشمل؛ لأن الولد إذا أُطلق فهو شامل للذكر والأنثى، ما الدليل على أن الولد يشمل الذكر والأنثى؟ الطلبة: يُوصِيكُمُ اللَّهُ. الشيخ: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْن [النساء: ١١]. أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًالا في الدنيا ولا في الآخرة، ولهذا تجد الواحد منهم عنده من الأموال العظيمة الكثيرة شيء كثير، ولكن لو جاءه ملك الموت ما منعه، ما منعته هذه الأموال، عنده من الأولاد والحشم والخدم الشيء الكثير ولا تغني عنه شيئًا. وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ [آل عمران: ١٠] أعوذ بالله. وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِنشوف الإعراب أولًا لنفهم المعنى: (أولاءِ) مبتدأ، (وهم) مبتدأ ثاني أو ضمير فصل، (وقود) خبر إما للمبتدأ الثاني وإما للمبتدأ الأول، فإن جعلت (هم) مبتدأ ثانيًا فـ (وقود) خبر للمبتدأ الثاني، وإن جعلت (هم) ضمير فصل فـ (وقود) خبر للمبتدأ الأول، والوَقود بفتح الواو ما يُوقد به كالطَّهور ما يُتطهر به، والسَّحور ما يتسحر به، والفَطور ما يُفطر به بخلاف الضم فُطور، وسُحور، وطُهور، ووُضوء فهي الأفعال يعني فرق بين وَضُو ووُضُو، وطَهور وطُهور، وسَحور وسُحور، السُّحور يعني الفِعل أكل السُّحور، هذا يكون بضم السين، سَحور: ما يتسحر به، فإذا جاء الإنسان بالتمر في آخر الليل، فماذا نسمي هذا التمر؟ سَحور، فإذا أكله سميناه سُحورًا، إذا جاء بماء يتوضأ به فهو وَضوء، وإذا فعل وغسل وجهه ويديه ومسح رأسه وغسل رجليه نسميه وُضوء، وعلى هذا فقِس. وهنا يقول: وَقُودُيعني ما توقد به النار مثل الحطب، الحطب وقود النار، هؤلاء الكفار هم وقود النار، ولها وقود آخر ما هو؟ الطلبة: الحجارة. الشيخ: الحجارة كما قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ [التحريم: ٦]. فهؤلاء وقود النار، وإذا كانوا -والعياذ بالله- وقودها فإنها تتسعَّر بهم أو تُسعر بهم وهي في نفس الوقت تحرقهم نسأل الله العافية. قال: وَقُودُ النَّارِوالنار: اسم من أسماء جهنم، وهي الدار التي أعدها الله تعالى للمكذبين برسلهم، وحرُّها شديد، وفيها زمهرير برده شديد والعياذ بالله، حرها قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّهَا فُضِّلَتْ عَلَى نَارِكُمْ هَذِهِ بِتِسْعَةٍ وَسِتِّينَ جُزْءًا» أعوذ بالله، كم يكون مقدارها؟ الطلبة: سبعين. الشيخ: سبعين، سبعين يعني بالإضافة إلى نار الدنيا تكون أشد منها فتكون مثلها سبعين مرة. كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [آل عمران: ١١]. قوله: كَدَأْبِالكاف للتشبيه، والجار والمجرور خبر لمبتدأ مقدم؛ أي: دأب هؤلاء كدأب آل فرعون، والدَّأْب: يطلق على الشأن، ويطلق على العادة، فمثل هذه الآية: كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَيعني كشأنهم، وإذا قلت: فلان هذا دأبه؛ أي: هذه عادته. كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَأي: أتباعه، وفرعون اسم علم لكل من ملك مصر كافرًا، كل من ملك مصر كافرًا يسمى (فرعون)، كما أن كل من ملك الروم يسمى (قيصر)، ومن ملك الفرس يسمى (كسرى). آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْوقبل آل فرعون أمم، فقوم إبراهيم قبلهم، أو لا؟ الطلبة: نعم. الشيخ: وقوم لوط قبلهم، وقوم نوح قبلهم، وقوم هود قبلهم، وقوم عاد قبلهم؛ يعني قبلهم أمم، ولهذا قال: وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْما دأبهم؟ بينه بقوله: كَذَّبُوا بِآيَاتِنَاأي: كذبوا بكل ما يدل عليها من الآيات الكونية والآيات الشرعية، وأكثر ما يكون أن يكذبوا بالآيات الشرعية؛ لأن الآيات الكونية قل من يُكذِّب بها فالآيات الكونية مخلوقات الله، وقل من ينكر أن يكون الخالق هو الله، لكن الآيات الشرعية التي هي الوحي التي جاءت به الرسل هو الذي يقع فيه التكذيب، فآل فرعون كذبوا بآيات الله، وأيش قال فرعون لموسى؟ قال له: إنك لمجنون. قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ [الشعراء: ٢٧]. وقال: إنه ساحر، ووصفه بأوصاف بالغة وهدَّده: قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ [الشعراء: ٢٩]. وكان يُذبِّح أبناء بني إسرائيل ويستحيي نساءهم، ويقول لقومه: أنا ربكم الأعلى، ويقول: أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ (٥٢) فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ [الزخرف: ٥٢، ٥٣]. وقد ذكر الله سبحانه تعالى قصته في كتابه كثيرًا من أجل اليهود الذين كانوا في المدينة، ومن أجل الأنصار الذين تلقوا من علوم اليهود شيئًا كثيرًا. يقول: وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ [آل عمران: ١١]. أَخَذَهُمُيعني: أهلكهم، بِذُنُوبِهِمْأي: بسبب ذنوبهم، والذنب هو المعصية ومعاصي هؤلاء كلها كفر والعياذ بالله، ولهذا أخذوا. وبماذا أخذ فرعون وقومه؟ أُخذ بالغرق فأُهلك بما كان يفتخر به، كان يقول لقومه: أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي [الزخرف: ٥١] فأُهلك بماذا؟ بالماء الذي كان يجري جنسه من تحته، وكان مفخرة له أهلكه الله عز وجل بالماء، والقصة معروفة فإن فرعون جمع جميع أهل المدائن من أجل الكيد لموسى، فخرج موسى من مصر هو وقومه واتجهوا بأمر الله إلى جهة بحر القُلزم، وهو البحر الأحمر المعروف الذي يفصل بين قارة أفريقيا وآسيا من ناحية جِدة، فلما وصلوا إلى البحر قال أصحاب موسى: إِنَّا لَمُدْرَكُونَ [الشعراء: ٦١] كيف؟ لأن البحر أمامهم وفرعون وقومه خلفهم، فهم هالكون على كل حال، إن ذهبوا إلى البحر هلكوا بالبحر، وإن بقوا هلكوا بفرعون وجنوده فقال موسى عليه الصلاة والسلام: كَلَّا [الشعراء: ٦٢] يعني لستم بمدركين، ثم علَّل ذلك بقوله: إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ [الشعراء: ٦٢] الله أكبر! شوف الإيمان عند الشدائد كيف يكون؟! يرى أن البحر أمامه وفرعون وجنوده خلفه وأصحابه على ما عندهم من الإيمان قالوا: إِنَّا لَمُدْرَكُونَلكنه قال: كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ. الله أكبر! فأوحى الله إليه أن اضرب بعصاك البحر فضرب البحر بعصاه فانفلق بعد كم يوم؟ الطلبة: في الحال. الشيخ: في الحال بلحظة، الدليل أنه بلحظة؟ لأنه قال: فَانْفَلَقَ [الشعراء: ٦٣] أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ [الشعراء: ٦٣] شوف حذف الله حتى الفعل الذي حصل به الانفلاق؛ لأن هذا البحر لما أمر الله تعالى موسى أن يضربه تهيأ للانفلاق بمجرد هذه الضربة التي وقعت عليه انفلق، وكم كان؟ كان اثني عشر طريقًا يبسًا، يبس في الحال، وصاروا يمشون عليه على أقدامهم، وكانت المياه ككتل الجبال، وذكر بعض المفسرين من خبر بني إسرائيل أن الله جعل في هذه الكتل نوافذ يرى بعضهم بعضًا، كل هذه يرى بعضهم بعضا ليطمئن بعضهم على بعض، لما تكامل موسى وقومه خارجين وإذا بفرعون قد دخل هو وقومه فأمر الرب عز وجل البحر فانطبق عليه في الحال فغرقوا عن آخرهم ولما أدرك فرعون الغرق قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ [يونس: ٩٠]، لما رأى العذاب وعاين آمن أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَولكن لم ينفعه ذلك كما قال الله تعالى في أمثاله: فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا [غافر: ٨٤، ٨٥]. ولهذا قيل لفرعون: آلْآنَ [يونس: ٩١] يعني آلآنَ تؤمن أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ؟ يعني هذا الاستفهام للإنكار عليه ونفي انتفاعه بذلك الإيمان، ولكن قال الله تعالى: فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ [يونس: ٩٢] لا لمصلحتك، ولكن لتكون لمن خلفك آية، من الذين خلفه؟ بنو إسرائيل؛ لأن بني إسرائيل كان فرعون قد أرعبهم، ولو لم يظهر لهم بدنه على سطح الماء لكانوا يشكون لعله ما دخل في قومه، لعله سلِم، فأبقى الله جسده: فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَفقط لا بروحك، لماذا؟ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً [يونس: ٩٢] حتى يعلموا أنك قد مت. هل ترون أشد من هذا النكال -والعياذ بالله- بهذا الرجل الطاغية؟ أبدًا، نكال بالغ، جمع قومه، وظهر مظهر العزة ليقضي على موسى وقومه فأخذهم الله تعالى أخذ عزيز مقتدر وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ (٤١) كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ [القمر: ٤١، ٤٢] عز وجل، أخذ عزيز غالِب لا يُغلب، مقتدر لا يعجز سبحانه وتعالى، وأُهلكوا بهذا الماء الذي كان فرعون يفتخر به؛ ولهذا قال: فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ [آل عمران: ١١] و(الباء) هنا للسببية من وجه، وللعوض من وجه آخر، كيف ذلك؟ للسببية يعني أنه بسبب ذنوبهم؛ لأن الله لا يظلم الناس شيئًا، ولكن الناس أنفسهم يظلمون، ولم يأخذ الله أحدًا إلا بذنب، وللعوض من جهة أخرى أنه لم يظلمهم بل جعل جزاءهم من جنس العمل: مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا [الأنعام: ١٦٠].

وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ [آل عمران: ١١] وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِخَتْمُ الآية بهذا الوصف مناسب جدًّا؛ لأن هؤلاء الذين أخذوا بذنوبهم، أخذوا بماذا؟ بالعقاب الشديد الذي لا أشد منه، ولا أظن أن أحدًا -إلى يومنا هذا- يستطيع أن يهلك عدوه كما أهلك الله فرعون، هل يستطيع أكبر دولة في العالم الآن أن تبرح الماء بهذه السرعة حتى يدخل العدو ثم تطبق الماء عليهم؟ أبدًا، لا يمكن، ولكنَّ شديد العقاب عز وجل الرب عز وجل الذي يُنزل عقابه بأعدائه لحكمة كان قادرًا على ذلك وبلحظة فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى [طه: ٧٧]. وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ. يقول الله عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ [آل عمران: ١٠] إلى آخره. يستفاد من هذه الآية الكريمة: أن الكفار لا ينتفعون بأموالهم ولا أولادهم. في هذه من الفوائد: أن الكفار لا تنفعهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئًا. ومن فوائدها: أن المؤمنين قد ينتفعون بأموالهم وأولادهم وهو كذلك، فالمؤمن يتصدق بماله فينتفع، ويدعو له ولده في حياته وبعد موته فينتفع، أما الكافر فلا ينتفع ولو دعا له ولده، أليس كذلك؟ الطلبة: بلى. الشيخ: وهل يحِل لولده أن يدعو له؟ الطلبة: لا يحل. الشيخ: لا، إلا إذا كان حيًّا فيحل أن يدعو له بالهداية، وأما أن يدعو له بعد موته فلا يمكن أن يدعو له. من فوائد الآية الكريمة: أن الكافر يملك، وجهه؟ قوله: أَمْوَالُهُمْفأضاف المال إليهم، وهو دليل على أن الكافر يملك ماله، واختلف العلماء في المرتد الذي يكفر بعد إسلامه، هل يزول ملكه عما تحت يده أو لا؟ فمن العلماء من قال: إنه إذا ارتد الإنسان زال ملكه عما تحت يده، وعلى هذا فلا يصح أن يتصرف فيه، ولكن القول الراجح: أنه لا يزول ملكه إلا إذا مات على ردته فإن ملكه لا ينتقل إلى ورثته، بل إلى بيت المال، ومن المعلوم أننا لو قلنا: بأن المرتد يزول ملكه لحصل إشكال عظيم في عصرنا هذا، ما هو؟ أن بعض الناس لا يصلي، والذي لا يصلي مرتد، فإذا قلنا: بزوال ملك المرتد لزم من ذلك أن كل تصرف يتصرف به في ماله من لا يصلي فهو تصرف غير صحيح، إن باعوا شيئًا لم يصح البيع، وإن اشتروا شيئًا لم يصح الشراء، وإن استأجروا شيئًا لم يصح الاستئجار، وإن آجروا شيئًا لم يصح التأجير، وهذا وإن قال به بعض العلماء لكن الراجح أن ملكه باقٍ على ماله حتى يموت، فإذا مات فإننا نصرف ماله إلى بيت المال، ولا يرثه أحد من ورثته لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ» .

من فوائد الآية الكريمة: بيان قدرة الله عز وجل، وأنه لا ينفع مال ولا بنون من الله شيئًا لقوله: لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا. ومِن غير الله؟ تُغني ولَّا لا؟ الطلبة: لا. الشيخ: لا، تغني، من غير الله تغني، يمكن يدفع شيئًا من ماله ويسلم من القتل، أليس كذلك؟ الطلبة: بلى. الشيخ: ويمكن أن يكون عنده أولاد شجعان، إذا أراده أحد بسوء دافعوا عنه، لكن من الله لا يغني عنهم مال ولا ولد. ومنها، من فوائد الآية: تشجيع قلوب المؤمنين على الكافرين، وجهه؟ أن أموالهم وأولادهم لا تغني من الله شيئًا، فإذا انتصرنا بالله فإن ما عندهم من (...)، والذخائر، والأموال، والأولاد لا يغنيهم من الله شيئًا، أليس كذلك؟ بلى هو كذلك، ولهذا لو شاء الله عز وجل أن يبطل جميع ما فعلوه لأبطله، وأظنكم لا تنسون ما يحصل من الزلازل التي تدمر كثيرًا مما صنعوا، ولا تنسون أيضًا أن ما صنعوه قد يفسد بأيديهم، فكم من انفجارات حصلت في مخازن القنابل الذرية والنووية، وحصل بذلك شر كثير عليهم وعلى من حولهم، لو شاء الله سبحانه وتعالى لأعتم الجو فقط إعتامًا بالضباب ولم يستطيعوا أن يفعلوا شيئًا؛ لأن الله سبحانه وتعالى قدرته وقوته لا يقهرها شيء.