تفسير سورة آل عمران - ٢٣
درس صوتي · ٩١:٣٢
جارٍ تجهيز الصوت
انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها
إعدادات
اختصارات لوحة المفاتيح
محتوى الدرس
وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ [آل عمران: ٧٧] يعني ولا ينظر إليهم نظر رحمة وعطف ورأفة؛ وذلك لأنهم ليسوا أهلًا للرحمة، قال الله تعالى: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَالمن؟ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ [الأعراف: ١٥٦] وأما غيرهم فليس لهم من رحمة الله نصيب في الآخرة. وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِيوم القيامة هو يوم البعث، وسمي يوم القيامة لأمور ثلاثة: الأول؟ طالب: لقيام الناس من قبورهم. الشيخ: لقيام الناس من قبورهم، والثاني؟ طالب: يوم يقوم الأشهاد. الشيخ: يوم يقوم الأشهاد، والثالث؟ طالب: قيام الميزان. الشيخ: يقام فيه العدل: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا [الأنبياء: ٤٧]. وَلَا يُزَكِّيهِمْ [آل عمران: ٧٧] يعني لا يطهِّرهم من آثار رجسهم التي تلوثوا بها في الدنيا، فآثامهم باقية لا تغفر والعياذ بالله، فلا زكاء لهم عند الله؛ لأنهم ليسوا أهلًا للتزكية، ولهذا ينادَى يوم القيامة على الظالمين: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ [هود: ١٨] يعني طرد وإبعادهم عن رحمته. وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [آل عمران: ٧٧] لَهُمْ عَذَابٌالعذاب معناه النكال والعقوبة. أَلِيمٌبمعنى مؤلم؛ لأن فعيل في اللغة العربية تأتي على عدة أوجه، فتأتي بمعنى (فاعِل)، وتأتي بمعنى (مفعول)، وتأتي بمعنى (مُفْعِل). ثلاثة، مثالها بمعنى فاعل؟ طالب: رحيم، سميع، من (...).
الشيخ: سميع، بصير، رحيم، كلها بمعنى (فاعل). مثالها بمعنى مفعول؟ طالب: جريح. الشيخ: قتيل، جريح، ذبيح وما أشبهها. مثالها بمعنى (مُفْعِل) هنا هذه الآية. أَلِيمٌبمعنى (مُؤلم). ومنه قول الشاعر:
أَمِــــنْ رَيْحَانَــــةَ الدَّاعِــــي السَّمِيــــــــعُ
يُؤَرِّقُنِــــــــي وَأَصْحَابِــــــــــــــــي هُجُــــــــــــــــوعُ
الشاهد قوله؟ طلبة: السميع. الشيخ: السميع، ليس معناه الداعي الذي يَسمع بل معناه الداعي الذي يُسمِع يعني الداعي المسمِع، يؤرقني: يعني يطرد النوم عني وأصحابي هجوع. إذن أَلِيمٌبمعنى مؤلِم، هذا هو معنى الآية في كلماتها، ولنرجع الآن إلى الإعراب، الإعراب: لدينا جملة مؤكدة بـ(إنَّ)، و(إنَّ) كما نعلم تنصب المبتدأ وترفع الخبر، فأين اسمها؟ اسمها (الذين) وهو اسم موصول، خبرها جملة: أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ. (أولاءِ) مبتدأ أين خبر أولاء؟ جملة: لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِفصار لدينا الآن مبتدأ خبره جملة، وخبر الخبر الذي هو خبره أيضًا جملة صح؟ وقوله: لَا خَلَاقَ لَهُمْما الذي نصب خَلَاقَ؟ طالب: لا النافية للجنس. الشيخ: اسم (لا)، ولا هنا نافية للجنس، واسمها الذي بعدها إذا كان مفردًا فإنه يُبنى على ما ينصب به، لماذا لا نقول: يبنى على الفتح؟ لأنه قد يبنى على غير الفتح، قد يبنى على الياء، قد يُبنى على الكسر، ولهذا نقول: على ما أيش؟ ينصب به، فإذا قلت: لا رجلينِ في البيت، هذا مبني على أيش؟ طلبة: على الياء. الشيخ: على الياء، مبني على الياء، وإذا قلت: لا مسلمات في الدار، هذا مبني على أيش؟ طلبة: على الكسر. الشيخ: على الكسر، ليس على الفتح، وإذا قلت: لا مسلمين في البلد. طلبة: على الياء. الشيخ: على الياء، إذن فنحن نقول: على ما ينصب به أولى من أن نقول: مبني على الفتح. أنا قلت: إذا كان اسمها مفردًا، فكيف يصح قولي هذا مع أني مثَّلت بمسلمين ومسلمين ومسلمات؟ نقول: النحويون كالفقهاء لهم اصطلاحات في كل موضع بحسبه، المفرد في باب (لا)، ما ليس مضافًا ولا شبيهًا بالمضاف، كذا؟ يعني ولو كان مجموعًا أو مثنى، وفي باب الإعراب ما ليس مثنى ولا مجموعًا كما أن الغنى عند الفقهاء يختلف في الزكاة له تفسير وفي إعطاء الزكاة له تفسير وهكذا. في القراءات في قوله: وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ [آل عمران: ٧٧] فيها قراءة: {إِلَيْهُمْ} {وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهُمْ}، وعندي قاعدة في هذا مكتوبة عندي في المصحف ننظر إليها، يقول: هذه ضوابط في القراءات عامة في جميع القرآن، ضمير هو وهي الأُولى بضم الهاء والثانية بكسرها هو، ويقال: هي عند جمهور القراء مطلقًا، وسكّن الهاء فيهما الكسائي وقالون وأبو عمرو بعد الواو والفاء واللام مثل: فهْو، فهْي، وهْو، لهْي؛ {لَهْوَ الْغَنِيُّ}، [الحج: ٦٤] {لَهْيَ الْحَيَوَانُ} [العنكبوت: ٦٤]، إذن ما شاء الله فصحى: {وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهْيَ الْحَيَوَانُ} يجوز قراءة السبعية، ونقول على رأي الجمهور أيش؟ طلبة: لَهِيَ. الشيخ: لَهِيَبكسر الهاء، وسكَّنها الكسائي وقالون أيضًا في قوله تعالى: {ثُمَّ هْوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ} [القصص: ٦١] {ثُمَّ هْوَ}. ضمير (عليهِم)، (إليهِم)، (لديهِم) مكسور الهاء، وقرأه حمزة بضم الهاء؛ (عليهُم)، (إليهُم)، (لديهُم)، مكسور الهاء ولَّا لا؟
الطلبة: (...). الشيخ: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ [الفاتحة: ٧] نعم، وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ [آل عمران: ٤٤] [يوسف: ١٠٢]، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، يقول: وقرأه حمزة بضم الهاء، ومنه قوله هنا: {وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهُمْ}، {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهُمْ}، {وَمَا كُنْتَ لَدَيْهُمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ} [يوسف: ١٠٢]. هذه الآية من فوائدها: تهديد هؤلاء الذين يشترون بعهد الله وأيْمانهم ثمنًا قليلًا، وينصبّ هذا على العلماء الذين يكتمون ما أنزل الله مداهنة، أو مراعاةً، أو من أجل مال، فإنهم اشتروا بعهد الله ثمنًا قليلًا؛ لأن الله عهد إلى العلماء أن يبيّنوا العلم، وقد مر بنا أن العلماء ثلاثة أقسام، عالِم؟ الطالب: عالم الدنيا، عالم الأمة، عالم الدين. الشيخ: عالم الدين، وعالم الدنيا، وعالم الأمة إي نعم، هذا من كيسك! طالب: عالم دولة، وعالم أمة، وعالم مِلّة. الشيخ: تمام، هذا هو: عالم أمة، وعالم دولة، وعالم مِلّة، عالم الملة هذا لا يشتري بعهد الله ثمنًا قليلًا يبيّن الملة ولا يبالي، وعالم الدولة يشتري بآيات الله ثمنًا قليلًا ليكون له جاه عند الدولة وربما ليُعطى مالًا، عالم الأمة هو الذي يُراعي الأمة ينظر ماذا تشتهي الأمة، فيفتي به أو يقول به، وما لا تشتهيه الأمة يسكت عنه، فإذا رأى الأمة على شيء غير سائغ في الشرع سكت عنه، وإذا طلبوا منه شيئًا غير سائغ في الشرع ولكنه يرى أنه يرضيهم وافقهم عليه. من فوائد الآية الكريمة: تحريم اليمين الغموس لقوله: وَأَيْمَانِهِمْ [آل عمران: ٧٧]. ومن فوائدها: أن اليمين الغموس وعدم القيام بعهد الله من كبائر الذنوب؛ كون ذلك من كبائر الذنوب أمر زائد على كونه محرمًا؛ لأن الكبيرة أعظم من مُطلق التحريم، وما وجه كونها كبيرة؟ لأن فيها وعيدًا، وكل ذنب رُتّب عليه وعيد فهو من كبائر الذنوب. ومن فوائد الآية الكريمة: أن من وفَى بعهد الله وحلف على صدق فإنه لا يُحرم النصيب في الآخرة. ووجهه: أنه إذا كان من اشترى بعهد الله ثمنًا قليلًا أو بيمينه لا خلاق له في الآخرة فإن ضده له خلاق، وهذا الطريق من الاستدلال أخذناه من قول الشافعي رحمه الله على قوله تعالى: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [المطففين: ١٥] قال: في هذه الآية دليل على رؤية المؤمنين لله، كيف ذلك؟ لأنه لما حجب هؤلاء في غضب كان دليلًا على رؤية الآخرين في حال الرضا. من فوائد الآية: إثبات الآخرة لقوله: لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ [آل عمران: ٧٧]. ومن فوائدها: أنه ينبغي للإنسان أن يكون هدفه ومغزاه وما يريد الآخرة، أن تكون الآخرة هي هدفه ومغزاه وما يريد، ولهذا قال: لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِولم يقل: في الدنيا؛ لأنهم قد يكون لهم نصيب في الدنيا ولكن لا خير فيه. ومن فوائد الآية: إثبات الكلام لله، إثبات الكلام لله لقوله: وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ [آل عمران: ٧٧]. ووجه ذلك: أنه لو كان الله لا يتكلم لم يكن لنفي الكلام مع هؤلاء فائدة، فلولا أنه يكلم ما صار عدم تكليمه لهؤلاء عقوبة، واضح؟ ومن فوائدها: أن كلام الله من أفعاله الاختيارية التي يفعلها متى شاء؛ لأن هذا الكلام الذي نفى الله عنه نفاه في وقت معين، وهو أيش؟ يوم القيامة، فدل ذلك على أن الكلام من أفعال الله الاختيارية التي تكون بمشيئته سبحانه وتعالى. ومن فوائد الآية: أن من عقوبة هؤلاء مع حرمانهم من النصيب في الآخرة أن من عقوبتهم أن الله لا يكلمهم، وهذا من أعظم العقوبات والعياذ بالله، ولهذا كان النظر إلى وجه الله من أفضل الثواب وأعظمه وأعلاه بل هو غاية الثواب والفضل. ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات نظر الله لقوله: وَلَا يَنْظُرُوَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ. وفيه دليل على إثبات العين لله، توافقون على هذا؟ طلبة: نعم. طلبة آخرون: لا. الشيخ: لا، ينبغي أن لا توافقوا. طلبة: لا يلزم. الشيخ: لأنه لا يلزم من النظر العين، كما قلنا: إننا نثبت سمع الله، ولا نثبت الأُذن، وهذه مسألة يجب أن تتفطن لها؛ لأنه لا يلزم من الكلام وجود اللسان والشفتين، ولا يلزم من السمع وجود الأذنين، ولا يلزم من النظر وجود العينين. ها فهمت؟ الطالب: نعم. الشيخ: يوم القيامة تحدث الأرض أخبارها، فهل لها لسان وشفتان؟ لا، يُسبّح الحصى بين يدي الرسول صلى الله عليه وسلم، فهل له لسان وشفتان؟ لا. هل تسمع الأرض ولَّا ما تسمع؟ طلبة: تسمع. طالب: ما تسمع.
الشيخ: تسمع. الطالب: الآن؟! الشيخ: الآن تسمع؛ لأنها تحدث أخبارها، فلولا أنها تسمع ما حدّثت، ولما قال الله تعالى للسماوات والأرض ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا [فصلت: ١١] خاطبوه، سمعتا ولَّا لا؟ طلبة: سمعتا. الشيخ: فقالتا: أَتَيْنَا طَائِعِينَهل لها أذن؟ طلبة: لا. الشيخ: ما لها أذن، هل تنظر ولَّا ما تنظر؟ طلبة: تنظر. طالب: ما تنظر. الشيخ: يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا [الزلزلة: ٤] أي: ما عُمل عليها -كما قال السلف- ما عُمل عليها من خير وشر، والذي يُعمل على الأرض إما قول يُسمع وإما فعل يُنظر، إذن فهي ترى، ومع ذلك لا نقول: لها عينان، فإذن لا يلزم من ثبوت نظر الله ثبوت العين، ولكن العين ثابتة بنصوص أخرى، فإن لله تعالى عينين اثنتين لا تماثلان أعين الخلق؛ ودليل ذلك قوله تعالى: وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي [طه: ٣٩] وقوله: وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا [الطور: ٤٨]، وقوله: تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا [القمر: ١٤]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ» فكان إثبات العينين ليس من هذه الآية، ولكن من أدلة أخرى. طالب: يا شيخ هنا نفى الله نفى الكلام. الشيخ: أيش؟ الطالب: أقول: نفى أن يكلم هؤلاء، في الآية الأخرى: قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ [المؤمنون: ١٠٨] يعني هنا تكلم وهنا نفى الكلام؟ الجمع بينهما؟ الشيخ: هل جمعنا بينهما يا جماعة؟ طلبة: نعم، جمعنا. الشيخ: جمعنا فيهما، لكن الظاهر أنه أصابك ما أصاب، نعم اسأل الآن، ويش تقول؟ أيش الجمع بينهما وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ [البقرة: ١٧٤]، وفي آية أخرى قال: اخْسَئُوا فِيهَا [المؤمنون: ١٠٨] فكلمهم؟ الطالب: أن التكليم هنا بمعنى تكليم الرضا.
الشيخ: وهذاك تكليم غضب وتوبيخ، ولهذا قال: اخْسَئُوا فِيهَا. الطالب: ذكرنا يا شيخ ذكرت عينين حقيقيتين. الشيخ: أيش؟ الطالب: أثبت لله عينين، وذكر الله في الآيات اللي ذكرناها تَجْرِي بِأَعْيُنِنَافكيف نجمع بينهم؟ الشيخ: الحديث، إحنا أتينا بالحديث علشان تزول الشبهة التي ذكرت.
الطالب: الجمع؟ الشيخ: الجمع من أجل التعظيم كقوله تعالى: مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا [يس: ٧١] مع أن الله ليس له إلا يدان اثنتان. طالب: يا شيخ، (...) يقصد بها الملائكة؟ الشيخ: أيش؟ الطالب: (أَعْيُننا) يقصد بها عين الملائكة؟ الشيخ: والله ما أدري، أنت إذا قلت لشخص: نظرتك بعيني، هل معناه أنك نظرت بعين ناظر؟ الطالب: لا بِأَعْيُنِنَاالجمع.
الشيخ: أو بأعيننا: تَجْرِي بِأَعْيُنِنَاعين الله عز وجل. طالب: هل يدخل في هذا الوعيد يا شيخ من يحلف من باع على سلعة من السلع يا شيخ، في السعر (...)؟ الشيخ: إي نعم، ماذا تقولون؟ لو حلف على أنه اشترى هذه السلعة بمئة، وهو كاذب هل يدخل في هذا؟ نعم، يدخل، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي ذر الذي أخرجه مسلم: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ» -فأعادها ثلاثًا- قال: من هم يا رسول الله خابوا وخسروا؟ قال: «الْمُسْبِلُ، وَالْمَنَّانُ، وَالْمُنْفِقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ» هذا -والعياذ بالله- داخل فيه. طالب: هل يجوز ائتمان الكفار على الأمانات؟ الشيخ: أيش؟ الطالب: هل يجوز ائتمان الكفار على الأمانات؟ الشيخ: والله منهم الأمين ومنهم الخائن، لكن أعمال الدولة لا ينبغي أن يؤتمنوا فيها، قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ [آل عمران: ١١٨] ولهذا لما كتب أبو موسى إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: إن عندنا رجلًا نصرانيًّا جيدًا في الكتاب والحساب، أريد أن أجعله على بيت المال، قال: لا تجعله، كيف تأتمن من خونّه الله، فكتب إليه مرة ثانية وقال: يا أمير المؤمنين، إن الرجل جيد نحن في حاجة إليه، فرد عليه عمر: من عبد الله أمير المؤمنين عمر بن الخطاب: السلام عليكم، مات النصراني، والسلام .مات النصراني، إذا مات تحييه علشان يكتب لك؟ ما تحييه، قدّر إنه مات وانتهى.
ولهذا ذكر شيخ الإسلام في عدة مواضع من كتبه أنه لا يجوز أن يُؤتمن غير المسلمين على أسرار المسلمين، وأن ذلك من الخيانة، وأن ذلك خطر على الدولة الإسلامية، وذكر أظن في المجلد العشرين أشياء عجيبة رحمه الله في خطر هؤلاء على الأمة الإسلامية، إذا وُلُّوا أشياء من أسرار الدولة، وهو صادق لا شك في هذا، لا شك أنهم أعداء مهما كان. طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، في التدريب على بعض الأسلحة يا شيخ؛ يعني لا يعلمها إلا بعض الكفار؟ الشيخ: إي نعم، هذه ما تدخل في الموضوع، لأن هذه أمور حسية معلومة، هذه ما تدخل، ولهذا استأجر النبي صلى الله عليه وسلم رجلًا مشركًا يدلّه على الطريق في الهجرة.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [آل عمران: ٧٧]. ذكرنا من الفوائد في هذه الآية الكريمة، ومنها: أن هؤلاء الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنًا قليلًا لا ينظر الله إليهم يوم القيامة، والمراد بهم النظر الخاص، أما النظر العام فإن الله تعالى لا يحجب عن بصره شيء. ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات يوم القيامة، وأنه حق لقوله تعالى: يَوْمَ الْقِيَامَةِ. ومن فوائدها: إثبات ما تضمّنه هذا الوصف؛ وهو أنه يقام فيه العدل، ويقوم فيه الناس من قبورهم لرب العالمين، ويُقام فيه الأشهاد. ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن هؤلاء المشترين بعهد الله وأيمانهم ثمنًا قليلًا لا يزكيهم الله لا في الدنيا ولا في الآخرة، ولهذا جاءت الكلمة وَلَا يُزَكِّيهِمْبعد قوله: يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فهؤلاء لا يزكيهم الله في الدنيا، بل يُظِهرُ عُوارهم ويفضحهم في الدنيا حتى يعرفهم العباد، ويعرفوا سقوط عدالتهم وزوال زكائهم، كذلك لا يزكيهم الله يوم القيامة، لا يزكيهم الله يوم القيامة فلا يقبل منهم صرفًا ولا عدلًا. ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات العذاب لقوله: وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ. والعذاب قد يكون في الدنيا وقد يكون في الآخرة، والكائن في الدنيا قد يكون بفعل الله، وقد يكون بفعل عباد الله الذين هم حزبه. فمن أمثلة ما يكون على يد عباد الله قوله تعالى: قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ [التوبة: ١٤] وما حصل على الكفار في غزوة بدر وغيرها. ومما يكون من فعل الله ما حصل يوم الأحزاب؛ فإن الأحزاب تفرّقوا عن المدينة لا بفعل الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه ولكن بما أرسل الله عليهم من الريح والجنود. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن اشتراء الثمن القليل بعهد الله واليمين من كبائر الذنوب، فإن هذه اليمين هي اليمين الغموس التي تغمس صاحبها في الإثم، ثم في النار.
تفسير الآيات (٧٨-٨٠)
٠٠:٢٨:٣٨
ثم قال الله تعالى: وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ [آل عمران: ٧٨]: وَإِنَّ مِنْهُمْالضمير يعود على أهل الكتاب؛ لأن الآيات سياقها واحد، وفي أول الآيات قال: وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ [آل عمران: ٧٥] وهنا قال: وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِاللّيّ معناه العطف، عطف ومنه ليّ الحبل، فمعنى يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْأي: يعطفونها، والليّ هنا يشمل الليّ اللفظي والليّ المعنوي. واللّيّ اللفظي تارة يأتون بكلام من عندهم ويقرؤونه قراءة الكتاب المنزَّل فيتوهم من يسمعه من الناس أنه من الكتاب المنزل؛ يعني يلحن الكلام كما يلحن القرآن، فيظنه السامع أنه من عند الله، هذا نوع. النوع الثاني: اللّيّ من اللفظي: التحريف؛ تحريف الكلم بلفظه كما حرّف بعض المبتدعة قول الله تعالى: وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا [النساء: ١٦٤] إلى قوله: (وكلم اللهَ موسى تكليمًا)، يريد بذلك أن يكون التكليم من موسى إلى الله، أما التحريف المعنوي فهو تفسير الكلام بغير ما أراده الله به، فيقول: معنى الآية كذا وكذا على خلاف ما أرادها الله به.
فصار اللّيّ ثلاثة أقسام: ليّ باللفظ، لكنه لا يتعلق بنفس الكتاب المنزّل، إنما يأتي بكلام من عنده فيأتي به يتغنّى به كما يتغنى بالكتاب المنزّل فيظن السامع أنه من عند الله. والثاني من الليّ: ليّ لفظي يتعلق بتغيير هيئة الكتاب المنزّل، وذلك ما يسمى بالتحريف اللفظي. والثالث: الليّ المعنوي فيقول: معنى الآية كذا وكذا، وهذا لا شك أنه ليّ باللسان يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِلأن الكتاب يريد كذا وهم يقولون: المراد كذا. مَنْ هؤلاء الطائفة؟ نقول: هؤلاء المحرفة الذين يحرفون الكلم عن مواضعه. يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ [آل عمران: ٧٨] اللام هذه يحتمل أن تكون للتعليل، ويحتمل أن تكون للعاقبة؛ والفرق بينهما أن لام التعليل تحمل على الشيء، ولام العاقبة تكون غاية للشيء، فمثلًا إذا قلت: حضرت لأقرأ، اللام؟ طلبة: للعاقبة. طالب: للتعليل. الشيخ: اللام للتعليل؛ يعني أن الذي حملني على الحضور هو القراءة، وإذا قلت: اصطدت هذا الصيد ليكون عذابًا لي. طلبة: للعاقبة. الشيخ: هذه عاقبة، ومنه قوله تعالى: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا [القصص: ٨] فإن آل فرعون لم يلتقطوه لهذا السبب أبدًا، ولو علموا أنه يكون عدوًّا وحزنًا لهم ما التقطوه. هنا لِتَحْسَبُوهُهل المعنى أنهم يلوون ألسنتهم بالكتاب من أجل أن يضلوكم فتظنوا أنه من عند الله، أو أنهم يلوون ألسنتهم بالكتاب من غير قصد فتظنونه من عند الله؟ الظاهر الأول؛ أنهم يفعلون هذا ليوهموا الناس أنه من عند الله لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِأي: لتظنوه من الكتاب المنزّل وهو من الكتاب الملويّ الذي حصل فيه الليّ والتبديل. قال الله تعالى: وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ [آل عمران: ٧٨] هذا إبطال لما أرادوه من ليِّهم ألسنتهم بالكتاب، فيظن الظانّ أنه من الكتاب فقال الله: وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ. أي الكتاب الذي أُشير إليه هنا؟ التوراة إذا كان هذا الليّ واقعًا من اليهود، والإنجيل إذا كان هذا الليّ واقعًا من النصارى، والكتاب -كما تعلمون- اسم جنس صالح لهذا وهذا. وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِهُوَالضمير يعود على ما لَوَوا ألسنتهم بالكتاب، يَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِفأبطل الله هذه الدعوى بقوله: وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [آل عمران: ٧٨].
ولهذا يحسن بالقارئ أن يقف فيقول مثلًا: لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِثم يقول: وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ، وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِويقف ثم يقول: وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ. قال الله تعالى: وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ [آل عمران: ٧٨] أيضًا هم يقولون على الله الكذب سواء بالتحريف اللفظي أو بالتحريف المعنوي. وقوله: يَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَسبق لنا نظيرها، وقلنا: إن يَقُولُونَهنا مضمَّنة معنى يفترون، ولهذا تعدت بـعَلَى، وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَيقولون على الله الكذب في أحكامه، وفي أفعاله، وفي أسمائه، وفي صفاته، وفي كل ما يتعلق به سبحانه وتعالى، فهم مثلًا قالوا: يد الله مغلولة، وكذبوا، وقالوا: إن الله فقير، وكذبوا، وقالوا: إن الله تعب واستراح، وكذبوا، وكل ما وصفوا الله به مما لا يليق به فهم كاذبون فيه. وقوله: وَهُمْ يَعْلَمُونَ [آل عمران: ٧٨] الجملة حالية، حال من الواو في يَقُولُونَيعني يقولون الكذب وهم عالمون بأنه كذب فيكون هذا أشد إثمًا ممن قال الكذب وهو لا يعلم أنه كذب. في هذه الآية من الإعراب، أولًا: قوله: وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا [آل عمران: ٧٨] هذه الجملة مؤكَّدة، مؤكَّدة بكم مؤكِّد؟ طالب: اللام. الشيخ: وغيرها؟
الطالب: وإنّ. الشيخ: وإنَّ. لَفَرِيقًاما الذي نصب فريقًا؟ طالب: اللام يا شيخ. الشيخ: اللام؟ ما هي تنصب اللام، أظنك لست من أبناء سيبويه؟! طيب يلّا؟ الطالب: منصوبة لأنها اسم (إنّ) مؤخر. الشيخ: اسم (إن) مؤخر، صح. وقوله: لِتَحْسَبُوهُلماذا حذفت النون؟ طالب: لأن اللام الجارّة لا يدخلون على الأفعال لازم بعده أنْ مقدرة حتى يؤول بالمصدر أن ناصبة، وأن ناصبة إذا دخل على فعل مضارع ويوجد في آخره شيء فبعده نصبه بحذف النون. الشيخ: طويلة يا شيخ!!
الطالب: لأنه (أن) ناصبة.. الشيخ: إذن لأنه منصوب. الطالب: منصوب. الشيخ: حُذفت النون لأنه منصوب، ناصبه أنْ المقدرة بعد اللام، كذا؟ الطالب: إي نعم. الشيخ: من أي أنواع الأفعال هذا؟ الطالب: من أفعال الذي هو قبل آخره شيء. الشيخ: لا. الطالب: فعل مضارع، فعل مضارع. الشيخ: لِتَحْسَبُوهُ. الطالب: فعل مضارع. الشيخ: إي، من أي الأفعال؟ الطالب: من باب (حسِب- يحسِب). الشيخ: لا. الطالب: من باب (الافتعال). طالب آخر: من الأفعال الخمسة. الشيخ: من الأفعال الخمسة. الطالب: ظنته شيئًا آخر. الشيخ: ولهذا حُذفت النون. فيها قراءتان: {لتحْسِبُوهُ} ولِتَحْسَبُوهُ. قوله: وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِهذه مَا؟ الطالب: نافية. الشيخ: ولها اسم خاص عند النحويين ما هو؟ الطالب: ما نافية. الشيخ: ما هو؟ طالب: ما الحجازية. الشيخ: إي نعم، (ما) حجازية، أين اسمها؟ الطالب: اسمها ضمير. الشيخ: أين هو؟ مستتر؟ لا يستتر الضمير إلا في فعل أو معناه.
طالب: هو. الشيخ: أين هو؟
الطالب: وَمَا هُوَ. الشيخ: وَمَا هُوَأحسنت. قوله: وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِجملة هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِويش محلها من الإعراب؟ الطالب: أيه؟ الشيخ: وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ. الطالب: في محل نصب مقول القول. الشيخ: في محل نصب مقول القول. الْكَذِبَوَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَبآخره؟ ويش محلها من الإعراب؟ الطالب: منصوبة. الشيخ: على أنها؟
الطالب: مفعول ليفترون. الشيخ: ما عندنا يفترون. الطالب: لأنها مقول القول في محل نصب مفعول (...). الشيخ: مفعول يَقُولُونَ؟ الطالب: إي نعم؛ لأنه متضمن معنى القول. الشيخ: ثم قال الله تعالى: مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَإلى آخره [آل عمران: ٧٩].
قوله: مَا كَانَ لِبَشَرٍكلمة مَا كَانَتستعمل في الشيء الممتنع، قال الله تعالى: وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا [مريم: ٦٤] هذا شيء ممتنع النسيان عليه، ممتنع شرعًا وممتنع قدرًا، فقوله تعالى: مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَهذا ممتنع شرعًا وقدرًا، وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّاممتنع قدرًا، بل ممتنع وصفًا؛ لأنه لا يتصور أن يأتي به القدر، مستحيل أن يكون الله تعالى ناسيًا أو نسِيًّا. وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ [الأنفال: ٣٣] ممتنع شرعًا ولو شاء أن يعذبهم وهو فيهم لعذبهم، لكنه ممتنع شرعًا. هنا مَا كَانَ لِبَشَرٍقلنا: إنه ممتنع شرعًا وقدَرًا، وبشر البشر هو الإنسان من بني آدم، وسمي بشرًا لظهور بشَرته، فإن بشرة الإنسان ظاهرة بارزة ليس عليها شعر ولا صوف ولا وبَر، ولا ريش ولا زعانف، بادية، وقيل: سمي بشرًا لظهور أثر البَشارة عليه فيما إذا أخبر بما يسرّه، ولا مانع من أن يكون سمي بشرًا لهذا ولهذا، والحكمة من أن الله تعالى جعل الآدمي بارز البشرة ليعلم الآدمي أنه مفتقر إلى اللباس الحسي فينتقل من ذلك إلى العلم بأنه مفتقر إلى اللباس المعنوي؛ وهو التقوى، وأنه بحاجة إلى أن يعمل الأسباب التي تستره معنى كما هو يعمل الأسباب التي تستره حسًّا، وهذا من حكمة الله عز وجل. يقول: مَا كَانَ لِبَشَرٍأي: لواحد من البشر أي إنسان أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَأَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَأي: يعطيه إياه إيتاء شرعيًّا، وكذلك إيتاء قدريًّا. ثم وَالْحُكْمَ، الحكم يعني بما أوتي من الكتاب، كما قال الله تعالى لنبيه محمد عليه الصلاة والسلام: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ [المائدة: ٤٩]. وَالنُّبُوَّةَيعني الإخبار بالوحي، وإنما قال: وَالنُّبُوَّةَمع قوله: أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَقال ذلك؛ لأنه قد يطلق إيتاء الكتاب على من أُرسل إليهم به، لا من أُرسل به، كما في قوله تعالى: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ [البقرة: ١٤٦] الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ [البقرة: ١٢١]، فالذين أوتوا الكتاب هنا هل هم أنبياء؟ كلام معلوم ولَّا عجمي؟ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْهل هم أنبياء؟ الطلبة: ليسوا أنبياء. الشيخ: إذن لا يلزم ممن أوتي الكتاب أن يكون نبيًّا، ولهذا قال: وَالنُّبُوَّةَلئلا يتوهم واهم أن الذين أوتوا الكتاب هم الذين أرسل إليهم بالكتاب، والمراد بالذي أوتي الكتاب هنا الذي أرسل بالكتاب، لا الذي أُرسل إليهم به، بل الذي أرسل بالكتاب إلى غيره. وقوله: النُّبُوَّةَبتشديد الواو إما أنها من (النَّبْوة) وهي الارتفاع، وعلى هذا فتكون الواو أصلية؛ لأن رتبة النبي أعلى طبقات الخلق، قال الله تعالى: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ [النساء: ٦٩]، وإما أن تكون الواو مسهّلة وأصلها (النُّبوءة) فتكون مأخوذة من (النَّبأ) وهو الخبر، وذلك لأن الرسول مُنبَأ ومُنبِئ، مُنبَأ من قِبل الله عز وجل، مُنبِئ لمن أرسل إليهم يخبرهم ويبشرهم وينذرهم. مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَلم ينتهِ الكلام بعد، لكن الممتنع هو ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ [آل عمران: ٧٩] هذا هو الممتنع، وهو الذي انصب عليه النفي؛ أي: ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب بالرسالة، والحكم بين الناس بهذا الكتاب، والنبوة والرفعة، ثم بعد ذلك مع هذا يقول للناس كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِأي: كونوا متعبدين لي، اعبدوني من دون الله، اعبدوني بالطاعة، اسجدوا لي، اركعوا لي، انذروا لي، وما أشبه ذلك، هذا لا يمكن؛ لأن من آتاه الله الكتاب والحكمة والنبوة إنما جاء لضد هذه الأشياء، ليمحق هذا الشيء لا ليدعو الناس إليه. وقوله: كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِإذا قال قائل: هل المراد: اعبدوني ولا تعبدوا الله، أو المراد: اعبدوني وإن عبدتم الله؟ طلبة: يشتمل. الشيخ: لأن المسألة إما أن يكون الإنسان عابدًا لله وحده، أو عابدًا لغيره، أو عابدًا معه غيره، عرفتم؟ أما العابد لله وحده فهذا مخلص، والعابد لغير الله دون الله هذا؟ طلبة: مشرك. الشيخ: مشرك، أو نقول: مستكبر عن عبادة الله ومتعبّد لغيره، والعابد لله ولغيره هذا مشرك، فنقول: من دعا الناس إلى عبادته وحده دون الله فهذا قد دعاهم إلى عبادته دون الله، واضح، ومن دعا الناس إلى عبادة نفسه ولم ينههم عن عبادة الله فإن حقيقة دعوته أنه دعا الناس ليعبدوه دون الله، كيف ذلك؟ لأن الله غني عن عبادة هؤلاء، فإذا أشركوا بالله غيره تمحضت العبادة لمن؟ لغير الله، تمحّضت لغير الله. لقول الله تعالى في الحديث القدسي: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءُ عَنِ الشِّرْكِ؛ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ» . وبهذا يزول الإشكال في قوله: كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِفنقول: هل أحد قال للناس: اعبدوني ولا تعبدوا الله، أو هل إن المراد بالآية هذه هذا المعنى؟ نقول: لا، لا يتعيّن، فالآية تشمل الوجهين جميعًا، تشمل من دعا إلى عبادة نفسه، وأن لا يُعبد الله، ومن دعا إلى عبادة نفسه وإن عُبد معه الله؛ لأن الأول واضح أنه يقول: اعبدوني ولا تعبدوا الله، والثاني: من لازم الإشراك أن لا تكون العبادة لله؛ لأن الإنسان إذا أشرك مع الله أحدًا فإن عبادته لله باطلة؛ يعني سواء وجدت أم لم توجد، ويحتمل أن يكون المراد بالدون هنا بمعنى سوى عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِأي: من سواه، وليس المراد منع الجمع، بل من سواه أي: معه، فإن صح هذا التفسير فلا إشكال وإن لم يصح فقد علمتم الإشكال وجوابه. قال: وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ [آل عمران: ٧٩] هذا الاستدراك استدراك واقع في مقابلة النفي الذي صُدِّرت به الآية مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُثُمَّ يَقُولَوَلَكِنْإذن لا بد أن يكون هناك حذف، وتقديره: ولكن يقول: كونوا ربانيين، أي: يقول للناس: كونوا ربانيين، كونوا ربانيين كونًا شرعيًّا أو قدريًّا؟ طلبة: شرعيًّا. الشيخ: شرعيًّا؛ لأنه لا يملك أن يقول لهم كونوا كونًا قدريًّا، لكن يملك أن يأمرهم شرعًا بأن يكونوا ربانيين. رَبَّانِيِّينَنسبة إلى الرب ونسبة إلى التربية، فالربّاني هو من كان عبدًا للرب عز وجل، الربّاني هو الذي يربِّي الناس على شريعة الله بالعلم والدعوة والعبادة والمعاملة، إذن الربّاني منسوب إلى التربية وإلى الربوبية، فباعتباره مضافًا إلى الله؟ طلبة: ربوبية. الشيخ: ربوبية، وباعتباره مضافًا إلى الإصلاح؟ طلبة: تربية. الشيخ: تربية. وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَأي: مخلصين للرب متعبدين له. وكُونُوا رَبَّانِيِّينَأي: مربين للخلق على ما تقتضيه الشريعة. بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ [آل عمران: ٧٩] (الباء) هنا للسببية؛ أي: بسبب تعليمكم الكتاب. بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَلأن الذي يعلّم الكتاب مربّي، ولهذا كل ما كثر الطلبة عند شخص كثرت تربيته للناس؛ لأن المفروض في المعلّم أن لا يكون معلمًا للناس تعليمًا نظريًّا جدليًّا؛ لأن هذا يمكن أن يدركوه بالكتب، لكن ينبغي أن يعلمهم تعليمًا نظريًّا وتعليمًا تربويًّا، وهذا هو هدي النبي عليه الصلاة والسلام مع أصحابه، إذا نظرتم إلى السيرة النبوية وجدتم كيف كان الرسول صلى الله عليه وسلم يُعلّم الناس تعليمًا مقرونًا بالتربية مصحوبًا بها، وإذا تأملتم سيرة الخلفاء الراشدين وجدتموها كذلك، فانظروا مثلًا إلى عمر بن الخطاب رفع عقوبة الخمر إلى ثمانين ليردع الناس، ومنع المطلِّق ثلاثًا من الرجوع إلى زوجته من أجل أن يردع الناس، فالحقيقة أن العالم ليس هو الذي يملأ أذهان الناس علمًا، أو المعلم ليس هو الذي يملأ أذهان الناس علمًا، ولكن الذي يملأ أفكارهم أو أذهانهم علمًا وأخلاقهم تربية.
طالب: مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩) وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (٨٠) وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٨١) فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [آل عمران: ٧٩ - ٨٢].
الشيخ: نعوذ بالله من الشيطان الرجيم. قال الله تبارك وتعالى: وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ [آل عمران: ٧٨] الضمير في قوله: مِنْهُمْيعود؟ طالب: إلى أهل الكتاب. الشيخ: إلى أهل الكتاب، ما الدليل؟ الطالب: لأنهم هم الذين حرّفوا الكتاب. الشيخ: لكن ما فيه شيء من السياق ما يدل عليه؟ طالب: في بداية الآيات قال: وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ [آل عمران: ٧٥]؟ الشيخ: وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُنعم تمام. ما الذي نصب فَرِيقًا؟
الطالب: إنَّ. الشيخ: (إنَّ) على أنها أيش؟ (إنَّ) ويش تعمل؟ الطالب: تنصب المبتدأ وترفع الخبر. الشيخ: طيب إذن على أنها أيش؟
الطالب: منصوبة، مبتدأ. الشيخ: كيف مبتدأ لو كان مبتدأ مرفوع؟ الطالب: تنصب المبتدأ اسم (إنَّ) موخر. الشيخ: نعم، على أنها اسم (إنَّ) مؤخرًا. قوله: يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِكيف هذا الليّ؟ أو ما هذا الليّ؟ الطالب: الليّ ينقسم إلى قسمين: قلنا: إنه ليّ لفظي، وليّ معنوي. الشيخ: طيب الليّ المعنوي ما المراد به؟ طالب: هو عطف، هو أن يعطفوا بألسنتهم آيات الكتاب. الشيخ: أيش؟ الطالب: قلنا إنهم يغيرون معاني الكتاب. الشيخ: تغيير المعنى، وسمى الله تغيير المعنى ليًّا؛ لأنه صرف للكلام عن ما يراد به. الشيخ: طيب، التغيير اللفظي؟
الطالب: هو تغيير نفس اللفظ. الشيخ: يعني ليس له إلا وجه واحد؟ طالب: نعم، لا، الليّ اللفظ يشمل المعنى. الشيخ: لا. طالب: الليّ اللفظي قد يكون بأنه يأتي بصوت مثل صوت القرآن يتغنّي به ويُوهم السامع. الشيخ: والكلام من عنده. الطالب: والكلام من عنده ويوهم السامع أنه كلام الله سبحانه وتعالى، أو ربما يغيّر ذات اللفظ فيحرّفه ويغير كلمة أخرى ويقول: هذا من عند الله عز وجل. الشيخ: تمام، إذن تارة يكون الليّ يأتي بكلام من عنده وينسبه إلى الله، وتارة يأتي بالليّ بنفس الكتاب لكن يحرف ألفاظه يبدّل ويغيّر. اللام في قوله: لِتَحْسَبُوهُ، أيش اللام دي؟ الطالب: اللام للتعليل. الشيخ: للتعليل. وفي (تحسبوه) قراءة؟ طالب: لِتَحْسَبُوهُ، القراءة الثانية؟ الشيخ: إي نعم. الطالب: (...). الشيخ: لا. طالب: (تَحْسِبوه). الشيخ: (تَحْسِبوه) بالكسر؛ يعني بكسر السين، وأيش؟ الطالب: وفتحها. الشيخ: وفتح السين. قوله: مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ [آل عمران: ٧٩] على أي شيء يَنصبّ النهي؟ طالب: على الذين عندهم العلم. الشيخ: على الأول أو على الثاني أو عليهما جميعًا؟ طالب: على الذين (...) الله عز وجل (...). الشيخ: يعني هل الممتنع أن يقول البشر للناس: كونوا عبادًا لي من دون الله، أو الممتنع أن الله يؤتيهم الكتاب والحكم والنبوة، أو الممتنع أن يقول للناس: كونوا عبادًا لي مع إتيان الحكم والنبوة؟ الطالب: الأخير. الشيخ: الأخير، إذن يكون النهي على مجموع الحالين. أنتم فاهمين يا جماعة؟ طلبة: نعم. الشيخ: قوله: وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَمحل الجملة وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَويش محلها من الإعراب؟ طالب: كُونُوا رَبَّانِيِّينَمحلها من الإعراب معطوفة.. الشيخ: كُونُوا رَبَّانِيِّينَبس هذه ويش محلها من الإعراب؟ طالب: في محل نصب مقول القول. الشيخ: وين القول؟ الطالب: ولكن يقولوا، على تقدير محذوف ولكن يقولوا: كونوا ربانيين. الشيخ: إي، ولكن يقول: كونوا ربانيين. من هو الرباني؟ الطالب: الربّاني تارة يضاف إلى الله، وتارة إلى المربي، فإن أضيفت إلى الله كان هذا الشخص ربانيًّا بطاعته لله تعالى وبعبادته، وإذا أضيف للتربية أي ربّوا الناس بشريعة الله عز وجل. الشيخ: إي يعني رباني إما من الربوبية أو من التربية، فإن كان من الربوبية فمعناه؟ الطالب: إن كان من الربوبية يكونوا عبادًا لله مخلصين مطيعين له عاملين بشريعته. الشيخ: وإن كان من التربية؟ الطالب: أي: ربّوا الناس بشريعة الله. الشيخ: تمام. وقوله: بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَقال: بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَالباء هذه للسببية و(ما) مصدرية أي: بكونكم، فإذا قال قائل: ما هي علامة ما المصدرية؟ قلنا: علامتها أن يحوَّل ما بعدها إلى مصدر، تُسبق هي وما بعدها بمصدر فيكون ما بعدها مصدرًا، فقوله: بِمَا كُنْتُمْأي: بكونكم تعلّمون، وقوله: تُعَلِّمُونَفيها قراءتان: إحداهما: تُعَلِّمُونَأي: تعلمون غيركم من التعليم، وقراءة أخرى: {بِمَا كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} أي: تعلمون أنتم بأنفسكم، وأيهما أعم تُعَلِّمُونَأو {تَعْلَمُونَ}؟ طلبة: تُعَلِّمُونَ. الشيخ: تُعَلِّمُونَ؛ لأنه لن يُعلِّم إلا من علم، ولكن مع ذلك نقول: إن القراءتين كل واحدة منهما تدل على معنى لازم من الآخر، فيكون المعنى بما كنتم تعلَمُون وتُعَلِّمُون. وقوله: الْكِتَابَهذا مفعول على التشديد أي: تُعَلِّمُونَ، لكنه مفعول واحد وحذف المفعول الثاني، أي: بما كنتم تعلِّمون الناس الكتاب، وأما على قراءة {تَعْلَمُونَ} فالكتاب مفعول واحد فقط ولا تتعدى إلى مفعولين. وقوله: تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَالمراد بالكتاب الجنس ليشمل التوراة والإنجيل والبعض منها والكل. وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَأي: بما كنتم تقرؤون أنتم، بما كنتم تعلَمون وتدرسونه تقرؤونه، فيكون عندكم للكتاب علم لفظي وعلم معنوي؛ فالعلم اللفظي يكون بالدراسة والمعنوي يكون بالعلم والتعليم. وقوله: بِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَنقول فيها ما قلنا فيما سبقها بأن الباء للسببية و(ما) مصدرية. ثم قال: وَلَا يَأْمُرَكُمْ [آل عمران: ٨٠] فيها قراءتان، قراءة: {وَلَا يَأْمُرْكُمْ} وقراءة: وَلَا يَأْمُرَكُمْ. أما على قراءة النصب وَلَا يَأْمُرَكُمْفهي معطوفة على قوله: ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ [آل عمران: ٧٩] يعني ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يأمركم أن تتخذوا الملائكة، فتكون معطوفة على قوله: ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ. وأما على قراءة التسكين فإن الفتحة تقدَّر عليها؛ لأن التسكين هنا ليس تسكين إعراب ولكنه تسكين تخفيف، تخفيف اللفظ؛ لأن قول القائل: ولا يأمُرْكُم أخفّ من قوله: ولا يأمُرَكم، توافقون على هذا؟ طلبة: نعم. الشيخ: ولا يأمركم أخف من قوله: ولا يأمرَكم، فالتسكين هنا ليس تسكين إعراب ولكنه تسكين تخفيف، ولهذا نقول: هو منصوب على القراءتين، لكنه منصوب على قراءة الفتح بالفتح الأصل، ومنصوب على قراءة التسكين بفتحة مقدرة على آخره، وسُكّن للتخفيف. وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا [آل عمران: ٨٠] يعني وما كان له أن يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابًا كما أنه لا يقول لكم: كونوا عبادًا لي فإن هذا مستحيل غاية الاستحالة أن يمنّ الله على شخص بالكتاب والحكمة، ثم يأمر الناس بعبادته أو يقول: اعبدوا الملائكة والنبيين اتخذوهم أربابًا هذا شيء مستحيل. وقوله: الْمَلَائِكَةَالملائكة جمع (ملَك) وأصله (مَأْلَك) من (الأَلُوكة) وهي الرسالة، فصار قُلِب على وجه الإعلال الصرفي إلى (مَلْأَك)، فُزحزحت الهمزة إلى مكان اللام وقُدّمت اللام إلى مكان الهمزة، وأصل (الأَلُوكة) هي الرسالة، ولهذا قال الله تعالى: جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا [فاطر: ١]. للمرة الثانية نقول: الملائكة جمع (ملَك) وأصله من (الألوكة) وهي الرسالة، وعلى هذا فيكون أصلها (مَأْلك)، ثم نقلت الهمزة إلى محل اللام واللام إلى محل الهمزة فصار (مَلْأك) وملأك جمعه (ملائك) والتاء للتأنيث اللفظي، ثم خُفّفت أيضًا (ملأك) بحذف الهمزة فصارت ملكًا. الملائكة هم عالم غيبي خلقهم الله عز وجل من نور، لا يأكلون، ولا يشربون، ولا يتناسلون وإنما هم عباد لله مكرمون لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ [الأنبياء: ٢٧]، ولهم أعمال وأوصاف سبق لنا الكلام عليها بما يغني عن إعادته. قال: وَالنَّبِيِّينَفيها قراءة: {وَالنَّبِيئِينَ} على تحقيق الهمزة. أَرْبَابًاجمع (ربّ) يعني أربابًا تعبد من دون الله وتُقصد من دون الله، فإن هذا مستحيل أن يقع ممن آتاه الله الكتاب والحكم والنبوة. قال الله تعالى: أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران: ٨٠] الاستفهام هنا للنفي؛ يعني لا يمكن أن يأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون. وفي قوله: يَأْمُرُكُمْقراءتان: {يَأْمُرْكُمْ} تخفيفًا، ويَأْمُرُكُمْعلى الأصل، وقوله: بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَيعني بعد أن تقرر إسلامكم وثبت فإنه لا يمكن أن يأمركم بالكفر. قال الله تعالى وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ}.
من فوائد هذه الآية وما بعدها: أن فريقًا من أهل الكتاب يحرفون الكلم إما لفظًا وإما معنى. ومن فوائد الآيات: سوء مقصد هؤلاء الذين يلوون ألسنتهم بالكتاب، ما هو المقصد؟ لإضلال الناس ليحسبوه من الكتاب. ومن فوائدها: أن الله عز وجل يحب من عباده الهدى وأن يهتدوا، ولهذا قال: وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ [آل عمران: ٧٨] حتى لا يغتر الناس بهذا الليّ الذي حصل من هؤلاء. ومن فوائد هذه الآية: الحذر من الكفار، ومن زخارف القول التي تصدر منهم؛ لأنهم يلبسون الحق بالباطل ويريدون أن يضلّوا الناس. ومن فوائد هذه الآية أيضًا: الحذر ممن اتصف بصفاتهم من هذه الأمة فصاروا يلوون ألسنتهم بالكتاب، وإنما قلنا ذلك؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ» فإذا كان في أهل الكتاب من يلوون ألسنتهم بالكتاب فسيوجد في هذه الأمة أيضًا من يلوي لسانه بالكتاب. ومن فوائد هذه الآية الكريمة أيضًا: أن أهل الكتاب منهم من يفتري الكذب على الله؛ ومن ذلك كذبهم في عقوبة الزاني المحصن، فإن عقوبة الزاني المحصن عندهم الرجم؛ أن يُرجم حتى يموت، ولكن لما كثر الزنا في أشرافهم عدلوا عن هذا وقالوا: كيف نقتل أشرافنا؟ إذن ماذا نعمل؟ قالوا: نسوّد وجهه ونطوف به هو والمرأة التي زنا بها على حمار يكون دبر أحدهما إلى دبر الآخر وهما راكبان على الحمار ونطوف بهم في العشائر بين الناس، ثم تنتهي القضية، فحرَّفوا وكتموا؛ حرَّفوا حيث ادعوا أن هذا هو حد الزنا للمحصن، وكتموا حيث قالوا: ليس في التوراة الرجم، ولهذا لما أنكروا أن يكون في التوراة الرجم طلب النبي صلى الله عليه وسلم منهم أن يأتوا بالتوراة، فأتوا بها، فجعل القارئ يقرأ ووضع يده على آية الرجم، لأيش؟ لأجل أن يخفيها، ولكن أُمِر أن يرفع يده، فلما رفع يده وإذا بآية الرجم تلوح بينة واضحة، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم برجمهما؛ أي رجم الزاني والزانية، فالحاصل أن من طريق أهل الكتاب أنهم يقولون على الله الكذب وهم يعلمون. ثم قال الله تعالى: مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ [آل عمران: ٧٩]. إلى آخره. فمن فوائد هذه الآية: الرد على النصارى الذين زعموا أن عيسى عليه الصلاة والسلام له الحق في أن يُعبد من دون الله، ولهذا يقول الله له يوم القيامة: أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ [المائدة: ١١٦]، فيقول: سُبْحَانَكَيعني لا يمكن أن أقول هذا، والنصارى يدَّعون أن من دينهم التثليث؛ أي: أن الله ثالث ثلاثة. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن مَن مَنَّ الله عليه بالعلم النافع فإنه لا يمكن أن يدعو الناس إلى عبادة نفسه فيقول: كونوا عبادًا لي من دون الله. ومن فوائدها: أن من ألزم الناس أو أراد منهم أن يتّبعوا قوله مهما كان فإنه قد أمرهم أن يتخذوه بل قد جعلهم عبادًا له؛ لأن طاعة الشخص من العبادة كما قال الله تعالى: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ [آل عمران: ٧٩] فقال له عدي بن حاتم: يا رسول الله، إنا لسنا نعبدهم، قال: «أَلَيْسَ يُحِلُّونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَتُحِلُّونَهُ، وَيُحَرِّمُونَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فَتُحَرِّمُونَهُ؟». قال: نعم. قال: «فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمْ» فقد لا يقول الإنسان للناس: اعبدوني اركعوا لي واسجدوا، لكن قد يقول: التزموا بما أقول، وهذا نوع من العبادة. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن مَن مَنَّ الله عليه بالكتاب والحكمة والحكم والنبوة فإنه لا يأمر إلا بخير لقوله: وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ [آل عمران: ٧٩]. ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: الإشارة إلى أنه ينبغي للإنسان أن يكون معلّمًا ربانيًّا لقوله: وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَأما ما يحصل من بعض الناس وهو أن يكون معلمًا لا ربانيًّا فإن علمه قاصر، قاصر جدًّا؛ لأن فائدة العلم وثمرته هو العمل والتأدب بآداب العلم، فإذا كان هذا الرجل يملأ أدمغة الطلاب علمًا ولكن ليس هناك سلوك وأخلاق وأعمال وعبادة فإن تعلميه ناقص جدًّا، ولهذا قال: وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ. ومن فوائد الآية الكريمة: الرد على منكري الأسباب لقوله: بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَوالباء للسببية، ولا شك أن الأسباب ثابتة، ولكنها ليست مستقلة بالإيجاد أو الإعدام، بل هي مؤثرة بما أودع الله فيها من قوة التأثير، وبهذا ندفع شبهة من قالوا بنفي الأسباب محتجّين بأن إثبات الأسباب يستلزم إثبات خالق مع الله، ونحن نقول لهم: إننا نثبت الأسباب لكنها أيش؟ طالب: غير مؤثرة بنفسها. الشيخ: لا تؤثر بنفسها، بل بما أودع الله فيها من القوة، والدليل على هذا أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام لما ألقي في النار قال الله للنار: كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ [الأنبياء: ٦٩] فكانت بردًا وسلامًا عليه، ما تأثر بها مع أنها مُحرقة، قال أهل العلم: ولو قال الله تعالى: كوني بردًا ولم يقل: وسلامًا لأهلكته من البرد؛ لأنها تمتثل أمر الله عز وجل. ومن فوائد الآية الكريمة: أن المعلم للناس يصح أن نسميه ربانيًّا؛ لأنه قال: وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ [آل عمران: ٧٩]، ولهذا نجد في تراجم العلماء رحمهم الله نجد كثيرًا ما يصفون العالم بأنه العالم الرباني.
ومن فوائد الآية الكريمة في قوله: وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ [آل عمران: ٨٠] إثبات الملائكة، والإيمان بهم أحد أركان الإيمان الستة، فلا يتم إيمان العبد حتى يؤمن بالملائكة. ومن فوائدها أيضًا: أن هذا الذي منّ الله عليه بالكتاب والحكم والنبوة لا يمكن أن يأمر غيره باتخاذ الملائكة والنبيين أربابًا كما أنه لا يدعو الناس إلى عبادة نفسه. ومن فوائد الآية الكريمة: أن من أمر غيره أن يكون عبدًا له فقد أمر بالكفر، ومن أمر أن تُتخذ الملائكة والنبيون أربابًا فقد أمر بالكفر لقوله تعالى: أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران: ٨٠]. ومن فوائدها: أن هذا الكفر مخرج عن الملّة لقوله: بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ.
تفسير الآيات (٨١-٨٣)
٠١:٢١:٤٢
ثم قال الله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ [آل عمران: ٨١] (إذْ) مفعول لفعل محذوف تقديره: (اذكر). وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَيعني اذكر يا محمد لمن أرسلناك إليهم، اذكر هذا العهد والميثاق. أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَوالميثاق هو العهد، وسمي الميثاق عهدًا؛ لأن كلًّا من المتعاهِدين يتوثق به مع الآخر، كالوثاق الحبل الذي يشد به الإنسان. وقوله: مِيثَاقَ النَّبِيِّينَيشمل الرسل؛ لأن كل رسول فهو نبيّ. وقوله: لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ [آل عمران: ٨١] فيها ثلاث قراءات: لَمَا آتَيْتُكُمْ، {لِمَا آتَيْتُكُمْ}، {لَمَا آتَيْنَاكُمْ}، وعلى كل القراءات ففيها التفات، منين؟ طالب: من الغيبة.
الشيخ: من الغيبة إلى الحضور. وقوله: لَمَا آتَيْتُكُمْفي اللام قراءتان: الكسر والثاني الفتح. وقوله: آتَيْتُكُمْيعني: أعطيتكم، والإيتاء هنا يراد به ما آتاه الله النبيين من أمور الشريعة، ولهذا قال: مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍالكتاب معروف كالتوراة والإنجيل، والحكمة: الحكم بين الناس وإصابة الصواب؛ لأن الحكم بين الناس وإصابة الصواب من تنزيل الأشياء منازلها، وهذا هو الحكمة. ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّه [آل عمران: ٨١] يعني ما آتيتكم من الكتاب والحكمة إذا جاءكم رسول مصدق لما معكم فإنكم تؤمنون به وتنصرونه. وقوله: مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْله معنيان: المعنى الأول: أنه يصدق ما سبقه من الكتب، فيقول مثلًا: إن التوراة حق، والإنجيل حق، وما أشبه ذلك. المعنى الثاني: أنه يقع مصداقًا لما سبقه من الكتب؛ لأن الكتب أخبرت به، فإذا جاء مطابقًا لما أخبرت به صار أيش؟ صار مصدقًا لها، فيكون على هذا الوجه يكون شهادة لهذا الكتاب بأنه حق، ويكون على الوجه الأول شهادة لأن الكتب السابقة حق، الفرق إذن بين المعنيين واضح. مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْقلنا: له معنيان: أحدهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم شهد بصدق ما سبقه من الكتب. والثاني: أن رسالته كانت أيش؟ مصداقًا لما أخبرت به الكتب السابقة؛ لأن الله تعالى يقول في النبي صلى الله عليه وسلم: الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ [الأعراف: ١٥٧] فإذا جاء على الوصف الذي جاءت به التوراة والإنجيل وقع مصداقًا لها؛ لأنها أخبرت بشيء فجاء هذا الشيء فيكون مصدّقًا، أرأيت لو أن أحدًا من الناس قال: إن فلانًا سيقدم اليوم بعد الظهر، فقدم، صار هذا الذي قدم مصدّقًا لما أخبر به، إذن لما قالت الرسل إن محمدًا رسول الله يُبعث على الوجه الذي ذكر الله يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فجاء مطابقًا لما أخبرت به صار مصدِّقًا لها. مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْأي: للذي معكم، من أيش؟ من الكتب السابقة التي جاؤوا بها. لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ [آل عمران: ٨١] هذا محل الميثاق، يعني إذا جاءكم هذا الرسول المصدِّق لما معكم فإن ميثاقي عليكم لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ [آل عمران: ٨١]، تُؤْمِنُنَّ بِهِأي: تؤمنن بأنه حق، وَتَنْصُرُنَّهُأي: تعينونه على نشر رسالته وعلى قتال أعدائه؛ لأن النصر هنا يشمل النصر بالعلم وبالسلاح. قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا [آل عمران: ٨١] لما أخبر أنه أخذ عليهم العهد والميثاق قرَّرهم في هذا قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا. وقوله: أَأَقْرَرْتُمْأي: اعترفتم والتزمتم بذلك. وقوله: أَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِيأي: أخذتم العهد الثقيل؛ لأن الإصْر الذي جمعه (آصار) بمعنى الأشياء الثقيلة، فإصري أي: عهدي الثقيل. قَالُوا أَقْرَرْنَافيها قراءة عندنا قَالَ أَأَقْرَرْتُمْفيها {آأَقْرَرْتُمْ} بمد الألف الأولى. قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا [آل عمران: ٨١]. قَالُوا أَقْرَرْنَايعني اعترفنا والتزمنا بأن نؤمن به وننصره. قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ. اشْهَدُوايعني ليشهد بعضكم على بعض، ولتشهدوا كلكم على الميثاق الذي بيني وبينكم. وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَوكفى بالله شهيدًا، فاستشهدهم على أنفسهم وشهد عليهم عز وجل بما حصل. نرجع الآن إلى الإعراب، قلنا: إِذْ أَخَذَ اللَّهُمفعول لفعل محذوف تقديره: (اذكر إذ أخذ الله). وقوله: لَمَا آتَيْتُكُمْفيها قراءتان: لَمَاو{لِمَا} على قراءة {لِمَا} تكون اللام للتعليل، وما اسم موصول أي: للذي آتيتكم من كتاب وحكمة لتؤمنن به، فيكون التعليل سابقًا على المعلّل، والتقدير على هذا: وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لتؤمنن بهذا الرسول لِما آتيتكم من كتاب وحكمة، فاللام إذن للتعليل، وأما على قراءة الفتح؛ فتح اللام فاللام هذه قيل: إنها لام الابتداء وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ [آل عمران: ١٨٧] للذي آتيتكم -يعني إياه- من الكتاب والحكمة ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ [آل عمران: ٨١] أي: بهذا الرسول، فتكون (ما) اسمًا موصولًا كالأول.