تفسيرسورة النبأ
جارٍ تجهيز الصوت
انقر أو اسحب على الموجة للانتقال، واستخدم الأسهم عند التركيز عليها
إعدادات
اختصارات لوحة المفاتيح
محتوى الدرس
تفسير الآيات (١-١١)
٠٠:٠٠:٠٣
نبتدئ هذه الجلسة بالحمد لله رب العالمين، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله الله تعالى بالهدى ودين الحق، فبلَّغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، فصلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله وأصحابه، ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. رأيت أن نستفتح جلساتنا بشيء من تفسير القرآن الكريم، وليكن ذلك من سورة النبأ؛ لأن هذه السور كثيرًا ما تُقْرَأ في الصلوات المغرب والعشاء، فنبدأ أولًا بسورة النبأ.
قال الله عز وجل: عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (٢) الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ، يعني: عَمَّ يتساءل هؤلاء، ثم أجاب الله عز وجل هذا السؤال، فقال: عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (٢) الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ [النبأ: ١ - ٣]، وهذا النبأ هو ما جاء به النبي صلى الله عليه وآله وسلم من البينات والهدى، ولا سيما ما جاء به من الأخبار عن اليوم الآخر والبعث والجزاء. وقد اختلف الناس في هذا النبأ الذي جاء به النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ فمنهم مَن آمن به وصدَّق، ومنهم مَن كفر به وكذَّب، فبيَّن الله أن هؤلاء الذين كذَّبوا سيعلمون، سيعلمون ما كذَّبوا به عِلْمَ اليقين، وذلك إذا رأوا يوم القيامة، يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ [الأعراف: ٥٣]، ولهذا قال هنا: كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (٤) ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ [النبأ: ٤، ٥]، والجملة الثانية توكيدٌ للأولى من حيث المعنى، وإن كانت ليست توكيدًا باعتبار اصطلاح النحويين؛ لأنه فُصِل بينها وبين التي قبلها بحرف العطف، والتوكيد لا يُفصَل بينه وبين مؤكَّده بشيء من الحروف. والمراد بالعلم الذي توعَّدَهم الله به هو علم اليقين الذي يشاهدونه على حسب ما أُخْبِرُوا به، ثم بيَّن الله تعالى نِعَمَه على عباده ليقرِّر هذه النعم فيلزمهم شكرها، فقال: أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (٦) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (٧) وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا (٨) وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا [النبأ: ٦ - ٩] إلى آخره. فالأرض جعلها الله تعالى مِهادًا مُمَهَّدَة للخلق، ليست بالصلبة التي لا يستطيعون حرثها، ولا المشي عليها إلا بصعوبة، وليست باللينة الرخوة التي لا ينتفعون بها، ولكنها مُمَهَّدَة لهم على حسب مصالحهم، وعلى حسب ما ينتفعون به. أما الجبال فجعلها الله تعالى أوتادًا بمنزلة الوتد للخيمة، حيث يثبتها فتثبت به، وهو أيضًا ثابت، كما قال تعالى: وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا [فصلت: ١٠]. وهذه الأوتاد قال علماء الأرض: إن هذه الجبال بها جذور راسخة في الأرض كما يرسخ جذر الوتد بالجدار، ولذلك تجدها صلبة قوية لا تزعزعها الرياح، وهذا من تمام قدرته ونعمته.
وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًاأي: أصنافًا؛ ما بين ذكر وأنثى، وصغير وكبير، وأسود وأحمر، وشقي وسعيد، إلى غير ذلك مما يختلف الناس فيه، فهم أزواج مختلفون على حسب ما أراده الله عز وجل واقتضته الحكمة، ليعتبر الناس بقدرة الله تعالى، وأنه قادر على أن يجعل هذا البشر الذين خُلِقُوا من مادة واحدة ومن أبٍ واحد على هذه الأصناف المتنوعة المتباينة. وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا [النبأ: ١٠] أي: قاطعًا للتعب، فالنوم يقطع ما سبقه من التعب، ويستجدّ به الإنسان نشاطًا للمستقبل، ولذلك تجد الرجل إذا تعب ثم نام استراح وتجدَّد نشاطه، وهذا من النعمة، وهو في نفس الوقت من آيات الله، كما قال تعالى: وَمِنْ آَيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ [الروم: ٢٣].
وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًاأي: جعل الله هذا الليل على الأرض بمنزلة اللباس، كأن الأرض تلبسه، ويكون جلبابًا لها، وهذا لا يعرفه تمام المعرفة إلا إذا صعد فوق ظِلّ الأرض، وقد رأينا ذلك من الآيات العجيبة، إذا صعدتَ في الطائرة وارتفعت وقد غابت الشمس عن سطح الأرض، ثم تبينت لك الشمس بعد أن ترتفع تجد الأرض وكأنما كُسِيَت بلباس أسود، لا ترى شيئًا كله سواد اللي تحتك، فيتبين بهذا قوله تعالى: وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا. أما النهار فجعله معاشًا يعيش الناس فيه في طلب الرزق على حسب درجاتهم وعلى حسب أحوالهم، وهذا من نعمة الله سبحانه وتعالى على العباد.
ولنقتصر على هذا الجزء من هذه السورة، ونسأل الله تعالى أن ينفع به، وأن يجعلنا وإياكم من أهل القرآن الذين هم أهل الله وخاصته، وأن يجعلنا ممن قرأ وانتفع، إنه جواد كريم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
تفسير الآيات (١٢-١٦)
٠٠:٠٨:٢٥
وقد رأينا أننا نبدأ بتفسير جزء (عم)، وأخذنا أول سورة (عم) في الدرس الماضي إلى قوله تعالى: وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا [النبأ: ١٠، ١١].
ثم قال تعالى: وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا [النبأ: ١٢]، وهي السماوات السبع، وصفها الله تعالى بالشِّداد؛ لأنها قوية، كما قال تعالى: وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ [الذاريات: ٤٧] أي: بنيناها بقوَّة. وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (١٢) وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا [النبأ: ١٢، ١٣] يعني بذلك الشمس، فهي سراج مضيء، وهي أيضًا ذات حرارة عظيمة، وَهَّاجًاأي: وقَّادًا، وحرارتها كما تشاهدون في أيام الصيف حرارة شديدة مع بُعْدِها الساحق عن الأرض، فما ظنك بما يقرب منها، ثم إنها تكون في أيام الحر من شدة حرها من فَيْحِ جهنم، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ، فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ»، وقال عليه الصلاة والسلام: «اشْتَكَتِ النَّارُ إِلَى اللهِ، فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ، نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ، وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ، فَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الزَّمْهَرِيرِ –يعني: من البرد مِنْ زَمْهَرِيرِ جَهَنَّمَ، نعوذ بالله منها- وَأَشَدُّ مَا يَكُونُ مِنَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ» .
ومع ذلك فإن فيها مصلحة عظيمة للخلق، فهي توفر على الخلق أموالًا عظيمة، في النهار حيث يستغني الناس بها عن إيقاد الأنوار، وكذلك الطاقة التي تُسْتَخْرَج منها تكون فيها فوائد كبيرة، وكذلك إنضاج الثمار، وغير هذا من الفوائد العديدة من هذه السراج التي جعلها الله عز وجل لعباده. ولما ذَكَرَ السراج الوهَّاج الذي به الحرارة واليبوسة ذكر ما يقابل ذلك فقال: وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا [النبأ: ١٤]، والماء فيه الرطوبة وفيه البرودة، وهذا الماء أيضًا تنبت به الأرض وتحيا به الأرض، فإذا انضاف إلى هذا ماء السماء، وحرارة الشمس حصل في هذا إنضاج للثمار، ونُمُوّ لها على أكمل ما يكون.
وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِيعني: من السحاب، ووصفها الله بأنها معصرات كأنما تعصر هذا الماء عند نزوله عصرًا كما يُعْصَر اللبن من الضرع. وقوله: مَاءً ثَجَّاجًاأي: كثير التدفق واسعًا. لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا (١٥) وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا [النبأ: ١٥، ١٦] لنخرج بهذا الماء الذي ينزل من السماء إلى الأرض فتنبت الأرض، فيُخْرِج الله به الحب بجميع أصنافه وأنواعه من البُرّ والشعير والذرة وغيرها. وَنَبَاتًا: من الثمار كالتين والعنب وما أشبهه. وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا، أي: بساتين ملتفًّا بعضها إلى بعض، من كثرتها وحُسْنِها وبهائها. ولما ذكر الله ما أنعم الله به على العباد ذكر حال اليوم الآخر، وأنه ميقات يجمع الله فيه الأولين والآخرين، وسيأتي إن شاء الله الكلام عليه في جلسة أخرى، يسَّر الله لنا ولكم العلم النافع والعمل الصالح، وأن يجعل عملنا خالصًا لله موافقًا لمرضاته.
آخر آية تكلمنا عليها الأسبوع الماضي هي قوله تعالى: وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (١٢) وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا (١٣) وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًاإلى آخر السورة إن تَيَسَّرَ أن نتكلم عنها اليوم. يقول الله عز وجل: وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًاأي: قوية متينة، وهي السماوات السبع، وقد جاء ذِكْر السماوات مقيَّدة بالسبع في القرآن الكريم في قوله تعالى: قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ [المؤمنون: ٨٦]. أما الأَرَضُون فجاءت مقيَّدة بهذا العدد في السنة، مثل قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ ظُلْمًا طَوَّقَهُ اللهُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ» .
وجاءت في القرآن الكريم مقيَّدة بهذا العدد على وجه الإشارة، في قوله تعالى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ [الطلاق: ١٢]. فقوله: وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّلا يتأتى فيه إلا المماثلة في العدد؛ لأن المماثلة في الكيفية متعذِّرة؛ إذ إن هناك فرقًا بين السماوات والأرض في الكيفية والصفة والسعة والقوة، فتعيَّن أن يكون المراد مثلهن في العدد. ثم (...): فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (١٢) وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا، وهي هذه الشمس؛ فإنها سراج الأرض، ووهج: شديدة الحرارة، ودليل ذلك أننا نحس بحرارتها وبيننا وبينها هذه المسافة العظيمة، ولا سيما في أيام الصيف إذا كانت قريبة من الرؤوس عمودية فوقنا. ولا يخفى على أهل العلم بطبائع النبات والبحار والصحاري ما يكون من الفائدة العظيمة في هذه الحرارة على الأعيان وعلى الصفات، ولهذا أكَّد الله عز وجل ذلك بقوله: وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًاأي: ذا تَوَهُّج. وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا، الْمُعْصِرَاتِهي: السحب، وسُمِّيَت معصرات؛ لأنها بمنزلة الذي يعصر الماء من الثوب، فإن هذا الماء يتخلَّل هذا السحاب ويخرج منه كما يخرج الماء من الثوب المعصور. قال الله تعالى: اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ [الروم: ٤٨]. قوله: ثَجَّاجًا، أي: كثير الثَّجّ، يعني: الانهمار، وذلك لغزارته وقوته حتى يروي الأرض. لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا (١٥) وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا، الحب والنبات هو الزروع، وهو النبات الذي ليس له ساق.
وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًاهي الأشجار التي لها ساق، فيخرج من هذا الماء الثجاج الزروع والنخيل والأعناب وغيرها، سواء خرج منه مباشرة، أو خرج منه بواسطة استخراج الماء من باطن الأرض؛ لأن الماء الذي في باطن الأرض هو من المطر كما قال تعالى: فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ [الحجر: ٢٢]، وقال تعالى في آية أخرى: فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ [الزمر: ٢١]. وقوله: أَلْفَافًاأي: مُلْتَفَّة بعضها إلى بعض، حتى إنها لتستر مَن فيها لكثرتها، والتفاف بعضها إلى بعض.
تفسير الآيات (١٧-٢٠)
٠٠:١٨:١٥
ثم قال تعالى: إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا [النبأ: ١٧] وهو يوم القيامة، وسُمِّيَ يوم فصل؛ لأن الله يفصل فيه بين العباد فيما شجر بينهم، وفيما كانوا يختلفون فيه، فيفصل بين أهل الحق وأهل الباطل، وأهل الكفر وأهل الإيمان، وأهل العدوان وأهل الاعتدال، ويفصل فيه أيضًا بين أهل الجنة والنار، فريق في الجنة وفريق في السعير. وكَانَ مِيقَاتًايعني موقوتًا لأجل معدود، كما قال تعالى: وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ [هود: ١٠٤]، وما ظنك بشيء له أجل معدود وأنت ترى الأجل كيف يذهب سريعًا يومًا بعد يوم حتى ينتهي الإنسان إلى آخر مرحلة، فكذلك الدنيا كلها تسير يومًا بعد يوم حتى تنتهي إلى آخر مرحلة، ولهذا قال تعالى: وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ، وكل شيء معدود فإنه ينتهي. يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا [النبأ: ١٨]، والنافخ فيها إسرافيل، مُوَكَّل فيها، ينفخ فيها نفختين؛ الأولى: يفزع الناس ثم يصعقون فيموتون، والثانية: يُبْعَثُون من قبورهم تعود إليهم أرواحهم، ولهذا قال هنا: يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا، وفي الآية -كما لا يخفى- إيجاز بالحذف، أي: فتَحْيَوْن فتأتون أفواجًا، فوجًا مع فوج، أو يتلو فوجًا، وهذه الأفواج -والله أعلم- بحسب الأمم، كل أمة تُدْعَى إلى كتابها لتحاسَب عليه، فيأتي الناس أفواجًا في هذا الموقف العظيم الذي تُسَوَّى فيه الأرض فيذرُها الله عز وجل قاعًا صفصفًا لا ترى فيها عوجًا ولا أمتًا. وفي هذا اليوم يقول الله عز وجل: وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا [النبأ: ١٩]، فُتِحَت وانفرجت فتكون أبوابًا يشاهدها الناس، بعد أن كانت الآن سقفًا محفوظًا تكون في ذلك اليوم أبوابًا مفتوحة، وفي هذا دليل على كمال قدرة الله عز وجل؛ أن هذه السبع الشداد يجعلها الله تعالى يوم القيامة كأن لم تكن، تكون أبوابًا، يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ (٨) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ (٩) وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا (١٠) يُبَصَّرُونَهُمْ [المعارج: ٨-١١]. وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا [النبأ: ٢٠] أي إنَّ الجبال العظيمة الصماء تُدَكّ فتكون كالرمل، ثم تكون كالسراب تسير، وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا. ثم قال تعالى: إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا [النبأ: ٢١]. وندع ذلك للأسبوع القادم إن شاء الله تعالى.
تفسير الآيات (٢٤-٣٠)
٠٠:٢٢:٠٣
نتمم ما نحن سائرون فيه من التفسير، وقد تكلمنا على قوله تعالى في سورة النبأ عن الطاغين، وأن جهنم كانت مآبهم، وأنهم لابثون فيها أحقابًا، لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (٢٤) إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا [النبأ: ٢٤، ٢٥].
تكلمنا على قوله: لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا، وقلنا: إن الله سبحانه وتعالى نفى عنهم البرد الذي تبرد به ظواهر أبدانهم، والشراب الذي تبرد به أجوافهم. ثم قال تعالى: إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا، وهذا الاستثناء منقطع عند النحويين؛ لأن المستثنى ليس من جنس المستثنى منه، والمعنى: ليس لهم إلا هذا الحميم، وهو الماء الحار المنتهي في الحرارة، إلى ما ذكرناه سابقًا بأنهم يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ [الكهف: ٢٩]، وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ [محمد: ١٥]. وَغَسَّاقًاقال المفسرون: إن الغسّاق هو شراب مُنْتِن الرائحة شديد البرودة، فيُجْمَع لهم -والعياذ بالله- بين الماء الحار الشديد الحرارة، والماء البارد الشديد البرودة؛ ليذوقوا العذاب من الناحيتين: من ناحية الحرارة، ومن ناحية البرودة، بل إن بعض أهل التفسير قالوا: إن المراد بالغسّاق صديد أهل النار، وما يخرج من أجوافهم من النتن والعَرَق وغير ذلك.
وعلى كل حال فالآية الكريمة تدل على أنهم لا يذوقون إلا هذا الشراب الذي يُقَطِّع أمعاءهم من حرارته، ويفطِّر أكبادهم من برودته، نسأل الله العافية، وإذا اجتمعت هذه الأنواع من العذاب كان ذلك زيادة في إضعاف العذاب عليهم. ثم قال تعالى: جَزَاءً وِفَاقًا [النبأ: ٢٦]، أي: يُجْزَوْنَ بذلك جزاءً موافقًا لأعمالهم من غير أن يُظْلَمُوا، قال الله تبارك وتعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [يونس: ٤٤]، فهذا الجزاء موافق مطابق لأعمالهم.
ثم بَيَّنَ وجه الموافقة، أي: موافقة هذا العذاب للأعمال فقال: إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا (٢٧) وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا كِذَّابًا [النبأ: ٢٧، ٢٨]، فذكر انحرافهم في العقيدة وانحرافهم في القول. إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًاأي: لا يُؤَمّلُون أن يحاسبوا، بل ينكرون الحساب، ينكرون البعث، يقولون: مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ [الجاثية: ٢٤]، فلا يَرْجُون حسابًا يحاسَبُون به؛ لأنهم ينكرون ذلك، هذه عقيدة قلوبهم. أما ألسنتهم فيُكَذِّبُون، يقولون: هذا كذب، هذا سحر، هذا جنون، وما أشبه ذلك، كما تقرؤون في كتاب الله ما يصف به هؤلاء المكذِّبُون رسلَ الله، كما قال عز وجل: كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ [الذاريات: ٥٢]. وقال الله تعالى عن المكذِّبين لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم: وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ [ص: ٤]، وقالوا: إنه شاعر: أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ [الطور: ٣٠]، وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (٦) لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ [الحجر: ٦، ٧]. ولولا أن الله ثَبَّتَ أقدام الرسل وصبَّرهم على قومهم ما صبروا على هذا الأمر، ثم إن قومهم المكذِّبِين لهم لم يقتصروا على هذا، بل آذوهم بالفعل كما فعلوا مع الرسول عليه الصلاة والسلام من الأذية العظيمة، بل آذوهم بحمل السلاح عليهم، فمن كانت هذه حاله فجزاؤه جهنم جزاءً موافقًا مطابقًا لعمله، كما في هذه الآية الكريمة: جَزَاءً وِفَاقًا (٢٦) إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا (٢٧) وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا كِذَّابًا. وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا [النبأ: ٢٩]، كُلَّ شَيْءٍيشمل ما يفعله الله عز وجل من الخلق والتدبير في الكون، ويشمل ما يعمله العباد من أقوال وأفعال، ويشمل كل صغير وكبير، كُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًاأي: ضبطناه بالإحصاء الدقيق الذي لا يختلف.
كِتَابًايعني: كَتْبًا، وقد ثبت في الحديث الصحيح أن الله تعالى كتب مقادير كل شيء إلى أن تقوم الساعة ، ومن جملة ذلك أعمال بني آدم فإنها مكتوبة، بل كل قول يُكْتَب، قال الله تعالى: مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق: ١٨]، رَقِيبٌيعني: مراقب، والعتيد يعني: الحاضر. ودخل رجل على الإمام أحمد رحمه الله وهو مريض يئن من مرضه، فقال له: يا أبا عبد الله إن طاووسًا -وهو أحد التابعين المشهورين- يقول: إن أَنِينَ المريض يُكْتَب، فتوقَّف رحمه الله عن الأنين خوفًا من أن يُكْتَب عليه أنين مرضه، فكيف بأقوال لساننا التي لا حدّ لها ولا ممسك لها، ألفاظ تترى طول الليل والنهار ولا نحسب لها الحساب -نسأل الله أن يعاملنا وإياكم بعفوه-. كل شيء يُكْتَب، حتى الهم يُكْتَب إما لك وإما عليك، مَن هَمَّ بالسيئة فلم يعملها عاجزًا عنها فإنها تُكْتَب عليه، وإن هَمَّ بها وتركها لله فإنها تُكْتَب له، فلا يضيع شيء، كُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا. فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا [النبأ: ٣٠]، هذا الأمر للإهانة والتوبيخ، يعني: يقال لأهل النار: ذُوقُوا العذاب إهانةً وتوبيخًا فلن نزيدكم إلا عذابًا، ولن نُخَفِّف عنكم، بل ولا نُبْقِيكم على ما أنتم عليه، لا نزيدكم إلا عذابًا في قوته ومدته ونوعه، وقد قرأتم في آية أخرى أنهم يقولون لخزنة جهنم: ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ [غافر: ٤٩]، تأمل هذه الكلمة من عدة أوجه؛ أولًا: أنهم لم يسألوا الله سبحانه وتعالى، وإنما طلبوا من خزنة جهنم أن يدعوا لهم، لماذا؟ لأن الله قال لهم: اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ [المؤمنون: ١٠٨]، فرأوا أنفسهم أنهم ليسوا أهلًا لأن يسألوا الله ويدعوه، بل بواسطة. ثم قالوا: ادْعُوا رَبَّكُمْولم يقولوا: ادعوا ربنا؛ لأن وجوههم وقلوبهم لا تستطيع أن تتحدث أو أن تتكلم بإضافة ربوبية الله لهم، أي: بأن يقولوا: ربنا، عندهم من العار والخزي ما يَرَوْنَ أنهم ليسوا أهلًا لأن تضاف ربوبية الله إليهم، بل قالوا: رَبَّكُمْ. ثم انظروا أنهم لم يقولوا: يرفع عنا العذاب، قالوا: يُخَفِّفْ؛ لأنهم آيِسُون -نعوذ بالله-، آيِسُون من أن يُرْفَع عنهم. ثم انظروا أيضًا هل قالوا: يخفف عنا العذاب دائمًا؟ قالوا: يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ، يومًا واحدًا، يتبين لكم إذا تصورتم هذه الحال ما هم عليه من العذاب والهوان والذل، وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ [الشورى: ٤٥]، أعاذنا الله وإياكم منها.
ذكر الله عز وجل ما للمتقين من النعيم؛ لأن القرآن مثاني إذا ذُكِرَ فيه العقاب ذُكِرَ فيه الثواب، وإذا ذُكِرَ الثواب ذُكِرَ العقاب، وإذا ذُكِرَ أهل الخير ذُكِرَ أهل الشر، وإذا ذُكِرَ الحق ذُكِرَ الباطل، مثاني، حتى يكون سير الإنسان إلى ربه بين الخوف وأيش؟ والرجاء؛ لأنه إن غَلَبَ عليه الرجاء وقع في الأمن من مكر الله، وإن غلب عليه الخوف وقع في القنوط من رحمة الله، وكلاهما من كبائر الذنوب، كلاهما شر، لا الأمن من مكر الله، ولا القنوط من رحمة الله، لذلك تجدون القرآن يأتي بهذا وبهذا، ولئلا تَمَلَّ النفوس من ذِكْر حال واحدة والإسهاب فيها دون ما يقابلها، وهذا من بلاغة القرآن الكريم. ونقف إلى هذا الحد، ونسأل الله تعالى أن يجعله لقاءً مباركًا نافعًا.
تفسير الآيات (٣١-٤٠)
٠٠:٣٣:٤٣
نستمر في تفسير سورة النبأ حيث وقفنا على قول الله تعالى: إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا (٣١) حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا (٣٢) وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا [النبأ: ٣١ - ٣٣] إلى آخر ما ذكر الله عز وجل، هذه الآيات جاءت بعد قوله: إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا (٢١) لِلطَّاغِينَ مَآَبًا، وذلك أن القرآن مثاني تُثَنَّى فيه الأمور، إذا ذُكِرَ فيه الثواب ذُكِرَ العقاب، وإذا ذُكِرَ العقاب ذُكِرَ الثواب، وإذا ذُكِرَت صفات المؤمنين ذُكِرَت صفات الكافرين، وهكذا، لأجل أن يكون الإنسان حين يقرأ القرآن راغبًا راهبًا، إذا قرأ ما فيه الثواب للمؤمنين رغب ورجَا وأَمَّلَ، وإذا قرأ ما فيه عقاب الكافرين خاف، فيكون سائرًا إلى الله تعالى بين الخوف والرجاء، لا يأمن مكر الله، ولا ييأس من رحمة الله. قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: ينبغي أن يكون الإنسان في عبادته لربه بين الخوف والرجاء، فأيهما غلب هلك صاحبه. يقول عز وجل: إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا، والمتقون هم الذين اتَّقَوْا عقاب الله، وذلك بفعل أوامر الله واجتناب نواهيه، أحيانًا يأمر الله بتقواه، وأحيانًا يأمر بتقوى يوم الحساب، وأحيانًا يأمر بتقوى النار، قال الله تعالى: وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٣٠) وَاتَّقُوا النَّارَ [آل عمران: ١٣٠، ١٣١]، فجمع بين الأمر بتقواه والأمر بتقوى النار، وقال تعالى: وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ [البقرة: ٢٨١]، فأمر بتقوى يوم الحساب. وكل هذا يدور على معنى واحد وهو أن يتقي الإنسان محارم ربه، فيقوم بطاعته وينتهي عن معصيته، فالمتقون هم الذين قاموا بأوامر الله واجتنبوا نواهي الله، هؤلاء لهم مفاز، والمفاز هو مكان الفوز وزمان الفوز أيضًا، فهم فائزون في أمكنتهم، وفائزون في أيامهم. يقول عز وجل: حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا، هذا نوع المفاز، حَدَائِقَأي: بساتين عظيمة الأشجار، كثيرة الأشجار، منوعة الأشجار. وَأَعْنَابًاالأعناب جمع عنب، وهي من جملة الحدائق، لكنه خَصَّهَا بالذِّكْر. وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًاالكواعب جمع كاعب، وهي التي تَبَيَّن ثديها ولم يتدلَّ، بل برز وظهر كالكعب، وهذا أكمل ما يكون في جمال الصدر. وأَتْرَابًاأي: على سِنٍّ واحدة لا تختلف إحداهن عن الأخرى كِبَرًا كما في نساء الدنيا؛ لأنها لو اختلفت إحداهن عن الأخرى كِبَرًا فربما تختل الموازنة بينهما، وربما تكون إحداهما محزونة إذا لم تساوِ الأخرى، لكنهن أتراب.
وَكَأْسًا دِهَاقًا [النبأ: ٣٤] أي: كأسًا ممتلئة، والمراد بالكأس هنا كأس الخمر، وربما يكون للخمر وغيره؛ لأن الجنة فيها أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آَسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى [محمد: ١٥]، الكأس الدهاق يعني المملوءة من الخمر، وربما يكون من الخمر وغيره. لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا [النبأ: ٣٥] لا يسمعون في الجنة لغوًا، أي: كلامًا باطلًا لا خير فيه، وَلَا كِذَّابًاأي: ولا كذبًا فلا يَكْذِبُون، ولا يُكَذِّب بعضهم بعضًا؛ لأنهم على سُرُر متقابلين، قد نزع الله ما في صدورهم من غِلٍّ وجعلهم أخوانًا. جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا [النبأ: ٣٦] أي أنهم يُجْزَوْنَ بهذا جزاءً من الله سبحانه وتعالى على أعمالهم الحسنة التي عملوها في الدنيا، واتقوا بها محارم الله.
وقوله عز وجل: حِسَابًاأي: كافيًا، مأخوذة من الْحَسْب وهو الكفاية، أي أن هذا الكأس كأس كافٍ لا يحتاجون معه إلى غيره لكمال لذته وتمام منفعته. ثم قال عز وجل: رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ [النبأ: ٣٧]، فالله سبحانه وتعالى هو رب كل شيء، قال الله تعالى: إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ [النمل: ٩١]، فهو رب السماوات السبع الطباق، ورب الأرض، وهي سبع، كما ثبت ذلك في السنة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وَمَا بَيْنَهُمَاأي: ما بين السماوات والأرض من المخلوقات العظيمة، كالغيوم والسُّحُب والأفلاك وغيرها مما نعلمه، ومما لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى. وقوله: لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا (٣٧) يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ [النبأ: ٣٧، ٣٨] يعني أن الناس لا يملكون الخطاب من الله، ولا يستطيع أحد أن يتكلم إلا بإذن الله، وذلك يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُوهو جبريل، وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّاأي: صفوفًا، صفًّا بعد صف؛ لأنه كما جاء في الحديث: «تَنْزِلُ مَلَائِكَةُ السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَتُحِيطُ بِالْخَلْقِ، ثُمَّ مَلَائِكَةُ السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ مِنْ وَرَائِهِمْ، ثُمَّ الثَّالِثَةُ وَالرَّابِعَةُ وَالْخَامِسَةُ» وهكذا، صفوفًا لا يعلم عددهم إلا الذي خلقهم سبحانه وتعالى. يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًاأي: لا يتكلمون ملائكة ولا غيرهم، كما قال تعالى: وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا [طه: ١٠٨]. إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُبالكلام، فإنه يتكلم كما أُذِنَ له. وَقَالَ صَوَابًاأي: قال قولًا صوابًا موافقًا لمرضاة الله سبحانه وتعالى، وذلك بالشفاعة، إذا أَذِنَ الله لأحد يشفع شَفَعَ فيما أَذِنَ له فيه على حسب ما أُذِنَ له. قال الله تعالى: ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ [النبأ: ٣٩] أي: ذلك الذي أخبرناكم عنه هو اليوم الحق، والحق ضد الباطل، أي: الثابت الذي يقوم فيه الحق، ويقوم فيه العدل، يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء: ٨٨، ٨٩]، أعانني الله وإياكم على ذلك اليوم. فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآَبًاأي: مَن شاء عمل عملًا يؤوب به إلى الله، ويرجع به إلى الله، وذلك العمل الصالح الموافق لمرضاة الله تعالى. وقوله: فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآَبًاقيَّدَتْها آية أخرى، وهي قوله تعالى: لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [التكوير: ٢٨، ٢٩]، يعني أننا لنا الخيار فيما نذهب إليه، لا أحد يُكْرِهُنا على شيء، لكن مع ذلك خيارنا وإرادتنا ومشيئتنا راجعة إلى الله، وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ، وإنما بيَّن الله ذلك في كتابه من أجل ألَّا يعتمد الإنسان على نفسه وعلى مشيئته، بل يعلم أنها مرتبطة بمشيئة الله، حتى يلجأ إلى الله في سؤال الهداية لِمَا يُحِبّ ويرضى، لا يقول الإنسان: أنا حُرّ، أريد كما شئت وأتصرف كما شئت، نقول: الأمر كذلك، لكنك مربوط بإرادة الله عز وجل. ثم قال تعالى: إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا [النبأ: ٤٠] أي: خَوَّفْنَاكُم من عذاب قريب، وهو يوم القيامة، يوم القيامة في الحقيقة يا إخواننا قريب، ولو بَقِيَت الدنيا ملايين السنين فإنه قريب، كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا [النازعات: ٤٦]، فهذا العذاب الذي أَنْذَرَنَا الله قريب، ليس بين الإنسان وبينه إلا أن يموت، والإنسان لا يدري متى يموت، قد يصبح ولا يمسي، أو يمسي ولا يصبح، ولهذا كان علينا أن نحزم في أعمالنا، وأن نستغل الفرصة قبل فوات الأوان. يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ، الْمَرْءُأي: كل امرئ، ينظر ما قدَّمَت يداه، ويكون بين يديه ويُعْطَى كتابه، ويقال: اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا [الإسراء: ١٤].
ويقول الكافر من شدة ما يرى من الهول وما يشاهده من العذاب يقول: يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًاأي: ليتني لم أُخْلَق، أو ليتني لم أُبْعَث، أو إذا رأى البهائم التي يقضي الله بينها ثم يقول: كوني ترابًا، فتكون ترابًا، يتمنى أن يكون مثل البهائم. فقوله: كُنْتُ تُرَابًاتحتمل ثلاثة معانٍ؛ المعنى الأول: يا ليتني كنت ترابًا فلم أُخْلَق؛ لأن الإنسان خُلِقَ من تراب. المعنى الثاني: يا ليتني كنت ترابًا فلم أُبْعَث، يعني: كنت ترابًا في أجواف القبور. أو المعنى الثالث: أنه إذا رأى البهائم التي قضى الله بينها وقال لها: كوني ترابًا، فكانت ترابًا، قال: ليتني كنت ترابًا، أي: كما كانت هذه البهائم، والله أعلم. وإلى هنا تنتهي سورة النبأ، وفيها من المواعظ والحِكَم وآيات الله عز وجل ما يكون مُوجِبًا للإيقان والإيمان، نسأل الله أن ينفعنا وإياكم بكتابه، وأن يجعله موعظة لقلوبنا، وشفاء لما في صدورنا، إنه جواد كريم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.