تجاوز إلى المحتوى

تفسير سورة آل عمران - ١١

درس صوتي · ٩٢:١٤

جارٍ تجهيز الصوت

انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها

إعدادات

اختصارات لوحة المفاتيح

Space أو K تشغيل وإيقاف ←→ خمس ثوانٍ JL خمس عشرة ثانية HomeEnd بداية ونهاية الدرس

محتوى الدرس

إِنْ كُنْتَ تَأْمُرُنِي فَسَمْعًا وَطَاعَةً -لله دَرُّها- وَإْنْ كُنْتَ تُشِيرُ عَلَيَّ فَلَا حَاجَةَ لِي فِيهِ، قَالَ: «بَلْ أُشِيرُ»، قَالَتْ: لَا حَاجَةَ لِي فِيهِ ، يعني: لم تقبل ولا شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم، ولم ترحم الرجل اللي يمشي وراءها يبكي في الأسواق، إذن الشأن أن يكون الإنسان محبًّا أو أن يكون محبوبًا؟ الطلبة: محبوبًا. الشيخ: أن يكون محبوبًا؛ ولهذا قال عز وجل: فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [آل عمران: ٣١] ولم يقل: فاتبعوني تصدقوا في دعواكم المحبة، قال: فاتبعوني يحببكم الله. نقول: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَالخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم، وقد مر علينا غير مرة أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا وجه إليه (قل) في القرآن فهو دليل على العناية بهذا القول الذي أمر أن يقوله؛ لأن هذا أمر بالتبليغ الخاص لهذا القول، أما القرآن كله فقد أمر أن يقوله كله، لكن بعض الأشياء يخص، يقال: (قل)، مثل: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ [النور: ٣٠]، وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ [النور: ٣١]، قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا [الأعراف: ١٥٨] وما أشبه ذلك، هذا أمر بتبليغ هذا الشيء الخاص بعينه، فيكون في ذلك توكيد ودليل على العناية به، وهذه لا شك أنه يجب الاعتناء بها، يجيء إنسان يقول: والله أنا أحب الله، أنا حبيب الله، فيغر العامة، فيقال: الحمد لله، ننظر، كما يدعي الآن في الوقت الحاضر أناس أنهم أولياء لله، ولكن الذي يزعم أنه من أولياء الله نمتحنه، نقول له: تمن الموت؟ لا، هذا لليهود قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ [الجمعة: ٦]، لكن نمتحنه بما دون ذلك، ننظر هل هو مؤمن تقي فهو أيش؟ الطلبة: صادق. الشيخ: صادق، هل هو عاص فاسق دجال يريد أن يشرك به مع الله في المحبة والطاعة فهو عدو وليس بولي؛ لأن الله قال في الميزان في الأولياء: أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) [يونس: ٦٢] هاه من؟ الطلبة: الَّذِينَ آمَنُوا. الشيخ: الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [يونس: ٦٣]. إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَلا شك أن الخطاب هنا إِنْ كُنْتُمْغير معلوم بالشخص، المخاطب غير معلوم بالشخص، لكنه معلوم بالمعنى، يستفاد المعنى مما بعد إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ، أي: قل لمن ادعى أنه يحب الله أيش؟ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي. قال: إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِيالجملة هنا شرطية، وفعل الشرط كُنْتُمْ، وجوابه: فَاتَّبِعُونِي، وجاءت الفاء في الجواب لأن الجملة طلبية، وإذا كانت الجملة الجواب طلبية وجب اقترانها بالفاء. فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُاتبعوني على ماذا؟ على ما أنا عليه من الشريعة، عقيدة وقولًا، وفعلًا وتركًا، كم من الأشياء؟ طالب: عقيدة، وقولًا، وفعلًا، وتركًا. الشيخ: كم؟ الطالب: أربعة. الشيخ: أربعة، فمن اتبع الرسول صلى الله عليه وسلم في هذه الأربع صدق في اتباعه، ومن خالف فهو غير صادق. عقيدة: بحيث تكون عقيدته على ما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، لا تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل، ولا شك، ولا ترديد، إيمان كامل خالٍ من جميع الشوائب، قولًا: لا يزيد ولا ينقص عما جاءت به الشريعة من الأقوال، وفعلًا: كذلك لا يزيد ولا ينقص، وتركًا: بحيث يترك ما لم يعمله الرسول عليه الصلاة والسلام، كل ما لم يتعبد به الرسول يجب عليه أن لا يتعبد به، فإن تعبد به ولو أنه يقول: إنه يحب الرسول فإن دعواه؟ كاذبة، إذا تعبد بفعل شيء ترك الرسول التعبد لله به لم يتعبد به لله وقال: والله أنا أحب الرسول، أتعبد لله بهذا الشيء محبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، قلنا: دعواك كاذبة، لو كنت تحبه حقًّا لاتبعته حقًّا، في العقيدة والقول والفعل والترك، أما أن تحدث في دينه ما ليس منه فأين محبتك له؟ نحن نجد الإنسان من بني آدم إذا أحب شخصًا غير الرسول تجده يتوسم خطاه، يعجب به، فيترسم خطاه، وينظر ماذا يفعل ويفعل، حتى وإن كان الشيء سيئًا يكون في عين الحبيب؟ الطلبة: حسنًا. الشيخ: حسنًا كما قيل:

وَعَيْــنُ الرِّضَــا عَــنْ كُــلِّ عَيْــبٍ كَلِيلَــــةٌ

كَمَا أَنَّ عَيْنَ السُّخْطِ تُبْدِي الْمَسَاوِيَا

وهذا شيء مجرب. الحاصل أن الله قال للرسول صلى الله عليه وسلم: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُيُحْبِبْكُمُهذه فك إدغامها؛ ولذلك ظهر السكون فيها، وفي غير القرآن لو قيل: يحبكم الله، لكان صحيحًا؛ لأن الإدغام هنا يجوز، وفك الإدغام يجوز أيضًا. يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ-الله أكبر- يُحْبِبْكُمُ اللَّهُهذه الثمرة والنتيجة التي يسعى إليها كل إنسان: أن يكون محبوبًا لدي الله سبحانه وتعالى، الثاني: وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْشوف -الله أكبر- فائدتان عظيمتان: محبة الله لك، ومغفرة ذنوبك. يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْأي: كل ما عملتم من الذنوب يغفر لكم، ولكن هل نقول: إنه يغفر وإن لم يستغفر الإنسان منه؛ لأن حسنة الاتباع تمحو هذا الذنب، ومحبة الله للإنسان توجب عدم عقوبته، أو نقول: يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْبأن ييسر لكم أسباب المغفرة إن لم يغفر لكم بدون سبب؟ الله أعلم، يحتمل أنه سبحانه وتعالى أراد أنه يغفر الذنوب بسبب هذا الاتباع والمحبة، أو أنه وإن فعل الإنسان ما فعل، فإنه ييسر له أسباب المغفرة بأن يعود من معصية الله إلى طاعته، الله أعلم، لكن على كل حال الوعد هنا محقق وهو مغفرة الذنوب، إما بسبب من العبد، أو لمجرد فضل الله. وقوله: ذُنُوبَكُمْالذنب هو المعصية، وهو كما ترون جمع مضاف لمعرفة، والجمع المضاف إلى معرفة يفيد؟ يفيد العموم. وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌالجملة هنا اسمية اشتملت على ثلاثة أسماء من أسماء الله: الله، والغفور، والرحيم. أما معنى (الله): فقد سبق لنا مرارًا وتكرارًا بأنه المألوه، أي: المعبود حبًّا وتعظيمًا، وأن أصل الله الإله، فحذفت الهمزة تخفيفًا لكثرة الاستعمال كما حذفت من (الناس)، ومن (شر) و(خير). وأما الغفور: فالغفور هنا يحتمل أن تكون صيغة المبالغة ويحتمل أن تكون صفة مشبهة، والمعنيان لا يتنافيان، فتكون صفة مشبهة وصيغة مبالغة، صفة مشبهة لأن الله لم يزل ولا يزال غفورًا، وصيغة مبالغة لكثرة من يغفر له، وكثرة ما يغفره من الذنوب. والمغفرة ستر الذنب والتجاوز عنه، وليست مجرد الستر؛ لوجهين: لغوي، وسمعي، أما اللغوي: فلأن المغفرة مأخوذة من الْمِغْفَر الذي يستر به المقاتل رأسه ويتقي به السهام، والمغفر جامع للستر والوقاية، وأما السمعي: فلما ورد في كيفية محاسبة الله لعبده المؤمن أنه يخلو به ويقرره بذنوبه فيقول: «قَدْ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ» ، واضح يا جماعة؟ وأما رحيم: فهو ذو الرحمة، وهو صالح أيضًا لأن يكون صفة مشبهة أو صيغة مبالغة، والرحمة صفة تقتضي العطف والإحسان على المرحوم. والجمع بينهما -بين الغفور والرحيم- لفائدة عظيمة وهي الجمع بين الوقاية والعناية، بين الوقاية بالمغفرة يقيك الله سبحانه وتعالى شر الذنوب، والعناية بماذا؟ طالب: بالرحمة. الشيخ: بالرحمة، يعتني الله بك فييسرك لليسرى ويجنبك؟ طالب: العسرى. الشيخ: العسرى، فالجمع بينهما لهذه الفائدة العظيمة جمع بين أيش؟ الطلبة: الوقاية والعناية. الشيخ: الوقاية والعناية، فالمغفرة فيها الوقاية من الذنوب، والرحمة فيها العناية للعبد حتى ييسره الله لليسرى ويجنبه العسرى. من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يتحدى هؤلاء المدعين لمحبته بهذا الميزان القسط وهو: اتباعهم للرسول عليه الصلاة والسلام. ومن فوائدها: جواز مخاطبة المدعي بالتحدي؛ لأن هذا هو الحق، لا تستحيي من شخص يدعي ما لم يتصف به؛ لأنه لو كان يعرف نفسه ما ادعى اتصافه بشيء لم يتصف به، فهو الذي أذل نفسه في الواقع، فلا تخش منه، تحده ليقيم البرهان والدليل على دعواه. ومن فوائد الآية الكريمة: أنها مصداق لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي» ، وهذه وإن كانت في دعوى الناس بعضهم مع بعض لكنها في الحقيقة قاعدة عامة، كل إنسان مدعٍ لا بد أن يقيم بينة على دعواه. ومن فوائد الآية الكريمة: أن محبة الله تعالى غاية لكل الناس حتى غير المؤمن يقول: أنا أحب الله، كذا؟ لقوله: إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي. ومن فوائد الآية الكريمة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رسول الله حقًّا، وجه ذلك؟ أن الله جعل اتباعه سببًا لمحبة الله للعبد. ومن فوائد الآية الكريمة: أنه كلما قوي اتباع الإنسان للرسول صلى الله عليه وسلم كان أقوى برهانًا على صدق محبته لله، فهذه من علامة محبة الإنسان لربه، فإذا رأيت الإنسان شديد الاتباع لرسول الله صلى الله عليه وسلم فاعلم أنه شديد المحبة لله، كل إنسان يتبع الرسول ماذا يريد؟ يريد الوصول إلى الله عز وجل، ولا شيء يراد الوصول إليه إلا هو محبوب للإنسان، الذي تكرهه لا تسعى في الوصول إليه، تسعى في أيش؟ في الهرب منه والبعد منه. ومن فوائد الآية الكريمة: أن اتباع النبي صلى الله عليه وسلم سبب لمحبة الله للعبد؛ لقوله: فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ. ومن فوائد الآية الكريمة:أنه ينبغي للإنسان أن يجيب غيره بما هو أكثر من سؤاله إذا كان محتاجًا إليه، إذا دعت إليه الحاجة؛ لأنه لم يقل: فاتبعوني تحبوا الله، بل قال: يُحْبِبْكُمُ، ولا أحد يحبه الله إلا وهو يحب الله؛ لأنك إذا أحببت الله عملت فأحبك الله؛ فلهذا أتى بالثمرة المهمة وهي محبة الله للعبد. ومن فوائد الآية الكريمة:إثبات المحبة بين العبد والرب من الجانبين؛ لأنه قال: تُحِبُّونَ اللَّهَفأثبت أن الإنسان يحب الله، فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُأثبت أن الله يحب الإنسان، وهي محبة حقيقية، خلافًا لمن أولها قال: تُحِبُّونَ اللَّهَ: تحبون ثوابه، يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ: يثبكم الله، يثبكم، فإن هذا تحريف. وسبب هذا التحريف القاعدة الباطلة بالسمع والعقل وهي: تحكيم العقل فيما يثبت وينفى عن الله عز وجل، فإن قومًا ادعوا العقلية قالوا: نحن الذين نحكم على الله بما يجب له أو يجوز أو يمتنع، وليس ما أخبر الله هو الذي يحكم بيننا -أعوذ بالله- هذا لازم قولهم وإن كانوا لا يصرحون بهذا لكن هذا لازم قولهم، إذا قيل: قال الله عن نفسه: إنه يُحِب، قال: لا، الله ما يحب، لكن يثيب، إذا قال عن نفسه: إنه يُحَب، قال: لا من يُحِب الله؟ الذي يُحَب هو الثواب، فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُأيش يحبهم؟ الطلبة: يثيبهم. الشيخ: يثيبهم، يُحِبُّونَهُ: يحبون ثوابه، -سبحان الله- والله إن الإنسان يجد طعمًا لا شيء يشبهه في محبة الله -الله أكبر- ومحبة الله ما هي محبة الثواب، إذا وقع في قلبك محبة الله نسيت كل شيء، حتى الجنة وحتى كل شيء، تحب الله نفسه عز وجل تحبه، حتى أنك ترى أن كل شيء يضمحل ويكون عبدًا لله أمامك، فالمحبة محبة حقيقة لله، محبة؛ ولهذا جاء في الحديث -وإن كان فيه ما فيه-: «أَحِبُّوا اللَّهَ لما يَغْذُوكُمْ بِهِ مِنَ النِّعَمِ» ، كل النعم من أين؟ الطلبة: من الله. الشيخ: وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ [النحل: ٥٣]، وأكبر نعمة على الإنسان -واللهِ- هي أن يهديه للإسلام الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي [المائدة: ٣]، الإنسان الذي هداه الله للإسلام ليس أحد مثله في النعمة إلا من أنعم عليه بها، فأنت في الحقيقة تحب الله نفسه لذاته ولما أنعم عليكم به من النعم، وليست محبة الله كمحبة الزوجة، كمحبة الطعام، كمحبة الشراب، كمحبة اللباس، كمحبة السكن، كمحبة السيارة، لا، محبة لا يشبهها شيء، وجربْ تجدْ، خل قلبك صافيًا يومًا من الدهر، وصلِّ، وكن متصلًا بالله في صلاتك تجد شيئًا يعني ما يختر بالبال، وتجد شيئًا يبقى أثره مدة طويلة وأنت تتذكر تلك اللحظة التي كنت فيها متصلًا بربك عز وجل. فالحاصل أننا نقول: لا أحد ينكر محبة الله نفسه إلا من حُرِمها، والله لو نعتقد أننا نحب ثواب الله دون الله ما حرصنا كل الحرص على الأعمال الصالحة، مع أننا مقصرون ما عملنا شيئًا، لكن نقول يعني أن الإنسان يعمل العمل الصالح لله، ولا يعني ذلك أننا لا نلاحظ الثواب، لا، نلاحظ الثواب، لسنا صوفية يقولون: من عمل للثواب فهو للتراب، نقول: نحن نحب الله ونحب ثوابه، لكن الأصل ما هو؟ طالب: محبة الله. الشيخ: محبة الله؛ ولهذا قال الله تعالى: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ [يونس: ٢٦] ما هي الْحُسْنَى؟ الجنة كلها بما فيها من النعيم، وَزِيَادَةٌالنظر لوجه الله، فجعل النظر لوجه الله زائدًا، أمرًا زائدًا عن النعيم؛ لأن الإنسان -الله يجعلني وإياكم ممن ينظر إليه- إذا نظر إلى ربه، فهذا أكمل ما يجد من النعيم واللذة (...)؛ فلهذا نقول: إن محبة الله محبة لله عز وجل حقيقةً ولا مانع. يقولون: إن المحبة لا تكون إلا بين متلائمين، ولا ملاءمة بين الخالق والمخلوق، وأيش نقول لهم؟ طالب: دعوى. الشيخ: دعوى، دعوى باطلة يبطلها الواقع، ألستم تحبون منازلكم وثيابكم ومركوباتكم؟ إنسان عنده بعير صلف شديد لا يحجزه اللجام، وبعير سهل الانقياد سلس المشي هملاج أيهما أحب إليك؟ طالب: الثاني. الشيخ: ولا الأول؟ الثاني يحبه يقول: روح جيب بعيري؟ جاب له البعير الصلف قال: لا روح رده هات الثاني، لأيش؟ لأن الثاني أحب إليه، من قال: إن المحبة لا تكون إلا بين متلائمين أو متجانسين، من يقول هذا؟ محبة ثابتة. ثم على فرض أن هذا يكون بين المخلوقات، فليس هذا بين الخالق والمخلوق، الخالق والمخلوق أثبت الله -وهو أعلم- أنه يحِب ويحَب. إذن في هذه الآية رد على من ينكر أيش؟ محبة الله، المحبة بين الإنسان وبين الرب. والناس في هذا ثلاثة أقسام: قسم قال: لا محبة بين الرب والعبد من الجانبين، وقسم قال: لا، بل تثبت المحبة بين الرب والعبد من الجانبين، وثالث قال: إن الله يحَب ولا يحِب، والقرآن والسنة يرد على طائفتين ويؤيد طائفة، من نفى المحبة بين الطرفين فقوله باطل، ومن تناقض فأثبتها من جانب العبد دون الرب فقد تناقض أيضًا، الأول قوله باطل ومطرد، قوله مطرد، لكنه باطل، والثاني قوله متناقض وهو باطل، ومن أثبتها بين العبد والرب فهذا هو الذي على الحق؛ لأن الله أثبت ذلك. طالب: شيخ، إذا حقق الإنسان الأمور الأربعة التي يكون بها متبعًا للنبي صلى الله عليه وسلم العقيدة والقول والفعل هل يتنافي ذلك يعني: هل يمنع محبة الله فعله للمعاصي اختلاطه ببعض المعاصي الصغيرة؟ الشيخ: لا، قد لا يمنع لكن ينقص بلا شك (...). بسم الله الرحمن الرحيم، ومن فوائد الآية الكريمة: الثمرة الجليلة لاتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك بمحبة الله. ومن فوائد الآية أيضًا: أنه ينبغي للإنسان إذا عمل العمل أن يشعر نفسه أو أن يستشعر أنه متبع بذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن هذه النية مهمة، فينوي الإنسان عند فعل العبادة نيتين: النية الأولى: الإخلاص لله عز وجل، وأنه لم يفعل ذلك إلا طاعة لله وابتغاء لمرضاته، والثانية: أن يشعر بأنه متبع لرسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يتقن العمل؛ لأنه إذا أخلص لله وأخلص لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالاتباع أكمل عبادته أكثر وأكثر. ومن فوائد الآية الكريمة: أن الجزاء من جنس العمل؛ لقوله: فَاتَّبِعُونِي، حيث جعلها برهانًا على صدق دعوى المحبة، وجعل الجزاء من جنسه: أن الله يحب العبد. ومن فوائد الآية الكريمة: أن اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبب لمغفرة الله للذنب؛ لقوله: وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ، وهذا ظاهر: أن اتباع الرسول صلوات الله وسلامه عليه من أسباب المغفرة، قال الله تعالى: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ [النساء: ٣١]، وقال تعالى: إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ [هود: ١١٤]. ومن فوائد الآية الكريمة: كمال إحسان الله سبحانه وتعالى بجزائه على العمل أكثر منه؛ لأن الذي يتبع الرسول يحصل له محبة الله ومغفرة الذنوب، ويتبين لك هذا الفضل بأن الذي منّ عليك بالعمل أولًا هو الله، ثم منّ عليك ثانيًا بالجزاء عليه جزاء أكثر؛ ولهذا ما أعظم شكر الله سبحانه وتعالى للعبد حيث يقول: هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ [الرحمن: ٦٠]، مع أن إحسان العبد إنما كان بإحسان الله إليه، أليس كذلك؟ الطلبة: بلى. الشيخ: فالله تعالى يحسن إليك بالعمل أولًا وثانيًا، أولًا بالتوفيق له، وثانيًا بالجزاء عليه إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا [الإنسان: ٢٢]، شوف الفضل العظيم، كأن الأمر منا وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًامع أن التوفيق من الله سبحانه وتعالى. ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات هذين الاسمين وما تضمناه من صفة، قوله: وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ، ففيهما إثبات الاسمية لله في هذين الاسمين، والثاني إثبات الصفة التي تضمناها، ومعلوم أن كل اسم من أسماء الله يدل على معناه الخاص به، لكن اجتماع الاسمين يدل على معنى ثالث وهو: الجمع بين مغفرة المعائب والرحمة بالعناية بالفضائل؛ لأن المغفرة مقابل الذنوب، والرحمة مقابل العناية بالإنسان، أن الله تعالى يرحم الإنسان، فيحصل من اجتماع هذين الاسمين صفة ثالثة وهي: جمع الرب سبحانه وتعالى بين الإحسان والعناية وبين الوقاية من الذنوب وآثارها بالمغفرة. ثم قال تعالى: قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَقُلْ.. طالب: فائدة. الشيخ: فائدة؟ ما هي؟ الطالب: أنه لا تترك سنة من سنن الرسول صلى الله عليه وسلم حتى لو (...) العوام يكرهون أهل السنة والله سبحانه وتعالى يحب أهل السنة. الشيخ: لا ما يمكن، هذا ما يمكن؛ لأنه قد جاء (...) للفاضل ما يجعله مفضولًا، وهذه قاعدة معروفة عند أهل العلم، والتأليف بين المسلمين أمر مطلوب شرعًا، وقد نص الإمام أحمد رحمه الله على أنه إذا كان في ترك السنة تأليف بالعباد، فإن التأليف يجب أن يراعى أكثر، كما قال: إذا أم قومًا لا يرون القنوت في الوتر فلا يقنت، وقال: إذا ائتم بشخص يقنت في الفجر فليتابعه وليؤمن على دعائه، بل ترك النبي صلى الله عليه وسلم بناء الكعبة على قواعد إبراهيم خوفًا من الفتنة ، وهذه القاعدة ينبغي لطلبة العلم أن ينتبهوا لها وهو: أنه قد يعرض للمفضول ما يجعله أفضل من الفاضل، وإذا تأملت الشريعة على حسب القواعد العامة وجدت أن كل ما يوجب التنافر بين المسلمين والعداوة بينهم يكون منهيًا عنه، البيع على بيع المسلم والغش وما أشبه ذلك، كل هذا؛ لأنه يوجب التنافر والعداوة بين المسلمين. والإنسان يمكنه أن يوفق بين فعل السنة وبين التأليف، يفعل السنة في ذات نفسه، في مكان لا ينفر منه الناس، ثم يدعو الناس إليها بالقول قبل كل شيء ويبينها للناس أولًا، فإذا اطمأن الناس إليها سهل تطبيقها عليه وعليهم، فأهم شيء إقناع هؤلاء الذين لا يفهمون، فإذا اطمأنوا عملت معهم السنة على وجه ليس فيه تنفير. المهم على كل حال أن مراعاة المصالح في الشريعة الإسلامية أمر معلوم، ودفع المفاسد أمر معلوم.

تفسير الآية (٣٢)

٠٠:٣٢:٥٩

قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَالخطاب في قوله: قُلْللرسول صلى الله عليه وسلم، وأَطِيعُوا اللَّهَالطاعة ما هي؟ الطاعة هي: عبارة عن الانقياد والموافقة، سواء كانت في فعل أو في ترك، فإن كانت أمرًا، فالطاعة فعل المأمور به، وإن كانت نهيًا، فالطاعة اجتناب المنهي عنه، هذه الطاعة. وقوله: أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَأتى بالواو الدالة على التشريك؛ لأن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم فيما يأمر به من الشريعة من طاعة الله، طاعته فيما يأمر به من الشريعة من طاعة الله، وأما فيما لا يأمر به من الشريعة، فلا شك أنه أعظم الناس حقًّا علينا، ولكن قد يشير بالشيء ولا يلزم أو قد يشفع في الشيء ولا يلزم طاعته في الشفاعة، كما مر علينا في قصة بَرِيرة حيث قالت: يا رسول الله، إن كنت تأمُرُني فسَمْعًا وطاعةً، إن كنتَ تُشير علي فلا حاجة لي فيه . أما طاعة الرسول فيما يأمر به من شرع الله، فإنها كطاعة الله سواء، فإذا أمر عليه الصلاة والسلام بشيء، فإن طاعته طاعة لله سبحانه وتعالى؛ ولهذا جاءت الواو أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ، وانظر إلى الأمر الشرعي حتى في الإتيان وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ [التوبة: ٥٩] ولم يقل: ثم رسوله؛ لأن هذا إتيان شرعي لا قدري، في الأمور القدرية ما يمكن أن يشرَّك الرسول مع الله بالواو، في الأمور الشرعية يشرَّك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يشرع إلا بشرع الله؛ ولهذا قال: أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ. وقوله: الرَّسُولَ(أل) فيها للعهد وليست للاستغراق، فمن المعهود؟ طالب: النبي محمد صلى الله عليه وسلم. الشيخ: المعهود رسول الله صلى الله عليه وسلم محمد بن عبد الله، وهذا العهد ذهني ليس حضوريًّا ولا ذِكريًّا؛ لأن العهود ثلاثة: عهد ذكري، وذهني، وحضوري، فإذا قلت: أكرم هذا الرجل؟ الطلبة: حضوري. الشيخ: هذا حضوري، وإذا قلت: رأيت رجلًا فدعوتُ الرجل؟ الطلبة: ذكري. الشيخ: هذا ذكري، وإذا قلت: جاء القاضي؟ الطلبة: ذهني. الشيخ: هذا ذهني، نعم. يقول: أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَوالرسول من؟ الرسول عند عامة العلماء: من أوحي إليه بشرع وأمر بتبليغه، والنبي من أوحي إليه بشرع يتعبد به ولكن لم يكلف بتبليغه، فآدم نبي؛ لأنه أوحي إليه بشرع لكنه ليس برسول؛ لأنه لم يلزم بتبليغه، لكن ذريته في ذلك الوقت كانوا يتبعونه؛ لأنهم قلة ولم يكثروا فيحصل النزاع بينهم، ولم تفتنهم الدنيا، فكانوا يتبعون أباهم فيما يتعبد به من شريعة الله، فلما كثر الناس واختلفوا بعث الله النبيين، كما قال تعالى: كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ [البقرة: ٢١٣]، فصار الرسول أخص من النبي، وعليه فنقول: كل رسول نبي، وليس كل نبي رسولًا، لكن الأنبياء الذين ذكروا في القرآن بلفظ النبوة هم أنبياء ورسل؛ لقوله تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ [غافر: ٧٨]، فأفادت الآية الكريمة أن كل من قصه الله علينا في القرآن فهو رسول وإن كان لم يرد ذكره إلا بلفظ النبوة. يقول: قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْايعني: أعرضوا عن الطاعة ولم يمتثلوا لها ولم ينقادوا، فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَإن تولوا عن طاعة الله فإن هذا كفر، كفر منهم، ولكنه قد يكون مخرجًا من الإسلام وقد لا يكون مخرجًا، كيف؟ إن كان كفرًا مطلقًا بكل ما أمروا به، فهو كفر مخرج عن الإسلام، وإن كان كفرًا مقيدًا ببعض الأوامر، فهو كفر دون كفر لا يخرج من الإسلام، والميزان في ذلك النصوص، فما دلت النصوص على أنه كفر كان التولي به كفرًا مخرجًا عن الملة، وما دلت النصوص على أنه معصية فهو كفر لا يخرج من الملة. وفي قوله: فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَبماذا نفسر نفي المحبة هنا؟ فسرها بعضهم بأن المعنى: لا يثيبهم، ولكن هذا تحريف، والصواب أنه لا يحبهم وهو إذا لم يحبهم لن يثيبهم، فهذا انتفاء محبة الله عنهم. وقوله: الْكَافِرِينَهو إظهار في محل الإضمار، ومقتضى السياق أن يقال: فإن تولوا فإن الله لا يحبهم، ولكنه أظهر في موضع الإضمار لفائدتين: إحداهما لفظية، والثانية معنوية، والمعنوية تتضمن ثلاث فوائد: الفائدة اللفظية مراعاة الفواصل، فواصل الآيات، لو قال: فإن تولوا فإن الله لا يحبهم، لم تتناسب هذه الفاصلة مع الفواصل التي قبلها وبعدها، ومراعاة الفواصل من البلاغة، ألم تروا إلى قوله تعالى في سورة طه: قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى [طه: ٧٠]، مع أنه في الآية الأخرى يقدم موسى، وموسى أفضل من هارون لا شك وأحق بالتقديم، لكن قدم هارون على موسى في هذه الآية -في آية طه- من أجل مراعاة الفواصل، ولا شك أن القرآن في قمة البلاغة، فمراعاة الفواصل من البلاغة. أما الفائدة المعنوية فنقول: إن قوله: لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَإظهار في موضع الإضمار له ثلاث فوائد معنوية: الفائدة الأولى: التسجيل على هؤلاء بالكفر، يعني: الحكم عليهم بأنهم كفار، ولو قال: فإنه لا يحبهم، لم تحصل هذه الفائدة أنهم كفار. الفائدة الثانية: التعميم، بحيث تكون محبة الله منتفية عن كل كافر، ولَّا لا؟ ولو قال: لا يحبهم لاختص نفي المحبة بهؤلاء فقط. الفائدة الثالثة: التعليل؛ وذلك لأن الحكم إذا علق بوصف دل على علية ذلك الوصف فيه. إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَلماذا؟ لكفرهم، فتعليق الحكم بالوصف يدل على عِلّية ذلك الوصف في الحكم، يعني: أن سببه هو هذا الوصف، فإذا قلت: أكرم المجتهد، لماذا؟ الطلبة: لاجتهاده. الشيخ: لاجتهاده، إذن علق الإكرام بوصف وهو الاجتهاد، فدل ذلك على أن الاجتهاد هو العلة، فصار الإظهار في موضع الإضمار له ثلاث فوائد معنوية وفائدة لفظية، لكن الفائدة الفظية قد لا تثبت أو لا تحصل في كل موضع، لكن في هذا الموضع حصلت، الفائدة اللفظية هنا؟ طالب: مراعاة الفواصل. الشيخ: طيب، المعنوية؟ طالب: التسجيل عليهم بالكفر. الشيخ: يعني الحكم عليهم بالكفر. طالب: والتعميم. الشيخ: التعميم. طالب: التعليل. الشيخ: والتعليل، واضح يا جماعة؟ طالب: عندي رابعة. الشيخ: وما هي؟ الطالب: التعبد بالتلاوة. الشيخ: لا، لأنها لو قال: لا يحبهم، تعبدنا بتلاوتها. الطالب: (...). الشيخ: معناه إذن: كل آية في القرآن تحتاج أطول تقول: إنها ناقصة، ما يصلح هذا. إذن نقول: في هذه الآية فوائد: أولًا: عناية الله سبحانه وتعالى بطاعته وطاعة رسوله، وجهه؟ طالب: لأنه قال: قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْاأي: لم يطيعوا. الشيخ: لا. طالب: إيه يا شيخ؛ لأنه قرن بالواو المشركين. الشيخ: نعم؟ طالب: سببين يا شيخ، أولًا: تصدير الآية بالأمر. الشيخ: بـ(قل). طالب: بـ(قل)، الثانية: جعلها بعد آية المحبة. الشيخ: نعم، لأنه مر علينا أنه إذا صدرت بـ(قل) الآية كان ذلك أمرًا خاصًّا بإبلاغها، مع أن القرآن كله الرسول أمر بأن يقوله، ثاني مناسبة أنها ذكرت بالمحبة، بعد آية المحبة إشارة إلى أن طاعة الله والرسول سبب لذلك. من فوائد الآية الكريمة: وجوب طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لقوله: وَالرَّسُولَ، وهذا مكرر في آيات متعددة. ومن فوائدها: الرد على من قال: إن السنة لا يعمل بها إلا ما وافق القرآن، وجهه؟ أن الله قال: أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ، ومن المعلوم لو قلنا: إن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يطاع إلا فيما أمر الله به لم يكن للأمر بطاعته فائدة؛ لأن كل من أمر بما أمر الله به فإنه مطاع، مطاع لا لأمره ولكن لأمر الله، فطاعة الرسول بأمره طاعة مستقلة. على أننا نقول: إن الذي يقول: إنه لا يعمل بالسنة إلا ما وافق القرآن متناقض، وجهه؟ أن قوله: إلا ما وافق القرآن، يحكم عليه؛ لأنه ليس في السنة ما يخالف القرآن؛ لأن القرآن أمر بالعمل بالسنة، فالعمل بها موافقة للقرآن وليس بمخالفة، فهذا تناقض.

سمعت أن بعض الناس أنكر على من استدل بقوله تعالى: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر: ٧]، وقال: إن هذا في قسم الفيء، وهذا صحيح أنها –الآية- في قسم الفيء، ولكن إذا كان يجب علينا أن نقبل ما قسمه الرسول عليه الصلاة والسلام في الفيء وأن ننتهي عما نهى عنه، فما بالك بالأمور الشرعية؟ أليس قبولنا لما جاء به شرعًا أولى من قبولنا بما قسمه مالًا؟ الطلبة: بلى. الشيخ: ما فيه شك، يعني: لو سلمنا جدلًا -وهي حقيقة- أنها في الفيء، لكنها تشير إلى أنه إذا قبلنا قسمته في الأموال، فيجب علينا أن نقبل ما حكم به في شرع الله. ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات رسالة النبي صلى الله عليه وسلم؛ لقوله: أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ. ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب الطاعة؛ لقوله: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ. واعلم أن ترك امتثال الطاعة إن كان سببه كراهة ما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام، فهذا كفر مخرج عن الملة، كما قال تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ [محمد: ٩]، وإن كان تكاسلًا وكراهة لهذا العمل نفسه لا لأن الرسول جاء به، فهذا لا يخرج من الملة، وهذه مسألة يجب التفطن لها والتنبه؛ لأن بعض الناس إذا رأى أن شخصًا كره فلانًا لتطبيقه السنة قال: هذا كره ما أنزل الله فهو كافر، وهذا غلط عظيم، والكفر ليس نقدًا سهلًا تعطيه من شئت وتمنعه من شئت، الكفر أمره صعب جدًّا، لا يجوز أن نكفر إلا من تيقنا أنه صدق عليه أنه كافر؛ ولهذا ربما يكره الإنسان هذا العمل من شخص ولا يكرهه من شخص آخر، إذن هو لا يكره العمل لأنه سنة، لكن قد يكره هذا الرجل نفسه؛ لأنه عمل به. وهذا شيء كثير مشاهد، لو أن أحدًا من الناس الموثوقين عند العامة فعل هذا الفعل لوجدتهم يتحدثون: أترى هذا سنة؟ ما أدري أنه سنة، فيأخذون بها، أو على الأقل لا ينكرونها، لكن لو فعله واحد غير موثوق وأيش تجده؟ طالب: ينقضونه. الشيخ: ينتقضونه ويكرهونه، وهذا (...) المسكين هذا، ويرمونه بكل داهية. فالمهم أن هذه مسائل يجب علينا يا إخواننا أن نفرق بين من كره العمل لأنه شرع الله، فهذا لا شك في كفره ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ [محمد: ٩]، وعلامة ذلك أنه لو جاء من غير شرع الله لقبله، فهذا كافر، وأما من كره العمل لأنه عمل، فهذا لا يصل إلى حد الكفر، ولكن ينظر في أمره، ونزلوا هذه المسائل -بارك الله فيكم- على كثير ممن يتسرع فيه بعض الناس فيحكم على فاعله بالكفر، وما علم أن «مَنْ دَعَا رَجُلًا بِالْكُفْرِ أَوْ قَالَ: يَا عَدُوَّ اللَّهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهِ» ، والذي قال هذا رسول الله عليه الصلاة والسلام، فمعنى «يَرْجِعُ عَلَيْهِ» أنه سيكفر هذا الرجل، يكفر؛ لأنه قال: «إِلَّا حَارَ عَلَيْهِ»، ولم يقل: إلا أوشك أن يحور عليه، قال: «إِلَّا حَارَ عَلَيْهِ» يعني: أنك ستكفر اليوم أو غدًا، إلا أن يمن الله عليك بالتوبة، كل هذا من أجل حماية أديان الناس، فإذا كان الشرع يحمي أعراض الناس بأن من قذف شخصًا وجب عليه الحد ثمانين جلدة، فأديان الناس حماها أيضًا، بماذا؟ بأنك إذا كفرت شخصًا أو قلت: يا عدو الله، رجع عليك، حتى لو قلت: يا عدو الله، فيما يفسقه، رجع عليك وبليت بالفسق، والعياذ بالله. فالمهم يا إخواني أنه يجب أن لا نتسرع في هذه الأمور، وأن نعلم أن الأمر عظيم، عظيم لا يتصور الإنسان عظمه، لكن الحمد لله يسعك ما دل عليه شرع الله عز وجل، من كفره الله ورسوله فكفرْه، لكن تتيقن لا بد أن تتيقن أن هذا الرجل بعينه محكوم عليه بالكفر، وإذا كنا لا نشهد للمؤمن بعينه بالجنة وإن كان داخلًا في عموم المؤمنين، فلا نشهد للرجل بالكفر وإن كان داخلًا في عموم الكافرين، يعني: إذا جاء نص يقول: من فعل كذا فهو كافر، فلا نطبق هذا الحكم على كل من فعله بعينه، كما أنه جاءت النصوص بأن المؤمنين يدخلون الجنة، هل نحكم بدخول الجنة على كل مؤمن بعينه؟ لا، ما نشهد بالجنة بعينه إلا من شهد له الرسول صلى الله عليه وسلم، فكذلك أحكام الكفر كأحكام الإيمان تمامًا. واعلم أنك إذا حكمت عليه بالكفر فقد أبحت ماله، أبحت دمه وماله، وحرمته الجنة وأوجبت له النار، وأوجبت فسخ نكاح زوجاته منه، وأن لا يرث أحدًا من أقاربه، وأن لا يصلى عليه، وأن لا يدفن مع المسلمين، أحكام الكفر ما هي هينة حتى تكون على ألسنة كل أحد، إي نعم. طالب: بعض الناس يكرهون السنة، مثلًا إنسان لبس ثوبًا لا على السنة هذا ما يكرهونه، ولكن إذا يعلمون أنها سنة يكرهونها أو لحيته أو هكذا يعني ناس نخبرهم؟ الشيخ: على كل حال، مثل ما قلت لك: من كره لأنه شرع الله فهذا كافر. الطالب: (...) شخص هذا لكن (...) يقولون: إن هذا تشدد وتزمت (...). الشيخ: إي نعم، صحيح يرونه (...)؟ الطالب: إي نعم. الشيخ: إذن يكره الشخص نفسه؛ ولذلك الآن هذه الذي ذكرت زدت ثالثًا: إذا فعلها من يثق الناس به علمًا ودينًا ما كرهوه، فإذن صار يكره الشخص نفسه، وذاك الفاسق اللي رفع ثوبه ما يكرهه ولا يحبه؛ لأن هذا يقول: سبحان الله ربما أن الله هداه، إي نعم. طالب: (...) إذا كان الإنسان هذا اللي فعل السنة هذه وفي أناس آخرون مسلمين ولم يفعلوا السنة بما جاء بها النبي صلى الله عليه وسلم هم يفعلونها من أجل الناس ويكرهونها من أجل تطبيق السنة الصحيحة، ما حكمهم يا شيخ؟ الشيخ: أنا أعطيتكم قاعدة طبقوها على كل الناس: من كره الرجل لكراهة السنة، من كره العمل لأنه سنة وشرع، فهو كافر، ومن كرهه من هذا الشخص نفسه فهو لكراهة الشخص، وكما قلت لكم وزادنا الأخ غانم قسمًا ثالثًا. طالب: مراعاة فواصل الآيات إذا قال قائل: إن الله سبحانه وتعالى قادر أن يجعل الآيات كلها على منوال واحد بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى [طه: ٧٠] يستطيع الله سبحانه وتعالى أن يجعل كل الآيات على (...)؟ الشيخ: وأيش لون؟ الطالب: يستطيع سبحانه وتعالى الله أن يجعل.. الشيخ: لسنا نحكم على الله يا أخي، الله هو اللي يحكم علينا. الطالب: بس مراعاة الفواصل؟ الشيخ: إيه، هذا شيء معروف، والعلماء ذكروا هذا وهو صحيح أن مراعاة الفواصل، أحيانًا لفظة يعني غريبة في اللغة العربية لأجل هذا، وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ [التكوير: ١٧، ١٨]، وأشياء كثيرة من هذا؛ لأن هذا مقتضى البلاغة. طالب: شيخ، جزاكم الله خيرًا، عثمان رضي الله عنه: ما لي لا ألعن ما لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفي كتاب الله (...). الشيخ: أحسنت. الطالب: هل يؤخذ منه دليل؟ الشيخ: ما لعن معينًا، ولو فرض أنه لعن معينًا، فالمراد الجنس، كقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «أَفْطَرَ الْحَاجِمُ» لما مر برجلين يحتجمان في البقيع قال: «أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ» ، قال: شيخ الإسلام: ليس يريد أن هذين أفطرا لأنهما جاهلان، لكن المراد أفطر الجنس، يعني: أفطر جنس هذا العامل، إي نعم.


تفسير الآيتين (٣٣-٣٤)

٠٠:٥٨:١١

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٣) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٣٤) إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٥) فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ [آل عمران: ٣٣ - ٣٦]. الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ. أولًا: أظن أننا كملنا الفوائد السابقة لم يبق شيء. قال الله: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًاهذه الجملة كما نشاهد جملة مؤكدة بـ(إن)؛ لأن المقام يقتضي ذلك؛ إذ إن المقصود بيان أن الله تعالى يصطفي من الناس من شاء اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ [الحج: ٧٥] يعني: ومن الناس رسلًا، فيقول الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ، وآدم هو أبو البشر، خلقه الله تعالى خلقًا مستقلًا، وليس متطورًا من جنس آخر أو من نوع آخر قبله، كما يقوله أهل الإلحاد، ومن ادعى ذلك فقد كفر بالله؛ لأن الله تعالى أخبر في كتابه في عدة مواضع أن الله خلق آدم من تراب مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ [الرحمن: ١٤]، مِنْ طِينٍ [ص: ٧١]، خلقه بيده ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، فمن زعم غير ذلك فهو كافر، مصدق لغير الله مكذب لله -والعياذ بالله- مع العلم بأنه لن يأتي أحد بكلام عن آدم وابتداء خلقه وكيفية خلقه غير مستند في ذلك إلى الوحي، فإن قوله غير مقبول، لماذا؟ لأنه لم يشاهده، قال الله تعالى: مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ [الكهف: ٥١]، وقال الله تعالى: أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ [إبراهيم: ٩]، فمن ادعى علم شيء ممن سبق فهو كاذب إلا ببرهان، وآدم -كما نعلم- بيننا وبينه أزمنة طويلة جدًّا، فلا يمكن أن نقبل قولًا فيه إلا عن طريق الوحي الصحيح. وسمي آدم قيل: لأُدمته، يعني: لأن لونه ليس الأبيض الباهق ولا الأسود الحالك، لكنه بين ذلك، وخلقه الله عز وجل على صورته، أي: على صورة الله عز وجل تكريمًا له، ولا يلزم من كونه على صورة الله أن يكون مماثلًا له؛ لأن الله تعالى يقول: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى: ١١]، فعلينا أن نؤمن بالنصوص كلها، نؤمن بأنه خلقه على صورته ونؤمن بأنه ليس مثله، فإن قلت: كيف يكون على صورته وليس مثله؟ فالجواب: يمكن هذا، يمكن هذا في المخلوق فما بالك بالخالق؟ لقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أَنَّ أَوْلَ زُمْرَةٍ تَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ ، ومن المعلوم أنه لا يلزم التماثل، يعني: ليس صورتهم كصورة البدر تمامًا، بل من حيث الجملة والبهاء والنور، كالقمر ليلة البدر، ثم إن القرآن والسنة لا يكذب بعضهما بعضًا، وإذا كان الجمع ممكنًا بين المخلوقات بعضها مع بعض، أي: أن الشيء يكون على صورة الشيء بدون مماثلة، فإمكان ذلك بين الخالق والمخلوق من باب أولى؛ لأن الله ليس كمثله شيء، وقوله: وخلقه الله على صورته، وأسجد له ملائكته إكرامًا له، قال الله تعالى: فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ [الحجر: ٢٩]، فأمرهم أن يسجدوا، فأمر الملائكة أن تسجد له إكرامًا له. وآدم عليه الصلاة والسلام أوحي إليه كما في القرآن الكريم، ولا شك أنه أوحي إليه أيضًا من الناحية العقلية؛ وذلك لأنه لا يستقل بعبادة الله، أي: لا يمكن أن يعرف كيف يعبد الله إلا بوحي من الله، وهو مخلوق للعبادة وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: ٥٦]، فدل السمع والعقل على أنه موحى إليه. ولكن هل كان رسولًا؟ لا، ليس برسول بدلالة الكتاب والسنة، أما في الكتاب ففي قوله تعالى: إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ [النساء: ١٦٣]، فجعل النبيين من بعد نوح، وقال تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ [الحديد: ٢٦]، وفي الحديث الصحيح حديث الشفاعة الطويل: أن الناس سيأتون إلى نوح ويقولون له: أنت أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض ، وعليه فآدم نبي أوحي إليه بشرع وتعبد لله به، وبقي الناس على هذا الشرع؛ لأنهم قلة ولم يحصل منهم اختلاف، فلما اختلفوا بَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ [البقرة: ٢١٣]. وقول: آدَمَ وَنُوحًانوح ذكره الله عز وجل بعد ذكر آدم؛ لأنه الأب الثاني للبشرية، فإن نوحًا لما كذبه قومه إلا القليل أهلكهم الله تعالى بالغرق، فجعل الله ذريته هم الباقين كما في سورة الصافات: وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ [الصافات: ٧٧]، فصار الأب الثاني للبشرية، وهو أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض، ولبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا يدعوهم إلى الله، وما آمن معه إلا قليل، ألف سنة وما آمن معه إلا قليل، ونحن إذا دعونا عشرة أنفار وتلكؤوا قليلًا، ثم استجاب واحد من عشرة قلنا: ما قبلت دعوتنا واستحسرنا عن الدعوة إلى الله وآيسنا، وهذا رسول بقي ألف سنة إلا خمسين عامًا في قومه وما آمن معه إلا قليل، ومع ذلك قال الله تعالى في كتابه: لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ [يوسف: ١١١]. وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَآلَ إِبْرَاهِيمَلا شك أنه يدخل فيهم إبراهيم بالأولى، لكن نص على آلهم لكثرة الرسل فيهم، ولا سيما أن فيهم أفضل الرسل محمدًا صلى الله عليه وآله وسلم، فإن محمدًا صلى الله عليه وسلم من آل إبراهيم. وَآلَ عِمْرَانَآل عمران اختلفوا في المراد بهم، فقيل: آل عمران أبي موسى؛ لأن موسى أفضل أنبياء بني إسرائيل، وقيل: آل عمران أبي مريم وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ [التحريم: ١٢]، فذكر آل عمران؛ لأن فيهم آخر الرسل قبل محمد صلى الله عليه وسلم وهو عيسى ابن مريم الذي ينتمي إليه النصارى، وخصها بذلك -خص آل عمران بذلك- لأن المقام يقتضيه أيضًا، فإن هذه السورة نزل أولها في وفد نجران وهم من النصارى، وسواء كان هذا أم ذاك، فإنه يدل على أن الله اصطفى هذه القبيلة -قبيلة إبراهيم- فهو مصطفى من مصطفى، اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًاهذا الاصطفاء الأول، وَنُوحًاهذا الاصطفاء الثاني، وَآلَ إِبْرَاهِيمَالثالث، وَآلَ عِمْرَانَالرابع، فكان هؤلاء السادة من البشر هم الذين اصطفاهم. ومعنى الاصطفاء: أن الله اختارهم وفضلهم على كثير ممن خلق تفضيلًا، كما قال تعالى: وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا [الإسراء: ٧٠]، ما هو على كل من خلقنا، عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا. قلت: الاصطفاء بمعنى الاختيار؛ لأن أصله مأخوذ من الصفوة، وصفوة الشيء: خياره، واصْطَفَىأي: أخذ صفوته. وقوله: عَلَى الْعَالَمِينَأي عالمين؟ هل هم كل العالم؟ أو على العالمين من جنس الحيوان؟ الأول هو الأصل: أن المراد بالعالمين من سوى الله؛ لقوله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة: ٢]، وسيأتي إن شاء الله في الفوائد ما ينبني على هذا الخلاف. وقوله: ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍذُرِّيَّةًبالنصب بدل من آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ، ذُرِّيَّةًيعني: هؤلاء الأربعة الأصناف ذرية بعضها من بعض، وذرية مأخوذة من (ذرأ) بمعنى خلق، في قوله تعالى: يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ [الشورى: ١١] أي: يخلقكم، وقيل: من (وذر) بمعنى ترك، فعلى الأول: تكون الذرية شاملة للأصول والفروع؛ لأن الأصول مخلوقون والفروع كذلك مخلوقون، أما إذا جعلناها من (وذر) بمعنى ترك فهي للفروع فقط، وهذا هو المعروف عند عامة الناس: أن الذرية هم الفروع، يعني: من نشؤوا عن الإنسان وتركهم بعده، هل في القرآن ما يدل على أن الذرية تطلق على الأصول؟ أيش؟ طالب: أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ [الطور: ٢١]. الشيخ: لا. طالب: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ [الطور: ٢١]. الشيخ: لا. طالب: ذرية آدم ومن حملنا.. الشيخ: لا، ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا [الإسراء: ٣]. طالب: في قوله سبحانه وتعالى: وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ. الشيخ: نعم هذه، وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (٤١) وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ [يس: ٤١، ٤٢]، فإن الذين حملوا في الذرية هم الذين آمنوا مع نوح وهم سابقون. وقوله: بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍفي جنس الخلقة؟ أو بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍفي العمل والآداب والأخلاق؟ طالب: تشمل. الشيخ: الظاهر الشمول، يعني أن الآدميين كلهم من جنس واحد، ما فيه آدمي كان بالأول قرد، كما يقوله إخوان القردة، ومن أقروا على أنفسهم بأنهم قردة، الآدمي أصله آدمي، خلق الله أباه بيده ابتداءً، لكن هؤلاء أبوا إلا أن يجعلوا أنفسهم من القرود، فـبَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍفي الخلقة، من آدم إلى يومنا هذا لم تتغير الخلقة إلا في قوة الجسم وضخامة الجسم؛ لأن آدم خلق طوله في السماء ستون ذراعًا وعرضه أيضًا على ما في حديث كثيرة سبعة أذرع ، وهذا الخلق نقص نقص حتى وصل إلى هذه الأمة وانتهى؛ لأن هذه الأمة هي آخر الأمم. ولا يرد على ذلك أنه في بعض المناطق يكون الجنس البشري ضخمًا وفي بعض المناطق يكون دون ذلك؛ لأن هذا من تغير المناخ والوراثة، لكن الأصل أننا نعتبر في آخر مرحلة لبني آدم؛ لأننا نحن آخر الأمم. كذلك بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍفي الآداب، والأخلاق، والديانات إلا من كان منهم ظالمًا خارجًا عن هذا الأصل، فإنه يكون خارجًا بما خرج به. بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌختمها بالسمع والعلم إشارة إلى أن كل ما يقوله هؤلاء المصطفون أو يفعلونه، فإنه معلوم عند الله، فهو يسمع ما يقولون ويعلم ما يفعلون، بل ويعلم ما لا يفعلون مما يكون في قلوبهم، بل يعلم ما سيفعلونه وإن لم يكن في قلوبهم؛ لأن الله تعالى يعلم ما كان، وما يكون لو كان كيف يكون. في هاتين الآيتين فوائد: في الأولى: بيان أن الله اصطفى هؤلاء، هؤلاء المخلوقات على بقية المخلوقات. ومن فوائدها أيضًا: أن لله أن يختار من خلقه ما شاء، كما قال تعالى: وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [القصص: ٦٨]. ومن فوائدها: أن التفاضل كما يكون في الأعمال يكون في الأعيان، كما يكون في الأعمال والأوصاف يكون كذلك في الأشخاص؛ ولهذا نقول: إن جنس العرب أفضل من غيره من الأجناس، لكن هذا الجنس الفاضل إذا اجتمع معه التقوى صار له الفضل المطلق، وإن تخلفت التقوى صار معدنه طيبًا وعمله خبيثًا فيزداد خبثًا لكون منشأه أو أصله طيبًا ثم ارتد بنفسه إلى الخبث؛ لأن من كان منشؤه طيبًا ثم نزل بنفسه إلى المستوى الأدنى صار أكثر لومًا ممن لم يكن كذلك، أليس هكذا؟ الطلبة: نعم. الشيخ: ولذلك لو زنت الحرة لجلدت مئة جلدة إن كانت غير محصنة، ورجمت إن كانت محصنة، ولو زنت الأمة لم ترجم ولو كانت متزوجة ولم تجلد مئة جلدة، تجلد خمسين؛ لأن هناك فرقًا بين إنسان أصله كريم وشريف ثم يضع نفسه موضع الوضيع، وبين شخص كان في الأصل على خلاف ذلك، ويدل لهذا -أي لأن الناس يختلفون في أجناسهم- يدل لهذا أن الله قال في كتابه: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ [الأنعام: ١٢٤]، وقد جعلها الله تعالى في العرب في محمد صلى الله عليه وسلم، فإذا كان محمد أطيب الخلق وأشرفهم لزم أن يكون جنس العرب أيش؟ أطيب الأجناس وأفضلها وأشرفها، وهو كذلك، وقد ثبت عن النبي عليه الصلاة السلام أنه قال: «خِيَارُكُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُكُمْ فِي الْإِسْلَامِ إِذَا فَقِهُوا» . فإن قال قائل: ما الجواب عن قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات: ١٣]؟ فالجواب: أن نقول: إن الجواب عن هذه الآية الكريمة: أن الله تعالى أراد أن يمحو ما كان أهل الجاهلية يعتادونه من الفخر بالأحساب حيث يقول: أنا من القبيلة الفلانية، أنا من قبيلة الفلانية، فبين الله أن هذه الشعوب والقبائل جعلها الله من أجل التعارف لا التفاخر، وأن فخركم لا يقربكم إلى الله، الذي يقربكم إلى الله هو التقوى إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ، وهذا لا ينافي أن يكون جنس العرب أفضل من غيرهم، كما حققه شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم، وأدلته ما سمعتم. ومن فوائد الآية الكريمة: ما ذكره بعض أهل العلم من أن الصالحين من البشر أفضل من الملائكة، قال: لقوله: عَلَى الْعَالَمِينَ، والملائكة عالم، فيكون المصطفون من هؤلاء أفضل من أيش؟ الطلبة: الملائكة. الشيخ: من الملائكة. واستدلوا بأدلة أخرى كأمر الله للملائكة بالسجود لآدم وغير ذلك، وعندي: أن البحث في هذه المسألة من فضول العلم؛ لأنه أي فائدة لنا إذا قلنا: إن فلانًا أفضل من جبريل أو جبريل أفضل من فلان؟ أو إن الصالحين من بني آدم أفضل من الملائكة أو الملائكة أفضل من الصالحين، نحن نعلم أن الملائكة مقربون عند الله يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ [الأنبياء: ٢٠]، وأنهم كرام وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ [الانفطار: ١٠، ١١]، كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ [عبس: ١١ - ١٦]، أما أنه أفضل من بني آدم من الصالحين من بني آدم أو الصالحون من بني آدم أفضل منهم، فهذا شيء لم نكلف به؛ ولذلك ما جاءت السنة بالتمييز بين هؤلاء وهؤلاء أو بالتفضيل، أعطت لهؤلاء فضلهم ولهؤلاء فضلهم، ولو كان هذا من الأمور التي لا بد من اعتقادها ولا يتم الإيمان إلا بها لكان الله ورسوله يبينه، ولكن إذا ابتلينا بمن يقول: بَيِّنْ أيهما أفضل؟ فنقول: العلماء في ذلك اختلفوا، وجمع شيخ الإسلام رحمه الله بين هذين القولين، فقال: إن الملائكة أفضل باعتبار البداية، وصالح البشر أفضل باعتبار النهاية، كيف هذا؟ قال: نعم؛ لأن النور أفضل من الطين، والملائكة خلقوا من النور من مادة مشعة مضيئة محبوبة بخلاف الطين، وأما في النهاية فإن الجنة تكون للصالحين من بني آدم ومن الجن على القول الراجح، وقد ذكر الله عز وجل أن الملائكة يدخلون على أهل الجنة من كل باب سلام عليكم بما صبرتم يهنئونهم ويبشرونهم. ومع ذلك فإني أرى أن الإمساك عن هذا أولى، وأن نعرف فضل الملائكة، ونعرف فضل الرسل الذين اصطفاهم الله من بني آدم، وأما أيهم أفضل، فهذا أمر لم نكلف به. طالب: (...) أن سبحانه الله وتعالى خلق الملائكة بلا شهوة، نور، عقل بلا شهوة، وخلق أيضًا شهوة بلا عقل، وخلق الإنسان من شهوة وعقل، إن غلب عقله على شهوته فهو أفضل من الملائكة، وإن غلبت شهوته على عقله فهو أفضل منهم، هل هذا له أصل؟ الشيخ: أبدًا، ما له أصل. الطالب: (...). الشيخ: إي نعم، صحيح بعض الناس يقول هكذا، ولكن نقول: من قال لك: إن الملائكة لا شهوة لهم؟ إن أردت بالشهوة يعني النكاح فهذا لا يكون للملائكة؛ لأن الملائكة صمد ولا يتزوجون ولا يأكلون ولا يشربون، وإن أردت بالشهوة ما الإرادة فلهم إرادة بلا شك، هم يريدون الخير ويسبحون الله ويمتثلون أمره. طالب: هل هذا حديث؟ الشيخ: لا أبدًا، هذا تصنيف من بعض الناس، جاز له هذا التقسيم إي نعم، أما الحيوان أيضًا، هو ما له عقل -الحيوان-؟ طالب: لها عقل. الشيخ: لها عقل بحسبها، تعرف اللي يضرها واللي ينفعها، تتقي من الشمس ومن البرد، تطلب الماء، تطلب الأكل، تحن على ولدها، لها عقل لكن بحسبها، لو كان لها عقل كعقل بني آدم كان إذا جاء يركبها تقول: روح وراك، صحيح، لكن الله ما جعل علقها كعقل البني آدم، جعل عقلها يناسبها. طالب: شيخ بالنسبة لقول (...) وارد على هذا يا شيخ أن العالمين اللي ورد ذكر لهم من بني البشر؛ لقوله تعالى: أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ [الشعراء: ١٦٥] أنهم ما كانوا يأتون البنات (...)؟ الشيخ: إيه، هذا سيأتينا ما وصلنا له. طالب: العلاقة يا شيخ بين هذه الآية والآية التي قبلها؟ الشيخ: ابتداء كلام، (...) بابتداء الكلام، ما نعرف العلاقة بين كل آية وأخرى. طالب: جزاك الله خير يا شيخ، بالنسبة لنظرية التطور في باقي الحيوانات هل هي صحيحة؟ الشيخ: لا. الطالب: الدليل؟ الشيخ: الدليل الواقع، ما عندنا غير الواقع، نحن نشوف هذه دجاجة وهذه بعير، وهذه بقرة وهذا حمار. الطالب: نظرية التطور يعني خاطئة؟ الشيخ: خاطئة نعم، من قالها؟ وأيش أصل الدجاجة؟ الطالب: طير. الشيخ: طير صغير، ثم كبر يمكن بعد عشر سنين تصير نعامة. طالب: من هم الآل يا شيخ؟ الشيخ: الآل هم من ينتمي إلى الشخص، وقد يطلق (الآل) على الأتباع، الأتباع مثل: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، أي: أتباعه، على القول الراجح. طالب: شيخ، نحن أبونا آدم عليه السلام من أبو الجن؟ الشيخ: أبو الجن الشيطان، أبو الجن هو الشيطان، قال الله تعالى: أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ [الكهف: ٥٠]. طالب: يحكى أن الشيطان أخذه الملائكة من الأرض ورفعوه معهم إلى السماء صغير؟ الشيخ: لا لا، هذه إسرائيلية، أصلًا الشيطان خلق من النار، والملائكة خلقوا من النور، خلقه من النار الله على كل شيء قدير مثل ما خلق البشر من الطين خلق الشيطان من النار. طالب: الجن فيه منهم مسلمين، كيف يكونوا أبناء لإبليس للشيطان؟ الشيخ: أليس من بني آدم من هو من أولاد شياطين الإنس؟ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ [الأنعام: ١١٢]، الإنس فيهم شياطين وإن كان أصلهم من التراب، على كل شيء قدير. طالب: ما ذكر من نسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى آدم هل هذا صحيح؟ الشيخ: المؤرخون يذكرون هذا، لكن روي عن ابن عباس -رضي الله عنه وعن أبيه- أنه إذا وصل إلى عدنان قال: كذب النسابون ، يعني أننا لا نعرف إلا إلى عدنان، وما عدا ذلك فالله أعلم به. طالب: شيخ، أقوى القولين في آل عمران هل هو أبو موسى أو أبو مريم؟ الشيخ: والله كل له وجه، كل قول له وجه، كما ذكرناه. طالب: شيخ، الأنعام هذه أليست منزلة من السماء؟ الشيخ: الأنعام؟ الطالب: إي نعم. الشيخ: ما في القرآن أنها نزلت من السماء أَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ [الزمر: ٦] بس. الطالب: تدل على أنها.. الشيخ: ما ندري، ما قيده الله، قال الله تعالى: يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا [الأعراف: ٢٦] من أين اللباس؟ من الأشجار، مصنوع من الأشجار من الأرض.


طالب: قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٥) فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٣٦) فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ [آل عمران: ٣٥ - ٣٧].

الشيخ: ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌفي هذه الآية: بيان أن البشر جنس واحد بعضهم من بعض؛ لقوله: ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ. ومن فوائدها: الرد على من زعم أن البشر متطور..