تفسير سورة آل عمران - ٢٠
درس صوتي · ٩١:١٥
جارٍ تجهيز الصوت
انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها
إعدادات
اختصارات لوحة المفاتيح
محتوى الدرس
يعني ومن الناس من يكون ظاهريًّا محضًا لا ينظر إلى مقاصد الشريعة ومعانيها العظيمة التي يُقصَد بها إصلاح الخلق، فتجده مثلًا يريد أن ينفذ شيئًا من المسائل التي لا تعتبر ذات شأن كبير في الإسلام وإن فات بذلك مصلحة عظيمة كبيرة، منها مسائل الخلاف التي يظهر فيها النزاع والمباينة بين المسلمين، ولها أمثلة كثيرة ممكن تفهمونها، تجد مثلًا بعض الناس يقول: لا بد أن ننفذ هذا لشيء وإن كان سنة وإن كان يلزم على تنفيذه تفرق المسلمين وعداوتهم وحدوث البغضاء بينهم، لا ينظر إلى أن الشرع في الحقيقة مبني على الألفة وائتلاف القلوب، حرم البيع على بيع مسلم لأن ذلك يؤدي إلى العداوة والبغضاء، النجش، الخطبة على خطبة أخيه، أشياء كثيرة إذا تأملتها وجدت أن هذا الشرع يرمي إلى أن يأتلف الناس وتتفق القلوب واتحاد الأهداف، وأن المسائل الجزئية إذا خيف منها فتنة تترك، والحمد لله أنت هل عليك لوم إذا تركت الأدنى للأعلى؟ ليس عليك لوم، بل لك المدح، اللوم أن تفعل الأدنى لتفرط في الأعلى، هذا اللوم، ولهذا نعلم علم اليقين أن الصحابة أفقه منا بكثير، وأقوم منا في أعمالهم، وأنهم أشد منا حبًّا لشريعة الإسلام، ومع ذلك يتوافق بعضهم مع بعض في أمور لا يرونها، لكن من أجل المصلحة وائتلاف الناس واتفاق القلوب. ولا يخفى عليكم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم امتنع من هدم الكعبة وبنائها على قواعد إبراهيم مع أن هذا هو الذي يتمناه، وهو الذي همّ به خوفًا من أيش؟ خوفًا من الفتنه؛ لأن قريشًا كانوا حديثي عهد بكفر .
وكان عليه الصلاة والسلام يترك ما يحب لمصلحة الناس، كان يصوم في السفر ولما قيل: إن الناس قد شقَّ عليهم ماذا فعل؟ أفطر بعد العصر، ورفع الماء، وهو على بعيره، على فخذه وشرب والناس ينظرون ، ما قال: والله أنا صائم وما بقي إلا جزء بسيط أبغي أكمل. والصحابة رضي الله عنهم في خلافة عثمان بقي رضي الله عنه سبع أو ثمان سنوات في خلافته يقصر الصلاة في منى، كم بقي في الخلافة؟ اثنتي عشرة سنة، بعد مضي أكثر خلافته رأى رضي الله عنه لسبب من الأسباب أن يتم الصلاة فأتم، فبلغ ذلك من بلغ من الصحابة فأنكروا عليه، قالوا: كيف الرسول صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وأنت في أول خلافتك تقصر الصلاة والآن تتم؟ حتى إن ابن مسعود لما بلغه ذلك استرجع قال: إِنَّا للهِ وإِنَّا إليهِ رَاجِعُونَ ، كأنه أمر كبير، ومع ذلك يصلون خلفه، يصلون أربعًا مع اعتقادهم أنها خلاف السنة، لأيش؟ من أجل اتحاد الكلمة وعدم التفرق. ولما سئل ابن مسعود قيل: كيف تنكر فعل عثمان وتصلي خلفه أربعًا؟ قال: الخِلافُ شَرٌّ ، هذا الفقه والله، هذا الفقه، هذه الشريعة، أما أن يتفرق الناس ويتخاصمون ولا يعاملون بالعدل، ويقال: قولي هو الحق، وقولك خطأ وأنت مخطئ، فهذا ليس من طريق الشرع، هذا خلاف الشرع، وإن زعم من تمسك به أنه على الشرع، وأنه هو الذي يصدع بالحق، وأنه هو المعصوم، فإن دعواه هذه هي التي جعلته مخطئًا. من ادعى العصمة فأول زلل زل به أيش؟ ادعاؤه العصمة، وأنه هو الصواب وغيره على خطأ. من فوائد هذه الآية الكريمة: أن جميع الرسل متفقون على هذه الكلمة: لا نعبد إلا الله، ولا نشرك به شيئًا، لأن ما دام كلمة سواء بيننا وبينهم معناها أنها عندهم كما هي عندنا، وهذا هو الواقع أن جميع الرسل متفقون على أيش؟ هذه الكلمة: لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئًا. بل إن الله قال في كتابه العظيم: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: ٥٦] هذا الخلق اللي خلقوا من آدم إلى.. ومن قبل آدم في الجن، ما خلقوا إلا لهذا الأمر العظيم؛ لعبادة الله، ما خلقوا ليتمتعوا في الدنيا، لينالوا الشهوات، لا، ولكن لعبادة الله، ومع هذا إذا عبدوا الله صلحت دنياهم، لكن ابن آدم نظره قاصر، الغريب أنه إذا صلح الدين صلحت الدنيا، لكن لا يلزم من صلاح الدنيا صلاح الدين، بل إنها ربما إذا اعتني بها أكثر من الدين فسد الدين، كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «وَاللهِ مَا الْفَقْرُ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَإِنَّمَا أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُفَتَّحَ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا فتَنَافَسُوهَا كمَا تَنَافَسَهَا مَنْ قبْلَكُمْ فَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ» . من فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن الحكم لله بين الناس، وأنه ليس لأحد أن يشرع من دون الله؛ لقوله: وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ [آل عمران: ٦٤]. من فوائد الآية الكريمة: أن الحكم والعبادة مقترنان، الحكم بين الناس والعبادة مقترنان؛ لأن الله قرن بينهما: لَا نَعْبُدَ} و{لَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِلأنك أنت لن تعبد الله إلا بشريعته، إذم يلزم أن يكون المشرع من؟ الله المعبود. ما دمت تعبد الله فلن تعبده إلا بشريعته، وإذن فالمشرع هو المعبود الذي يُعبد، لأنه سنَّ طريقًا أو وضع طريقًا قال: اسلكوا هذا لتصلوا إلي، إذن كل طريق يخالفه فلن يوصل إلى الله، وهذا وجه التلازم بين قوله: أَلَّا نَعْبُدَوَلَا يَتَّخِذَ؛ فإن من اتخذ ربا من دون الله يتبعه في التحليل والتحريم فإنه لم يعبد الله؛ لأن عبادة الله لا تكون إلا بموافقة الشرع. ومن فوائد الآية الكريمة: أن من دعا الناس إلى حل أو حرم، لكن بإذن الله وشرعه، فهو على حق، تؤخذ منين؟ من قوله: مِنْ دُونِ اللَّهِ، انتبهوا، ما قال: لَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًاوبس، قال: مِنْ دُونِ اللَّهِ، فأما إذا دعوتك إلى حل أو تحريم، لكن بإذن الله، أقول: هذا شرع الله، فإنني لم أدعك أن تتخذني ربًّا، وإنما بينت لك الطريق لتتخذ الرب، من؟ الله عز وجل. طالب: شيخ، بعض الناس إذا قلت: غير مشروع، قال (...) علماء (...) قالوا كذا، هل أنت أعلم منهم؟ الشيخ: هؤلاء فيهم شبه ممن قال الله فيهم: إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ [الزخرف: ٢٣] هذه خطيرة في الواقع، لكن قد لا يلام عليه العامي لأنه لا يثق منك، وهذه النقطة أظن أننا بحثنا فيها مرة وقلنا: إن المستهزئ بالشرع لا يمكن أن نطلق عليه الكفر، أو المستهزئ ممن يعلم بالشرع ما يمكن نطلق عليه الكفر؛ لأننا نجد العامة الآن إذا قال فلان من الناس: هذا شرع الله قبلوه، وقالوا: هذا خلاص، إذا رأوا هذا الرجل يعمل بشيء على أنه عبادة اتبعوه، لكن لو يصدر القول من غيره ما يقبلونه، ما يثقون به، بل إن بعض الناس من شدة عناده وبغضه لآخرين يقول مثلًا لأولاده: إن عملتم بهذا فأنا أضربكم وأهجركم وأفعل وأفعل، لكن لو قاله غير هذا الرجل أخذ به. هؤلاء العامة ربما يعذرون من بعض الوجوه، إذا قال: والله علماؤنا ما قالوا هكذا، لكن مثل هؤلاء ينبغي أن الإنسان يسايرهم. طالب: طلبة علم (...). الشيخ: لا، طلبة العلم ما لهم حق، ولا هم طلبة علم دول، طالب العلم اللي يريد الوصول إلى العلم دول مقلدة دول، دول مقلدة، ما هم طلبة علم، طالب العلم هو الذي يريد الوصول إلى العلم، نقول: تعال تفضل، أنت الآن تحاج بهؤلاء العلماء، عندك دليل على ما قالوه؟ هاته، ونجيب الدليل اللي عندنا، كلمة سواء مثلما قال الله عز وجل هنا، هذا إذا كان طالب علم أما إذا كان عاميًّا، فالعامي جيبوا على شوي شوي مثل الإبل النافرة، الإبل النافرة إن طقطقت وراءها في التنكة زادت ما عاد تمسكها أبدًا، وإن هدأتها جاءت. طالب: بعض الناس إذا زلَّ مثلًا بعض العلماء وصار عندهم أخطاء يكتبون بالمجلات والصحف دون المناظرات، بحجة أنهم يبينون الحق؟ الشيخ: هذا غلط، هذا من الغلظ، والحقيقة أن هذا الفعل فيه مضرة من ثلاثة وجوه: الوجه الأول: أنها مضرة على الكاتب؛ لأن الذين يثقون بالشخص الآخر يرون أن هذا مخطئ، ويقل وزنه عندهم. وفيه أيضا إضعاف للثاني المردود عليه؛ إضعاف له، ومعلوم أنه إذا ضعفت منازل العلماء في الأمة ضاعت الأمة؛ لأن العلماء هم القادة، فإذا ضعفت منازلهم عند العامة ضاعوا، وصاروا كالإبل التي ليس لها راع، أو كالغنم التي ليس لها راع. فيها أيضا إضعاف للشرع؛ لأن العالم الذي رد أو المردود عليه إذا قال قولا غير هذه المسألة شكُّوا الناس قالوا: لعل هذه من خطأ فلان، نعم، أو لعل هذا من خطأ فلان، فصار فيه مضرة من ثلاثة وجوه. والواجب على العلماء فيما بينهم إذا أحد من الناس أخطأ أن يتصلوا به فيناقشوه، إن كان الصواب معه تبعوه، وإن كان الصواب معهم يتبعه.
ثم لو فرض أنه أصر على ما هو عليه وله وجه؛ لأن المسألة مسألة اجتهاد فلا أرى أن يرد عليه أبدًا؛ لأن مسائل الاجتهاد الرد والأخذ والمناقشة فيها بين العامة لا شك أنه ضرر، خصوصا في هذا الوقت، الآن العلماء فيه أناس، حسب ما سمعت، فيه أناس الآن يدعون إلى التقليل من شأن العلماء، والكلام فيهم في المجالس وفي كل شيء، لأيش؟ لأنهم فقدوا الزعامة التي يريدونها، فصاروا مثل الزعماء الآخرين الذين عارضوا دعوة النبي عليه الصلاة والسلام، لما فقدوا الزعامة التي يريدونها ليس لهم سبيل إلى ما يريدون إلا أن يضعفوا الجانب الآخر، وهذا على خطر عظيم جدا، فأنا أرى أنه إذا وُجد خطأ من أي عالم يكون والإنسان غير معصوم، الإنسان يخطئ وربما لا يتبين له الخطأ إلا بالمناقشة، أنه يتصل به ويبحث معه، فإن تبين الحق وجب على من تبين له الحق أن يتبعه، وإن لم يتبين وصارت المسألة فيها مسار للاجتهاد فالواجب بحمد الله هذا.. كل العلماء مختلفون من عهد الصحابة إلى يومنا هذا، أما الأخذ والرد والاشتغال بالأخذ والرد هذا يضيع، يضيع أوقات كثيرة. طالب: في برنامج نور على الدرب في إذاعة القرآن الكريم يأتي السؤال على شكل: ما رأي الشرع أو ما حكم الشرع في نظركم والمفتي قد يجيب خطأ أو صح لكن ينسب الخطأ للشرع على حسب السؤال يعني؟ الشيخ: (...) هم إذا قالوا: ما رأي الشرع ننهاهم عن هذا، أنا أحد الذين يتكلمون في هذا البرنامج، أنهاهم عن هذا، أقول: لا تقول: ما رأي الشرع، أنا لست أعبر عن الشرع، ما أنا برسول معصوم من الخطأ، قل: ما رأيك، أو ما رأي الشرع في نظرك، أنا أرى في الشرع أنه يقول كذا وأخطئ وأصيب، وخطئي ليس على الشرع، خطئي مني أنا. طالب: شيخ، أحسن الله إليكم، هل يؤخذ من الآية أن الأفضل المناظرة دون الردود الكتابية؟ الشيخ: نعم؟ الطالب: هل يؤخذ من الآية أن الأفضل المناظرة الشفهية دون الردود بالكتابات وعلى المنابر؟ الشيخ: إي نشوف هذا، ما كملنا الآية. وعلى كل حال المناظرة قد تكون مثلما قلت يعني وجها لوجه، وقد تكون في المراسلة، تختلف الأساليب هذه ترجع..
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٦٤) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٥) هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٦٦) مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٦٧) إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ [آل عمران: ٦٢-٦٨]
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. أظن أننا أخذنا الفوائد المستنبطة من قوله تعالى: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ؟ أخذنا منها سبع فوائد؟ طالب: إلى وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ. طالب: الأولى: أمر الرسول عليه الصلاة والسلام أن يدعو أهل الكتاب إلى هذه الكلمة؛ لقوله: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ. الثانية: التنزل مع الخصم لإلزامه بالحق؛ لقوله: كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ. الثالثة: وجوب استعمال العدل في المناظرة حتى مع العدو. الرابعة: أن جميع الرسل متفقون على هذه الكلمة. الخامسة: أن الحكم لله بين الناس وأنه ليس لأحد أن يتبع من دون الله. السادسة: الحكم بين الناس والعبادة مقترنان، لأن الله تعالى قال: لا نَعْبُدَ ولَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا. السابعة: أن من دعا الناس إلى حل أو حرم، لكن بإذن الله وشرعه، فهو على حق، يؤخذ من قوله: مِنْ دُونِ اللَّهِ. الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. قال الله تعالى: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ. من فوائد هذه الآية: أنه إذا تولى الخصم بعد إقامة الحجة عليه فإنه يعلن له بالبراءة منه والتزام الحق؛ لقوله: اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ. ومن فوائدها: أنه ينبغي للمسلم أن يعتز بدينه، وأن يعلنه ويشهره، خلافا للضعفاء الذين عندهم ضعف في الشخصية وقلة الدين، الذين يتسترون بدينهم مخافة أن يعيَّروا به، حتى إن بعضهم كما قيل لي يخجل أن يصلي بين الناس، يقول: أخشى أن أنسب إلى الدين، والعياذ بالله، وهذا يدل على قلة الإيمان وعلى ضعف الشخصية، وأن الإنسان ليس عنده رصيد يفتخر به ويعتز به. ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: إشهاد الخصم على الحال التي يكون عليها خصمه؛ لقوله: اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ؛ لما في ذلك من الغضاضة عليه وكسر جبروته وعدم انقياده للحق.
تفسير الآيات (٦٥-٦٨)
٠٠:١٩:٥١
ثم قال الله تعالى: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَالظاهر أن هذه الآية منفصلة عما قبلها، وأنها من كلام الله عز وجل، يقول: يَا أَهْلَ الْكِتَابِويعني بهم اليهود والنصارى، ووصفوا وحدهم بذلك لأنهم هم الذين بقيت كتبهم قائمة يهتدى بها، إلى أن بعث النبي صلى الله عليه وسلم. قوله: لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَالاستفهام هنا للإنكار والتوبيخ، وكلنا يعلم أن قوله: لِمَاسم استفهام مشغول باللام، و(ما) الاستفهامية إذا جُرت بالحرف فإنها تحذف ألفها، (لم) ما فيها ألف. عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ [النبأ: ١] ما فيها ألف، (علام تفعل) هذه أيضا ليس فيها ألف، وتغيرت (على) من أجلها؛ لأن (على) تُكتب ألفها ياء، لكنها إذا دخلت على (ما) الاستفهامية كتبت ألفها أيش؟ ألفا: (علام)، مثل اللام. قوله: لِمَ تُحَاجُّونَأي تخاصمون، وسميت المخاصمة محاجة لأن كل واحد من المتخاصمين يدلي بحجته، يريد أن يخصم صاحبه، وقوله: لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ، أي: في شأنه، وفي حاله، وفي دينه، وليس المراد: في ذاته؛ لأن إبراهيم عليه الصلاة والسلام بشر متفق عليه ولا محاجة فيه، لكن محاجة في شأنه وحاله، لم تحاجون فيه. وما كيفية هذه المحاجة؟ كيفية هذه المحاجة على قولين لأهل العلم: القول الأول: ادعاؤهم أنهم على ملة إبراهيم، فهم كلهم يقولون: نحن على ملة إبراهيم، اليهود يقولون: نحن على ملة إبراهيم، والنصارى يقولون: نحن على ملة إبراهيم. الوجه الثاني، وهو القول الثاني: يحاجون فيه لأن اليهود يقولون: إن إبراهيم يهودي على دين اليهود، والنصارى يقولون: إن إبراهيم نصراني على دين النصارى. وهذا الوجه عكس الوجه الذي قبله؛ لأن الوجه الذي قبله يدعون هم أنهم على دين إبراهيم، وهذا الوجه يدعون أن إبراهيم على دينهم. وننظر الآن سياق الآية: ما الذي يؤيد من هذين الوجهين، لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِكيف تحاجون فيه وتقولون: إن إبراهيم على ديننا، أو تقولون: إننا نحن على دين إبراهيم؟ كيف المحاجة؟ وكيف يكون إبراهيم على دينكم والتوراة لم تنزل بعد أيها اليهود؟ وكيف يكون إبراهيم على دينكم والإنجيل لم ينزل بعد أيها النصارى؟ أو تقولون: إنكم على دينه وأنتم على الإنجيل، والإنجيل ليس هو دين إبراهيم، أو على دينه التوراة ليست هي دين إبراهيم، إبراهيم له شرعة خاصة لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا [المائدة: ٤٨] فكيف تحاجون في هذا؟ تدعون أن إبراهيم على التوراة أو على الإنجيل، أو تدعون أنكم أيها المتمسكون بالتوراة أو المتمسكون بالإنجيل على دين إبراهيم، مع أن التوراة والإنجيل لم تنزل إلا من بعده، وهذا عقل ولّا هوس؟ هذا هوس وسخافة، كيف يكون إبراهيم على دين كتاب لم ينزل بعد؟ التوراة نزلت على موسى، والإنجيل نزل على من؟ على عيسى، وهم بعد إبراهيم بأزمنة كثيرة، فكيف يكون إبراهيم على هذا؟ ولهذا قال: أَفَلَا تَعْقِلُونَ، والهمزة للتوبيخ، استفهام للتوبيخ، يعني: أفلا يكون لكم عقول تعقلون بها ما تقولون؟ وهذا فيه غاية اللوم والتوبيخ. أَفَلَا تَعْقِلُونَتأتي في القرآن كثيرا، وقد مر علينا أن فيها لعلماء النحو قولين، ويش مين يبينهما لنا؟ فيها قولان أَفَلَا تَعْقِلُونَفي إعرابها؟ طالب: الهمزة للاستفهام دخلت على نفي (لا). الشيخ: قولان، القول الأول؟ الطالب: أشربت معنى التحدي. الشيخ: لا يا أخي، الإعراب، ما هو المعنى، المعنى للتوبيخ واضح. الطالب: الهمزة للاستفهام، أَفَلَافاء للتنبيه. الشيخ: نسيت أو لم يمر عليك؟ الطالب: لم يمر علي. الشيخ: لم يمر عليك؟ طيب. طالب: أَفَلَاالألف تقدمت على الفاء. الشيخ: الهمزة. الطالب: الهمزة تقدمت على الفاء، وأصلها: فألا تعقلون. الشيخ: يعني نقول الوجه الأول، الوجه الأول. الطالب: الوجه الثاني.. الشيخ: اصبر، الوجه الأول، ما فهمنا شيئًا الآن؟ الطالب: الوجه الأول: أن الهمزة للاستفهام وقدمت لأن الاستفهام له الصدارة. الشيخ: طيب والفاء؟ الطالب: والفاء عاطفة. الشيخ: على أيش؟ الطالب: على ما قبلها. الشيخ: على ما قبلها. الطالب: إي نعم. الشيخ: وأصله على هذا الوجه، على هذا القول؟ الطالب: فألا تعقلون. الشيخ: فألا تعقلون. طيب، هذا وجه، القول الثاني؟ الطالب: أن الهمزة زائدة، وأنها معطوفة على فعل محذوف، يعني: أجهلتم فلا تعقلون. الشيخ: والهمزة زائدة؟ الطالب: نعم. الشيخ: هذا قول من؟ قول وليد! طيب هو حل النصف. طالب: دخلت على جملة محذوفة. الشيخ: لكن الهمزة هو يقول: زائدة؟ الطالب: لا ليست زائدة. الشيخ: أيش هي؟ الطالب: هي استفهامية. الشيخ: استفهامية، إي نعم، لكنها داخلة على جملة محذوفة، التقدير؟ الطالب: أجهلتم أفلا تعقلون، أو أغفلتم.
الشيخ: أيش؟ الطالب: أغفلتم. الشيخ: (أغفلتم) لا، ما هو ضد العقل؟ الطالب: الجنون. الشيخ: إي أو السفه. أَفَلَا تَعْقِلُونَإذن فيها وجهان: الوجه الأول: أن الهمزة للاستفهام والفاء للعطف، لكنها قدمت الهمزة للاستفهام عليها لأن لها الصدارة، وعلى هذا فلا حاجة إلى تقدير لأن الجملة تكون معطوفة على الجملة التي قبلها. والوجه الثاني: أن الفاء حرف عطف وأن المعطوف محذوف يقدر بما يناسب السياق، واللي مناسب هنا أن يقدر: (أسفهتم) مثلًا؛ لأن العقل ضده السفه أَفَلَا تَعْقِلُونَ. وقوله: أَفَلَا تَعْقِلُونَالمراد بالعقل هنا عقل الرشد، وليس عقل الإدراك؛ لأن هؤلاء عندهم عقل إدراك، والفرق بينهما: أن عقل الإدراك مناط التكليف، وعقل الرشد مناط التصرف، يعني بمعنى أن عقل الرشد يكون به حسن التصرف من العاقل، وعقل الإدراك يكون به توجيه التكليف إلى العقل، ولهذا يقال للرجل العاقل الذكي إذا أساء في تصرفه يقال: هذا مجنون، هذا غير عاقل، مع أنه من حيث عقل الإدراك عاقل ولّا غير عاقل؟ عاقل، طيب المنفي هنا في حق هؤلاء أي العقلين؟ عقل الرشد، يعني أفلا يكون لكم عقل ترشدون به؟ ثم قال تعالى: هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌأولا الإعراب في هذه الآية لأن فيها شيئًا من الإشكال، هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِها: للتنبيه، وأنت: ضمير منفصل مبتدأ، وهَؤُلَاءِها: للتنبيه وأولاء: منادى، والتقدير: هأنتم يا هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم. فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌنقول في قوله: فَلِمَ تُحَاجُّونَما قلنا في قوله: لِمَ تُحَاجُّونَمن حيث الإعراب. هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِأولا التنبيه هنا حسن؛ وذلك لأنه يخاطب قوما لمزهم بعدم العقل، والذي ليس عنده عقل ينبغي أن يصدر الخطاب له بما يقتضي تنبيهه؛ لأنه غافل، تصرفه تصرف مجنون، فاحتيج إلى أن ينبَّه فلذلك أتى بـ (ها) التنبيه. ثم إن قوله: هَؤُلَاءِإشارة بعد ولّا قرب؟ الطلبة: بعد.. قرب. الشيخ: هَؤُلَاءِإشارة بعد ولّا قرب؟ لا إله إلا الله! يحتاج إلى اشتباه ده يا جماعة، إذا كان للبعد يقرن بالكاف، وهنا لم يقرن بالكاف، بل قال: هَؤُلَاءِعرفتم يا جماعة؟ إذا كان -نرجع اسم الإشارة الآن بالنحو- إذا كان اسم الإشارة للبعيد أتي بالكاف، ولهذا قال ابن مالك:
بِالْكَــــافِ حَرْفًــــا دُونَ لَامٍ أَوْ مَعَــــهْ
وَالــــلَّامُ إِنْ قَدَّمْــــتَ هَــــا مُمْتَنِعَــــــــــــــــهْ
بِــــــذَا وَذِي وَتَـــــــا وَتِــــــي أَشِــــــــرْ إِلَــــــى
دَانِي الْمَكَانِ وَبِهِ الْكَافَ صِــــــــــلَا
فِي الْبُعْــــــــدِ....................
............................
هذا الشاهد: (وبه الكاف صلا في البعد)، معناه: في القرب لا تصل به الكاف، فإذا كان اسم الإشارة للبعيد فلا بد من الكاف، وإذا كان أبعد يؤتى باللام أيضا. إذن المشار إليه قريب هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِومع قربهم أتى بـ(ها) التنبيه للدلالة على بلادتهم، وأنهم مع قربهم وقرب الإشارة إليهم على بلادة عظيمة يحتاجون إلى أيش؟ التنبيه. هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌيعني خاصمتم فيما لكم به علم، وهو التوراة بالنسبة لليهود، والإنجيل بالنسبة للنصارى، يعني أنكم إذا حاججتم في التوراة والإنجيل وكانت المحاجة في التوراة من اليهود وفي الإنجيل من النصارى، فهذه محاجة فيما فيه علم لكم، نعم لكن لم تحاجون فيما ليس لكم به علم؛ وهو إبراهيم وما هو عليه من الدين. وقيل: المراد بقوله: حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌأي في الإسلام، في دين الإسلام، يعني حاججتم فيه وخاصمتم تقولون: ليس على دين إبراهيم، دين إبراهيم دين اليهود والنصارى، وأنتم تعلمون أن الإسلام دين الله الحق؛ لأن اليهود والنصارى يعلمون أن دين محمد صلى الله عليه وسلم هو دين الحق، قال الله تعالى: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [البقرة: ١٤٦] فصار المحاجة الآن في أيش؟ إما في الكتابين وإما في الإسلام، في دين الإسلام، وما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام. فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌوالمحاجة التي يراد بها إثبات الباطل وإبطال الحق مذمومة، حتى وإن كانت عن علم، بل هي عن علم أشد ذما، فكيف تحاجون فيما ليس لكم به علم وهو إبراهيم عليه الصلاة والسلام. وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَوالله يعلم الأمر على ما هو عليه في شأن إبراهيم، وفي شأن محمد صلى الله عليه وسلم، وفي شأن موسى وعيسى، وأنتم لا تعلمون ما يعلمه الله تعالى من هذا وغيره. ونفي العلم عنهم هنا ليس رفعا للإثم عنهم، ولكنه إيذان بجهلهم وجهالتهم، وأن تصرفهم كتصرف الجاهل، فهو في الأول قال: لا تعقلون، وفي الثاني قال: لَا تَعْلَمُونَ، فجمعوا بين السفه في الرأي والتدبير، وبين الجهل في العلم والتصور، ولهذا قال: وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ.
ثم ذكر الله عز وجل حال إبراهيم ذكرًا صادرًا عن علم، لا عن جهل، فقال: مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّايعني ليس على ملتكم أيها اليهود، ولا على ملتكم أيها النصارى، عرفتم؟ هذا على قول من يقول: إن محاجتهم في إبراهيم أن اليهود يقولون: هو منا، والنصارى يقولون: هو منا، فنفى الله ذلك مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا. وعلى القول الثاني، يعني ما كان إبراهيم على ما أنتم عليه من التعصب والتمسك بدينكم وإن كان منسوخًا، بطل بدين الإسلام، ولكن كان حنيفًا مسلمًا، فلو أن إبراهيم كان حيًّا لاتبع من؟ محمدًا صلى الله عليه وسلم، ولم يكن كحالكم يبقى على ما هو عليه من دينه كما بقيتم أنتم. فالآية الآن تحتمل الوجهين بناء على القولين السابقين، أي ما كان إبراهيم يسير سير اليهود فيتعصب، ولا يسير سير النصارى فيتعصب، وليس المعنى على القول الثاني أنه ما كان يهوديًّا، أي على دين اليهود، أو على دين النصارى، بل ما كان على طريقتهم في أيش؟ التعصب لما هم عليه، وإن تبين أن الحق في خلافه، وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًاعليه الصلاة والسلام، كَانَ حَنِيفًاأي مائلًا عن الشرك؛ لأن الحنف في الأصل: الميل، فهو مائل عن الشرك، مثبت للتوحيد، ولهذا قال: مُسْلِمًافهو جامع عليه الصلاة والسلام بين البراءة من الشرك براءة كاملة وبين تحقيق الإسلام تحقيقًا كاملًا، ولهذا قال: مُسْلِمًا. وهنا إشكال في الإعراب في قوله: حَنِيفًا مُسْلِمًاكيف نعربها؟ طالب: يعني كان هو حنيفًا، هي خبر كان. الشيخ: مُسْلِمًا؟ الطالب: مُسْلِمًاخبر كان. الشيخ: ثاني، يجوز تعدد الخبر؟ الطالب: يجوز. الشيخ: إي. طالب: يكون معطوفًا على حرف عطف، ليس موجودًا الحرف ده أصلًا، حرف مقدر، كان حنيفًا وكان مسلمًا. الشيخ: نعم. طالب: يمكن حال يا شيخ؟ الشيخ: حال؟ منين؟ طالب: صفة حنيف.
الشيخ: صفة لأيش؟ الطالب: حنيف. الشيخ: الظاهر لو نجتهد كل واحد لو سألته يجينا أقوال! مُسْلِمًاخبر ثانٍ، وتعدد الخبر جائز، وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [النساء: ١٠٠] كثير في القرآن. وقوله: مُسْلِمًايعني مسلمًا لله ظاهرًا وباطنًا، فيشمل الإسلام الذي هو عمل الجوارح، والإيمان الذي هو اعتقاد القلوب وأعمال القلوب. وهذه قاعدة مهمة، وهي أنه إذا أطلق الإسلام وأفرد شمل الإيمان، وإذا أطلق الإيمان وأفرد شمل الإسلام، وإذا اقترنا صار الإسلام في الظاهر والإيمان في الباطن، وهذه هي قاعدة أهل السنة والجماعة، وعليها يدل الكتاب والسنة، فقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم الإيمان لوفد عبد قيس بالإسلام بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ، ووصف الله الصلاة بالإيمان في قوله: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ [البقرة: ١٤٣] أي صلاتكم إلى بيت المقدس، وقال الله تعالى: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ [آل عمران: ١٩] وهو يشمل كل الدين؛ الإيمان وأفعال الجوارح، فـمُسْلِمًاهنا مسلمًا لله ظاهرًا وباطنًا، فيشمل الإيمان والإسلام. وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَهذا تأكيد لقوله: حَنِيفًا، يعني هذه الجملة وإن كانت معطوفة بالواو لكنها في المعنى مؤكدة لما سبق، يعني ما كان من الذين يشركون بالله، لا شركا خفيا ولا شركا ظاهرا، بل كان يحارب الشرك، وصبر على الدعوة إلى التوحيد إلى أن ألقي في النار عليه الصلاة والسلام، ولكن كان جزاؤه على ذلك أن قيل للنار: كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ [الأنبياء: ٦٩]. وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٦٧) إِنَّ أَوْلَى النَّاسِهذا الحكم بين هؤلاء الخصوم، الخصوم ثلاثة: اليهود والنصارى والمسلمون، شوف الحكم من الحكم العدل: إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُقدم هنا ما كان ينبغي أن يكون خبرا وجعله هو المبتدأ الذي هو ركن الجملة الذي يسند إليه الخبر فقال: إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ، ولم يقل: إن الذين اتبعوه أولى به؛ لأجل أن يحكم بأن الأولوية لهؤلاء لا لغيرهم. أَوْلَى النَّاسِمن اليهود والنصارى والمشركين وأصحاب الأوثان وغيرهم من؟ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ. وهنا نسأل عن اللام في قوله: لَلَّذِينَوأيش إعرابها؟ طالب: حرف جر. الشيخ: حرف جر؟ لا، حرف الجر يكسر في مثل هذا. طالب: للتأكيد. الشيخ: للتوكيد، إي نعم، للتوكيد، و(إنّ) أيضا للتوكيد، فتكون جملة مؤكدة بمؤكدين: بـ(إن) واللام. قال: لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُواللذين اتبعوه من بني إسرائيل ممن سبق النبي صلى الله عليه وسلم، ولا شك أنه تبعه كثير من المؤمنين الذين آمنوا به في حياته والذين اتبعوا طريقته بعد مماته، وَهَذَا النَّبِيُّشوف -الله أكبر- المشار إليه محمد عليه الصلاة والسلام، وكفى به فخرا أن يشير إليه رب العالمين هَذَا النَّبِيُّهذا شرف عظيم لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون الله يشير إليه بهذه الإشارة المفيدة للقرب، لم يقل: وذلك النبي، بل قال: وَهَذَا النَّبِيُّإشارة إلى قربه؛ لأنه صلى الله عليه وسلم أقرب الناس منزلة إلى الله سبحانه وتعالى. وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوافيها قراءة: {النَّبِيءُ} كذا؟ على هذه القراءة {النَّبِيءُ} مشتق من النبأ، فهو فعيل بمعنى فاعل، وبمعنى مفعول، صح؟ بمعنى فاعل لأنه منبئ مخبر، وبمعنى فعيل لأنه مخبَر، ولهذا قال ابن مسعود رضي الله عنه في وصف الرسول: وهو الصَّادق المَصْدُوق . فهو فعيل بمعنى فاعل، وفعيل بمعنى مفعل. ويبقى عندنا كيف يكون فعيل بمعنى مفعل؟ فعيل بمعنى، أنا قلت بمعنى فاعل؟ بمعنى مفعول وفعيل بمعنى مفعل. فعيل بمعنى مفعول كثير مثل جريح كسير قتيل. كثير، لكن فعيل بمعنى مفعل كيف ذلك؟ نقول: نعم هذا ورد، هذا الآن اللي معنا دليل على هذا، الآن من المعلوم أن الرسول منبئ للناس، أليس كذلك؟ فهي جاءت في القرآن، والقرآن حجة، وإذا أردت أن نأتي بحجة من كلام العرب فاسمع إلى قول الشاعر:
أَمِــــنْ رَيْحَانَــــةَ الدَّاعِــــي السَّمِيــــــــعُ
يُؤَرِّقُنِــــــــي وَأَصْحَابِــــــــي هُجُــــــــــــــــوعُ
(أمن ريحانة الداعي السميع) السميع بمعنى المسمع، (يؤرقني وأصحابي هجوع). فهذه سميع بمعنى مسمع في لغة العرب، على أننا في الحقيقة لا نحتاج إلى استشهاد للقرآن لإثبات أن هذا لغة، بل القرآن يستشهد به ولا يستشهد عليه، لكن من المعلوم أنه كلما زادت البينات ازداد الإنسان طمأنينة، إذن على قراءة {النَّبِيءُ} يجوز نقرأ بها؟ يجوز، بل يستحب أن نقرأ بها، يستحب أن نقرأ بها أحيانًا. على هذه القراءة: من النبأ، أما على قراءة النَّبِيُّ} بدون همز ففيها وجهان: الوجه الأول: أنها مسهَّلة من (النبيء) بالهمز، مسهَّلة، يعني أن الهمزة جعلت ياء للتسهيل، وهذا موجود في اللغة العربية، أئمة يقال فيها في اللغة العربية: أيمة، تسهل الهمزة تجعل ياء، فالنبي نقول: هذه أصلها النبيء لكن جعلت الهمزة ياء للتخفيف، وعلى هذا الوجه يكون النبي من أين؟ من النبأ. وقيل: إن الياء أصلية لا مسهلة (النبي)، وعلى هذا فيكون مشتقا من النبوة، وهي الشيء المرتفع الناتئ، يقال: نبا ينبو يعني ارتفع، فيكون مشتقا من النبوة وهي الارتفاع، وذلك لارتفاع مرتبة النبي؛ لأن الرسل صلى الله عليهم وسلم ومنهم خاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم أرفع الناس قدرا عند الله، ولهذا بدأ الله بهم في صدر من أنعم عليهم فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ [النساء: ٦٩]. لو قال قائل: اجعلوها من الأمرين: من النبأ ومن النبوة؟ ماذا نقول له؟ نقول: يمكن؟ يمكن؛ لأن القول الراجح أنه إذا احتمل اللفظ معنيين بدون تضاد حمل عليهما؛ لأن ذلك أوسع في المعنى، أما مع التضاد فإنه ينظر للراجح ويحمل عليه، لكن مع إمكان الجمع يجب أن يحمل على المعنيين جميعا. فإذا قال قائل: هذا استعمال لمشترك في معنييه، تعرفون اللفظ المشترك؟ اللفظ المشترك ما اتحد لفظه وتعدد معناه، كالعين، العين تقال للباصرة، عينك اللي في وجهك عين، وتقال للعين الجارية، أيش هي؟ عين الماء، وتقال للعين. طالب: الجاسوس. الشيخ: لا الجاسوس ما هي حقيقة، وتقال للعين الذهب، عين ورق، ولهذا يقال: عين مورودة وعين منقودة، العين المنقودة الذهب والمورودة الماء، ونقول: عين مكحولة؟ إي نعم، يمكن، العين المكحولة هي العين اللي في الوجه. يقول بعض العلماء: إن المشترك لا يمكن أن يحمل على معنييه؛ لأن كل معنى منهما يضاد الآخر، ولكن الصحيح الذي عليه أكثر أهل العلم أنه يجوز أن يحمل على معنييه بشرط عدم التعارض، فإن تعارضا وجب طلب المرجح. طالب: شيخ، الآيات ما تؤيد أن القرآن نحن على (...) قولنا. الشيخ: ما كملنا الآيات الحقيقة، يمكن نخلي الأربع الآيات هذه كلها نتكلم عليها جميعا في الفوائد. طالب: شيخ، أحسن الله إليك! القول الثاني في مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّايعني ما كان متعصبًا كما أنتم متعصبون؟ الشيخ: إي يعني ما كان على طريق اليهود والنصارى. الطالب: كيف يعني ما كان متعصبًا؟ الشيخ: يعني ما كان على طريقكم؛ يعني إن كنتم صادقين أنكم على طريق إبراهيم أو أن إبراهيم على طريقكم فاتبعوا محمدًا. الطالب: بس قولهم: متعصب، كيف.. الشيخ: يعني مثلًا الآن الذي يأخذ بمذهب قوم ما هو بينسب إليهم؟ الطالب: بلى. الشيخ: كذا ولّا لا؟ إذن هؤلاء اليهود متعصبون لدينهم، والنصارى متعصبون لدينهم، إبراهيم ما نقول: إنه كان يهوديًّا متعصبًا أو نصرانيًّا متعصبًا، إبراهيم عليه الصلاة والسلام مسلم لله، ما هو يتعصب ليهودية ولا نصرانية. الطالب: بس قلنا: إنه لو كان أتى إلى وقت الرسول صلى الله عليه وسلم لأسلم. الشيخ: إي معلوم. الطالب: هو مسلم أصلًا، كيف يسلم؟ الشيخ: هذا إقامة الحجة على هؤلاء اليهود والنصارى. الطالب: نعم أسلم بمعنى ترك شريعته واتبع شريعة محمد؟ الشيخ: إي نعم يترك شريعته ويتبع محمدًا، إي نعم. طالب: قوله: وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِلا تؤيد القول الثاني أي بزعمكم أنكم أنتم على دينه وليس هو على دينكم؟ الشيخ: هو قال: تحتمل، تحتمل حتى على ذلك. الطالب: يعني التوراة والإنجيل ما حدثت إلا بعد موته؟ الشيخ: إي وكذلك اللي يقولون: نحن على طريقة إبراهيم، وإبراهيم يعني يقولون: يتعصب، ما يذهب عن دينه، هذا معنى قولهم: على طريقتهم. الطالب: كيف يعني يتعبد إبراهيم معهم وهم يعني..؟ الشيخ: هم يقولون: (...) عبادتهم الخاصة، يعني طريقتهم، يعني على طريقتهم. طالب: شيخ، الله سبحانه وتعالى قال: هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌمع أنهم في كلا المسألتين عندهم علم، ولكن في الأولى يعني.. لو توضح يعني؟ الشيخ: لا، في قضية إبراهيم عليه الصلاة والسلام ما عندهم علم؛ لأن اللي يقول عن إبراهيم: إنه على طريق اليهود والنصارى أو على دين اليهود والنصارى ما عنده علم بذلك، فهو جاهل، سواء قاله بجهل مركب أو بجهل بسيط، لو علم حقيقة إبراهيم عليه الصلاة والسلام لعرف أنه كان حنيفًا مسلمًا. الطالب: ممكن يكابر يا شيخ يعني يعلم أن هذا..؟ الشيخ: ربما بعضهم، ربما بعضهم أنه يكابر. طالب: شيخ جزاك الله خيرًا يا شيخ، قلت: لو كان إبراهيم عليه الصلاة والسلام عايش لترك دينه واتبع محمدًا، أليس دينه هو نفس دين محمد؟ الشيخ: يختلف المنهاج، أصل دين الأنبياء كلهم واحد؛ التوحيد أصول الدين كلهم واحد الأنبياء، لكن الله قال: لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا [المائدة: ٤٨] وتلوناها في أثناء الدرس، لكن لأنك (...) أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. نكمل الكلام على آخر الآية الكريمة: وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ. قوله: وَهَذَا النَّبِيُّمعطوف على قوله: لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ، فهو في محل رفع، بل هو مرفوع، النبي بدل من اسم الإشارة، واسم الإشارة كما نعلم مبني على السكون. قال: وَالَّذِينَ آمَنُواآمنوا بمن؟ آمنوا بهذا النبي، والإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم يتضمن الإيمان بكل شريعته، وهذا الإيمان أيضا يستلزم القبول وأيش؟ والإذعان؛ أن يقبل بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم وأن يذعن له. ثم قال: وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَولي كل مؤمن؛ هؤلاء وغيرهم، كل مؤمن فالله سبحانه وتعالى وليه، كما في قوله تعالى: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ [البقرة: ٢٥٧]، وهذه الولاية ولاية خاصة تقتضي أن ييسر المؤمن لليسرى ويجنب العسرى، وهناك ولاية عامة شاملة لكل أحد، فالله تعالى ولي كل أحد، ولهذا قال الله تعالى: حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (٦١) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ [الأنعام: ٦١، ٦٢] فجعل الله تعالى مولى لهؤلاء وهم كفار، لكن هذا بالولاية العامة. والولاية العامة هي ولاية التصرف، التصرف في الكون والتدبير، والولاية الخاصة ولاية العناية بالمولى عليه، أن الله تعالى يعتني به وييسره لليسرى ويجنبه العسرى. في هذه الآيات الكريمة كثير من الفوائد يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَهذا مبتدأ الفوائد يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَإلى آخره.
في هذه الآية من الفوائد: أولًا: توبيخ هؤلاء، أعني أهل الكتاب بكونهم يحاجون ويجادلون في إبراهيم عليه الصلاة والسلام. ومن فوائدها أيضًا: علو شأن إبراهيم ومنزلته بين جميع الطوائف؛ اليهود والنصارى والمسلمين. ومن فوائدها: بيان الاحتجاج بالعقل؛ لقوله: لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِفكيف تحاجون به مع أن التوراة والإنجيل لم تنزل إلا من بعده، وهذا خلاف العقل. ويتفرع على هذه الفائدة: أنه لا ينبغي إهمال العقل في الاستدلال، كما لا ينبغي الاعتماد عليه وترك النص، فالناس في الاستدلال بالعقل طرفان ووسط، طرف غالى فيه حتى قدمه على السمع، وذلك بالنسبة للفقهاء في أصحاب الرأي والقياسيين الذين يعتمدون على الرأي وإن خالف النص، وفي باب العقائد جميع أهل البدع يعتمدون على العقل ويدعون السمع، مع أن العقل الذي يعتمدون عليه ليس إلا شبهات، وليس براهين ودلالات، ما فيه دلالة، لكن هم يظنون أن العقل يقتضي كذا فيثبتونه، ويقتضي نفي كذا فينفونه، ولا يرجعون في هذا إلى السمع، ومن ذلك من؟ الأشاعرة، من ذلك الأشاعرة والمعتزلة وغيرهم، كل من نفى صفة أثبتها الله لنفسه بحجة أو بشبهة عقلية على الأصح -ما هي حجة، شبهة عقلية- فإنه داخل فيمن يغالي في الاستدلال بالعقل. ومن الناس -الطرف الثاني- من أنكر الاعتماد على العقل بالكلية، وقال: ليس للعقل مدخل في إثبات أي حكم، أو أي خبر، فأنكروا القياس، وذلك مثل أهل الظاهر، أنكروا نهائيا وقالوا: لا يمكن أن نرجع إلى العقل في شيء. ومن الناس من هم وسط، رجعوا إلى العقل فيما لا يخالف الشرع؛ لأن العقل إذا لم يخالف الشرع فإن الله تعالى يحيل عليه في مسائل كثيرة، مثل: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ [البقرة: ٤٤] ومثل هذه الآية: وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ. واستدلال الله تعالى على إحياء الموتى بإحياء الأرض بعد موتها استدلال عقلي حسي، فهو حسي لأنه مشاهد، وهو عقلي لأنه يستدل به على نظيره الذي لا يخالفه تماما. فالحاصل أن في هذه الآية اعتبار العقل دليلا، ولكن كما قلت: بشرط ألا يخالف الشرع، فإن خالف الشرع فالأصح أن نقول: إنه ليس بعقل، الأصح أن نقول إنه ليس بعقل؛ لأن صحيح المنقول لا يعارض صريح المعقول أبدًا. لكن إذا ظن أن العقل يخالف السمع فإما أن يكون لا مخالفة، وإما أن يكون السمع غير ثابت، وإما أن يكون العقل غير صحيح ملوث بالشبهات والشهوات. ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات أن التوراة والإنجيل منزل من عند الله؛ لقوله: وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ. فإن قال قائل: كيف تستدلون بهذه الآية على أن التوراة والإنجيل منزل من عند الله، مع أن الفعل هنا وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُيعني كيف يستقيم الاستدلال بهذه الآية على أن التوراة والإنجيل من عند الله نازل من عند الله مع أن الفعل، كمِّل. طالب: وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ. طالب: الفعل مبني للمجهول. الشيخ: الفعل مبني للمجهول، كذا؟ طيب ما الجواب على هذا؟ الطالب: من قوله: من عنده الشيخ: من أين علمت به؟ الطالب: (...) الله يقول: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ، لأن المخاطب هو الله عز وجل، المتكلم هو الله، يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ. طالب: شيخ، هو النزول يجيء من العلو، والعلو ما يجيء إلا بإذنه تبارك وتعالى. الشيخ: ما هو هذا، لا ما هو هذا. طالب: نقول: القرآن يفسر بعضه بعضا؛ لقوله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ [المائدة: ٤٤]. الشيخ: القرآن يفسر بعضه بعضا هذا صحيح، وفي هذه السورة نفسها في أولها: وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ [آل عمران: ٣] في نفس السورة، إذن فالمنزل للتوراة والإنجيل هو الله، وحينئذ نقول: بني الفعل للمجهول للعلم بالمنزل، وهو الله، فإذا قيل: من أين علمت أنه منزل؟ قلنا: من نفس السورة في أولها: وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ [آل عمران: ٣، ٤]. وهذا نظير قوله تعالى: وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا [النساء: ٢٨] من الخالق؟ الله، لكن حذف للعلم به، ولكن لما كان الضعف صفة نقص بني الفعل هنا للمجهول، كما بني للمجهول في قوله: وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا [الجن: ١٠]، الشر ما أضافوه إلى الله مباشرة، قال: أَشَرٌّ أُرِيدَوالرشد أضافوه إلى الله مباشرة أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا. من فوائد الآية الكريمة: إثبات علو الله؛ إذا ثبت الآن أن الإنزال من عند الله، فالنزول لا يكون إلا من أعلى. هل يمكن أن نستفيد من هذه الآية: أن كلام الله متعلق بمشيئته؟ طالب: نعم. الشيخ: نعم، كيف؟ الطالب: أن حدث إنزال التوراة بعد إبراهيم وهذا بمشيئة الله عز وجل. الشيخ: وهذا بمشيئة الله نعم، ولا شك أن التوراة منزلة من عند الله، لكن الله كتب التوراة، ولهذا قال بعض أهل العلم: لا نستطيع أن نثبت بأن التوراة من كلام الله، لكن الله كتبها بلا شك وهي نازلة من عنده، أما الإنجيل فهو كالقرآن، ما فيه أن الله تعالى كتبه، قال: أنزله، وهو كلام فيكون كلامه، أما التوراة فقال الله تعالى: وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ [الأعراف: ١٤٥]. من فوائد الآية الكريمة: النداء على بني إسرائيل بالسفه، وأن تصرفاتهم كما هي مخالفة للمنقول فهي مخالفة للمعقول، ومن أراد أن يعرف سفاهة هؤلاء القوم فليرجع إلى كتاب إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان لابن القيم، ذكر أشياء عجيبة من سفه الأمة الغضبية والأمة الضالة، الأمة الغضبية هم اليهود والأمة الضالة هم النصارى، ذكر أشياء عجيبة، ولو لم يكن إلا أن الله تعالى نعى عليهم عقولهم في هذه الآية وفي آية: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ [البقرة: ٤٤] فاليهود أمة غضبية، جاهلية، في أبعد ما يكون عن الرشد. ومن فوائد الآية الكريمة: الإشادة بالعقل، وأن العقل لا يحمل صاحبه إلا على السداد والصواب؛ لقوله: أَفَلَا تَعْقِلُونَ، والمراد بالعقل هنا كما ذكرنا في التفسير عقل الرشد يعني عقل التصرف، عقل التصرف الذي به الرشد، لا عقل الإدراك الذي هو مناط التكليف؛ لأن هؤلاء اليهود والنصارى عندهم عقل، العقل الذي هو عقل إدراك الذي هو مناط التكليف هذا ثابت عند اليهود والنصارى، ولولا ذلك ما كلفوا. ثم قال: هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ.
من فوائد الآية الكريمة: التنزل مع الخصم، يعني فرضنا أنه قبلت منكم المحاجة فيما لكم به علم، ولكن لا تقبل منكم المحاجة فيما ليس لكم به علم. ومن فوائدها: ذم المحاجة بغير علم؛ لقوله: فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ، وما أكثر هذا الواقع المؤسف المر في زمننا هذا، كثير من الناس اليوم يحاجون فيما ليس لهم به علم، بل بما تقتضيه عقولهم القاصرة، فيقول مثلًا: لم صار كذا ولم صار كذا، لماذا كان هذا حراما وكان هذا حلالا، لماذا كان هذا واجبا وكان هذا غير واجب، وما أشبه ذلك، فيحاجون فيما ليس لهم به علم، وكثير من العامة الذين عندهم لسن وبيان -والبيان من السحر- كثير منهم يجادل طالب العلم في أمر لا يعلمه هو، بل مجرد مجادلة ومراء. ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إقرار الإنسان على المحاجة بالعلم، ولكن بشرط أن يكون قصده حسنا، بحيث يريد بالمجادلة الوصول إلى الحق، يكون مقصوده الوصول إلى الحق فيثبت الحق ويبطل الباطل. أما الذي يجادل ولو فيما ليس له به إذا كان قصده إبطال الحق وإثبات الباطل فلا شك أنه مذموم، وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ [الشورى: ١٦]. ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات العلم لله عز وجل؛ لقوله تعالى: وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ. ومن فوائدها أيضًا: أن المحاجة فيما ليس له به علم ليس عنده علم ولو حاج؛ لقوله: وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَبل ليس عنده عقل أيضا، لأن المحاجة فرع عن العلم، فمن حاج بغير علم فلا عقل له، كما أنه لا علم عنده. ومن فوائد الآية: إثبات علم الله في الحاضر، يَعْلَمُفعل مضارع، والأصل في المضارع أنه موضوع للحاضر والمستقبل، وربما يتمحض للماضي، وربما يتمحض للمستقبل، يتمحض للماضي إذا دخلت عليه (لم)، ويتمحض للمستقبل مع السين وسوف، يعني هذا على سبيل المثال، وإذا خلا فهو صالح للحاضر والمستقبل، فهنا يقول: يَعْلَمُيعني أن علمه عز وجل مستمر دائم وأنتم لا تعلمون وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ. ثم قال الله تعالى: مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًاإلى آخره، من فوائد هذه الآية الكريمة: تبرئة إبراهيم من دين اليهود والنصارى أو من طريق اليهود والنصارى؛ لأننا ذكرنا أن الآية لها معنيان، فيها قولان، فإبراهيم عليه الصلاة والسلام ليس يتدين بدين اليهود؛ لأن دين اليهود من بعده، ولا بدين النصارى؛ لأن دين النصارى من بعده، كذلك أيضا إبراهيم عليه الصلاة والسلام ليس كالنصارى واليهود يتعصبون لما هم عليه بحق أو بباطل، بل كان حنيفًا مسلمًا منقادًا لأمر الله، يأتمر بأمر الله وينتهي بنهي الله. ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي لمن لم يتصف بوصف أن يبين براءته منه، ولو كان هذا الوصف في أصله محمودًا، لكن إذا كان لم يتصف به فالواجب أن يبين؛ لأن الله نفى أن يكون إبراهيم يهوديًّا ولا نصرانيًّا، مع أن اليهودية والنصرانية بعد بعثة موسى بالنسبة لليهودية وبعثة عيسى بالنسبة للنصرانية كانت حقا قبل أن تنسخ. ومن فوائد الآية الكريمة: الثناء على إبراهيم؛ لقوله: وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وجه الثناء عليه أنه وصفه بالتوحيد الخالص الذي لا يشوبه أي نوع من الشرك؛ لقوله: وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى ما اشتهر عند الناس من أن التخلية قبل التحلية، يعني البداءة بالنفي قبل الإثبات؛ لأن النفي تخلية والإثبات تحلية يعني: إثبات، فهنا بدأ بالنفي وهو مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّاثم أثبت في قوله: وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا. والظاهر أن هذا الترتيب موافق للطبيعة؛ لأنك تخلي الشيء مما يشينه أولا، ثم تضيف إليه ما يزينه، أنت عندما تريد أن تنظف ثوبا وسخا ماذا تصنع؟ أزيل الوسخ أولا، ثم أضيف ما يكون به الكمال، وفي الحديث؛ في حديث الاستفتاح: «اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنْ خَطَايَايَ كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ» . فالمباعدة ألا أمارس الذنوب والخطايا، والتنقية أن يزال هذا الأذى، والغسل أن يطهر وينظف، واضح الترتيب هذا؟ وأضرب مثلًا يتبين به: إنسان معه أذى يريد أن يضعه على بساط الصلاة، فأقول: لا تضعه، هذه مباعدة، أليس كذلك؟ مباعدة، ما يضعها، آخر جاء به فوضعه فقلت: انزعه، هذه تنقية. المرتبة الثالثة: لما نزعه قد يكون في مكانه أثر، أقول: اغسله. ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا بد في التوحيد من شيئين: نفي وإثبات، النفي في قوله: وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا، والإثبات في قوله: مُسْلِمًا؛ لأن الحنيف هو المائل عن الشرك وعن كل دين يخالف الإسلام، والإسلام هو إثبات الاستسلام لله عز وجل، وأكد ذلك بقوله: وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. التوحيد لا يتم إلا بإثبات ونفي، والعلة ظاهرة، التعليل ظاهر جدا؛ لأن النفي تعطيل، والإثبات بدون نفي لا يمنع المشاركة، والجمع بينهما إثبات مع نفي المشاركة. نضرب مثلًا: إذا قلت: ليس هنا أحد قائم، هذا نفي، فيه إثبات ولّا ما فيه؟ إذا كان فيه أحد قائم الآن؟ ليس هنا أحد قائم، هذا تعطيل، يعني صفة القيام الآن معطلةلم يتصف به أحد. إذا قلت: زيد قائم، هذا إثبات أن زيدا قائم، فأثبت القيام الآن لواحد من الناس، لكن هل هذه العبارة تمنع أن يكون غير زيد قائما؟ ما تمنع، قد يكون فيه واحد آخر غير زيد قائم، ولهذا إذا قلت أنا: زيد قائم، فقلت أنت: وعمرو قائم، هل يعتبر قولك هذا ردا على كلامي أو إضافة إلى كلامي؟ إضافة إلى كلامي. فإذا قلت: لا قائم إلا زيد، هذا فيه نفي وإثبات، حينئذ حصل التوحيد، صار المتفرد بالقيام من؟ هو زيد، فتبين أن لا توحيد إلا بنفي وإثبات، ولهذا هنا قال سبحانه وتعالى عن وصف إبراهيم: وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإسلام إذا أطلق دخل فيه الإيمان، أو إذا أفرد دخل فيه الإيمان، وجهه أن الله وصف إبراهيم بالإسلام، وهو كذلك، فالإسلام إذا أفرد دخل فيه الإيمان، والإيمان إذا أفرد دخل فيه الإسلام، وإذا اقترنا افترقا، صار الإسلام علانية والإيمان في القلب. في حديث جبريل اجتمعا فافترقا، ولهذا فسر النبي صلى الله عليه وسلم الإسلام بشيء وفسر الإيمان بشيء آخر. في قوله تعالى: قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا [الحجرات: ١٤] اجتمعا فافترقا، فصار الإيمان الذي ادعوه غير الإسلام الذي أثبته الله لهم وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا. في قوله تعالى: فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ [الذاريات: ٣٥، ٣٦] اجتمعا فافترقا، الإخراج لم يكن إلا للمؤمنين، لكن البيت بيت مسلمين، كيف هذا؟ الذي أخرج من؟ لوط وأهله إلا زوجته، إلا امرأته، فصار الذين أخرجوا هم المؤمنين الخلص. البيت يشتمل على أهله الذين آمنوا إيمانا خالصا، وعلى امرأته التي خانته، فهي مسلمة وليست مؤمنة، إذا البيت كله باعتبار الكل مسلم، ولهذا قال: فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ. وأما من زعم أن الإسلام هو الإيمان واستدل بالآية فقد أبعد النجعة؛ للفرق بين التعبيرين فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَولم يقل: من المسلمين قال: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ. إذن الإسلام هنا الذي في الآية الكريمة وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًايشمل الإيمان ولّا لا؟ طلبة: يشمل. الشيخ: لماذا؟ لأنه أفرد. ومن فوائد الآية الكريمة: الثناء على إبراهيم عليه الصلاة والسلام بأنه لم يكن فيه صفة من صفات المشركين، ولهذا قال: لم يكن من المشركين ولم يقل: لم يكن مشركا، فليس فيه صفة من صفات المشركين أبدًا، لا الشرك ولا غيره، وهكذا ينبغي لكل مؤمن ألا يتصف بأي صفة من صفات المشركين. فمثلًا: من صفات المشركين الشرك واضح، من صفات المشركين كراهتهم للتوحيد، ولّا لا؟ المشركون يكرهون التوحيد؟ طلبة: نعم. الشيخ: نعم وينكرونه، ويقولون: أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا [ص: ٥] فمن كره التوحيد وإن لم يكن مشركا ففيه من صفات المشركين، بل قد يكون كافرا. ثم قال عز وجل: إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ [آل عمران: ٦٨]. في الآية دليل على أن الأولويات تختلف، أي أن الناس يتفاضلون بالأولوية والولاية؛ لقوله: إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ، و(أولى) اسم تفضيل، والتفضيل يدل على مفضل وأيش؟ ومفضل عليه، ولا شك أن الولاية درجات، الولاية درجات، فأحق الناس بالولاية لإبراهيم من اتبعه، يعني القوم الذين اتبعوه في عهده؛ لأن القوم الذين اتبعوه في عهده اتبعوه في أصل الدين وفي فروع الدين، يعني في جليل الدين ودقيقه، اتبعوه، ولهذا قدم الذين اتبعوه على النبي والذين آمنوا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم والذين آمنوا لم يتبعوا إبراهيم في فروع الشريعة، بل لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا [المائدة: ٤٨]، لكن اتبعوه في أصل الدين والاستسلام له عز وجل، وإلا فلا شك أن النبي محمدًا صلى الله عليه وسلم أفضل من الذين اتبعوا إبراهيم، بلا شك، بل وأتباع الرسول أفضل من أتباع إبراهيم. من فوائد الآية الكريمة: شرف النبي صلى الله عليه وسلم ومن آمن معه، بكونهم أولى الناس بمن؟ بإبراهيم الذي تتنازعه الأمم، كل أمة تقول: أنا أولى به. ومن فوائد الآية الكريمة: الرد على اليهود والنصارى، حيث ادعوا أنهم أولى الناس بإبراهيم، فكذبهم الله. من فوائدها: تشريف النبي صلى الله عليه وسلم بالإشارة إليه من رب العالمين، في قوله: وَهَذَا النَّبِيُّ. ومن فوائدها: إثبات نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا أمر لا شك فيه، وكل من وصف بالنبوة في القرآن فهو رسول، قال الله تعالى: إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ [النساء: ١٦٣]، ثم قال في هؤلاء النبيين: رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ [النساء: ١٦٥] إذن فكل من وصف بالنبوة في القرآن فإنه رسول، بدليل آية النساء: رُسُلًا مُبَشِّرِينَ. ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات ولاية الله للمؤمنين في قوله: وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ، وهذه الولاية كما قلنا آنفا ولاية خاصة، تقتضي عناية تامة، وكل من كان أكمل إيمانا فولاية الله له أكمل. (كل من كان أكمل إيمانًا فولاية الله له أكمل) هذه فائدة، من أين أخذناها؟ من قاعدة معروفة عند أهل العلم، وهي: أن الحكم المعلق بوصف يزداد قوة بقوة هذا الوصف فيه، هذه قاعدة مفيدة: كل حكم معلق بوصف فإن هذا الحكم يزداد قوة بقوة الوصف الذي علق عليه الحكم. فإذا قلت مثلًا: أنا أحب الصالحين، معناه كل من كان أصلح فهو أحب إلي؛ لأن المحبة علقت بالصلاح، فكلما ازداد الصلاح ازدادت المحبة، وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَعلقت الولاية بالإيمان، فكلما كان الإنسان أقوى إيمانا كانت ولاية الله له أتم وأخص. ويتفرع على هذه الفائدة: أنه ينبغي للإنسان أن يحقق إيمانه ويكمله بقدر استطاعته؛ من أجل أن ينال ولاية الله؛ لأن كل إنسان في الحقيقة عاقل يسعى إلى أن يكون الله له وليا. نقول: الأمر سهل، حقق الإيمان يكن الله لك وليا، وكلما ازداد تحقيقك الإيمان ازدادت ولاية الله لك، وإلا فكلنا يطلب ذلك ونسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أوليائه، كلنا يطلب هذا، لكن بس حقق الإيمان، من أحب في الله وأبغض في الله ووالى في الله وعادى في الله فإنما تنال ولاية الله بذلك، هذه من أسباب الولاية أن يكون حبك وبغضك وكراهتك وعداوتك وولايتك لله عز وجل، لا للدنيا. ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الأسباب، إثبات الأسباب، من أين يؤخذ؟ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ. وجه ذلك أن الإيمان جعله الله سببًا لولاية الله، ولا شك أن الأسباب ثابتة، والأسباب شرعية وعقلية وحسية، فالأسباب الشرعية ما جعلها الله تعالى سببا في القرآن، فمثلًا الإيمان سبب لدخول الجنة، هذا سبب شرعي ولّا لا؟ دخول الوقت سبب لوجوب الصلاة، هذا سبب شرعي. العسل سبب للشفاء.